ثمار الأوراق

ثمار الأوراق

منتدى تعليمي، يهتم بنشر العلوم العربية والشرعية والتاريخ الإسلامي وكل شيء نافع.


    حرب العصابات

    شاطر
    avatar
    أحمد
    إدارة ثمار الأوراق
    إدارة ثمار الأوراق

    عدد الرسائل : 16785
    الموقع : القاهرة
    نقاط : 38844
    تاريخ التسجيل : 17/09/2008

    حرب العصابات

    مُساهمة من طرف أحمد في الأحد مارس 29, 2015 10:34 pm

    29 مارس,2015
    (إنها الثغرة الخبيثة في جسد الدول الحديثة).

    هكّذا بتصرف وصف الخبير العسكري “روبرت تابر” حروب المستضعفين. تلك الحروب التي وصِمت قديمًا وحديثًا بأنها أخطر الأسلحة في وجه الأنظمة والحكومات المستبدة، ومعول الهدم في كيان الديكتاتوريات، والعصا السحرية التي تجعل من مقومات ومرتكزات العدو أو الديكتاتور أو أي سلطة قمعية وبالًا عليهم، وتحيل نقاط ضعفه الغائبة عن الأنظار إلى مرتكزات للقوى ومنطلقات للنصر في يد المستضعفين والمضطهدين.

    إلا إن هذه الحروب وكأي نظرية أو علم كما عرفناها في المقال السابق (دليلك إلى حرب العصابات 1)، ليست خطوات جزافية أو ردات فعل عبثية يطلقها مجموعة من الموتورين دون تروٍ أو بينة أو دراسة للواقع، بل إن هذه الحروب خاصة لها أبعاد وأهداف محددة ووسائل معينة وتكتيكات خاصة وجب على كل الثائرين في وجه الظالمين أخذها في عين الاعتبار، بل ودراستها دراسة وافية ثم تطبيقها طبقًا للأوضاع والظروف التي يفرضها الواقع الذي يلتمسه ويعيشه جيدًا حاملو لواء التحرر والكفاح في وجه الظالمين.

    فما هي بيئات الجاريلا؟ وما هي مراحلها؟ وأهدافها؟ ووسائلها؟

    هذا ما سنتعرض له بإيجاز شديد في هذه المقال.

    بيئات حروب العصابات:

    اختيار البيئة التي تُشن فيها حرب العصابات بعناية فائقة وحرص شديد من أهم مقاومات وعوامل النجاح التي يتحراها رجال العصابات، وعلى أساس اختياراتهم توضع الخطط والتكتيكات التي تكاد تختلف اختلافًا تامًا عن كل بيئة على حدة، نجمل أنواع تلك البيئات التي اتفق عليها اثنان من أشهر إعلام حروب العصابات وهما “موشى ديان” وزير الدفاع الإسرائيلي السابق، والمناضل “تشي جيفارا” وهي كالآتي:

    1- البيئة الصحراوية: وهي أصعبها وأكثرها كلفة على رجال العصابات، ومن أندر البيئات التي تم فيها تجارب لحرب العصابات، وذلك لأن البيئة الصحراوية تعتمد في استراتيجية الحرب فيها على المواجهة المفتوحة، وهي تبعد كثيرًا عن استراتيجيات حروب العصابات التي تتجنب دومًا المواجهات المفتوحة مع العدو.

    2- البيئة الريفية: وهي من أشهر البيئات وأكثرها ملائمة في حروب المستضعفين، وأفضلها بالنسبة لرجال العصابات من حيث التموين والتخفي والحشد الشعبي، وقد اعتمدت عليها التجربة الكوبية الشهيرة في مواجهة عدوها، واستطاع المناضلان “فلديل كاسترو” و”تشي جيفارا” استثمار هذه البيئة في تأجيج الحالة النفسية للفلاح، وكسب أنصار وتموين وتسليح ساهم في استمرار الحرب حتى النصر.

    3- بيئة الأدغال والغابات والمستنقعات: هي أفضل البيئات لرجال العصابات في كسر سلاح الجو لدى الجيش النظامي الصائل، كما أن هذه البيئة تعتبر من البيئات شديدة الصعوبة على الجيش النظامي من حيث الهجوم البري لضعف تدريبه على ذلك، ولصعوبة كشف الكمائن والتخفي الذي يحسنه جيدًا رجل العصابات في الأدغال والغابات.

    4- بيئة الجبال والسهول: أفضلها وأشدها نجاحًا لدى رجل العصابات وبالأخص في كسر حدة الهجوم البري المزود بالمصفحات والدبابات، وذلك لوعورة الطريق وسهولة استطلاع وكشف المنطقة التي تحيط بالجبال من قبل رجل العصابات، ويستطيع تنفيذ وسائله بسهولة ويسر التي أحسن التدرب عليها في مثل هذه المناطق الوعرة.

    5- المدن الكبرى: أدقها تكتيكًا وأكثرها تعقيدًا، ولكنها أفضل البيئات التي يستطيع فيها رجال العصابات أن يشلوا حركة الجيش النظامي كاملًا، ويكبدوه خسائر فاضحة، ويظهروه لدى سكان المناطق المأهولة بأنه أكثر دموية وتعدي على حقوقهم وحرياتهم، فيكتسب بذلك رجل العصابات توسيع حاضنته الشعبية، وهي أحد أهدافه الاستراتيجية.

    المراحل الثلاثة لحروب العصابات:

    تمر حروب المستضعفين بمراحل محددة وواضحة ومدروسة، ويتم التنقل بينها باستراتيجية محددة وليست عبثية، وأي خروق لحالة التنقل السلس بين هذه المراحل يصيب حروب العصابات في مقتل، ويجعلها هي والعدم سواء.

    ولقد أسس الزعيم الصيني الكبير “ماو تسي يونج” لهذه المراحل، ويعتبر هو أول من دونها في كتابه “حرب الأنصار”، وهي:

    1- مرحلة الفوضى: وهي بيت القصيد وسنام الأمر في حرب العصابات والأطول مدة والأكثر احتياجًا للجهد والتخطيط والتركيز، وفي هذه المرحلة لا يظهر رجل العصابات ولا يُعرف ولا يحرص على النكاية أصلًا بجنود العدو إلا نادرًا أو بإنقاء محدد، وإنما ينصب كل تركيز رجال العصابات على ضرب نقاط ضعف العدو التي تظهره بدور الفاشل والذى فقد السيطرة على الأمر فتتنوع عمليات رجال العصابات من ضرب أهداف العدو الاقتصادية والتمويلية التي يعتمد عليها، إلى تعطيل مؤسساته الكبرى ووزاراته وأعماله، إلى تشتيت قواته ونشرها في أماكن كثيرة، وهكذا على طول الخط حتى يستنزف العدو بالصورة التي يحددها رجل العصابات، فينتقل عدوه مجبرًا إلى المرحلة التالية.

    2- مرحلة التوازن: وفي هذه المرحلة يتراجع العدو ويكثر من تأمين قواته وتزوديها وإثقالها بالمعدات والتمويلات والدعم، ويفرض سيطرته أكثر على كثير من الأرض المحددة التي هي أصلًا من مهامه كجيش نظامي، وينشر مزيدًا من قواته لحماية الوزارات والمؤسسات، ويتراجع أو يضعف سيطرته على بعض المناطق والأراضي الأخرى مضطرًا لذلك، فيكسب رجل العصابات بذلك مزيدًا من التوتر في الشارع، وكثيرًا من كسر هيبة العدو أمام حاضنته، فيزيد التذمر والاحتقان الشعبي، ويستطيع فيما بعد ذلك وبعد دراسة متأنية لرجال العصابات أن يسيطروا على تلك الأراضي والمناطق وتصبح مناطق محررة يستطيع أن يديرها وتكون له فيها خلفية لوجستية فيما بعد في مرحلته القادمة والأخيرة.

    3- مرحلة الحسم: وهي آخر مراحل الجاريلا وأقصرها، ولكنها أكثرها خطورة ويحصل فيها تحول شبه كلي بعد عوامل كثيرة ومعقدة من رجال العصابات، وأنصارهم الذين حملوا الفكرة معهم، وتابعوهم في مقاومتهم إلى جيش نظامي بديل عن جيش العدو أو جيوش المرتزقة التي يحركها الديكتاتور، إلا أن المحور المهم هنا والاستراتيجية الأنفع في حروب العصابات هي الحرص على الحسم السياسي من خلال التنظيم السياسي القائد الذي يدير حرب العصابات موازيًا للحسم العسكري.
    ومن نافلة القول هنا أن ألفت انتباه القارئ أن تعجل تلك المراحل كفيل بأن يحدث كارثة كبرى تتهاوى أمامها كل مكتسبات حروب المستضعفين، بل لعل من أفضل الطرق التي يتعامل بها العدو في مقاومة حرب العصابات أن يجبر رجال العصابات وأنصارهم على تعجل المراحل وتخطيها بدون دراسة واقعية وخطط محددة للانتقال بين المراحل وغيرها من الخطوات والتدابير، التي دائمًا ما يتخذها العدو لإرباك قيادة حرب العصابات، ولعلي أشير إلى كثير من هذه التدابير التي تُتخذ لإفشال الجاريلا حين أتعرض لنماذج أخفقت فيها حروب العصابات في مقال قادم.

    الأهداف الرئيسية لحرب العصابات:

    1- الاستنزاف: وهي أول وأكثر الأهداف التي يهتم بها رجل العصابات، ولعلي أشرت إليها في مرحلة الفوضى السابق ذكرها، وهذا الهدف الكبير يطلق عليه اللواء “موشى ديان” بأنه الإرهاب الانتقائي بعيدًا عن الإرهاب العبثي الذي قد يكون متنافرًا غير متكامل، ولا يجدي نفعًا في خطة حرب العصابات.

    2- الكشف عن وجه الديكتاتور: وهنا يستدرج رجل العصابات بتكتيكاته المركزة على كشف وجه المستبد أو العدو القبيح التي يزيد فيها من وتيرة القتل والحرق والهدم والإبادة، التي تمثل مناخًا جيدًا لتحرك رجال العصابات بين الحاضنة الشعبية، وكسب مزيد من الأنصار، وخلق مزيد من التعاطف والتأييد العالمي لقضيته في هامش تكتيك سياسي خارجي بعيدًا عن خيوط اللعبة العالمية.
    3- النكاية بالعدو وهزيمته: هي أحد أهداف رجل العصابات المتأخرة التي يستولي فيها على معدات واسلحة وتموينيات العدو التي تزيد من تحصين رجل العصابات وإمداده باللازم، وفي نفس الوقت يفوز رجل العصابات بالحرب النفسية التي تفت في عضد جنود العدو ومؤيديه ومساعديه.

    4- إزاحة السلطة وتولي السلطة الجديدة: يعرف اللواء “موشى ديان” حرب العصابات بأنها (حركة انقلابية تهدف للحصول على السلطة)، وهو تعريف موفق لو نظرنا بالفعل لمقاصد وغايات رجال العصابات التي تقوم بالأساس لردع الظالم أو العدو، والدفع عن المظلومين والمضطهدين، وتحسين أوضاع الضعفاء والمقهورين على جميع المستويات؛ فمن نافلة القول أن يكون هذا من أولى وأهم أهداف حروب المستضعفين، ولكن توقيت إحرازه والعمل لتحقيقه وجهازية الاستعداد له من قبل رجال العصابات هو العامل المهم والأساسي الذي يجب التنبه له.

    وسائل حرب العصابات:

    وسائل حرب العصابات أكثر من أن تحصر، ومع نشوء وتطور حروب العصابات قديمًا وحديثًا استحدثت وسائل كثيرة تتنوع بين الفكري الثقافي والعسكري والصحي والمعلوماتي وغيرها، ونجمل هنا الوسائل العشرة لحروب العصابات كالتالي:

    1- التموين: العمود الفقري لحرب العصابات واللبنة الأولى في مقومات قيام حروب المستضعفين، ولا توجد تجربة واحدة ناجحة استطاعت أن تكمل مسارها بنجاح، وتستمر حتى تحقق كامل أهداف ثورتها بدون اعتمادها الذاتي والكلي على نفسها؛ بعيدًا عن دعم الداعمين أو مصالح الأنظمة على حساب بعضها البعض.

    2- المنظمة المدنية: تلك هي سيف رجال العصابات ودرعهم وحصنهم الحصين، وهي بمثابة عضلات الكفاح المسلح والخلل فيها وفي روافدها كفيل بوأد حروب المستضعفين في مهدها؛ وهي تتمثل في تنظيم وتجميع وتأطير حاضنتك الشعبية وإدخالها في دائرة الصراع والمساهمة في إنجاح مهمة رجال العصابات، فيقومون بأعمال لا يقوم بها غيرهم حتى من رجال العصابات، من دعاية وإعلام وحشد وتأجيج الشعور النفسي للمواطنين الذين يعيشون في أرض المعركة، وكذلك مهمات التخريب والصيالة على مناطق ومؤسسات لا يستطيع رجل العصابات الوصول إليها، وغيرها من المهام الفكرية والسياسية المعتبرة والمؤثرة في جريان المشهد بكامله.

    3- الصحة: تلك من بديهيات العمل العصابي أو تشكيلات حروب المستضعفين، والمجهود الذي يبذل من قبل رجال العصابات وإن كان مقلًا، ولكنه أضمن وأسلم لرجل العصابات، وتتلخص هذه الوسيلة في ضمان الحد الأدنى من مداوة وتضميد جراح رجل العصابات جراء العمليات التي يقوم بها رجل العصابات بعيدًا عن أعين الأنظمة أو الحكومات المستبدة التي دائمًا ما تنتهك أبسط وأقل حقوق الإنسان؛ مما يعرض التشكيل العصابي برمته للكشف والتطويق.

    4- التخريب: أم الوسائل وأكثرها ترتيبًا وتنظيمًا وهو ما يطلق عليه اللواء “موشى ديان” بالإرهاب الانتقائي المنظم بعيدًا عن الإرهاب العبثي الفوضوي، الذي قد يضر أكثر من نفعه، وهذه الوسيلة لب مرحلة الفوضى التي شرحناها آنفًا.

    5- الصناعة الحربية: وهي خطوة ووسيلة متقدمة في حرب المستضعفين، حيث يكون قد اكتسب رجال العصابات الخبرة اللازمة في متطلبات السلاح والذخيرة المحددة التي يحتاجها في مواجهة الجيش النظامي الذي بدأ في مواجهته بأبسط الوسائل، وهذا من إحدى مميزات وفرص نجاح حروب العصابات في نشأتها، وهذه الوسيلة تتم وبشكل سلس منذ بداية مرحلة التوازن التي شرحناها.
    6- الإعلام والدعاية: هذه الوسيلة تحتاج وبشكل تفصيليي بحثًا منفردًا لشرح أهمية وحساسية هذه الوسيلة ومدى ناجعتها في حرب العصابات، وبالأخص في الحرب النفسية التي أصبحت هدفًا رئيسًا في مشروع الثورة الشاملة. ويكفي أن تعرف تعليق العقيد الإسرائيلي “شموئيل نير” على مدى خطورة هذه الوسيلة في حرب لبنان مع حزب الله حين قال: ((لقد كنا نحارب حزب الله بطائراتنا ودباباتنا في لبنان، بينما كان يهزمنا في بيوتنا من خلال التليفزيون)).

    7- المخابرات والاستخبار: من نافلة القول أن نلفت انتباه القارئ إلى مدى أهمية المعلومة وخطورتها في توجيه حرب العصابات، فهي بكل بساطة حرب العقل في مواجهة العضلات، وحتى ينتصر البرغوث الضعيف على الكلب الثمين لا بد أن يدرس البرغوث جيدًا مناطق قوة وضعف هذا الكلب اللعين، حتى يأتيه منها؛ تلخص هذه الوسيلة الخطيرة وأهميتها الحكمة الصينية الشهيرة التي تقول: ((اعرف نفسك واعرف عدوك؛ تستطيع بعدها أن تخوض 100 معركة دون أن تخسر معركة واحدة)).
    8- التخفي والتمويه: هذه إحدى الوسائل التكتيكية التي يتفوق بها رجل العصابات على الجيوش النظامية، والتي تمثل الصاعقة التي تشل أركان الجيش النظامي وتفاجئه دون أن يتحسب لذلك أو يخطط له.

    9- وسائل الاتصالات: الكتف التي يؤكل منها رجال العصابات وأكثرها سيطرة من قبل العدو الصائل، ولك أن تتخيل أن منظري حروب العصابات يعطون لهذه الوسيلة اهتمامًا بالغًا بسبب ما تعرضوا له من كشف وتطويق من الأنظمة المستبدة، وهذا من عشرات السنين، حيث لم يشهدوا هذه الثورة التكنولوجية والانفتاح غير المسبوق في الاتصالات ووسائلها، والتي يسيطر على معظمها إن لم يكن كلها النظام العالمي وأذنابه، فما بال هذه الأيام! ولهذا يتضح وجوب التطوير والإبداع في هذه المسألة شديدة الحساسية التي تسهل عمل رجال العصابات وتخدم أهدافهم؛ وما تجربة “الجهاز الذي يعمل خارج إطار الشبكات المعروفة والتي يسيطر عليها الاحتلال” الفذة التي فعلتها كتائب عز الدين القسام منا ببعيد، والتي أثبتت نجاحها يومًا بعد يوم.

    10- التدريب والتثقيف السياسي: عصب حروب المستضعفين وشقا الرحى فيها، وهما الوسيلة الأبرز في إعداد رجل العصابات البدني الشاق، والإعداد الفكري الكثيف الذي ينتج رجل عصابات قادرًا على فهم أولويات الصراع الذي يخوضه، ويحشد الوطن والأمة عليه. وكذلك وسيلة تنتج رجل عصابات قادرًا بدنيًّا على مواجهة جيش نظامي فاسد عاتي في ظروف شديدة الصعوبة وبالغة الخطورة.

    تلك أبرز الملامح المؤسسة لبداية حرب عصابات قوية منذ نشأتها وجديرة بالاستمرار في طريق المقاومة والكفاح، من أجل تحقيق أهدافها التي خلقت من أجلها.


    http://www.sasapost.com/opinion/your-guide-to-guerrilla-2-2/

      الوقت/التاريخ الآن هو الخميس أغسطس 17, 2017 7:08 pm