ثمار الأوراق

ثمار الأوراق

منتدى تعليمي يهتم باللغة العربية علومها وآدابها.


    أفعال المقاربة ( كاد وأخواتها )

    شاطر
    avatar
    أحمد
    إدارة ثمار الأوراق
    إدارة ثمار الأوراق

    عدد الرسائل : 16844
    الموقع : القاهرة
    نقاط : 39017
    تاريخ التسجيل : 17/09/2008

    أفعال المقاربة ( كاد وأخواتها )

    مُساهمة من طرف أحمد في الجمعة أبريل 12, 2013 1:59 am

    أفعال المقاربة ( كاد وأخواتها )
           تسمى هذه الأفعال أفعال المقاربة ، وليست كلها للمقاربة ، بل هي على ثلاثة أقسام :

           أحدها : ما دل على المقاربة ، وهي : كاد وكرب وأوشك ، وتدل على قرب وقوع الخبر.

           والثاني : ما دل على الرجاء ، وهي : عسى وحرى واخلولق ، وتدل على رجاء وقوع الخبر.

           والثالث : ما دل على الشروع ، وهي : جعل وطَفِق وأخذ وعَلِق وأنشأ وجعل وقام وأقبل وهب ، وتدل على الشروع والبدء فى الخبر.

    عـمـلـهـا


           تدخل على المبتدأ والخبر ، فترفع المبتدأ اسما لها ويكون خبره خبرا لها في موضع نصب ، فهى تعمل عمل ( كان ).

    شروط عملها


           يشترط فى عمل هذه الأفعال أن يكون خبرها جملة فعلية فعلها مضارع مجرد من (أَنْ) مع : كاد وكَرَبَ ، وأفعال الشروع ، مثل : أنشأ السائق يحدو ، وأن يكون مقرونا بها مع : أوشك وعسى وحرى واخلولق ، مثل : قوله تعالى : ( فَعَسَى اللهُ أَن يَأْتِيَ بِالْفَتْحِ ) ، وقد يقترن بها على قلة فى : كاد وكَرَبَ ، كما يتجرد منهاعلى قلة فى : أوشك وعسى.

    ===========
    المصدر :
    انظر كتاب شرح ابن عقيل على ألفية ابن مالك ، وكتاب "النحو الواضح" لعلى الجارم ومصفى أمين.


    _________________


    قناتي على موقع يوتيوب :
    https://www.youtube.com/channel/UCm8N-tHwIFM7hPnwtLrBMpg
    مدونتي:
    https://arabicfraed.blogspot.com.eg/
    avatar
    أحمد
    إدارة ثمار الأوراق
    إدارة ثمار الأوراق

    عدد الرسائل : 16844
    الموقع : القاهرة
    نقاط : 39017
    تاريخ التسجيل : 17/09/2008

    رد: أفعال المقاربة ( كاد وأخواتها )

    مُساهمة من طرف أحمد في الجمعة مارس 16, 2018 12:57 pm

    شرح ابن عقيل

    أفعالُ المُقَارَبَةِ
    كَكَانَ كَادَ وَعَسَى لَكِنْ نَدَرْ = غَيْرُ مُضَارِعٍ لِهَذَيْنِ خَبَرْ ([1])

    هذا هو القِسمُ الثاني من الأفعالِ الناسخةِ للابتداءِ، وهو (كادَ) وأَخَوَاتُها، وذَكَرَ المصنِّفُ منها أحدَ عشرَ فِعلاً، ولا خِلافَ في أنها أفعالٌ، إلا عَسَى؛ فنَقَلَ الزاهِدُ عن ثَعْلَبٍ أنها حرفٌ، ونُسِبَ أيضاً إلى ابنِ السَّرَّاجِ ([2])، والصحيحُ أنها فعلٌ؛ بدليلِ اتصالِ تاءِ الفاعلِ وأخواتِها بها، نحوُ: (عَسَيْتُ وعَسَيْتَ وعَسَيْتُمَا وعَسَيْتُمْ وعَسَيْتُنَّ).
    وهذه الأفعالُ تُسَمَّى أفعالَ المقارَبَةِ، وليسَتْ كلُّها للمقاربةِ، بل هي على ثلاثةِ أقسامٍ:
    أحدُها: ما دَلَّ على المقاربَةِ، وهي كادَ وكَرَبَ وأَوْشَكَ.
    والثاني: ما دَلَّ على الرجاءِ، وهي عَسَى وحَرَى واخْلَوْلَقَ.
    والثالثُ: ما دَلَّ على الإنشاءِ، وهي جَعَلَ وطَفِقَ وأَخَذَ وعَلِقَ وأَنْشَأَ.
    فتَسْمِيَتُها أفعالَ المقاربَةِ من بابِ تسميةِ الكلِّ باسمِ البعضِ.
    وكلُّها تَدْخُلُ على المبتدأِ والخبرِ، فتَرْفَعُ المبتدأَ اسماً لها، ويكونُ خَبَرُه خبراً لها في موضِعِ نصبٍ، وهذا هو المرادُ بقولِهِ: (ككانَ كادَ وعَسَى)، لكنَّ الخبرَ في هذا البابِ لا يكونُ إلا مضارعاً، نحوُ: (كادَ زيدٌ يقومُ، وعسى زيدٌ أنْ يقومَ)، ونَدَرَ مجيئُه اسماً بعدَ (عَسَى وكادَ)؛ كقولِهِ:
    84- أَكْثَرْتَ فِي العَذْلِ مُلِحًّا دَائِمَا = لاَ تُكْثِرَنَّ إِنِّي عَسَيْتُ صَائِمَا ([3])
    وقولِه:
    85- فَأُبْتُ إلى فَهْمٍ وما كِدْتُ آئِباً = وكم مِثْلِهَا فَارَقْتُهَا وَهْيَ تَصْفِرُ ([4])
    وهذا هو مرادُ المصنِّفِ بقولِهِ: (لَكِنْ نَدَرْ... إلى آخِرِهِ)، لكنْ في قَوْلِهِ (غيرُ مضارعٍ) إيهامٌ؛ فإنَّه يَدْخُلُ تحتَه الاسمُ والظرفُ والجارُّ والمجرورُ والجملةُ الاسميَّةُ والجملةُ الفعليَّةُ بغيرِ المضارِعِ، ولم يَنْدُرْ مجيءُ هذه كلِّها خبراً عن (عَسَى وكادَ)، بل الذي نَدَرَ مجيءُ الخبرِ اسماً ([5])، وأما هذه فلم يُسْمَعْ مجيئُها خبراً عن هذيْنِ.
    وكونُهُ بدونِ (أنْ) بعدَ عَسَى = نَزْرٌ وكادَ الأَمْرُ فِيهِ عُكِسَا ([6])
    أي: اقترانُ خبرِ (عسَى) بـ(أنْ) كثير‌ٌ ([7])، وتجريدُه من (أنْ) قليلٌ، وهذا مذهَبُ سِيبَوَيْهِ، ومَذْهَبُ جمهورِ البَصريِّينَ أنه لا يَتَجَرَّدُ خبرُها مِن (أنْ) إلاَّ في الشعرِ، ولم يَرِدْ في القرآنِ إلاَّ مُقْتَرِناً بـ(أنْ)؛ قالَ اللهُ تعالى: {فَعَسَى اللَّهُ أَنْ يَأْتِيَ بِالْفَتْحِ}، وقالَ عَزَّ وجَلَّ: {عَسَى رَبُّكُمْ أَنْ يَرْحَمَكُمْ}.
    ومن وُرُودِهِ بدونِ (أنْ) قولُهُ:
    86- عَسَى الْكَرْبُ الَّذِي أَمْسَيْتَ فِيهِ = يَكُونُ وَرَاءَهُ فَرَجٌ قَرِيبُ ([8])
    وقولُه: ‌‌‌
    87- عَسَى فَرَجٌ يَأْتِي بِهِ اللهُ إِنَّهُ = لَهُ كُلَّ يَوْمٍ فِي خَلِيقَتِهِ أَمْرُ ([9])
    وأمَّا (كادَ) فذَكَرَ المصنِّفُ أنها عكسُ (عَسَى)، فيكونُ الكثيرُ في خَبَرِها أنْ يَتَجَرَّدَ مِن (أنْ)، ويَقِلُّ اقْتِرانُه بها، وهذا بخلافِ ما نَصَّ عليه الأندلسيُّونَ من أنَّ اقترانَ خبرِها بـ(أنْ) مخصوصٌ بالشعرِ؛ فمِن تَجريدِه مِن (أنْ) قولُه تعالى: {فَذَبَحُوهَا وَمَا كَادُوا يَفْعَلُونَ}، وقالَ: {مِنْ بَعْدِ مَا كَادَ يَزِيغُ قُلُوبُ فَرِيقٍ مِنْهُمْ}([10])، ومن اقترانِه بأنْ قولُه صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ: ((مَا كِدْتُ أَنْ أُصَلِّيَ الْعَصْرَ حَتَّى كَادَتِ الشَّمْسُ أَنْ تَغْرُبَ)). وقولُه:
    88- كَادَتِ النَّفْسُ أَنْ تَفِيضَ عَلَيْهِ = إِذْ غَدَا حَشْوَ رَيْطَةٍ وبُرُودِ ([11])
    وَكَعَسَى حَرَى وَلَكِنْ جُعِلاَ = خَبَرُهَا حَتْماً بِـ(أَنْ) مُتَّصِلاَ ([12])
    وَأَلْزَمُوا اخْلَوْلَقَ (أَنْ) مِثْلَ حَرَى = وَبَعْدَ أَوْشَكَ انْتِفَا (أَنْ) نَزَرَا ([13])
    يعني: أنَّ (حَرَى) مثلُ (عَسَى) في الدَّلالةِ على رجاءِ الفعلِ، لكِنْ يَجِبُ اقترانُ خَبَرِها بـ(أنْ)، نحوُ: (حَرَى زيدٌ أنْ يقومَ)، ولم يُجَرَّدْ خَبَرُها من (أنْ) لا في الشعرِ ولا في غيرِه، وكذلك اخْلَوْلَقَ تَلْزَمُ (أنْ) خَبَرَها، نحوُ: اخْلَوْلَقَتِ السماءُ أنْ تُمْطِرَ، وهو مِن أمثلةِ سِيبَوَيْهِ، وأمَّا (أَوْشَكَ) فالكثيرُ اقترانُ خبرِها بـ(أنْ)، ويَقِلُّ حَذْفُها مِنه؛ فمِن اقترانِه بها قولُه:
    89- ولوْ سُئِلَ النَّاسُ التُّرَابَ لأَوْشَكُوا = إِذَا قِيلَ هَاتُوا أَنْ يَمَلُّوا وَيَمْنَعُوا ([14])
    ومِن تَجَرُّدِهِ مِنها قولُه:
    90- يُوشِكُ مَنْ فَرَّ مِنْ مَنِيَّتِهِ = فِي بَعْضِ غِرَّاتِهِ يُوَافِقُهَا ([15])
    ومثلُ كَادَ فِي الأَصَحِّ كَرَبَا = وتَرْكُ (أَنْ) مَعْ ذِي الشُّرُوعِ وَجَبَا ([16])
    كأَنْشَأَ السَّائِقُ يَحْدُو وَطَفِقْ = كَذَا جَعَلْتُ وَأَخَذْتُ وَعَلِقْ ([17])
    ولم يَذْكُرْ سِيبَوَيْهِ في (كَرَبَ) إلاَّ تَجَرُّدَ خَبَرِها مِن (أنْ)، وزَعَمَ المصنِّفُ أنَّ الأصحَّ خلافُه، وهو أنها مِثْلُ (كادَ)، فيكونُ الكثيرُ تَجْرِيدَ خَبَرِها مِن (أنْ)، ويَقِلُّ اقترانُه بها؛ فمِن تَجْرِيدِهِ قَوْلُه:
    91- كَرَبَ الْقَلْبُ مِنْ جَوَاهُ يَذُوبُ = حِينَ قَالَ الْوُشَاةُ هِنْدٌ غَضُوبُ ([18])
    وسُمِعَ مِن اقترانِه بها قولُه:
    92- سَقَاهَا ذَوُو الأَحْلاَمِ سَجْلاً عَلَى الظَّمَا = وقد كَرَبَتْ أَعْنَاقُهَا أَنْ تَقَطَّعَا ([19])
    والمشهورُ في (كَرَبَ) فتحُ الراءِ، ونُقِلَ كَسْرُها أيضاً.
    ومعنى قولِهِ: (وَتَرْكُ أَنْ مَعْ ذِي الشُّرُوعِ وَجَبَا) أنَّ ما دلَّ على الشروعِ في الفعلِ لا يَجُوزُ اقترانُ خَبَرِه بـ(أنْ)؛ لِمَا بينَه وبينَ (أنْ) مِن المنافاةِ؛ لأنَّ المقصودَ به الحالُ، و(أنْ) للاستقبالِ، وذلكَ نحوُ: (أَنْشَأَ السائِقُ يَحْدُو، وطَفِقَ زيدٌ يَدْعُو، وجَعَلَ يَتَكَلَّمُ، وأَخَذَ يَنْظِمُ، وعَلِقَ يَفْعَلُ كذا).
    واسْتَعْمَلُوا مُضَارِعاً لأَوْشَكَا = وكادَ لاَ غَيْرُ وَزَادُوا مُوشِكَا ([20])
    أفعالُ هذا البابِ لا تَتَصَرَّفُ إلاَّ (كادَ وأَوْشَكَ)؛ فإنَّه قدِ اسْتُعْمِلَ منهما المضارِعُ، نحوُ قولِهِ تعالى: {يَكَادُونَ يَسْطُونَ}، وقولِ الشاعِرِ:
    * يُوشِكُ مَنْ فَرَّ مِنْ مَنِيَّتِهِ *([21])
    وزَعَمَ الأَصْمَعِيُّ أنه لم يُسْتَعْمَلْ (يُوشِكُ) إلا بِلَفْظِ المضارِعِ، ولم يُسْتَعْمَلْ (أَوْشَكْ) بلفظِ الماضي، وليسَ بحَيِّدٍ، بل قد حَكَى الخليلُ استعمالَ الماضِي، وقد ورَدَ في الشعرِ؛ كقولِهِ:
    ولو سُئِلَ النَّاسُ التُّرَابَ لأَوْشَكُوا = إِذَا قِيلَ هَاتُوا أَنْ يَمَلُّوا وَيَمْنَعُوا ([22])
    نعم الكثيرُ فيها استعمالُ المضارعِ وقَلَّ استعمالُ الماضي.
    وقولُ المصنِّفِ: (وَزَادُوا مُوشِكَا) معناه: أنه قد وَرَدَ أيضاً استعمالُ اسمِ الفاعلِ مِن (أَوْشَكَ)؛ كقولِهِ:
    93- فمُوشِكَةٌ أَرْضُنَا أنْ تَعُودَ = خِلافَ الأَنِيسِ وَحُوشاً يَبَابَا ([23])
    وقد يُشْعِرُ تَخْصِيصُه (أَوْشَكَ) بالذكرِ أنه لم يُسْتَعْمَلِ اسمُ الفاعلِ مِن (كادَ)، وليسَ كذلك؛ بل قد وَرَدَ استعمالُه في الشعرِ؛ كقولِهِ:
    94- أَمُوتُ أَسًى يَوْمَ الرِّجَامِ وَإِنَّنِي = يَقِيناً لَرَهْنٌ بِالذي أنا كائِدُ ([24])
    وقد ذَكَرَ المصنِّفُ هذا في غيرِ هذا الكتابِ.
    وأَفْهَمَ كلامُ المصنِّفِ أنَّ غيرَ (كادَ وأَوْشَكَ) من أفعالِ هذا البابِ لم يَرِدْ منه المضارِعُ ولا اسمُ الفاعلِ، وحَكَى غيرُه خلافَ ذلكَ؛ فحَكَى صاحِبُ (الإنصافِ) استعمالَ المضارِعِ واسمِ الفاعلِ مِن (عَسَى)، قالَ: عَسَى يَعْسِي فهو عاسٍ، وحَكَى الجَوْهَرِيُّ مضارِعَ (طَفِقَ)، وحَكَى الكِسَائِيُّ مضارِعَ (جَعَلَ).
    بعدَ عَسَى اخْلَوْلَقَ أَوْشَكْ قَدْ يَرِدْ = غِنًى بِأَنْ يَفْعَلَ عَنْ ثَانٍ فُقِدْ ([25])
    اخْتُصَّتْ (عَسَى واخْلَوْلَقَ وأَوْشَكَ) بأنها تُسْتَعْمَلُ ناقصةً وتامَّةً.
    فأمَّا الناقصةُ فقد سَبَقَ ذِكْرُها، وأمَّا التامَّةُ فهي المسندَةُ إلى (أنْ) والفعلِ، نحوُ: (عَسَى أنْ يَقُومَ، واخْلَوْلَقَ أنْ يأتِيَ، وأَوْشَكَ أنْ يَفْعَلَ)، فـ(أنْ) والفعلُ في موضِعِ رفعِ فاعلِ (عَسَى واخْلَوْلَقَ وأَوْشكَ)، واسْتَغْنَتْ به عن المنصوبِ الذي هو خبرُها، وهذا إذا لم يَلِ الفعلَ الذي بعدَ (أنِ) اسمٌ ظاهرٌ يَصِحُّ رفعُه به، فإنْ وَلِيَهُ نحوُ: (عَسَى أنْ يقومَ زيدٌ) فذَهَبَ الأستاذُ أبو عليٍّ الشَّلَوْبينُ إلى أنه يَجِبُ أنْ يكونَ الظاهرُ مرفوعاً بالفعلِ الذي بعدَ (أنْ)، فـ(أنْ) وما بعدَها فاعلٌ لعسَى، وهي تامَّةٌ، ولا خَبَرَ لها، وذهَبَ المُبَرِّدُ والسِّيرَافيُّ والفارِسِيُّ إلى تجويزِ ما ذَكَرَهُ الشَّلَوْبينُ وتجويزِ وجهٍ آخرَ، وهو أنْ يكونَ ما بعدَ الفعلِ الذي بعدَ (أنْ) مرفوعاً بعسَى اسماً لها، و(أنْ) والفعلُ في موضِعِ نصبٍ بعسَى، وتَقَدَّمَ على الاسمِ، والفعلُ الذي بعدَ (أنْ) فاعِلُه ضميرٌ يعودُ على فاعلِ (عَسَى)، وجازَ عودُه عليه وإنْ تأخَّرَ؛ لأنَّه مُقَدَّمٌ في النيَّةِ، وتَظْهَرُ فائدةُ هذا الخلافِ في التثنيَةِ والجمعِ والتأنيثِ، فتقولُ على مذهَبِ غيرِ الشَّلَوْبينِ: (عَسَى أنْ يَقُومَا الزيدانِ، وعَسَى أنْ يَقُومُوا الزيدونَ، وعَسَى أنْ يَقُمْنَ الهِنْدَاتُ)، فتأتي بضميرٍ في الفعلِ؛ لأنَّ الظاهرَ ليسَ مرفوعاً به، بل هو مرفوعٌ بـ(عَسَى)، وعلى رأيِ الشَّلَوْبينِ يَجِبُ أنْ تقولَ: (عَسَى أنْ يقومَ الزيدانِ، وعَسَى أنْ يقومَ الزيدونَ، وعسَى أنْ تقومَ الهنداتُ) فلا تأتي في الفعلِ بضميرٍ؛ لأنَّه رَفَعَ الظاهرَ الذي بعدَهُ.
    وجَرِّدَنْ عَسَى أَوِ ارْفَعْ مُضْمَرَا = بِهَا إِذَا اسْمٌ قَبْلَهَا قَدْ ذُكِرَا ([26])
    اخْتُصَّتْ (عَسَى) مِن بينِ سائرِ أفعالِ هذا البابِ بأنها إذا تَقَدَّمَ عليها اسمٌ جازَ أنْ يُضْمَرَ فيها ضميرٌ يعودُ على الاسمِ السابقِ، وهذه لغةُ تَمِيمٍ، وجازَ تَجْرِيدُها عن الضميرِ، وهذه لغةُ الحِجازِ، وذلك نحوُ: (زَيْدٌ عَسَى أنْ يقومَ)، فعَلَى لغةِ تَمِيمٍ يكونُ في (عَسَى) ضميرٌ مستتِرٌ يعودُ على (زيدٌ)، و (أنْ يقومَ) في موضِعِ نصبٍ بعَسَى، وعلى لغةِ الحِجازِ لا ضميرَ في (عَسَى)، و(أنْ يقومَ) في موضِعِ رفعٍ بعسَى، وتَظْهَرُ فائدةُ ذلك في التثنيةِ والجمعِ والتأنيثِ؛ فتقولُ على لغةِ تَمِيمٍ: (هندٌ عَسَتْ أنْ تَقُومَ، والزيدانِ عَسَيَا أنْ يَقُومَا، والزيدونَ عَسَوْا أنْ يَقُومُوا، والهندانِ عَسَتَا أنْ تَقُومَا، والهِنداتُ عَسَيْنَ أنْ يَقُمْنَ).
    وتقولُ على لغةِ الحِجازِ: (هندٌ عَسَى أنْ تقومَ، والزيدانِ عَسَى أنْ يَقُومَا، والزيدونَ عَسَى أنْ يَقُومُوا، والهندانِ عسَى أنْ تَقُومَا، والهِنْدَاتُ عَسَى أنْ يَقُمْنَ).
    وأمَّا غيرُ عَسَى من أفعالِ هذا البابِ فيَجِبُ الإضمارُ فيه، فتقولُ: (الزيدانِ جَعَلاَ يَنْظِمَانِ)، ولا يَجُوزُ تَرْكُ الإضمارِ؛ فلا تقولُ: (الزيدانِ جَعَلَ يَنْظِمَانِ) كما تقولُ: (الزيدانِ عَسَى أنْ يَقُوما).
    والفتحَ والكسرَ أَجِزْ فِي السِّينِ مِنْ = نَحْوِ عَسَيْتُ وَانْتِقَا الْفَتْحِ زُكِنْ ([27])
    إذا اتَّصَلَ بـ(عَسَى) ضميرٌ موضوعٌ للرفعِ، وهو لِمُتَكَلِّمٍ، نحوُ: (عَسَيْتُ)، أو لمخاطَبٍ، نحوُ: (عَسَيْتَ، وعَسَيْتِ، وعَسَيْتُمَا، وعَسَيْتُمْ، وعَسَيْتُنَّ)، أو لغائباتٍ، نحوُ: (عَسَيْنَ) - جازَ كَسْرُ سِينِها وفَتْحُها، والفتحُ أَشْهَرُ، وقَرَأَ نافعٌ: (فَهَلْ عَسِيتُمْ إِنْ تَوَلَّيْتُمْ) بكسرِ السينِ، وقَرَأَ الباقونَ بفَتْحِها(*).


    _________________


    قناتي على موقع يوتيوب :
    https://www.youtube.com/channel/UCm8N-tHwIFM7hPnwtLrBMpg
    مدونتي:
    https://arabicfraed.blogspot.com.eg/
    avatar
    أحمد
    إدارة ثمار الأوراق
    إدارة ثمار الأوراق

    عدد الرسائل : 16844
    الموقع : القاهرة
    نقاط : 39017
    تاريخ التسجيل : 17/09/2008

    رد: أفعال المقاربة ( كاد وأخواتها )

    مُساهمة من طرف أحمد في الجمعة مارس 16, 2018 12:58 pm

    منحة الجليل للأستاذ: محمد محيي الدين عبد الحميد

    ([1])(ككانَ) جارٌّ ومجرورٌ مُتَعَلِّقٌ بمحذوفٍ خبرٌ مُقَدَّمٌ، (كَادَ) قُصِدَ لَفْظُه: مبتدأٌ مُؤَخَّرٌ، (لَكِنْ) حَرْفُ استدراكٍ، (نَدَر) فعلٌ ماضٍ، (غيرُ) فاعلُ نَدَر، وغيرُ مضافٌ و(مضارِعٍ) مضافٌ إليه، (لِهَذَيْنِ) جارٌّ ومجرورٌ مُتَعَلِّقٌ بقولِه: (خَبَر) الآتي، (خَبَرْ) حالٌ من فاعلِ نَدَر، وقد وَقَفَ عليه بالسكونِ على لغةِ ربيعةَ التي تَقِفُ على المنصوبِ المنوَّنِ بالسكونِ، كما يَقِفُ سائرُ العربِ على المرفوعِ والمجرورِ المنوَّنَيْنِ.

    ([2])نَصَّ ابنُ هِشَامٍ في أكثرِ كُتُبِه على أنَّ القولَ بأنَّ (عَسَى) حرفٌ هو قولُ الكُوفِيِّينَ، وتَبِعَهم على ذلكَ ابنُ السَّرَّاجِ، ونَصَّ في (المُغْنِي) و (شَرْحِ الشُّذُورِ) على أنَّ ثَعْلباً يَرَى هذا، وثَعْلَبٌ أَحَدُ شُيُوخِ الكُوفِيِّينَ، ومُلَخَّصُ مَذْهَبِهِم أنهم قالُوا: عَسَى حرفُ تَرَجٍّ. واسْتَدَلُّوا على ذلك بأنها دَلَّتْ على معنى لَعَلَّ، وبأنها لا تَتَصَرَّفُ كما أنَّ لَعَلَّ كذلك لا تَتَصَرَّفُ، ولَمَّا كانَتْ لَعَلَّ حرفاً بالإجماعِ وَجَبَ أنْ تَكُونَ عسَى حرفاً مثلَها؛ لقوَّةِ التشابُهِ بينَهما.
    ومن العلماءِ مَن ذَهَبَ إلى أنَّ (عَسَى) على ضَرْبَيْنِ (انْظُرْ ص 345 الآتِيَةَ):
    الضربُ الأوَّلُ: يَنْصِبُ الاسمَ ويرفَعُ الخبرَ، مثلُ إنَّ وأَخَوَاتِها، وهذه حرفُ تَرَجٍّ، ومِن شواهِدِهَا قولُ صَخْرِ بنِ العَوْدِ الحَضْرَمِيِّ:
    فقُلْتُ عَسَاهَا نَارُ كَأْسٍ وعَلَّهَا = تَشَكَّى فآتي نَحْوَهَا فأَعُودُهَا
    والضربُ الثاني: يَرْفَعُ المبتدأَ ويَنْصِبُ الخبرَ ـ وهو الذي نَتَحَدَّثُ عنه في هذا البابِ، وهو من أفعالِ المقارَبَةِ ـ وهذا فعلٌ ماضٍ؛ بدليلِ قَبُولِه علامةَ الأفعالِ الماضِيَةِ؛ كتاءِ الفاعلِ في نحوِ قولِهِ تعالى: {فَهَلْ عَسَيْتُمْ إِنْ تَوَلَّيْتُمْ أَنْ تُفْسِدُوا فِي الأَرْضِ}.
    وأمَّا جُمُودُهَا ودَلالَتُها على معنًى يَدُلُّ عليه حرفٌ، فلا يُخْرِجَانِها عن الفعليَّةِ، وكم مِن فعلٍ يَدُلُّ على معنًى يَدُلُّ عليه حرفٌ، وهو معَ ذلكَ جامدٌ، ولم يُخْرِجْه ذلك عن فِعْلِيَّتِه، أَلَيْسَتْ حَاشَا وعَدَا وخَلاَ دَالَّةً على الاستثناءِ وهي جامدةٌ، وقد جاءَتْ حروفٌ بألفاظِها ومعانيها، فلم يَكُنْ ذلك مُوجِباً لحَرْفِيَّتِها؟
    وهذا الذي ذَكَرْنَاهُ ـ من أنَّ (عَسَى) على ضَرْبَيْنِ، وأنها في ضربٍ مِنهما فِعْلٌ، وفي الضربِ الآخَرِ حرفٌ ـ هو مَذْهَبُ شيخِ النُّحاةِ سِيبَوَيْهِ، (وانْظُرْ كِتَابَنَا على (شرحِ الأَشْمُونِيِّ) (ج1 ص 463) وما بعدَها في الكلامِ على الشاهدِ رَقْمِ (252).
    ومن هذا كُلِّهِ يَتَّضِحُ لكَ: أنَّ في (عَسَى) ثلاثةَ أقوالٍ للنحاةِ:
    الأوَّلُ: أنها فِعْلٌ في كلِّ حالٍ، سواءٌ اتَّصَلَ بها ضميرُ الرفعِ أو ضميرُ النصبِ أم لم يَتَّصِلْ بها واحدٌ منهما، وهو قولُ نُحَاةِ البَصْرَةِ، ورَجَّحَهُ المتأخِّرُونَ.
    والثاني: أنها حرفٌ في جميعِ الأحوالِ، سواءٌ اتَّصَلَ بها ضميرُ الرفعِ أو النَّصْبِ أم لم يَتَّصِلْ بها أَحَدُهما، وهو قَوْلُ جَمْهَرَةِ الكُوفِيِّينَ، ومِنْهُم ثَعْلَبٌ، وابنُ السَّرَّاجِ.
    والثالِثُ: أنها حَرْفٌ إذا اتَّصَلَ بها ضميرُ نَصْبٍ كما في البيتِ الذي أَنْشَدْنَاهُ، وفِعْلٌ فيما عَدَا ذلك، وهو قولُ سِيبَوَيْهِ شيخِ النُّحاةِ، ولا تَتَّسِعُ هذه العُجالةُ السريعةُ إلى الاحتجاجِ لكلِّ رأيٍ، وإلى تخريجِ الشواهدِ على كلِّ مذهَبٍ.

    ([3]) قالَ أبو حَيَّانَ: (هذا البيتُ مجهولٌ، لم يَنْسُبْهُ الشرَّاحُ إلى أحدٍ). اهـ، قالَ ابنُ هِشَامٍ: (طَعَنَ في هذا البيتِ عبدُ الواحدِ في كتابِه (بُغْيَةِ الآمِلِ ومُنْيَةِ السائِلِ)، فقالَ: هو بيتٌ مجهولٌ، لم يَنْسُبْهُ الشرَّاحُ إلى أحدٍ، فسَقَطَ الاحتجاجُ به. ولو صَحَّ ما قالَه لسَقَطَ الاحتجاجُ بخَمْسِينَ بَيْتاً من كتابِ سِيبَوَيْهِ؛ فإنَّ فيه أَلْفَ بيتٍ عُرِفَ قَائِلُوها وخَمْسِينَ بَيْتاً مجهولةَ القائلِينَ). اهـ.
    وقيلَ: إنه لِرُؤْبَةَ بنِ العَجَّاجِ. وقد بَحَثْتُ دِيوَانَ أَرَاجِيزِ رُؤْبَةَ فلم أَجِدْه في أصلِ الديوانِ، وهو مما وَجَدْتُه في أبياتٍ جَعَلَهَا ناشِرُه ذَيْلاً لهذا الديوانِ مما وَجَدَه في بعضِ كُتُبِ الأَدَبِ منسوباً إليه، وذلك لا يَدُلُّ على صِحَّةِ نِسْبَتِها إليه أكثرَ ممَّا تَدُلُّ عليه عِبارةُ المؤلِّفِ لكتابِ الأدبِ الذي نَقَلَ عنه.
    اللغةُ: (العَذْلِ) المَلاَمَةِ، (مُلِحًّا) اسمُ فاعلٍ مِن (أَلَحَّ يُلِحُّ إِلْحَاحاً)؛ أي: أَكْثَرَ.
    الإعرابُ: (أَكْثَرْتَ) فعلٌ وفاعلٌ، (في العَذْلِ) جارٌّ ومجرورٌ مُتَعَلِّقٌ بأَكْثَرَ، (مُلِحًّا) حالٌ مِن التاءِ في أَكْثَرْتَ مُؤَكِّدَةٌ لعامِلِها، (دَائِما) صفةٌ للحالِ، (لا تُكْثِرَنَّ) لا: ناهيةٌ، والفعلُ المضارِعُ مبنيٌّ على الفتحِ لاتصالِه بنونِ التوكيدِ الخفيفةِ في محَلِّ جزمٍ بلا، ونونُ التوكيدِ حرفٌ مبنيٌّ على السكونِ لا مَحَلَّ له، والفاعلُ ضميرٌ مستترٌ فيه وُجُوباً تَقْدِيرُهُ أنتَ، (إني) إنَّ: حرفُ توكيدٍ ونصبٍ، والياءُ اسْمُها، (عَسَيْتُ) عَسَى: فعلٌ ماضٍ ناقصٌ، وتاءُ المتكلِّمِ اسْمُه، (صائِما) خَبَرُه، والجملةُ مِن عسَى واسْمِها وخَبَرِها في مَحَلَِّ رفعِ خبرِ (إنَّ).
    الشاهدُ فيه: قولُه: (عَسَيْتُ صَائِمَا) حيثُ أَجْرَى (عَسَى) مُجرَى (كانَ) فرَفَعَ بها الاسمَ ونَصَبَ الخبرَ، وجاءَ بخَبَرِها اسماً مُفْرَداً، والأصلُ أنْ يكونَ خَبَرُها جملةً فعليَّةً فِعْلُها مضارِعٌ، ومثلُ هذا البيتِ قولُهم في المَثَلِ: (عَسَى الغُوَيْرُ أَبْؤُساً).
    وفي البيتِ توجيهٌ آخَرُ، وهو أنَّ (عَسَى) هنا فعلٌ تامٌّ يَكْتَفِي بفاعلٍ، وهو هنا المتكلِّمُ، بدليلِ وقوعِ جملتِها خبراً لإنَّ الناصبةِ للاسمِ الرافعةِ للخبرِ؛ وذلك لأنَّ معنَى عَسَى للتَّرَجِّي، والترجِّي إنشاءٌ، وأيضاًً فإنَّ الأفعالَ الناقصةَ جُمْلَتُها إنشائيَّةٌ، والجملةُ الإنشائيَّةُ لا تَقَعُ خَبَراً لإنَّ عندَ الجمهورِ الذين يُجَوِّزُونَ وقوعَ الإنشائيَّةِ خبراً للمبتدأِ غيرِ المنسوخِ، وإذا كانَ ذلك كذلك فلا بُدَّ أنْ تكونَ الجملةُ خبريَّةً، فلا تكونُ (عَسَى) ناقصةً، وأما قولُه: (صائمَا) على هذا فهو خبرٌ (لِكَانَ) محذوفةٍ معَ اسْمِها، وتقديرُ الكلامِ: إني رَجَوْتُ أنْ أكونَ صائماً.

    ([4]) هذا البيتُ لِتَأَبَّطَ شَرًّا؛ ثابتِ بنِ جَابِرِ بنِ سُفْيَانَ، مِن كَلِمَةٍ مُختارةٍ، اخْتَارَها أبو تَمَّامٍ في حَمَاسَتِه (انْظُرْ شَرْحَ التِّبْرِيزِيِّ 1/ 85 بتحقيقِنا)، وأَوَّلُها قولُه:
    إذا المَرْءُ لم يَحْتَلْ وَقَدْ جَدَّ جِدُّهُ = أضاعَ وقَاسَى أَمْرَهُ وَهْوَ مُدْبِرُ
    اللغةُ: (أُبْتُ) رَجَعْتُ، (فَهْمٍ) اسمُ قَبِيلَتِه، وأبوها فَهْمُ بنُ عَمْرِو بنِ قَيْسِ عَيْلاَنَ، (تَصْفِرُ) أرادَ أنها تَتَأَسَّفُ وتَتَحَزَّنُ على إِفْلاتِي مِنها بعدَ أنَّ ظَنَّ أَهْلُها أنهم قد قَدَرُوا عليَّ، وقِصَّةُ ذلك أنَّ قَوْماً مِن بَنِي لِحْيَانَ ـ وهم حيٌّ مِن هُذَيْلٍ ـ وَجَدُوا تَأَبَّطَ شَرًّا يَشْتَارُ عَسَلاً من فوقِ جَبَلٍ، ورَآهُم يَتَرَصَّدُونَه، فخَشِيَ أنْ يَقَعَ في أَيْدِيهِم، فانْتَحى من الجبلِ ناحيةً بعيدةً عنهم، وصَبَّ ما معَه من العسلِ فوقَ الحَجَرِ، ثُمَّ انْزَلَقَ عليه حتى انْتَهَى إلى الأرضِ، ثمَّ أَسْلَمَ قَدَمَيْهِ للرِّيحِ، فنَجَا من قَبْضَتِهم.
    المعنى: يقولُ: إني رَجَعْتُ إلى قَوْمِي بعدَ أنْ عَزَّ الرجوعُ إليهم، وكم مِثْلِ هذه الخُطَّةِ فَارَقْتُها، وهي تَتَأَسَّفُ وتَتَعَجَّبُ مِنِّي كيفَ أَفْلَتُّ منها.
    الإعرابُ: (فَأُبْتُ) الفاءُ عاطفةٌ، آبَ: فعلٌ ماضٍ، وتاءُ المتكلِّمِ فاعلُه، (إلى فَهْمٍ) جارٌّ ومجرورٌ مُتَعَلِّقٌ بأُبْتُ، (وما) الواوُ حالِيَّةٌ، ما: نافِيَةٌ، (كِدْتُ) كادَ: فِعْلٌ ماضٍ ناقصٌ، والتاءُ اسْمُه، (آئِباً) خبرُ كادَ، والجملةُ في مَحَلِّ نصبِ حالٍ، (وكم) الواوُ حالِيَّةٌ، كم: خَبَرِيَّةٌ بمعنى كثيرٍ، مُبْتَدَأٌ، مبنيٌّ على السكونِ في مَحَلِّ رفعٍ، (مِثْلِها) مِثْلِ: تَمْيِيزٌ لـ (كَمْ) مجرورٌ بالكسرةِ الظاهرةِ، ومثلِ مضافٌ وضميرُ الغائبةِ مضافٌ إليه، (فَارَقْتُهَا) فعلٌ وفاعلٌ ومفعولٌ به، (وَهْيَ) الواوُ للحالِ، هي: مبتدأٌ، (تَصْفِرُ) فعلٌ مضارِعٌ، وفاعلُه ضميرٌ مستترٌ فيه، والجملةُ في محَلِّ رفعِِ خبرِ المبتدأِ، وجملةُ المبتدأِ وخبرِه في مَحَلِّ نصبِ حالٍ.
    الشاهدُ فيه: قولُه: (وما كِدْتُ آئِباً)؛ حيثُ أَعْمَلَ (كادَ) عَمَلَ (كانَ)، فرَفَعَ الاسمَ ونصَبَ الخبرَ، ولكنَّه أَتَى بخَبَرِها اسْماً مفرداً، والقياسُ في هذا البابِ أنْ يكونَ الخبرُ جملةً فعليَّةً فِعْلُها مضارِعٌ؛ ولهذا أَنْكَرَ بَعْضُ النُّحاةِ هذه الروايةَ، وزَعَمَ أنَّ الروايةَ الصحيحةَ هي: (وَمَا كُنْتُ آئِباً).

    ([5])يُمْكِنُ أنْ يُجَابَ عن هذا الاعتراضِ بأنَّ في كلامِ الناظمِ حذفَ الواوِ وما عَطَفَتْه، وأصلُ الكلامِ: (لكِنْ نَدَرَ غيرُ مضارِعٍ لهذين وأَخَوَاتِهما خَبَرٌ)، وقد نَدَرَ مجيءُ خَبَرِ جَعَلَ جملةً فعليَّةً فِعْلُها ماضٍ في قولِ ابنِ عَبَّاسٍ: (فَجَعَلَ الرجلُ إِذَا لم يَسْتَطِعْ أنْ يَخْرُجَ أَرْسَلَ رَسُولاً)، على أنَّ صِدْقَ قولِهِ: (غيرُ مضارعٍ) يكفي فيه صورةٌ واحدةٌ، وهي الاسمُ المفرَدُ.

    ([6])(وكَوْنُهُ) الواوُ عاطفةٌ، وكونُ: مَبْتَدَأٌ ـ وهو مَصْدَرُ كانَ الناقصةِ فيحتَاجُ إلى اسمٍ وخبرٍ سِوَى خبرِه من جهةِ الابتداءِ ـ وكونُ مضافٌ والضميرُ مضافٌ إليه، وهو اسْمُه، وخبرُه محذوفٌ؛ أي: وكَوْنُه وَارِداً (بدونِ) جارٌّ ومجرورٌ مُتَعَلِّقٌ بذلك الخبرِ المحذوفِ، ودونَ مضافٌ و(أنْ) قُصِدَ لفظُه: مضافٌ إليه، (بعدَ) ظرفٌ متعلِّقٌ أيضاًً بذلكَ الخبرِ المحذوفِ، وبعدَ مضافٌ و(عَسَى) قُصِدَ لفظُه: مضافٌ إليه، (نَزْرٌ) خبرُ المبتدأِ الذي هو قولُه: كَوْنُهُ، (وكَادَ) الواوُ عاطفةٌ، وكادَ: قُصِدَ لَفْظُه: مبتدأٌ أوَّلُ، (الأَمْرُ) مبتدأٌ ثانٍ، (فيه) جارٌّ ومجرورٌ مُتَعَلِّقٌ بقولِه: (عُكِسَ) الآتي، (عُكِسَا) فعلٌ ماضٍ مبنيٌّ للمجهولِ، والألفُ للإطلاقِ، ونائبُ الفاعلِ ضميرٌ مستترٌ فيه جَوَازاً تَقْدِيرُهُ هو يعودُ إلى (الأمرُ)، والجملةُ من عُكِسَ ونائبِ فاعلِه في مَحَلِّ رفعِ خبرِ المبتدأِ الثاني، وجملةُ المبتدأِ الثاني وخبرُه في مَحَلِّ رفعِ خبرِ المبتدأِ الأوَّلِ.

    ([7])أنتَ إذا قُلْتَ: (عَسَى زَيْدٌ أنْ يَقُومَ) فزيدٌ: اسمُ عَسَى، وأنْ والفِعْلُ في تأويلِ مَصْدَرٍ خبرُه، ويَلْزَمُ على ذلك الإخبارُ باسمِ المعنى ـ وهو المصدَرُ ـ عن اسمِ الذاتِ، وهو زيدٌ، وهو غيرُ الأصلِ والغالبِ في كلامِ العربِ.
    وللعلماءِ في الجوابِ عن ذلكَ أربعةُ وُجُوهٍ:
    أَوَّلُها: أنَّ الكلامَ حينَئذٍ على تقديرِ مضافٍ، إما قَبْلَ الاسمِ، وكأنك قُلْتَ: عَسَى أمرُ زيدٍ القيامَ، وإما قبلَ الخبرِ، وكأنك قلتَ: عسى زيدٌ صَاحِبَ القيامِ، فعلى الأوَّل تكونُ قد أَخْبَرْتَ باسْمِ مَعْنًى عن اسمِ معنًى، وعلى الثاني تكونُ قد أَخْبَرْتَ باسمٍ يَدُلُّ على الذاتِ عن اسمِ ذاتٍ؛ لأنَّ اسمَ الفاعلِ يَدُلُّ على الذاتِ التي وَقَعَ منها الحَدَثُ أو قامَ بها.
    وثانيها: أنَّ هذا المصدرَ في تأويلِ الصفةِ، وكأنك قد قلتَ: عَسَى زيدٌ قَائِماً.
    وثالِثُها: أنَّ الكلامَ على ظاهِرِهِ، والمقصودُ المبالغةُ في زيدٍ حتى كَأَنَّهُ هو نَفْسُ القيامِ.
    وهذه الوجوهُ الثلاثةُ جاريَةٌ في كلِّ مصدرٍ ـ صَرِيحٍ أو مُؤَوَّلٍ ـ يُخْبَرُ به عن اسمِ الذاتِ، أو يَقَعُ نعتاً لاسمِ ذاتٍ، أو يَجِيءُ حالاً من اسمِ الذاتِ.
    ورابِعُها: أنَّ (أنْ) لَيْسَتْ مصدريَّةً في هذا الموضِعِ، بل هي زائدةٌ، فكأنك قلتَ: عسى زيدٌ يقومُ، وهذا وجهٌ ضعيفٌ؛ لأنَّها لو كانَتْ زائدةً لم تَعْمَلِ النصبَ، ولَسَقَطَتْ من الكلامِ في السَّعَةِ أحياناً، وهي لا تَسْقُطُ إلا نادراً لضرورةِ الشعرِ.

    ([8]) البيتُ لِهُدْبَةَ بنِ خَشْرَمٍ العُذْرِيِّ، من قصيدةٍ قالها وهو في الحَبْسِ، وقد رَوَى أكثرَ هذا القصيدةِ أبو عليٍّ القَالِيُّ في أماليه، ورَوَى أبو السَّعَادَاتِ بنُ الشَّجَرِيِّ في حَمَاسَتِه منها أكثرَ مما رَوَاهُ أبو عليٍّ، وأَوَّلُ هذه القصيدةِ قولُه:
    طَرِبْتَ وَأَنْتَ أَحْياناً طَرُوبُ = وكيفَ وقدْ تَعَلاَّكَ المَشِيبُ؟
    يُجِدُّ النَّأْيُ ذِكْرَكِ في فُؤَادِي = إِذَا ذُهِلَتْ على النأيِ القُلُوبُ
    يُؤَرِّقُنِي اكْتِئَابُ أَبِي نُمَيْرٍ = فقلبي مِن كآبَتِه كَئِيبُ
    فقلتُ له هداكَ اللهُ مَهْلاً = وخَيْرُ القولِ ذو اللُّبِّ المُصِيبُ
    عَسَى الكَرْبُ الذي أَمْسَيْتَ فيهِ = يكونُ وَرَاءَهُ فَرَجٌ قَرِيبُ
    اللغةُ: (طَرِبْتَ) الطَّرَبُ: خِفَّةٌ تُصِيبُ الإنسانَ مِن فَرَحٍ أو حُزْنٍ، (النَّأْيُ) البُعْدُ، (الكَرْبُ) الهَمُّ والغَمُّ، (أَمْسَيْتَ) قالَ ابنُ =المُسْتَوْفِي: يُرْوى بضمِّ التاءِ وفَتْحِها، والنحْوِيُّونَ إنما يَرْوُونَه بضمِّ التاءِ، والفتحُ عندَ أبي حنيفةَ أَوْلَى؛ لأنَّه يُخَاطِبُ ابنَ عَمِّه أبا نُمَيْرٍ كما هو ظاهِرٌ من الأبياتِ التي رَوَيْنَاها، وكانَ أبو نُمَيْرٍ معَه في السِّجْنِ.
    الإعرابُ: (عَسَى) فعلٌ ماضٍ ناقصٌ، (الكَرْبُ) اسمُ عسَى مرفوعٌ به، (الذي) اسمٌ موصولٌ صفةٌ لِلْكَرْبِ، (أَمْسَيْتَ) أَمْسَى: فعلٌ ماضٍ ناقصٌ، والتاءُ اسمُه، (فيه) جارٌّ ومجرورٌ مُتَعَلِّقٌ بمحذوفٍ خبرُ أمسَى، والجملةُ مِن أَمْسَى واسمِه وخبرِه لا مَحَلَّ لها؛ صلةُ الموصولِ، (يكونُ) فعلٌ مضارِعٌ ناقصٌ، واسمُه ضميرٌ مستترٌ فيه، (وَرَاءَهُ) وَرَاءَ: ظرفٌ متعلِّقٌ بمحذوفٍ خبرٌ مُقَدَّمٌ، ووَرَاءَ مضافٌ والهاءُ مضافٌ إليه، (فَرَجٌ) مبتدأٌ مُؤَخَّرٌ، (قَرِيبُ) صفةٌ لِفَرَجٌ، والجملةُ من المبتدأِ والخبرِ في محَلِّ نصبِ خبرِ (يكونُ)، والجملةُ من (يكونُ) واسمِها وخَبَرِها في محَلِّ نصبِ خبرِ (عَسَى).
    الشاهدُ فيه: قولُه: (يكونُ وَرَاءَهُ...إلخ) حيثُ وَقَعَ خبرُ (عسى) فعلاً مضارعاً مجرَّداً من (أنِ) المصدريَّةِ، وذلك قليلٌ، ومثلُه الشاهدُ الذي بعدَه (ش 87) وقولُ الآخَرِ:
    عسَى اللهُ يُغْنِي عن بلادِ ابنِ قَادِرٍ = بِمُنْهَمِرٍ جَوْنِ الرَّبَابِ سَكُوبِ
    (المنهَمِرُ): أرادَ به الكثيرَ، (والجَوْنُ): الأسودُ، والرَّبابُ: السَّحابُ، والسحابُ الأسودُ دَلِيلٌ على أنه حافلٌ بالمطرِ، ومثلُ هذه الأبياتِ قولُ الآخَرِ:
    فأمَّا كَيِّسٌ فَنَجَا ولَكِنْ = عَسَى يَغْتَرُّ بي حَمِقٌ لَئِيمُ


    ([9]) البيتُ مِن الشواهدِ التي لا يُعْلَمُ قَائِلُها، وألفاظُه كلُّها ظاهرةُ المعنَى.
    الإعرابُ: (عَسَى) فعلٌ ماضٍ ناقصٌ، (فَرَجٌ) اسمُه، (يأتي) فعلٌ مضارِعٌ، (به) جارٌّ ومجرورٌ مُتَعَلِّقٌ بيأتي، (اللهُ) فاعلُ يأتي، والجملةُ مِن الفعلِ والفاعلِ في محَلِّ نصبِ خبرِ عسَى، (إنه) إنَّ: حرفُ توكيدٍ ونصبٍ، والهاءُ ضميرُ الشأنِ اسمُه، (له) جارٌّ ومجرورٌ مُتَعَلِّقٌ بمحذوفٍ خبرٌ مُقَدَّمٌ، (كُلَّ) منصوبٌ على الظرفيَّةِ الزمانيَّةِ لإضافتِه إلى اسمِ الزمانِ، مُتَعَلِّقٌ بما تَعَلَّقَ به الجارُّ والمجرورُ قَبْلَه، وكلَّ مضافٌ و(يَوْمٍ) مضافٌ إليه، (في خَلِيقَتِهِ) الجارُّ والمجرورُ يَتَعَلَّقُ بما تَعَلَّقَ به الجارُّ والمجرورُ السابِقُ، وخَلِيقَةِ مضافٌ والضميرُ الموضوعُ للغائِبِ العائدُ إلى اللهِ تعالى مضافٌ إليه، (أَمْرُ) مبتدأٌ مُؤَخَّرٌ، والجملةُ من المبتدأِ وخبرِه في محَلِّ رفعِ خبرِ (إنَّ).
    الشاهدُ فيه: قولُه: (يأتي به اللهُ)؛ حيثُ جاءَ خَبَرُ (عَسَى) فِعْلاً مضارعاً مجرَّداً من أنِ المصدريَّةِ، وهذا قليلٌ، ومِثْلُه ـ سِوَى ما ذَكَرْنَاهُ معَ الشاهِدِ 86 ـ قولُ الفَرَزْدَقِ:
    وَمَاذَا عَسَى الحَجَّاحُ يَبْلُغُ جَهْدُهُ = إِذَا نَحْنُ جَاوَزْنَا حَفِيرَ زِيَادِ
    وفي بيتِ الفرزدقِ هذا شاهدٌ آخَرُ، وحاصلُه: أنَّه يجوزُ في الفعلِ المضارعِ الذي يَقَعُ خبراً لعسَى خاصَّةً أنْ يَرْفَعَ اسماً ظاهراً مضافاً إلى ضميرٍ يعودُ إلى اسمِ عَسَى.
    فأمَّا غيرُ (عَسَى) من أفعالِ هذا البابِ فلا يجوزُ في الفعلِ المضارِعِ الواقعِ خَبَراً لها إلاَّ أنْ يكونَ رافعاً لضميرٍ مستترٍ يعودُ على الاسمِ، وأما قولُ ذِي الرُّمَّةِ:
    وأُسْقِيهِ حَتَّى كَادَ مِمَّا أَبُثُّهُ = تُكَلِّمُنِي أَحْجَارُهُ وَمَلاَعِبُهْ
    فظاهِرُه أنَّ المضارِعَ الواقِعَ خَبَراً لكادَ، وهو (تُكَلِّمُنِي)، رَفَعَ اسماً ظاهراً مضافاً إلى ضميرِ الاسمِ، وهو (أَحْجَارُهُ)، فهذا ونحوُه شاذٌّ أو مُؤَوَّلٌ.
    أمَّا بيتُ الشاهدِ (رَقْمُ 87) فقد رَفَعَ المضارِعُ فيه اسماً أجنبيًّا من اسمِ عَسَى، فلا هو ضميرُ الاسمِ، ولا هو اسمٌ ظاهِرٌ مضافٌ إلى الاسمِ، وذلك شاذٌّ أيضاًً.

    ([10])ومثلُ الآيتيْنِ الكريمتيْنِ قولُ أحدِ أصحابِ مُصْعَبِ بنِ الزُّبَيْرِ، يَرْثِيهِ، وهو الشاهِدُ (رَقْمُ 149) الآتي في بابِ الفاعلِ:
    لَمَّا رَأَى طَالِبُوهُ مُصْعَباً ذُعِرُوا = وكادَ - لو سَاعَدَ المَقْدُورُ - يَنْتَصِرُ
    الشاهِدُ فيه: قولُه: (كادَ يَنْتَصِرُ)؛ فإنَّ الفعلَ المضارِعَ الواقِعَ خبراً لكادَ لم يَقْتَرِنْ بأنْ.

    ([11]) هذا البيتُ من الشواهدِ التي يَذْكُرُها كثيرٌ مِن النُّحاةِ وعلماءِ اللغةِ غيرَ مَنْسُوبَةٍ إلى قائلٍ معيَّنٍ، وقد عَثَرْنَا بعدَ طَويلِ البَحْثِ على أنه مِن كَلِمَةٍ لمُحَمَّدِ بنِ مُنَاذِرٍ، أحدِ شعراءِ البصرةِ، يَرْثِي فيها رجلاً اسْمُه عبدُ المَجِيدِ بنُ عَبْدِ الوَهَّابِ الثَّقَفِيُّ، وقبلَه:
    إنَّ عَبْدَ المَجِيدِ يَوْمَ تُوُفِّي = هَدَّ رُكْناً ما كانَ بالمَهْدُودِ
    لَيْتَ شِعْرِي وهلْ دَرَى حَامِلُوهُ = ما على النَّعْشِ مِن عَفَافٍ وجُودِ
    اللغةُ: (تَفِيضَ) من قَوْلِهِم: (فاضَتْ نَفْسُ فلانٍ)، ويُرْوَى في مكانِه: (تَفِيظَ)، وكلُّ الرواةِ يُجِيزُونَ أن تقولَ: فاضَتْ نفسُ فلانٍ. إلا الأَصْمَعِيَّ؛ فإنَّه أبَى إلا أنْ تقولَ: فاظَتْ نَفْسُ فلانٍ. بالظاءِ، وكلامُ غيرِ الأصمعيِّ أَسَدُّ؛ فهذا البيتُ الذي نَشْرَحُهُ دليلٌ على صِحَّتِه، وكذلك قولُ الآخَرِ:
    تَفِيضُ نُفُوسُها ظَمَأً وَتَخْشَى = حِمَاماً فهْيَ تَنْظُرُ مِن بَعِيدِ

    وقولُ الراجِزِ:
    تَجَمَّعَ الناسُ وقالوا عُرْسُ = فَفُقِئَتْ عَيْنٌ وفَاضَتْ نَفْسُ
    وقولُ الشاعرِ في بيتِ الشاهدِ: (رَيْطَةٍ) بفتحِ الراءِ وسكونِ الياءِ المُثَنَّاةِ: المُلاَءَةُ إذا كانَتْ قِطعةً واحدةً، وأرادَ هنا الأكفانَ التي يُلَفُّ فِيها الميِّتُ.
    الإعرابُ: (كَادَتْ) كادَ: فعلٌ ماضٍ ناقصٌ، والتاءُ للتأنيثِ، (النَّفْسُ) اسمُ كادَ، (أَنْ) مصدريَّةٌ، (تَفِيضَ) فعلٌ مضارعٌ منصوبٌ بأنْ، وفاعلُه ضميرٌ مستترٌ فيه جَوَازاً تَقْدِيرُهُ هي يعودُ إلى النفسُ، وأنْ معَ ما دَخَلَتْ عليه في تأويلِ مصدرٍ منصوبٍ يَقَعُ خَبَراً لكادَ، (عَلَيْهِ) جارٌّ ومجرورٌ مُتَعَلِّقٌ بقَوْلِهِ: تَفِيضَ السابِقِ، (إذَا) ظرفٌ للماضِي من الزمانِ متعلِّقٌ بقولِه: (تَفِيضَ) أيضاًً، (غَدَا) فعلٌ ماضٍ بمعنى صارَ، واسْمُه ضميرٌ مستترٌ فيه جَوَازاً تَقْدِيرُهُ هو يعودُ على عبدِ المَجِيدِ المَرْثِيِّ، (حَشْوَ) خبرُ غَدَا، وحَشْوَ مضافٌ و(رَيْطَةٍ) مضافٌ إليه، (وبُرُودِ) معطوفٌ على رَيْطَةٍ.
    الشاهدُ فيه: قولُه: (أنْ تَفِيضَ)؛ حيثُ أَتَى بخبرِ (كادَ) فِعلاً مضارعاً مُقترناً بأنْ، وذلك قليلٌ، والأكثرُ أنْ يَتَجَرَّدَ منها، ومثلُ هذا البيتِ قولُ الشاعرِ:
    أَبَيْتُمْ قَبُولَ السِّلْمِ مِنَّا فَكِدْتُمُ = لَدَى الحربِ أنْ تُغْنُوا السيوفَ عنِ السَّلِّ
    وقولُ رُؤْبَةَ بنِ العَجَّاجِ:
    رَبْعٌ عَفَاهُ الدَّهْرُ طُولاً فَامَّحَى = قدْ كادَ مِن طُولِ البِلَى أنْ يَمْصَحَا
    ومنهُ قولُ جُبَيْرِ بنِ مُطْعِمٍ رَضِيَ اللهُ تعالى عنه: (كادَ قَلْبِي أنْ يَطِيرَ).
    ومعَ وُرُودِ المضارِعِ الواقِعِ خبراً لكاد مقترناً بأنْ ـ في الشعرِ والنثرِ ـ نَرَى أنَّ قولَ الأَنْدَلُسِيِّينَ: إنَّ اقترانَه بأنْ معَ كادَ ضرورةٌ لا يَجُوزُ ارتكابُها إلا في الشعرِ. غيرُ سديدٍ، والصوابُ ما ذَكَرَه الناظِمُ ـ مِن أنَّ تَجَرُّدَ خبرِ كادَ من أنِ المصدريَّةِ كثيرٌ في كلامِ العربِ، واقترانَه بأنْ قَلِيلٌ، لكنه ليسَ شاذًّا ـ وهو في هذا تابِعٌ لِسِيبَوَيْهِ.

    ([12])(كَعَسى) جارٌّ ومجرورٌ مُتَعَلِّقٌ بمحذوفٍ خبرٌ مُقَدَّمٌ، (حَرَى) قُصِدَ لفظُه: مبتدأٌ مُؤَخَّرٌ، (ولَكِنْ) حرفُ استدراكٍ، (جُعِلاَ) جُعِلَ: فعلٌ ماضٍ مبنيٌّ للمجهولِ، والألفُ للإطلاقِ، (خَبَرُهَا) خبرُ نائبُ فاعلِ جُعِلَ ـ وهو مفعولٌ أوَّلُ ـ وخبرُ مضافٌ والضميرُ مضافٌ إليه، (حَتْماً) صفةٌ لموصوفٍ محذوفٍ يَقَعُ مفعولاً مطلقاً؛ أي: اتِّصالاً حَتْماً، (بأنْ) جارٌّ ومجرورٌ مُتَعَلِّقٌ بقَوْلِهِ: مُتَّصلا الآتي، (مُتَّصِلاَ) مفعولٌ ثانٍ لجُعِلَ.

    ([13])(وَأَلْزَمُوا) فعلٌ وفاعلٌ، (اخْلَوْلَقَ) قُصِدَ لفظُه: مفعولٌ أوَّلُ لأَلْزَمَ، (أنْ) قُصِدَ لفظُه أيضاًً: مفعولٌ ثانٍ لأَلْزَمَ، (مِثْلَ) حالٌ صاحِبُه قولُه: (اخْلَوْلَقَ) السابِقُ، ومثلَ مضافٌ و(حَرَى) قُصِدَ لفظُه: مضافٌ إليه، (وبعدَ) ظرفٌ متعلِّقٌ بقولِهِ: (انْتِفَا) الآتي، وبعدَ مضافٌ و(أَوْشَكَ) قُصِدَ لفظُه: مضافٌ إليه، (انْتِفَا) قُصِرَ للضرورةِ: مبتدأٌ، وانْتِفَا مضافٌ و(أنْ) قُصِدَ لفظُه: مضافٌ إليه، (نَزَرَا) فعلٌ ماضٍ، والألفُ للإطلاقِ، والفاعلُ ضميرٌ مستترٌ فيه جَوَازاً تَقْدِيرُهُ هو يعودُ إلى انْتِفَا، والجملةُ في مَحَلِّ رفعِ خبرِ المبتدأِ الذي هو انْتِفَا.
    وتقديرُ البيتِ: وأَلْزَمَ العربُ اخْلَوْلَقَ (أنْ) حَالَ كونِه مُشبهاً في ذلكَ حَرَى، وانتفاءُ أنْ بعدَ أَوْشَكَ قد قَلَّ.

    ([14]) هذا البيتُ أَنْشَدَهُ ثَعْلَبٌ في أَمَالِيهِ (ص 433) عن ابنِ الأعرابِيِّ، ولم يَنْسُبْهُ إلى أحدٍ، ورَوَاهُ الزَّجَّاجِيُّ في أماليه أيضاًً (126) وقبلَه:
    أبا مَالِكٍ، لا تَسْأَلِ الناسَ وَالْتَمِسْ = بِكَفَّيْكَ فَضْلَ اللهِ واللهُ أَوْسَعُ
    المعنى: إنَّ مِن طَبْعِ الناسِ أنهم لو سُئِلُوا أنْ يُعْطُوا أَتْفَهَ الأشياءِ، وأَهْوَنَها خَطَراً وأَقَلَّهَا قِيمةً ـ لَمَا أجابوا، بل إنهم لَيَمْنَعُونَ السائلَ ويَمَلُّونَ السؤالَ.
    الإعرابُ: (ولو) شرطيَّةٌ غيرُ جازمةٍ، (سُئِلَ) فعلٌ ماضٍ مبنيٌّ للمجهولِ فعلُ الشرطِ، (الناسُ) نائبُ فاعلِ سُئِلَ، وهو المفعولُ الأوَّلُ، (التُّرَابَ) مفعولٌ ثانٍ لسُئِلَ، (لأَوْشَكُوا) اللامُ واقعةٌ في جوابِ (لو)، وأَوْشَكَ: فعلٌ ماضٍ ناقِصٌ، وَوَاوُ الجماعةِ اسْمُه، (إِذَا) ظرفٌ للمُسْتَقْبَلِ مِن الزمانِ، (قِيلَ) فعلٌ ماضٍ مبنيٌّ للمجهولِ، (هَاتُوا) فعلُ أمرٍ وفاعلُه، وجُمْلَتُهما في محلِّ رفعِ نائبِ فاعلٍ لقِيلَ، وجملةُ قِيلَ ونائبِ فاعلِه في مَحَلِّ جرٍّ بإضافةِ (إذا) إليها، وجوابُ الشرطِ محذوفٌ، وجملةُ الشرطِ وجوابِه لا محَلَّ لها؛ مُعْتَرِضَةٌ بينَ أَوْشَكَ معَ مرفوعِها وخبرِها، (أنْ) مَصْدَرِيَّةٌ، (يَمَلُّوا) فِعْلٌ مضارعٌ منصوبٌ بأنْ، وواوُ الجماعةِ فاعلٌ، والجملةُ في محلِّ نصبِ خبرِ أَوْشَكَ، (وَيَمْنَعُوا) معطوفٌ على يَمَلُّوا.
    الشاهدُ فيه: يَسْتَشْهِدُ النُّحاةُ بهذا البيتِ ونحوِه على أمريْنِ:
    الأوَّلُ: في قولِهِ: (لأَوْشَكُوا)؛ حيثُ وَرَدَ (أَوْشَكَ) بصيغةِ الماضي، وهو يَرُدُّ على الأَصْمَعِيِّ وأبي عليٍّ اللذيْن أَنْكَرَا استعمالَ (أَوْشَكَ) وزَعَمَا أنه لم يُسْتَعْمَلْ من هذه المادَّةِ إلا (يُوشِكُ) المضارِعُ، وسيأتي للشارحِ ذِكْرُ هذا، والاستشهادُ له بهذا البيتِ (ص 338).
    والأمرُ الثاني: في قولِه: (أنْ يَمَلُّوا)؛ حيثُ أَتَى بخبرِ (أَوْشَكَ) جملةً فعليَّةً فِعْلُها مضارِعٌ مقترِنٌ بأنْ، وهو الكثيرُ.
    ومن الشواهدِ على هذيْنِ الأمريْنِ قولُ جَرِيرٍ يَهْجُو العبَّاسَ بنَ يَزِيدَ الكِنْدِيَّ:
    إذا جَهِلَ الشَّقِيُّ ولم يُقَدِّرْ = ببعضِ الأمرِ أَوْشَكَ أَنْ يُصَابَا
    وقولُ الكَلْحَبَةِ اليَرْبُوعِيِّ:
    إذا المَرْءُ لَمْ يَغْشَ الكَرِيهَةَ أَوْشَكَتْ = حِبالُ الهُوَيْنَى بالْفَتَى أنْ تَقَطَّعَا

    ([15]) البيتُ لأُمَيَّةَ بنِ أبي الصَّلْتِ، أحدِ شعراءِ الجاهليَّةِ، وزَعَمَ صاعِدٌ أنَّ البيتَ لرجلٍ من الخوارِجِ، وليسَ ذلكَ بشيءٍ، وهو من شواهدِ سِيبَوَيْهِ (ج 2ص 479).
    اللغةُ: (مَنِيَّتِهِ) المَنِيَّةُ: الموتُ، (غِرَّاتِهِ) جمعُ غِرَّةٍ ـ بكسرِ الغينِ ـ وهي الغَفْلَةُ، (يُوَافِقُهَا) يُصِيبُها ويَقَعُ عليها.
    المعنى: إنَّ مَن فَرَّ من الموتِ في الحربِ لَقَرِيبُ الوقوعِ بينَ براثِنِه في بعضِ غَفَلاَتِه، والغرضُ تَشْجِيعُ المخاطَبينَ على اقتحامِ أهوالِ الحروبِ وخَوْضِ مَعَامِعِها؛ إذ إنَّ الموتَ ولا بُدَّ نازلٌ بكلِّ أحدٍ.
    الإعرابُ: (يُوشِكُ) فِعْلٌ مضارِعٌ ناقِصٌ، (مَن) اسمٌ موصولٌ اسمُ يُوشِكُ، (فَرَّ) فعلٌ ماضٍ، والفاعلُ ضميرٌ مستترٌ فيه جَوَازاً تَقْدِيرُهُ هو يعودُ إلى الاسمِ الموصولِ، والجملةُ لا مَحَلَّ لها صلةٌ، (مِن مَنِيَّتِهِ) الجارُّ والمجرورُ مُتَعَلِّقٌ بفَرَّ، ومَنِيَّةِ مضافٌ والهاءُ مضافٌ إليه، (في بعضِ) الجارُّ والمجرورُ متعلِّقٌ بقولِه: (يُوَافِقُها) الآتي، وبعضِ مضافٌ وغِرَّاتِ مِن (غرَّاتِهِ) مضافٌ إليه، وغِرَّاتِ مضافٌ وضميرُ الغائبِ مضافٌ إليه، (يُوَافِقُها) يُوَافِقُ: فِعْلٌ مضارِعٌ، وفاعلُه ضميرٌ مستترٌ فيه جوازاً تَقْدِيرُهُ هو، والضميرُ البارِزُ الذي هو للغائبةِ مفعولٌ به، وجملةُ يُوَافِقُها في محلِّ نصبِ خبرِ (يُوشِكُ).
    الشاهدُ فيه: (يُوَافِقُها)؛ حيثُ أَتَى بخبرِ (يُوشِكُ) جملةً فعليةً فِعْلُها مضارِعٌ مُجَرَّدٌ مِن (أنْ)، وهذا قليلٌ.

    ([16])(مِثْلُ) خبرٌ مُقَدَّمٌ، ومثلُ مضافٌ و(كادَ) قُصِدَ لفظُه: مضافٌ إليه، (في الأَصَحِّ) جارٌّ ومجرورٌ مُتَعَلِّقٌ بقولِه: (مثلُ)؛ لِتَضَمُّنِهِ معنى المُشْتَقِّ، (كَرَبَا) قُصِدَ لفظُه: مبتدأٌ مُؤَخَّرٌ، (وَتَرْكُ) مبتدأٌ، وترْكُ مضافٌ و(أنْ) قُصِدَ لفظُه: مضافٌ إليه، (مَعَ) ظرفٌ متعلِّقٌ بتَرْكُ، ومعَ مضافٌ و(ذي) مضافٌ إليه، وذي مضافٌ و(الشُّرُوعِ) مضافٌ إليه، (وَجَبَا) فعلٌ ماضٍ، والألفُ للإطلاقِ، والفاعلُ ضميرٌ مستترٌ فيه جَوَازاً تَقْدِيرُهُ هو يعودُ إلى تَرْكُ الواقِعِ مبتدأً، والجملةُ من وَجَبَ وفاعلِه في محلِّ رفعِ خبرِ المبتدأِ.

    ([17])(كأَنْشَأَ) الكافُ جارَّةٌ لقولٍ محذوفٍ، أَنْشَأَ: فعلٌ مَاضٍ ناقِصٌ، (السائِقُ) اسْمُه، (يَحْدُو) فعلٌ مضارعٌ مرفوعٌ بضمَّةٍ مقدَّرَةٍ على الواوِ مَنَعَ مِن ظُهُورِها الثِّقَلُ، وفاعلُه ضميرٌ مستترٌ فيه، والجملةُ من الفعلِ وفاعلِه في مَحَلِّ نصبِ خبرِ أَنْشَأَ، (وطَفِقْ) معطوفٌ على أَنْشَأَ، (كَذَا) جارٌّ ومجرورٌ مُتَعَلِّقٌ بمحذوفٍ خبرٌ مُقَدَّمٌ، (جَعَلْتُ) قُصِدَ لفظُه: مبتدأٌ مُؤَخَّرٌ، (وَأَخَذْتُ وَعَلِقْ) معطوفانِ على جَعَلْتُ.

    ([18]) قِيلَ: إنَّ هذا البيتَ لرجلٍ مِن طَيِّئٍ، وقالَ الأَخْفَشُ: إنه للكَلْحَبَةِ اليَرْبُوعِيِّ أَحَدِ فُرسانِ بني تَمِيمٍ وشُعَرَائِهِم المُجِيدِينَ.
    اللغةُ: (جَوَاهُ) الجَوَى: شِدَّةُ الوَجْدِ، (الوُشَاةُ) جمعُ وَاشٍ، وهو النمَّامُ السَّاعِي بالإفسادِ بينَ المُتَوَادِّينَ، والذي يَسْتَخْرِجُ الحديثَ بلُطْفٍ، ويُرْوَى: (حينَ قالَ العَذُولُ) وهو اللائِمُ، (غَضُوبُ) صفةٌ مِن الغَضَبِ يَسْتَوِي فيها المذكَّرُ والمؤنَّثُ؛ كصَبُورٍ.
    المعنى: لقدْ قَرُبَ قلبي أنْ يَذُوبَ مِن شِدَّةِ ما حَلَّ به مِن الوَجْدِ والحُزنِ حينَ أَبْلَغَنِي الوُشَاةُ الذين يَسْعُونَ بالإفسادِ بَيْنِي وبينَ مَن أُحِبُّهَا أنها غاضِبَةٌ عَلَيَّ.
    الإعرابُ: (كَرَبَ) فعلٌ ماضٍ ناقصٌ، (القَلْبُ) اسْمُه، (مِن جَوَاهُ) الجارُّ والمجرورُ مُتَعَلِّقٌ بقولِهِ: (يَذُوبُ) الآتي، أو بقولِه: (كَرَبَ) السابِقِ، وجَوًى مضافٌ وضميرُ الغائبِ العائدُ إلى القلبِ مضافٌ إليه، (يَذُوبُ) فعلٌ مضارعٌ، وفاعلُه ضميرٌ مستترٌ فيه جَوَازاً تَقْدِيرُهُ هو يعودُ إلى القلبِ، والجملةُ من يَذُوبُ وفاعلِه في مَحَلِّ نصبِ خبرِ كَرَبَ، (حِينَ) منصوبٌ على الظرفيَّةِ الزمانيَّةِ مُتَعَلِّقٌ بقَوْلِهِ: يَذُوبُ السابِقِ، (قالَ) فعلٌ ماضٍ، (الوُشَاةُ) فاعلُ قالَ، (هِنْدٌ) مبتدأٌ، (غَضُوبُ) خبرُه، وجملةُ المبتدأِ والخبرِ في محلِّ نصبِ مقولِ القولِ، وجملةُ قالَ وفاعلِه ومفعولِه في محلِّ جرٍّ بإضافةِ (حِينَ) إليها.
    الشاهدُ فيه: قولُه: (يَذُوبُ)؛ حيثُ أَتَى بخَبَرِ (كَرَبَ) فعلاً مضارعاً مُجَرَّداً مِن أنْ.

    ([19]) البيتُ لأبي يَزِيدَ الأَسْلَمِيِّ، مِن كَلِمَةٍ له يَهْجُو فيها إبراهيمَ بنَ هِشَامِ بنِ إسماعيلَ بنِ هِشامِ بنِ المُغِيرَةِ، والِيَ المدينةِ مِن قِبَلِ هِشَامِ بنِ عبدِ المَلِكِ بنِ مَرْوَانَ، وكانَ قد مَدَحَه من قَبْلُ فلم تَرُقْهُ مِدْحَتُه، ولم يُعْطِهِ، ولم يَكْتَفِ بالحِرمانِ، بل أَمَرَ به فضُرِبَ بالسِّيَاطِ، وأوَّلُ هذه الكَلِمَةِ قولُه:
    مَدَحْتُ عُرُوقاً لِلنَّدَى مَصَّتِ الثَّرَى = حَدِيثاً فلم تَهْمُمْ بأنْ تَتَرَعْرَعَا
    نَقَائِذَ بُؤْسٍ ذَاقَتِ الفَقْرَ والغِنَى = وحَلَّبَتِ الأيامَ والدَّهْرَ أَضْرُعَا
    اللغةُ: (مَصَّتِ الثَّرَى حَدِيثاً) أرادَ أنهم حَدِيثُو عَهْدٍ بنِعْمَةٍ، فكَنَّى عن ذلك المعنى بهذه العبارةِ، ولمَّا عَبَّرَ عنهم أَوَّلاً بالعروقِ جَعَلَ الكنايةَ من جِنْسِ ذلك الكلامِ، (بأَنْ تَتَرَعْرَعَا) يُرْوَى بِرَاءَيْنِ مُهْمَلَتَيْنِ بينَهما عينٌ مهملةٌ، ويُرْوَى: (تَتَزَعْزَعَا) بزائيْنِ معجمتيْنِ بينَهما عينٌ مهملةٌ كذلك، ومعناه تَتَحَرَّكُ، يريدُ أنهم حَدَثَتْ لهم النعمةُ بعدَ البُؤْسِ والضِّيقِ، فليسَ لهم في الكرمِ عِرْقٌ ثَابِتٌ، فهم لا يَتَحَرَّكُونَ للبَذْلِ، ولا تَهِشُّ نفوسُهم للعَطاءِ، (نَقَائِذَ) جمعُ نَقِيذٍ بمعنى اسمِ المفعولِ، يُرِيدُ أنَّ ذَوِي قَرَابَةِ هؤلاء أَنْقَذُوهم مِن البُؤْسِ والفقرِ، (أَضْرُع) هو جمعُ ضَرْعٍ، والعبارةُ مأخوذةٌ من قولِ العربِ: حَلَبَ فلانٌ الدهرَ أَشْطُرَه، يريدونَ: ذاقَ حُلْوَه ومُرَّهُ، (ذَوُو الأحلامِ) أصحابُ العقولِ، ويُرْوَى: (ذوو الأرحامِ) وهمُ الأقارِبُ مِن جِهَةِ النساءِ، (سَجْلاً) ـ بفتحٍ فسكونٍ ـ الدَّلْوُ ما دامَ فيها ماءٌ، قليلاً كانَ ما فيها من الماءِ أو كثيراً، وجمعُه سِجَالٌ، فإنْ لم يَكُنْ فيها ماءٌ أصلاً فهي دَلْوٌ لا غَيْرُ، ولا يقالُ حينَئذٍ: سَجْلٌ. والغَرْبُ - بفتحِ الغينِ المعجمةِ وسكونِ الراءِ المهملةِ - وكذلكَ الذَّنُوبُ - بفتحِ الذالِ المعجمةِ - مثلُ السَّجْلِ.
    يُرِيدُ: أن الذي مَنَحَه ذوو أرحامِ هؤلاء إيَّاهُم شيءٌ كَثِيرٌ لو وُزِّعَ على الناسِ جميعاً لوَسِعَهُم وكَفَاهُم، ولكِنَّهم قومٌ بُخَلاَءُ ذَوُو أَثَرَةٍ وأَنَانِيةٍ، فلا يَجُودُونَ وإنْ كَثُرَ ما بأَيْدِيهِم وزَادَ عن حاجَتِهِم.
    المعنى: إن هذه العروقَ التي مَدَحْتُها فرَدَّتْنِي إنما هي عروقٌ ظَلَّتْ في الضَّرِّ والبُؤْسِ حتى أَنْقَذَها ذَوُو أَرْحَامِها بعدَ أنْ أَوْشَكَتْ أنْ تَمُوتَ، ويَقْصِدُ بذوي أَرْحَامِها بَنِي مَرْوَانَ.
    الإعرابُ: (سَقَاهَا) سَقَى: فعلٌ ماضٍ، وضميرُ الغائبةِ مفعولُه الأوَّلُ، (ذَوُو) فاعلُ سَقَى، وذوو مضافٌ و(الأحلامِ) مضافٌ إليه، (سَجْلاً) مفعولٌ ثانٍ لِسَقَى، (على الظَّمَا) جارٌّ ومجرورٌ مُتَعَلِّقٌ بِسَقَاها، (وقد) الواوُ واوُ الحالِ، قدْ: حرفُ تَحْقِيقٍ، (كَرَبَتْ) كَرَبَ: فعلٌ ماضٍ ناقِصٌ، والتاءُ تاءُ التأنيثِ، (أَعْنَاقُهَا) أعناقُ: اسمُ كَرَبَ، وأعناقُ مضافٌ والضميرُ مضافٌ إليه، (أنْ) مصدريَّةٌ، (تَقَطَّعَا) فعلٌ مضارعٌ حُذِفَتْ منه إحدَى التاءيْنِ ـ وأصلُه: تَتَقَطَّعَا ـ منصوبٌ بأنْ، والألفُ للإطلاقِ، والفاعلُ ضميرٌ مستتِرٌ فيه جَوَازاً تَقْدِيرُهُ هي يعودُ إلى أعناقُ، والجملةُ في مَحَلِّ نصبِ خبرِ كَرَبَ، والجملةُ مِن كَرَبَ واسمِها وخَبَرِها في محلِّ نصبٍ حالٌ.
    الشاهدُ فيه: قولُه: (أنْ تَقَطَّعَا)؛ حيثُ أَتَى بخَبَرِ (كَرَبَ) فِعلاً مضارعاً مُقْتَرِناً بأنْ، وهو قليلٌ، حتى إنَّ سِيبَوَيْهِ لم يَحْكِ فيه غيرَ التجرُّدِ من (أنْ)، وفي مثلِ هذا البيتِ رَدٌّ عليه.
    ومثلُه قولُ الراجِزِ، وهو رُؤْبَةُ بنُ العَجَّاجِ:
    قدْ بُرْتَ أَوْ كَرَبْتَ أَنْ تَبُورَا = لَمَّا رَأَيْتَ بَيْهَساً مَثْبورَا

    ومِن وُرُودِ خَبَرِ (كَرَبَ) مضارعاً غيرَ مُقْتَرِنٍ بأنْ ـ سِوَى الشاهدِ السابقِ (رَقْمِ 91) ـ قولُ عمرَ بنِ أبي رَبِيعَةَ المَخْزُومِيِّ.
    فلا تَحْرِمِي نَفْساً عليكِ مَضِيقَةً = وقد كَرَبَتْ مِن شِدَّةِ الوَجْدِ تَطْلُعُ

    ([20])(واسْتَعْمَلُوا) فِعْلٌ وفاعلٌ، (مُضَارِعاً) مفعولٌ به لاسْتَعْمَلَ، (لأَوْشَكَا) جارٌّ ومجرورٌ مُتَعَلِّقٌ بقَوْلِهِ: اسْتَعْمَلُوا، (وكادَ) معطوفٌ على أَوْشَكَ، (لا) عاطفةٌ، (غيرُ) معطوفٌ على أَوْشَكَ، مبنيٌّ على الضمِّ لقطعِه عن الإضافةِ في محلِّ جرٍّ، (وزَادُوا) فعلٌ وفاعلٌ، (مُوشِكَا) مفعولٌ به لزادَ.

    ([21])هذا هو الشاهِدُ رَقْمُ (90)، وقد سَبَقَ شَرْحُه قريباً؛ فانْظُرْه (ص 333)، ومحَلُّ الشاهدِ فيه هنا قولُه: (يُوشِكُ)؛ حيثُ اسْتَعْمَلَ فِعلاً مُضارعاً لأَوْشَكَ، كما بَيَّنَّاهُ في الموضِعِ الذي أَحَلْناكَ عليه.

    ([22])هذا هو الشاهِدُ رَقْمُ (89)، وقد سَبَقَ شَرْحُه قَرِيباً؛ فانْظُرْهُ في (ص 222)، والاستشهادُ به ههنا بقولِه: (أَوْشَكُوا)؛ حيثُ اسْتَعْمَلَ الفعلَ الماضيَ، وفيه رَدٌّ على الأصمعيِّ وأبي عليٍّ؛ حيثُ أَنْكَرَا استعمالَ الفعلِ الماضي وصيغةِ المضارِعِ المبنيِّ للمجهولِ، على ما حكَاه ابنُ مالِكٍ عنهما، وقد بَيَّنَّا ذلك في الموْضِعِ الذي أَحَلْنَاكَ عليه.

    ([23])93- هذا البيتُ لأبي سَهْمٍ الهُذَلِيِّ، وبعدَه قولُه:
    وتُوحِشُ في الأرضِ بعدَ الكلامِ = ولا تُبْصِرُ العيْنُ فيه كِلاَبَا

    اللغةُ: (خِلافَ الأَنِيسِ)؛ :أي بعدَ المُؤَانِسِ، (وَحُوشاً) قَفْراً خَالِياً، وقد ضبَطَه بعضُ العلماءِ بضمِّ الواوِ على أنه جَمْع وَحْشٍ، والوحشُ: صِفَةٌ مشبَّهَةٌ، تقولُ: أرضٌ وَحْشٌ، تُرِيدُ خالِيَةً، وضَبَطَه آخرونَ بفتحِ الواوِ على أنه صفةٌ؛ كصَبُورٍ، (يَبَابَا) قالَ ابنُ مَنْظُورٍ في (اللِّسانِ): (اليَبَابُ عندَ العربِ: الذي ليسَ فيه أحدٌ، قالَ عمرُ بنُ أبي رَبِيعَةَ:
    ما على الرَّسْمِ بالبُلَيَّيْنِ لَوْ بَـ = ـيَّنَ رَجْعَ الجوابِ أَوْ لَوْ أَجَابَا
    فإلى قَصْرِ ذِي العَشِيرةِ فَالصـ = ـالِفِ أَمْسَى من الأَنِيسَ يَبَابَا

    معناه: خالياً لا أحدَ به). اهـ.
    الإعرابُ: (فمُوشِكَةٌ) خبرٌ مُقَدَّمٌ، وهو اسمُ فاعلٍ مِن أَوْشَكَ، ويَحْتَاجُ إلى اسمٍ وخبرٍ، واسمُه ضميرٌ مستترٌ فيه، (أَرْضُنَا) أرضُ: مبتدأٌ مُؤَخَّر، وأرضُ مضافٌ والضميرُ مضافٌ إليه، (أَنْ) مصدريةٌ، (تَعُودَ) فعلٌ مضارعٌ منصوبٌ بأنْ، والفاعلُ ضميرٌ مستترٌ فيه جَوَازاً تَقْدِيرُهُ هي يعودُ إلى أرضُ، (خِلاَفَ) منصوبٌ على الظرفيَّةِ، وناصِبُه (تعودَ)، وخلافَ مضافٌ و(الأَنِيسِ) مضافٌ إليه، (وحُوشاً) حالٌ مِن الضميرِ المستترِ في تعودَ، وقولُه: (يَبَابَا) حالٌ ثانيةٌ، وقيلَ: تأكيدٌ؛ لأنَّه بمعناه، وقيلَ: معطوفٌ عليه بحرفِ عطفٍ مقدَّرٍ، وأنْ وما دَخَلَتْ عليه في تأويلِ مصدرٍ خبرِ مُوشِكَ مِن حيثُ نُقْصَانُه.
    الشاهِدُ فيه: قولُه: (فَمُوشِكَةٌ)؛ حيثُ اسْتَعْمَلَ اسمَ الفاعلِ مِن أَوْشَكَ.
    ومثلُه قولُ كُثَيِّرِ بنِ عبدِ الرحمنِ الشهيرِ بكُثَيِّرِ عَزَّةَ:
    فإِنَّكَ مُوشِكٌ ألاَّ تَرَاهَا = وتَعْدُو دُونَ غَاضِرَةَ الْعَوَادِي

    ([24]) هذا البيتُ لِكُثَيِّرِ بنِ عبدِ الرحمنِ المعروفِ بكُثَيِّرِ عَزَّةَ، وهو مِن قصيدةٍ له طويلةٍ يَقُولُها في رِثاءِ عبدِ العزيزِ بنِ مَرْوَانَ أبي أميرِ المؤمنينَ عمرَ بنِ عبدِ العزيزِ الخليفةِ الأُمَوِيِّ العَادِلِ، وقبلَ بيتِ الشاهدِ قولُه:
    وكِدْتُ وَقَدْ سَالَتْ مِنَ العَيْنِ عَبْرَةٌ = سَهَا عَانِدٌ مِنْهَا وأَسْبَلَ عَانِدُ
    قَذِيتُ بِها والعينُ سَهْوٌ دُمُوعُهَا = وعُوَّارُهَا في باطِنِ الجَفْنِ زَائِدُ
    فإنْ تُرِكَتْ لِلْكُحْلِ لَمْ يُتْرَكِ الْبُكَى = وتَشْرَى إذا ما حَثْحَثَتْهَا المَرَاوِدُ
    اللغةُ: (سها عانِدٌ) يُقالُ: عِرْقٌ عَانِدٌ، إذا سالَ فلم يَكَدْ يَرْقَأُ، وسُئِلَ ابنُ عَبَّاسٍ عن المستحاضَةِ فقالَ: إنه عِرْقٌ عَانِدٌ. (قَذِيتُ بها) أَصَابَنِي القَذَى بسببِها، (سَهْوٌ دُمُوعُها) ساكنةٌ لَيِّنَةٌ، (عُوَّارُها) قَذَاهَا، (تَشْرَى) تُلِحُّ، (حَثْحَثَتْهَا) حَرَّكَتْهَا، (المَرَاوِدُ) جمعُ مِرْوَدٍ ـ بزِنَةِ مِنْبَرٍ ـ وهو ما يُحْمَلُ به الكُحْلُ إلى العيْنِ، (أَسًى) حُزْناً وشِدَّةَ لَوْعَةٍ، (الرِّجَامِ) بالراءِ المهملةِ المكسورةِ والجيمِ ـ مَوْضِعٌ بعينِه، ويُصَحِّفُه جماعةٌ بالزايِ والحاءِ المهملةِ.
    الإعرابُ: (أَمُوتُ) فعلٌ مضارعٌ، وفاعلُه ضميرٌ مستترٌ فيه وُجُوباً تَقْدِيرُهُ أنا، (أَسًى) مفعولٌ لأجلِه، ويجوزُ أنْ يكونَ حالاً بتقديرِ (آسِياً)؛ أي: حَزِيناً، (يومَ) منصوبٌ على الظرفيَّةِ الزمانيَّةِ، وناصبُه (أموتُ)، ويومَ مضافٌ و(الرِّجامِ) مضافٌ إليه، (وَإِنَّنِي) إنَّ: حرفُ توكيدٍ ونصبٍ، والياءُ اسْمُها، (يَقِيناً) مفعولٌ مطلَقٌ لفعلٍ محذوفٍ تَقْدِيرُهُ: أُوقِنُ يَقِيناً، (لَرَهْنٌ) اللامُ مؤكِّدَةٌ، ورَهْنٌ: خبرُ إنَّ، (بالذي) جارٌّ ومجرورٌ مُتَعَلِّقٌ برَهْنٌ، (أنا) مبتدأٌ، (كائِدُ) خبرُه، والجملةُ لا مَحَلَّ لها؛ صلةُ الموصولِ، والعائدُ إلى الموصولِ ضميرٌ محذوفٌ منصوبٌ بفعلٍ محذوفٍ تَقَعُ جملتُه في محَلِّ نصبٍ خَبَراً لكائدٍ مِن حيثُ نُقْصَانُه، واسمُه ضميرٌ مستترٌ فيه، وتقديرُ الكلامِ: بالذي أنا كائِدٌ أَلْقَاهُ، مَثَلاً.
    الشاهدُ فيه: قولُه: (كَائِدُ) بهمزةٍ بعدَ ألفِ فاعلٍ مُنْقَلِبَةٍ عن واوٍ ـ حيثُ اسْتَعْمَلَ الشاعرُ اسمَ الفاعلِ مِن (كادَ)، هذا توجيهُ كلامِ الشارِحِ العلاَّمَةِ، وقد تَبِعَ فيه قَوْماً من النُّحاةِ.
    وقيلَ: إنَّ الصوابَ في الروايةِ: (كابِدُ) بالباءِ الموحَّدَةِ، من المُكَابَدَةِ؛ فلا شاهِدَ فيه.

    ([25])(بعدَ) ظرفٌ متعلِّقٌ بقَوْلِهِ: يَرِد الآتي، وبعدَ مضافٌ و(عسَى) قُصِدَ لفظُه: مضافٌ إليه، (اخْلَوْلَقَ أَوْشَكَ) معطوفانِ على (عسى) بعاطفٍ مقدَّرٍ، (قدْ) حَرْفُ تَحْقِيقٍ، (يَرِدْ) فعلٌ مضارعٌ، (غِنًى) فاعلُ يَرِد، (بأنْ يَفْعَلَ) جارٌّ ومجرورٌ مُتَعَلِّقٌ بقولِهِ: (غِنًى)، ومِثْلُه قولُه: (عن ثانٍ)، وقولُه: (فُقِد) فعلٌ ماضٍ مبنيٌّ للمجهولِ، ونائبُ الفاعلِ ضميرٌ مستترٌ فيه جَوَازاً تَقْدِيرُهُ هو يعودُ إلى ثانٍ، والجملةُ من فُقِد ونائبِ فاعلِه في مَحَلِّ جرٍّ صفةٌ لثانٍ.

    ([26])(وَجَرِّدَنْ) جَرِّدَ: فعلُ أمرٍ مبنيٌّ على الفتحِ؛ لاتصالِه بنونِ التوكيدِ الخفيفةِ، وفاعلُه ضميرٌ مُسْتَتِرٌ فيه وُجُوباً تَقْدِيرُهُ أنتَ، (عَسَى) قُصِدَ لفظُه: مفعولٌ به لِجَرِّدَ، (أو) حرفُ عطفٍ معناه التخييرُ، (ارْفَعْ) فعلُ أمرٍ، وفاعلُه ضميرٌ مستترٌ فيه وجوباً تَقْدِيرُهُ أنتَ، (مُضْمَرَا) مفعولٌ به لارْفَعْ، (بها) جارٌّ ومجرورٌ مُتَعَلِّقٌ بارْفَعْ، (إِذَا) ظرفٌ لِمَا يُسْتَقْبَلُ من الزمانِ، تَضَمَّنَ معنى الشرطِ، (اسْمٌ) نائبُ فاعلٍ لفعلٍ محذوفٍ يُفَسِّرُه المذكورُ بعدَه، أي: إذا ذُكِرَ اسمٌ، (قَبْلَها) قبلَ: ظرفٌ متعلِّقٌ بـ (ذُكِرَا) الآتي، وقبلَ مضافٌ وها: مضافٌ إليه، (قد) حرفٌ دالٌّ على التحقيقِ مبنيٌّ على السكونِ لا محلَّ له من الإعرابِ، (ذُكِرَا) ذُكِرَ: فعلٌ ماضٍ مبنيٌّ للمجهولِ، والألِفُ للإطلاقِ، ونائبُ الفاعلِ ضميرٌ مستترٌ فيه جَوَازاً تَقْدِيرُهُ هو يعودُ إلى اسمٌ، والجملةُ من ذُكِرَ ونائبِ فاعلِه المستترِ فيه لا محلَّ لها؛ تَفْسِيريَّةٌ.

    ([27]) (والفتحَ) مفعولٌ به مُقَدَّمٌ على عاملِه، وهو قولُه: (أَجِزِ) الآتي، (والكسرَ) معطوفٌ على الفتحَ، (أَجِزْ) فِعْلُ أمرٍ، وفاعلُه ضميرٌ مستترٌ فيه وُجُوباً تَقْدِيرُهُ أنتَ، (في السينِ) جارٌّ ومجرورٌ مُتَعَلِّقٌ بأَجِزْ، (مِن نحوِ) جارٌّ ومجرورٌ مُتَعَلِّقٌ بمحذوفٍ حالٌ مِن السينِ، ونحوِ مضافٌ وقولُه: (عَسَيْتُ) قُصِدَ لفظُه: مضافٌ إليه، (وانْتِقَا) الواوُ عاطفةٌ أو للاستئنافِ، انتِقَا: مبتدأٌ، وانْتِقَا مضافٌ و(الفتحِ) مضافٌ إليه، (زُكِنْ) فِعْلٌ ماضٍ مبنيٌّ للمجهولِ، ونائبُ الفاعلِ ضميرٌ مستترٌ فيه جَوَازاً تَقْدِيرُهُ هو يعودُ إلى انْتِقَا الفتحِ، والجملةُ مِن زُكِن ونائبِ فاعلِه في محَلِّ رفعِ خبرِ المبتدأِ.

    (*) خاتِمَةٌ: قد وَرَدَ في القرآنِ الكريمِ آيتانِ مِمَّا يَرْتَبِطُ بهذا البابِ أُحِبُّ أنْ أُبَيِّنَ لكَ شَأْنَهُما؛ لِيَكُونَ ذلك تَدْرِيباً لكَ:
    أمَّا الآيةُ الأُولَى: فقولُه سُبْحَانَهُ: {لاَ يَسْخَرْ قَوْمٌ مِنْ قَوْمٍ عَسَى أَنْ يَكُونُوا خَيْراً مِنْهُمْ وَلاَ نِسَاءٌ مِنْ نِسَاءٍ عَسَى أَنْ يَكُنَّ خَيْراً مِنْهُنَّ}. وهذا السياقُ مطابِقٌ للغةِ أهلِ الحِجازِ؛ لأنَّ (عَسَى) مجرَّدَةٌ مِن ضميرِ القومِ في الجملةِ الأُولَى، ومن ضميرِ النساءِ في الجملةِ الثانيةِ، فهي تامَّةٌ مسنَدَةٌ إلى أنْ والفعلِ، ولو أُجْرِيَتْ على النقصانِ لقيلَ: عَسَوْا أنْ يكونوا خيراً منهم، وعَسَيْنَ أنْ يَكُنَّ خَيْراً مِنْهُنَّ.
    وأما الآيةُ الثانيةُ: فهي قولُه تعالى: {عَسَى أَنْ يَبْعَثَكَ رَبُّكَ مَقَاماً مَحْمُوداً}. فعَسَى هذه تامَّةٌ، وفاعلُها أنْ والفعلُ المضارِعُ بعدَها، و(رَبُّكَ) فاعلُ يَبْعَثَكَ، ولا يجوزُ أنْ تَجْعَلَ (عَسَى) ناقصةً و(رَبُّكَ) اسْمَها، و(أنْ يَبْعَثَكَ) خَبَرَها؛ لأنك لو أَعْرَبْتَ الآيةَ على هذا الوجهِ كنتَ قدْ فَصَلْتَ بينَ صلةِ أنْ ومَعْمُولِها بأجنبيٍّ، أمَّا صِلَةُ أنْ فهي يَبْعَثَكَ، وأما معمولُها فهو مقاماً محموداً، سواءٌ جَعَلْتَه منصوباً على الظرفيَّةِ أو غَيْرِها، وأما الفاصِلُ فهو لفظُ رَبُّكَ؛ فإنَّه ليسَ مَعْمُولاً لِيَبْعَثَكَ؛ لأنَّ الفَرْضَ أنه اسمُ عَسَى.


    _________________


    قناتي على موقع يوتيوب :
    https://www.youtube.com/channel/UCm8N-tHwIFM7hPnwtLrBMpg
    مدونتي:
    https://arabicfraed.blogspot.com.eg/
    avatar
    أحمد
    إدارة ثمار الأوراق
    إدارة ثمار الأوراق

    عدد الرسائل : 16844
    الموقع : القاهرة
    نقاط : 39017
    تاريخ التسجيل : 17/09/2008

    رد: أفعال المقاربة ( كاد وأخواتها )

    مُساهمة من طرف أحمد في الجمعة مارس 16, 2018 12:59 pm

    شرح ألفية ابن مالك للشيخ علي بن محمد الأشموني

    أفعالُ المقَارَبَةِ
    [أَقْسامُ أفعالِ المقارَبَةِ]:
    اعلمْ أنَّ هذا البابَ يشتمِلُ على ثلاثةِ أنواعٍ منَ الفعلِ:
    أفعالُ المقارَبةِ: وهي ثلاثةٌ: كَادَ وكَرَبَ وَأَوْشَكَ وُضِعَتْ للدَّلالَةِ على قُربِ الخبرِ.
    وأفعالُ الرجاءِ: وهي أيضًا ثلاثةٌ: عَسَى وَحَرَى واخْلَوْلَقَ وُضِعَتْ للدَّلالةِ على رجاءِ الخبرِ.
    وبقِيَّةُ أفعالِ البابِ: للدَّلالَةِ على الشرُوعِ في الخبرِ وهي: أَنْشَأَ وطَفِقَ وأَخَذَ، وجَعَلَ وعَلِقَ، فتَسمِيَةُ الكُلِّ أفعالَ مقارَبَةٍ مِنْ بابِ التغْلِيبِ.
    164 - كَكَانَ كَادَ وَعَسَى لَكِنْ نَدَرْ = غَيْرُ مُضَارِعٍ لِهَذَيْنِ خَبَرْ
    (كَكَانَ) في العملِ (كَادَ وَعَسَى لَكِنْ نَدَرْ* غَيْرُ) جملةِ فِعْلٍ "مضارعٍ لهذيْنِ" وأخواتِهِما مِنْ أفعالِ البابِ (خَبَرْ) فلذلك افتَرَقَا ببَابَيْنِ وغيرُ جملةِ المضارعِ: المفرَدِ كقولِهِ [مِنَ الطَّوِيلِ]:
    231 - فَأُبْتُ إِلَى فَهْمٍ وَمَا كدْتُ آئِبًا = وَكَمْ مِثْلِهَا فَارَقْتُهَا وَهْيَ تَصْفِرُ
    وقولِهِ [مِنَ الرَّجَزِ]:
    232 - أَكْثَرْتَ فِي العَذْلِ مُلِحًّا دَائِمًا = لَا تُكْثِرَنْ إِنِّي عَسِيتُ صَائِمًا
    وَأَمَّا {فَطَفِقَ مَسْحًا بِالسُّوقِ} فالخبرُ محذوفٌ أيْ: يَمْسَحُ مَسْحًا والجُمْلَةُ الاسمِيَّةُ كقولِهِ [مِنَ الوَافِرِ]:
    233 - وَقَدْ جَعَلَتْ قَلُوصُ بَنِي زِيَادٍ = مِنَ الأَكْوَارِ مَرْتَعُهَا قَرِيبُ
    وجُملةُ الماضِي كقَولِ ابنِ عبَّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهما: "فَجَعَلَ الرجُلُ ـ إذا لَمْ يَسْتَطِعْ أنْ يَخرُجَ أرسَلَ رسُولًا".
    [اقتِرَانُ خبرِ أفعالِ المقارَبةِ بـ "أَنْ"]:
    165 - وَكَوْنُهُ بِدُونِ "أَنْ" بَعْدَ عَسَى = نَزْرٌ وَكَادَ الأَمْرُ فِيهِ عُكِسَا
    (وكونُهُ) أي: كونُ المضارعِ الواقِعِ خبرًا (بِدُونِ أنْ) المصدريَّةِ (بعدَ عَسَى نَزْرٌ) أي: قليلٌ ومنهُ قولُهُ [مِنَ الوَافِرِ]:
    234 - عَسَى الكَرْبُ الَّذِي أَمْسَيْتُ فِيهِ = يَكُونُ وَرَاءَهُ فَرَجٌ قَرِيبُ
    (وَكَادَ الأمرُ فيهِ عُكِسَا) فاقتِرانُهُ بـ "أنْ" بعدَهَا قليلٌ كقولِهِ [مِنَ الخَفِيفِ]:
    235 - كَادَتِ النَّفْسُ أَنْ تَفِيظَ عليهِ = إِذْ غَدَا حَشْوُ رَيْطَةٍ وَبُرُودِ
    وقولِهِ [مِنَ الطَّوِيلِ]:
    236 - أَبَيْتُمْ قَبُولَ السِّلْمِ مِنَّا فَكِدْتُمُ = لَدَى الحَرْبِ أَنْ تُغْنُوا السُّيُوفَ عَنِ السَّلِّ
    وأنشَدَ سِيبَوَيْهِ [مِنَ الطَّوِيلِ]:
    237 - فَلَمْ أَرَ مِثْلَهَا خُبَاسَةَ وَاجِدٍ = فَنَهْنَهْتُ نَفْسِي بَعْدَ مَا كِدْتُ أَفْعَلَهْ
    وقالَ: أرادَ: "بعدَ مَا كِدْتُ أنْ أفعلَهُ" فحَذَفَ: "أنْ" وأَبْقَى عمَلَها، وفيهِ إشعارٌ باطِّرادِ اقترانِ خبرِ "كادَ" بـ "أنْ" لأنَّ العاملَ لا يُحذفُ ويبقَى عملُهُ إلا إذا اطَّرَدَ ثُبُوتُهُ.
    166 - وَكَعَسَى حَرَى وَلَكِنْ جُعِلَا = خَبَرُهَا حَتْمًا بِأَنْ مُتَّصِلًا
    167 - وَأَلْزَمُوا اخْلَوْلَقَ "أنْ" مِثْلَ حَرَى = وَبَعْدَ أَوْشَكَ انْتِفَا "أنْ" نَزُرَا
    (وَكَعَسَى) في العملِ والدلالةِ على الرجاءِ (حَرَى ولكِنْ جُعِلَا* خَبَرُها حَتْمًا بِأَنْ مُتَّصِلًا) نحوُ: "حَرَى زَيْدٌ أنْ يقومَ" ولا يجوزُ حَرَى زيدٌ يقُومُ (وَأَلْزَمُوا اخْلَوْلَقَ "أنْ" مِثْلَ حَرَى) فقالُوا: "اخْلَوْلَقَتِ السَّمَاءُ أنْ تُمْطِرَ". ولمْ يقُولُوا: اخْلَوْلَقَتِ تُمْطِرُ (وَبَعْدَ أَوْشَكَ انتِفَا "أنْ" نَزُرَا) أي: قَلَّ، والكَثيرُ الاقترانُ بها؛ كقولِهِ [مِنَ الطَّوِيلِ]:
    238 - وَلَوْ سُئِلَ النَّاسُ التُّرَابَ لَأَوْشَكُوا = إِذَا قِيلَ هَاتُوا أَنْ يَمَلُّوُا وَيَمْنَعُوا
    ومِنَ التجَرُّدِ قولُهُ [مِنَ المُنْسَرِحِ]:
    239 - يُوشِكُ مَنْ فَرَّ مِنْ مَنِيَّتِهِ = فِي بَعْضِ غِرَّاتِهِ يُوافِقُهَا
    168 - وَمِثْلُ كَادَ فِي الأَصَحِّ كَرَبَا = وَتَرْكُ "أَنْ" مَعْ ذِي الشُّرُوعِ وَجَبَا
    169 - كَأَنْشَأَ السَّائِقُ يَحْدُو وَطَفِقْ = كَذَا جَعَلْتُ وَأَخَذْتُ وَعَلِقْ
    (وَمِثْلُ كَادَ فِي الأَصَحِّ كَرَبَا) بفَتْحِ الراءِ ونُقلَ كسرُها أيضًا يعنِي أنَّ إثباتَ "أنْ" بعدَها قليلٌ ومنهُ قولُهُ [مِنَ الرَّجَزِ]:
    240 - قَدْ بُرْتَ أَوْ كَرَبْتَ أَنْ تَبُورَا = لَمَّا رَأَيْتَ بَيْهَسًا مَثْبُورًا
    وقولُهُ [مِنَ الطَّوِيلِ]:
    241 - سَقَاهَا ذَوُو الأَحْلَامِ سَجْلًا عَلَى الظَّمَا وَقَدْ كَرَبَتْ أَعْنَاقُهَا أَنْ تَقَطَّعَا
    والكَثِيرُ التجَرُّدُ ولمْ يذكُرْ سِيبَوَيْهِ غيرَهُ، ومنهُ قولُهُ [مِنَ الخَفِيفِ]:
    242 - كَرَبَ القَلْبُ مِنْ جَوَاهُ يَذُوبُ = حِينَ قَالَ الوُشَاةُ هِنْدُ غَضُوبُ
    (وَتَرْكُ "أَنْ" مَعْ ذِي الشُّرُوعِ وَجَبَا) لِمَا بينَهما مِنَ المنَافَاةِ لأنَّ أفعالَ الشرُوعِ للحال وأنْ لِلاستقبالِ (كأَنْشَأَ السَّائِقُ يَحْدُو وَطَفِقْ) زَيْدٌ يَعْدُو بِكَسْرِ الفاءِ وفتحِهَا وطَبِقَ بالباءِ أيضًا وَ(كذَا جَعَلْتُ) أتَكَلَّمُ (وأَخَذْتُ) أقْرَأُ (وعَلِقَ) زيْدٌ يَسْمَعُ، ومنهُ قوله [مِنَ الوَافِرِ]:
    243 - أَرَاكَ عَلِقْتَ تَظْلِمُ مَنْ أَجَرْنَا = وَظُلْمُ الجَارِ إِذْلَالُ المُجِيرِ
    تنبيهاتٌ: الأوَّلُ: عدَّ الناظِمُ في غيرِ هذا الكتابِ مِنْ أفعالِ الشروعِ "هَبَّ" و"قَامَ" نحوُ: "هَبَّ زَيْدٌ يَفْعَلُ" و"قَامَ بَكْرٌ يُنْشِدُ".
    الثانِي: إذا دلَّ دليلٌ على خبرِ هذا البابِ جازَ حذفُهُ؛ ومنهُ الحديث: ((مَنْ تَأَنَّى أَصَابَ أَوْ كَادَ وَمَنْ عَجِلَ أَخْطَأَ أَوْ كَادَ)).
    الثالثُ: يجبُ في المضارِعِ الواقعِ خبرًا لأفعالِ هذا البابِ – غيرِ "عَسَى" – أنْ يكونَ رافعًا لضميرِ الاسمِ وأمَّا قولُهُ [مِنَ الطَّوِيلِ]:
    244 - وَقَفَتْ عَلَى رَبْعٍ لِمَيَّةَ نَاقَتِي = فَمَا زِلْتُ أَبْكِي عِنْدَهُ وَأُخَاطِبُهُ
    وَأَسْقِيهِ حَتَّى كَادَ مِمَّا أَبُثُّهُ = تُكَلِّمُنِي أَحْجَارُهُ وَمَلَاعِبُهُ
    وقولُهُ [مِنَ البَسِيطِ]:
    245 - وَقَدْ جَعَلْتُ إِذَا مَا قُمْتُ يُثْقِلُنِي = ثَوْبِي فَأَنْهَضُ نَهْضَ الشَّارِبِ الثَّمِلِ
    فأحجارُهُ وثوبِي: بَدَلانِ منَ اسمَيْ كادَ وجعَلَ.
    وأمَّا "عَسَى": فإنَّهُ يجوزُ في المضارِعِ بعدَها خاصَّةً أنْ يرفَعَ السبَبِيَّ؛ كقولِهِ [مِنَ الطَّوِيلِ]:
    246 - وَمَاذَا عَسَى الحَجَّاجُ يَبْلُغُ جَهْدُهُ = إِذَا نَحْنُ جَاوَزْنَا حَفِيرَ زِيَادِ
    رُوِيَ بنصْبِ "جَهْدَهُ" ورفعِهِ ولا يجوزُ أن يَرفَعَ ظاهِرًا غيرَ سَبَبِيٍّ.
    وأَمَّا قولُهُ [مِنَ الوَافِرِ]:
    عَسَى الكَرْبُ الَّذِي أَمْسَيْتُ فِيهِ = يَكُونُ وَرَاءَهُ فَرَجٌ قَرِيبُ
    فإنَّ في "يكونُ" ضميرَ الاسمِ والجملةُ بعدَهُ خبرُ "كَانَ".
    [مَا يتَصَرَّفُ مِنْ أفْعالِ المقَارَبَةِ]:
    170 - وَاسْتَعْمَلُوا مُضَارِعًا لِأَوْشَكَا = وَكَادَ لَا غَيْرُ وَزَادُوا مُوشِكَا
    (وَاسْتَعْمَلُوا مُضَارِعًا لِأَوْشَكَا) كما رَأَيْتَ وهو أكثرُ استعمالًا مِنْ مَاضِيها (وَكَادَ لَا غَيْرُ) أي: دُونَ غيرِهما مِنْ أفعالِ البابِ فإنَّهُ مُلازمٌ لِصِيغَةِ الماضِي (وزادُوا مُوشِكًا) اسمَ فاعلٍ من "أَوْشَكَ" مُعْمَلًا عملَهُ؛ كقولِهِ [مِنَ المُتَقَارِبِ]:
    247 - فَمُوشِكَةٌ أَرْضُنَا أَنْ تَعُودَ = خِلَافَ الأُنَيْسِ وُحُوشًا يَبَابَا
    وقولِهِ [مِنَ الوَافِرِ]:
    248 - فَإِنَّكَ مُوشِكٌ أَنْ لَا تَرَاهَا = وَتَعْدُو دُونَ غَاضِرَةِ العَوَادِي
    وهو نادرٌ
    تنبيهانِ: الأوَّلُ: أثبَتَ جماعةٌ اسمَ الفاعلِ مِنْ "كَادَ" و"كَرَبَ" وانشَدُوا على الأوَّلِ قولَهُ [مِنَ الطَّوِيلِ]:
    249 - أَمُوتُ أَسًى يَوْمَ الرِّجَامِ وَإِنَّنِي = يَقِينًا لَرَهْنٌ بِالَّذِي أَنَا كَائِدُ
    وعلى الثانِي قولَهُ [مِنَ الكَامِلِ]:
    250 - أَبُنَيَّ إِنَّ أَبَاكَ كَارِبُ يَوْمِهِ = فَإِذَا دُعِيتَ إِلَى المَكَارِمِ فَاعْجَلِ
    والصوَابُ أنَّ الذي في البيتِ الأوَّلِ "كَابِدُ" – بالباءِ الموَحَّدَةِ – كما جَزَمَ بهِ ابنُ السِّكِّيتِ في شرحِ ديوانِ كُثَيِّرٍ اسمُ فاعِلٍ من المكابَدَةِ غيرُ جارٍ على فعلِهِ إذِ القياسُ مكابِدٌ قالَ ابنُ سِيدَهْ: كابَدَهُ مُكابَدَةً وكِبَادًا: قاسَاهُ، والاسمُ كابِدٌ كالكَاهِلِ والغَارِبِ.
    وأنَّ كَارِبًا في البيتِ الثانِي اسمُ فاعِلٍ مِنْ "كَرَبَ" التامَّةِ؛ نحوُ قولِهِم "كَرَبَ الشتَاءُ" أي: قَرُبَ؛ كما جَزَمَ بهِ الجَوْهَرِيُّ وغيرُهُ.
    الثانِي: حكى الأخفشُ: طَفِقَ يَطْفِقُ – كـ: ضَرَبَ يَضْرِبُ – وطَفِقَ يَطْفَقُ، كـ: عَلِمَ يعْلَمُ – وسُمِعَ أيضًا: "إنَّ البَعِيرَ لَيَهْرَمُ حتَّى يَجْعَلُ إِذَا شَرِبَ المَاءَ مَجَّهُ".
    [مَا يَجِيءُ مِن أفعالِ المقارَبةِ تَامًّا]:
    171 - بَعْدَ عَسَى اخْلَوْلَقَ أَوْشَكْ قَدْ يَرِدْ = غِنًى بِـ "أَنْ يَفْعَلَ" عَنْ ثَانٍ فُقِدْ
    (بَعْدَ عَسَى) و(اخْلَوْلَقَ أَوْشَكْ قَدْ يَرِدْ * غِنًى بِأَنْ يَفْعَلَ) أي: يستغْنِيَ بـ "أنْ" والمضارِعُ (عَنْ ثَانٍ) من معمُولَيْهَا (فُقِدَ) وتسمى حينئذٍ تامَّةً نحوُ {وَعَسَى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئًا} و"اخْلَوْلَقَ أنْ يَأْتِيَ" و"أَوْشَكَ أَنْ يَفْعَلَ" فـ "أنْ" وَالمضارِعُ في تأويلِ اسمٍ مرفوعٍ بالفاعِلِيَّةِ مُسْتَغْنًى بهِ عنِ المنصوبِ الذي هو الخبرُ.
    وهذا إذا لم يكنْ بعدَ "أنْ" والمضارعِ اسمٌ ظاهرٌ، فإنْ كانَ نحوُ: "عَسَى أنْ يَقُومَ زَيْدٌ": فَذَهَبَ الشَّلَوْبِينُ إلى إنَّهُ يجبُ أنْ يكونَ الاسمُ الظاهرُ مرفوعًا بـ "يقومُ" و"أن يقومَ" فاعِلُ عَسَى وهي تامَّةٌ لا خَبَرَ لها.
    وذَهَبَ المُبَرِّدُ والسِّيرَافِيُّ والفَارِسِيُّ إلى تجويزِ ذلك وتجويزِ وجْهٍ آخَرَ وهو أنْ يكونَ الاسمُ الظاهرُ مرفوعًا بـ "عَسَى" اسْمًا لها و"أنْ" والمضارِعُ في موضِعِ نصْبٍ خبرًا لَهَا متقَدِّمًا على الاسمِ وفاعِلُ المضارِعِ ضميرٌ يعودُ على الاسمِ الظاهِرِ وجازَ عَوْدُهُ عليهِ متأخِّرًا لتقَدُّمِهِ في النيَّةِ، وتظهَرُ فائدةُ الخلافِ في التثنِيَةِ والجمْعِ والتأنِيثِ فتقولُ على رأيِهِ: "عَسَى أنْ يقُومَ الزَّيدانِ" و"عَسَى أنْ يقومَ الزَّيْدُونَ" و"عَسَى أنْ تَقُومَ الهِنْدَاتُ" و"عَسَى أنْ تَطْلُعَ الشمْسُ" بتأنِيثِ "تَطْلُعَ" وتذْكِيرِهِ.
    وعلى رأيِهِمْ يجوزُ ذلك ويجوزُ: "عَسَى أنْ يقومَا الزَّيْدَانِ" و"عَسَى أنْ يقُومُوا الزَّيْدُونَ" و"عَسَى أنْ يقُمْنَ الهِنْدَاتُ" و"عَسَى أنْ تَطْلُعَ الشمْسُ" بتأنِيثِ "تَطْلُعَ" فقطْ، وهكذا "أَوْشَكَ" و"اخْلَوْلَقَ"
    تنبيهٌ: يتعَيَّنُ الوجهُ الأوَّلُ في نحوِ: "عَسَى أنْ يَضْرِبَ زَيْدٌ عَمْرًا" فلا يجُوزُ أنْ يكونَ "زيدٌ" اسمَ "عَسَى" لئلَّا يلزمَ الفصلُ بينَ صِلةِ "أنْ" ومعمولِها وهو "عمْرًا" بأجْنَبِيٍّ وهو "زَيْدٌ" ونظيرُهُ قولُهُ تعالى: {عَسَى أنْ يَبْعَثَكَ رَبُّكَ مَقَامًا مَحْمُودًا}.
    172- وَجَرِّدَنْ عَسَى أَوِ ارْفَعْ مُضْمَرَا = بِهَا إِذَا اسْمٌ قَبْلَهَا قَدْ ذُكِرَا
    (وَجَرِّدَنْ عَسَى) وأُخْتَيْهَا (اخْلَوْلَقَ) و(أَوْشَكَ) مِنَ الضميرِ واجَعْلَهَا مُسْنَدَةً إلى "أنْ يفعَلَ"كما مَرَّ (أوِ ارْفَعْ مُضْمَرًا بِهَا) يكونُ اسمَهَا و"أنْ يفعلَ" خبرُهَا (إذَا اسْمٌ قَبْلَهَا قَدْ ذُكِرَا) ويظهرُ أثرُ ذلك في التثنيةِ والجمعِ والتأنيثِ فتقولُ على الأوَّلِ: "الزَّيْدَانِ عَسَى أنْ يَقُومَا" و"الزَّيْدُونَ عَسَى أنْ يَقُومُوا" و"هِنْدُ عَسَى أنْ تَقُومَ" و"الهِنْدَانِ عَسَى أَنْ يَقُومَا" و"الهِنْدَاتُ عَسَى أنْ يَقُمْنَ" وهكذا "اخْلَوْلَقَ" و"أَوْشَكَ" هذه لُغةُ الحجازِ وتقولُ على الثانِي: "الزَّيْدَانِ عَسَيَا" و"الزَّيْدُونَ عَسَوْا" و"هِنْدُ عَسَتْ" و"الهِنْدَانِ عَسَتَا" و"الهِنْدَاتُ عَسَيْنَ" وهكذا "اخْلَوْلَقَ" و"أَوْشَكَ" وهذه لُغَةُ تَمِيمٍ.
    تنبيهانِ: الأوَّلُ: ما سِوَى "عَسَى" و"اخْلَوْلَقَ" و "أَوْشَكَ" منْ أفعالِ البابِ يجبُ فيهِ الإضمارُ؛ تقولُ: "الزَّيْدَانِ أَخَذَا يَكْتُبَانِ" و"طَفِقَا يَخْصِفَانِ".ولا يجوزُ: "أخذَ يَكتُبانِ"، و"طَفِقَ يَخْصِفَانِ"0
    الثانِي: اختُلِفَ فيما يتَّصِلُ بـ "عَسَى" مِنَ الكافِ وأخَوَاتِهَا نحوِ: "عَسَاكَ" و"عَسَاهُ" فذهَبَ سِيبَوَيْهِ إلى إنَّهُ في موضِعِ نصْبٍ حَمْلًا على "لَعَلَّ" كما حُمِلَتْ "لعَلَّ" على "عَسَى" في اقتِرَانِ خبرِهَا بـ "أنْ" كَمَا في الحديثِ ((فَلَعَلَّ بَعْضَكُمْ أَنْ يَكُونَ أَلْحَنَ بِحُجَّتِهِ مِنْ بَعْضٍ)).
    وَذَهَبَ المُبَرِّدُ والفَارِسِيُّ إلى أنَّ "عَسَى" على ما كانَتْ عليهِ مِنْ رَفْعِ الاسمِ ونصْبِ الخبرِ لكِنَّ الذي كانَ اسمًا جُعِلَ خَبَرًا والذِي كانَ خبرًا جُعِلَ اسمًا.
    وذَهَبَ الأَخْفَشُ إلى أنَّ "عَسَى" على ما كانتْ عليهِ إلا أنَّ ضميرَ النصْبِ نابَ عَنْ ضميرِ الرفْعِ كما نَابَ عنهُ في قولِهِ [مِنَ الرَّجَزِ]:
    251 - يَا بْنَ الزُّبَيْرِ طَالَمَا عَصَيْكَا = وَطَالَمَا عَنَّيْتَنَا إِلَيْكَا
    وَكما نَابَ ضميرُ الرفعِ عنْ ضميرِ النصبِ وضميرِ الجرِّ في التوكيدِ نحوُ: "رَأَيْتُكَ أَنْتَ". و"مَرَرْتُ بِكَ أَنْتَ" وهذا ما اختارَهُ الناظِمُ؛ قال: ولَوْ كانَ الضميرُ المشارُ إليهِ في موضعِ نصْبٍ كما يقولُ سِيبَوَيْهِ وَالمُبَرِّدُ لم يُقْتَصَرْ عَلَيهِ في مِثْلِ:
    252 - تَقُولُ بِنْتِي قَدْ أَنَى أَنَاكَا = يَا أَبَتَا عَلَّكَ أَوْ عَسَاكَا
    لأنَّهُ بمنزلَةِ المفعولِ والجزءُ الثانِي بمنزلةِ الفاعلِ، والفاعلُ لا يُحذفُ وَكَذا مَا أَشْبَهَهُ "انتهى، وفيهِ نَظَرٌ.
    173 - وَالفَتْحَ وَالكَسْرَ أَجِزْ فِي السِّينِ مِنْ = نَحْوِ عَسَيْتُ وَانْتِقَا الفَتْحِ زُكِنَ
    (وَالفَتْحَ وَالكَسْرَ أَجِزْ فِي السِّينِ مِنْ) "عَسَى" إذا اتَّصَلَ بها تاءُ الضميرِ أو نُونَاهُ كما في نحوِ: (عَسَِيْتُ) و(عَسَِيْنَا) و(عَسَِيْنَ) و(انْتِقَا الفَتْحِ زُكِنَ) انتِقَا – بالقَافِ – مصدرُ انتَقَى الشيءَ أيِ: اختارَهُ وزُكِنَ: عُلِمَ أيِ: اخْتِيَارُ الفتْحِ عُلِمَ لِأنَّهُ الأصلُ وعليهِ أكثرُ القُرَّاءِ في قولِهِ تعالى: {فَهَلْ عَسَيْتُمْ} وَقَرَأَ نَافِعٌ بِالكَسْرِ.
    ["كَادَ" نَفْيُهَا نَفْيُ وإِثْبَاتُهَا إِثْبَاتٌ]:
    خاتِمَةٌ: قالَ في (شَرْحِ الكَافِيَةِ): قَدِ اشتُهِرَ القولُ بأنَّ "كَادَ" إِثْبَاتُهَا نفْيٌ ونَفْيُهَا إثباتٌ حتَّى يُجْعَلَ هذا المعنَى لُغْزًا:
    أَنَحْوِيُّ هَذَا العَصْرِ مَا هِيَ لَفْظَةٌ = جَرَتْ فِي لِسَانَيْ جُرْهُمٍ وَثَمُودِ
    إِذَا اسْتُعْمِلَتْ فِي صُورَةِ الجَحْدِ أَثْبَتَتْ = وَإِنْ أَثْبَتَتْ قَامَتْ مَقَامَ جُحُودِ
    ومُرادُ هذا القائِلِ "كَادَ"، ومَنْ زَعَمَ هذا فليسَ بمُصِيبٍ بل حُكْمُ "كَادَ" حُكمُ سَائِرِ الأفعالِ وأنَّ معنَاهَا منفِيٌّ إذا صَحِبَها حرْفُ نفْيٍ وثابتٌ إذا لم يصْحَبْهَا؛ فإذا قالَ قائِلٌ: "كَادَ زَيْدٌ يَبْكِي" فمعنَاهُ قَارَبَ زَيْدٌ البُكَاءَ فمقارَبَةُ البكاءِ ثابتةٌ ونفْسُ البكاءِ مُنْتَفٍ وإذَا قال: "لَمْ يَكَدْ يَبْكِي" فمعنَاهُ لمْ يُقارِبِ البكاءَ فمقارَبةُ البكاءِ مُنْتَفِيَةٌ ونفْسُ البُكاءِ مُنْتَفٍ انتفَاءً أبْعَدَ مِنَ انتِفَائِهِ عندَ ثبوتِ المقارَبةِ؛ ولهذا كانَ قَولَُ ذِي الرُّمَّةِ [مِنَ الطَّوِيلِ]:
    253 - إِذَا غَيَّرَ النَّأْيُ المُحِبِّينَ لَمْ يَكَدْ = رَسِيسُ الهَوَى مِنْ حُبِّ مَيَّةَ يَبْرَحِ
    صحيحًا بليغًا لأنَّ معناهُ: إذا تغَيَّرَ حُبُّ كُلِّ مُحِبٍّ لم يقاربْ حُبِّي التغَيُّرَ وإذَا لم يقارِبْهُ فهو بعيدٌ منهُ فهذا أبلغُ مِنْ أنْ يقولَ: لمْ يبرحْ لِأنَّهُ قدْ يكونُ غيرَ بَارِحٍ وهو قريبٌ من البَرَاحِ بخلافِ المخبَرِ عنهُ بنفْيٍِ مقارَبَةِ البَرَاحِ، وكذا قولُهُ تعالى: {إِذَا أَخْرَجَ يَدَهُ لَمْ يَكَدْ يَرَاهَا} هو أبْلَغُ في نفْيِ الرؤيَةِ منْ أنْ يقالَ: لم يَرَهَا، لأنَّ مَنْ لَمْ يَرَ قَدْ يُقاربُ الرؤيةَ بخلافِ منْ لمْ يُقارِبْ.
    وأمَّا قولُهُ تعالى: {فَذَبَحُوهَا وَمَا كَادُوا يَفْعَلُونَ} فكَلامٌ تَضَمَّنَ كلَامَيْنِ مضمونُ كُلِّ واحِدٍ منهما في وقتٍ غيرِ وقتِ الآخَرِ والتقديرُ: فذَبَحُوهَا بعْدَ أَنْ كَانُوا بُعَدَاءَ مِنْ ذَبْحها غيرَ مُقارِبِينَ لهُ، وهذا واضِحٌ واللهُ أعلمُ.


    _________________


    قناتي على موقع يوتيوب :
    https://www.youtube.com/channel/UCm8N-tHwIFM7hPnwtLrBMpg
    مدونتي:
    https://arabicfraed.blogspot.com.eg/
    avatar
    أحمد
    إدارة ثمار الأوراق
    إدارة ثمار الأوراق

    عدد الرسائل : 16844
    الموقع : القاهرة
    نقاط : 39017
    تاريخ التسجيل : 17/09/2008

    رد: أفعال المقاربة ( كاد وأخواتها )

    مُساهمة من طرف أحمد في الجمعة مارس 16, 2018 12:59 pm

    دليل السالك للشيخ: عبد الله بن صالح الفوزان

    أفعالُ المُقَارَبَةِ
    عمَلُها وشُرُوطُها
    164- ككانَ كادَ وعَسَى لَكِنْ نَدَرْ = غَيْرُ مُضارِعٍ لهذيْنِ خَبَرْ

    هذا القِسْم الثاني مِن الأفعالِ الناسخةِ، وهي ثلاثةُ أقسامٍ:
    الأوَّلُ: أفعالُ المقارَبَةِ، وهي ما وُضِعَ للدَّلالةِ على قُرْبِ وُقوعِ الخبَرِ، وهي: كادَ وقَرُبَ وأَوْشَكَ، نحوُ: كادَ الثمَرُ يَطِيبُ.
    الثاني: أفعالُ الرجاءِ، وهي: ما وُضِعَ للدَّلالةِ على رَجاءِ وُقوعِ الخبَرِ، وهي: عَسَى، وحَرَى، واخْلَوْلَقَ، نحوُ: عَسَى الأَمْنُ أنْ يَدومَ.
    الثالثُ: أفعالُ الشُّرُوعِ، وهي: ما وُضِعَ للدَّلالةِ على الشروعِ في الخبرِ، وهي كثيرةٌ؛ منها: جَعَلَ، وطَفِقَ، وأَخَذَ، وعَلِقَ، وأَنْشَأَ، وَهَبَّ، وشَرَعَ، وغيرُها، نحوُ: شَرَعَ الخطيبُ يَتَكَلَّمُ.
    ولم يَرِدْ في القرآنِ مِن أفعالِ هذا البابِ إلاَّ كادَ (ماضياً ومُضَارِعاً)، وعَسَى، وطَفِقَ، كما سيأتي إنْ شاءَ اللَّهُ.
    وتَسْمِيَتُها بأفعالِ المقارَبَةِ مِن بابِ التغليبِ، فغَلَبَ البعضُ لشُهرتِه وكثرةِ وقوعِه على الباقِي.
    فهذه الأفعالُ المذكورةُ تَرْفَعُ المُبْتَدَأَ ويكونُ اسْماً لها، ويكونُ خَبَرُه خَبَراً لها في مَحَلِّ نصْبٍ، إلاَّ أنه لا يكونُ في هذا البابِ إلاَّ جُمْلَةً.
    ويُشترَطُ في خبرِ أفعالِ هذا البابِ أنْ يكونَ جُملةً فِعليَّةً، فعْلُها مُضَارِعٌ، كما مَرَّ في الأَمْثِلَةِ، وقد جاءَ ماضياً، كما في (صحيحِ البخاريِّ) عن ابنِ عبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عنهما أنه قالَ: (فجَعَلَ الرجلُ إذا لم يَسْتَطِعْ أنْ يَخرُجَ أرْسَلَ رسولاً ليَنْظُرَ ما هو).
    ونَدَرَ مجيءُ الخبرِ اسْماً بعدَ (عَسَى) و(كادَ)؛ كقولِ الشاعرِ:
    أَكْثَرْتَ في العَذْلِ مُلِحًّا دائِماً = لا تُكْثِرَنْ إنِّي عَسَيْتُ صَائِمَا
    وقولِه:
    فأُبْتُ إلى فَهْمٍ وما كِدْتُ آئِباً = وكمْ مِثْلِهَا فَارَقْتُهَا وهي تَصْفِرُ
    وهذا معنى قولِه: (ككانَ كادَ.. إلخ)؛ أيْ: إنَّ (كادَ) و(عسى) مِثْلُ (كانَ) في العمَلِ وعَدَمِ الاستغناءِ بالمرفوعِ، لا مُطْلَقاً؛ بدليلِ ما بعدَه، وقدْ نَدَرَ غيرُ المُضَارِعِ خَبَراً لهذينِ، والمعنى: أنَّ مَجيءَ الخبرِ غيرَ جُملةٍ مُضَارِعيَّةٍ نادِرٌ وقليلٌ جِدًّا، وإذا كانَ نادراً فلا تَصِحُّ مُحاكاتُه، بل يُقْتَصَرُ فيه على السماعِ.
    حكْمُ اقترانِ الخبرِ بـ (أنْ) بعدَ عسى وكَادَ
    165- وكونُه بدونِ أنْ بعدَ عَسَى = نَزْرٌ وكادَ الأمرُ فيه عُكِسَا
    لَمَّا كانَ خبرُ هذه الأفعالِ جُملةً فِعليَّةً فِعْلُها مُضَارِعٌ، ناسَبَ بيانُ حُكْمِ اتِّصَالِ هذا المُضَارِعِ بأنِ الْمَصْدَرِيَّةِ.
    فَذَكَرَ ابنُ مالِكٍ هنا أنه يَكْثُرُ اقترانُ خَبَرِ عسى بـ (أنْ)، ويَقِلُّ التجَرُّدُ، وقد وَرَدَتْ (عَسَى) في القرآنِ في عِدَّةِ مَوَاضِعَ وخَبَرُها مُقْتَرِنٌ بـ (أنْ)، قالَ تعالى: {فَعَسَى اللَّهُ أَنْ يَأْتِيَ بِالْفَتْحِ}، وقالَ تعالى: {فَعَسَى رَبِّي أَنْ يُؤْتِيَنِ خَيْراً مِنْ جَنَّتِكَ}، ومِن التجَرُّدِ قولُ الشاعرِ:
    عَسَى الكَرْبُ الذي أمْسَيْتَ فيهِ = يكونُ ورَاءَهُ فَرَجٌ قَرِيبُ
    وهذا معنَى قَوْلِه: (وَكَوْنُه بِدُونِ أنْ بَعْدَ عَسَى نَزْرٌ)؛ أيْ: مَجيءُ المُضَارِعِ بدونِ (أنِ) الْمَصدريَّةِ بعدَ عسى (نَزْرٌ)؛ أيْ: قليلٌ جِدًّا.
    وأمَّا (كادَ) فهي عَكْسُ (عسَى)، فيكونُ الكثيرُ في خَبَرِها أنْ يَتَجَّرَدَ مِن (أنْ)، ويَقِلُّ اقترانُه بها.
    وقد جاءَتْ (كادَ) في القرآنِ في مواضِعَ كثيرةٍ، ولم يَرِدْ خَبَرُها إلاَّ مُجَرَّداً، قالَ تعالى: {يَكَادُ الْبَرْقُ يَخْطَفُ أَبْصَارَهُمْ}، وقالَ تعالى: {فَذَبَحُوهَا وَمَا كَادُوا يَفْعَلُونَ}.
    ومِن اقترانِه بـ (أنْ) قولُ عمرَ بنِ الْخَطَّابِ رَضِيَ اللَّهُ عنه: (ما كِدْتُ أنْ أُصَلِّيَ العصْرَ حتى كَادَتِ الشمْسُ أنْ تَغْرُبَ). مُتَّفَقٌ عليه، وهذا لفْظُ مُسْلِمٍ.
    وقولُ الشاعرِ:
    كادَتِ النَّفْسُ أَنْ تَفِيضَ عَلَيْهِ = إِذْ ثَوَى حَشْوَ رَيْطَةٍ وبُرُودِ
    وهذا معنى قولِه: (وكادَ الأمْرُ فيه عُكِسَا)؛ أي: إنَّ الأمرَ بالنِّسبةِ لاتِّصالِ خبرِ (كادَ) بـ (أنْ) على العكْسِ مِن (عسى)، فيَكْثُرُ التجَرُّدُ في خبرِ كادَ.
    حُكْمُ اقترانِ الخبرِ بـ (أنْ) معَ حَرَى واخْلَوْلَقَ وأوْشَكَ
    166- وأَلْزَمُوا اخْلَوْلَقَ أنْ مِثلَ حَرَى = وبعدَ أَوْشَكَ انْتِفَا أنْ نَزُرَا
    167- ومثلُ كادَ في الأصَحِّ كَرَبَا = وتَرْكُ أنْ مَعْ ذي الشُّرُوعِ وَجَبَا
    أيْ: أنَّ (حَرَى) مِثلُ (عسَى) في الدَّلالةِ على الرجاءِ، نحوُ: حَرَى الغائبُ أنْ يَعودَ، ولكنْ يَجِبُ في خَبَرِها أنْ يكونَ مُتَّصِلاً بأنْ، ومِثْلُها في الوجوبِ اخْلَوْلَقَ، نحوُ: اخْلَوْلَقَ المجاهِدُ في سبيلِ اللَّهِ أنْ يَنتصِرَ، وهي للرجاءِ كما مَضَى.
    وهذا معنى قولِه: (وأَلْزَمُوا اخْلَوْلَقَ أَنْ مِثْلَ حَرَى)؛ أيْ: أَلْزَمَ العربُ خَبَرَ اخْلَوْلَقَ (أنِ) المصدريَّةَ مِثْلَ (حَرَى).
    ثُمَّ ذَكَرَ (أوْشَكَ) وأنه يَكْثُرُ اقترانُ خَبَرِها بأنْ، ويَقِلُّ التجَرُّدُ، فمِن الاقترانِ قولُ الشاعرِ:
    ولو سُئِلَ الناسُ الترابَ لأَوْشَكُوا = إذا قِيلَ هاتُوا أنْ يَمَلُّوا ويَمْنَعُوا
    ومِن التجَرُّدِ قولُه:
    يُوشِكُ مَن فَرَّ مِن مَنِيَّتِهِ = في بَعْضِ غِرَّاتِه يُوافِقُها

    وهذا معنى قولِه: (وبعدَ أَوْشَكَ انْتِفَا أنْ) يُقْرَأُ بالقصْرِ للضرورةِ، والمعنى: أنَّ حَذْفَ أنْ بعدَ (أوْشَكَ) (نَزُرَا)؛ أي: قَلَّ، فيكونُ عَدَمُ الانتفاءِ هو الكثيرَ، والألِفُ مِن (نَزُرَا) للإطلاقِ، وكذا في قولِه: (جُعِلاَ).
    حُكْمُ اقترانِ الخبرِ بـ (أن) مع كَرَبَ وأفعالِ الشروعِ
    167- ومثلُ كادَ في الأصَحِّ كَرَبَا = وتَرْكُ أنْ معَ ذِي الشُّرُوعِ وَجَبَا
    168- كأَنْشَأَ السائقُ يَحْدُو وطَفِقْ = كذا جَعَلْتُ وأَخَذْتُ وعَلِقْ
    أيْ: أنَّ (كَرَبَ) مثلُ (كادَ)، فيكونُ الكثيرُ فيها تجريدَ خَبَرِها مِن (أنِ) الْمَصدريَّةِ، ويَقِلُّ اقترانُه بها؛ فمِن تجريدِه قولُ الشاعرِ:
    كَرَبَ القلْبُ مِن جَوَاهُ يَذُوبُ = حِينَ قالَ الوُشاةُ هِنْدٌ غَضُوبُ

    ومِن الاقترانِ قولُ الشاعرِ:
    سَقَاهَا ذَوُو الأحلامِ سَجْلاً على الظَّمَا = وقد كَرَبَتْ أعناقُها أنْ تَقَطَّعَا
    وهذا معنى قولِه: (ومثلُ كادَ في الأصَحِّ كَرَبَا)؛ أيْ: أنَّ (كَرَبَ) مثلُ (كادَ) في كثرةِ التجَرُّدِ - على الأصَحِّ - كما أنها مِثْلُها في الدَّلالةِ على المقارَبَةِ، وهذا هو الأَصَحُّ فيها؛ فإنَّ سِيبَوَيْهِ لم يَذْكُرْ فيها إلاَّ التجَرُّدَ مِن (أنْ)، وابنُ الحاجِبِ جَعَلَها مِن أفعالِ الشروعِ، والأصَحُّ ما ذَكَرَه ابنُ مالِكٍٍ بدليلِ ما تَقَدَّمَ مِن الشواهِدِ.
    ثُمَّ ذَكَرَ أنَّ ما دَلَّ على الشروعِ في الفعْلِ لا يَجوزُ اقترانُ خَبَرِه بـ (أنِ) الْمَصدريَّةِ؛ لِأَنَّ هذه الأفعالَ للحالِ؛ ولهذا سُمِّيَتْ (أفعالَ الشروعِ)، و(أنْ) للاستقبالِ، ومِن ذلك قولُه تعالى: {وَطَفِقَا يَخْصِفَانِ عَلَيْهِمَا مِنْ وَرَقِ الْجَنَّةِ}، وقولُ الشاعرِ:
    أَرَاكَ عَلِقْتَ تَظْلِمُ مَن أَجَرْنَا = وظُلْمُ الجارِ إِذلالُ المُجِيرِ

    وقولُ ابنِ مالِكٍ: (أَنْشَأَ السائقُ يَحْدُو) يُقالُ: حَدَا الإبلَ وحَدَا بها يَحْدُو حَدْواً وحُداءً: زَجَرَها خَلْفَها وسَاقَها. وقالَ الْجَوْهَرِيُّ: الْحَدْوُ: سَوْقُ الإِبِلِ والغِناءُ لها.
    ما يَتَصَرَّفُ مِن هذه الأفعالِ

    169- واسْتَعْمَلوا مُضارِعاً لأَوْشَكَا = وكادَ لا غَيْرُ وزَادُوا مُوشِكَا
    أفعالُ هذا البابِ لا تَتَصَرَّفُ، فلا يَأْتِي منها إلاَّ الماضِي، إلاَّ خمسةَ أفعالٍ:
    الأوَّلُ: كادَ؛ فقد وَرَدَ لها مُضَارِعٌ؛ كقولِه تعالى: {يَكَادُ زَيْتُهَا يُضِيءُ}، وقولِه تعالى: {إِذَا أَخْرَجَ يَدَهُ لَمْ يَكَدْ يَرَاهَا}، ووَرَدَ لها اسمُ فاعلٍ؛ كقولِ الشاعرِ:
    أَمُوتُ أسىً يَوْمَ الرِّجَامِ وإِنَّنِي = يَقِيناً لَرَهْنٌ بالذي أَنَا كَائدُ
    أيْ: أنا كائدٌ: ألقاهُ وأُجازَيِ به، فاسمُ (كائدُ) ضميرٌ مُسْتَتِرٌ، وجُملةُ (أَلْقَاهُ) المحذوفةُ خَبَرٌ له.
    ولم يَذْكُرْ هذا ابنُ مالِكٍ في (الأَلْفِيَّةِ)، وإنما ذَكَرَه في (الكافيةِ) حيثُ قالَ:
    واسْتَعْمَلُوا مُضَارِعاً لأَوْشَكَا = وكادَ واحْفَظْ كائِداً ومُوشِكَا

    وكأنَّ الناظِمَ ارْتَابَ في الشاهِدِ المذكورِ فأسْقَطَ لفْظَةَ (كائدُ) مِن بيتِ الأَلْفِيَّةِ؛ فإنه رُوِيَ بالباءِ، (أنا كابِدُ) مِن الْمُكَابَدَةِ، وهي الاجتهادُ في العمَلِ، ورَجَّحَ هذا ابنُ هشامٍ في (أوْضَحِ الْمَسالِكِ)، ورَجَّحَ عنه في (تَخليصِ الشواهِدِ) و(تلخيصِ الفوائدِ) مُرَجِّحاً أنَّ الصحيحَ في البيتِ هو ما ذَكَرَه ابنُ مالِكٍ في (الكافيةِ).
    الثانِي: أوْشَكَ، فقدْ وَرَدَ لها مُضَارِعٌ؛ كما في قولِه صَلَّى اللَّهُ عليه وسَلَّمَ: ((يُوشِكُ الْفُرَاتُ أَنْ يَحْسِرَ عَنْ كَنْزٍ مِنْ ذَهَبٍ، فَمَنْ حَضَرَ فَلاَ يَأْخُذْ مِنْهُ شَيْئاً)). متَّفَقٌ عليه.
    ومِثلُه الشاهِدُ الْمُتَقَدِّمُ: (يُوشِكُ مَنْ فَرَّ مِنْ مَنِيَّتِهِ)، وقد كَثُرَ استعمالُ المُضَارِعِ مِن (أوْشَكَ) في السنَّةِ وفي أشعارِ العرَبِ، وقَلَّ استعمالُ الماضي، وتَقَدَّمَ له شاهِدٌ؛ كما وَرَدَ اسمُ الفاعِلِ في قولِ الشاعرِ:
    فمُوشِكَةٌ أرْضُنَا أنْ تَعُودَ = خِلافَ الأَنِيسِ وُحُوشاً يَبَابَا

    فـ (مُوشِكَةٌ) خبرٌ مُقَدَّمٌ، وفيه ضَميرٌ مُسْتَتِرٌ هو اسْمُه، و(أرْضُنا) مُبْتَدَأٌ مؤَخَّرٌ، و(أنْ تَعودَ) خبرُ (مُوشِكَةٌ)؛ أيْ: أرْضُنَا مُوشِكَةٌ أنْ تَعودَ.
    الثالثُ: عَسَى؛ فقد حَكَى صاحِبُ (الإنصافِ في مَسائلِ الْخِلافِ) المُضَارِعَ منه واسمَ الفاعلِ، قالوا: عسى يَعْسِي أو يَعْسُو فهو عَاسٍ.
    الرابعُ: طَفِقَ؛ فقد قالَ الْجَوْهَرِيُّ في (الصِّحاحِ): (طَفِقَ يَفْعَلُ كذا يَطْفَقُ طَفَقاً؛ أيْ: جَعَلَ يَفعَلُ، قالَ الأَخْفَشُ: وبعضُهم يقولُ: طَفَقَ - بالفتْحِ - يَطْفِقُ طُفُوقاً). اهـ. فهذا يَدُلُّ على مَجيءِ المُضَارِعِ والمصدَرِ مِن طَفِقَ.
    الخامسُ: جَعَلَ؛ فقد حَكَى الكِسائيُّ مُضَارِعَه فقالَ: (إنَّ البَعيرَ لَيَهْرَمُ حتَّى يَجْعَلَ إذا شَرِبَ الماءَ مَجَّهُ).
    وقدِ اقْتَصَرَ ابنُ مالِكٍ على (كادَ وأَوْشَكَ) فقالَ: (واسْتَعْمَلُوا مُضَارِعاً لأَوْشَكَا.. إلخ)؛ أيْ: أنَّ العرَبَ استَعْمَلَتِ المُضَارِعَ مِن أَوْشَكَ وكادَ لا غَيرُ، كما استَعْمَلُوا اسمَ الفاعلِ مِن أوْشَكَ قليلاً، وما ذَكَرَه ابنُ مالِكٍ مِن هذه الثلاثةِ هو المشهورُ، وأمَّا تصارِيفُ الأفعالِ الأُخْرَى التي ذَكَرْنَا فهي نَادِرَةٌ، ولم أَرَ لها شَاهِداً.
    ما تَختَصُّ به عسَى واخْلَوْلَقَ وأَوْشَكَ

    170- بعدَ عسى اخْلَوْلَقَ أَوْشَكْ قدْ يَرِدْ = غِنًى بأنْ يَفعَلَ عن ثانٍ فُقِدْ
    أفعالُ هذا البابِ كلُّها ناقِصَةٌ، فلا تَكْتَفِي بِمَرفوعِها، بل تَحتاجُ معَه إلى منصوبٍ، وهو الخبرُ، إلاَّ ثلاثةَ أفعالٍ؛ فإنها تُسْتَعْمَلُ تامَّةً وناقِصَةً، وهي: عسَى، أوْشَكَ، اخْلَوْلَقَ.
    أمَّا الناقِصَةُ فقد ذَكَرْنَاها، ومِن أمْثِلَتِها قولُه تعالى: {فَعَسَى اللَّهُ أَنْ يَأْتِيَ بِالْفَتْحِ}.
    وأمَّا التامَّةُ فهي التي تَكتفِي بالمرفوعِ، وذلك بأنْ تُسْنَدَ إلى (أَنْ والفعْلِ)، ويكونُ في تأويلِ مَصْدَرِ فاعِلٍ لها، ومِثالُ ذلك أنْ تقولَ للمريضِ: عسَى أنْ تَبْرَأَ، ومِنه قولُه تعالى: {وَعَسَى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئاً وَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ وَعَسَى أَنْ تُحِبُّوا شَيْئاً وَهُوَ شَرٌّ لَكُمْ}.
    هذا إذا لم يَلِ الفِعْلَ الذي بعدَ (أنِ) اسمٌ ظاهِرٌ يَصِحُّ رَفْعُه به.
    فإنْ وَلِيَهُ نحوُ: (عسَى أنْ يَنتصِرَ المجاهِدُ) فهي مُحْتَمِلَةٌ للتمامِ والنُّقصانِ، فإنْ قَدَّرْنَا (عسَى) مُسْنَدَةً إلى (أنْ والفعْلِ) وما بعدَ الفعْلِ مرفوعٌ به فهي تامَّةٌ، وإنْ قَدَّرْنَا ما بعدَ الفعْلِ اسْماً لعسَى مُؤَخَّراً، وأنْ والفعْلَ خَبَرَها مُقَدَّماً، وفاعِلُه ضَميرٌ مُسْتَتِرٌ يَعودُ على اسمِ عسَى - وجازَ عَوْدُه عليه وإنْ تَأَخَّرَ؛ لأنه مُقَدَّمٌ في الرُّتبةِ - فهي على هذا التقديرِ ناقصةٌ، ومنه قولُه تعالى: {عَسَى أَنْ يَبْعَثَكَ رَبُّكَ مَقَاماً مَحْمُوداً}.
    ولا يَظْهَرُ الفرْقُ بينَ التقديرينِ إلاَّ في التثنيةِ والجمْعِ؛ إذ يَبْرُزُ الضميرُ المُستَتِرُ في الفعْلِ في حالةِ النُّقصانِ، ولا ضَميرَ أصْلاً في حالةِ التمامِ، فتقولُ على النُّقصانِ: عسَى أنْ يَنتصرَا المجاهِدانِ، وعسَى أنْ يَنْتَصِرُوا المجاهدونَ، فالضميرُ فاعلٌ والاسمُ بعدَه مَرفوعٌ بـ (عسَى)، وتقولُ على التمامِ: عسى أنْ يَنتصِرَ المجاهدانِ، وعسى أنْ يَنتصِرَ المجاهدونَ.
    وهذا معنى قولِه: (بعدَ عَسَى اخْلَوْلَقَ.. إلخ)؛ أيْ: قد يَرِدُ الاستغناءُ بأنْ والفعلِ عن الخبرِ وتكونُ تامَّةً.
    وقولُه: (أوْشَكْ قدْ يَرِدْ) تُقرَأُ بتسكينِ الكافِ للوَزْنِ، ثم تُدْغَمُ في القافِ فتَصيرُ قافاً مُشَدَّدَةً، وقد للتحقيقِ لا للتقليلِ؛ لكثرةِ وُرودِ ذلك، ولا يُرادُ (بأنْ يَفعَلَ) ذاتُ اللفْظِ، وإنما المقصودُ ما هو على صِياغتِها ونَمَطِها، وقولُه (غِنًى)؛ أي: استغناءً، وقولُه: (عن ثانٍ)؛ أي: الخبرِ.
    ما تَخْتَصُّ به عَسَى

    171- وجَرِّدَنْ عَسَى أوِ ارْفَعْ مُضْمَرَا = بها إذا اسمٌ قبْلَهَا قد ذُكِرَا
    اخْتُصَّتْ (عسَى) مِن بينِ أفعالِ هذا البابِ بأنها إذا تَقَدَّمَ عليها اسمٌ وتَأَخَّرَ عنها (أنْ والفعْلُ) جازَ أنْ يُقَدَّرَ فيها ضَميرٌ يَعودُ على الاسمِ السابقِ، فتكونُ ناقِصَةً، والضميرُ اسْمَها، والمصدَرُ الْمُؤَوَّلُ خَبَرَها، وجازَ أنْ تُقَدَّرَ خاليةً مِن الضميرِ فتكونَ تامَّةً رافعةً للمَصْدَرِ المؤَوَّلِ مُستغنًى به عن الخبرِ.
    نحوُ: المريضُ عسَى أنْ يَبْرَأَ، ومنه قولُه تعالى: {فَأَمَّا مَنْ تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ صَالِحاً فَعَسَى أَنْ يَكُونَ مِنَ الْمُفْلِحِينَ}.
    فإذا قُدِّرَ في (عَسَى) ضميرٌ يعودُ على (مَنْ) فهي ناقِصَةٌ، وإلاَّ فهي تامَّةٌ، والمصدَرُ المؤَوَّلُ مِن (أَنْ يَكُونَ) فاعِلُها.
    ويَظهَرُ أثَرُ التقديرينِ في التثنيةِ والجمْعِ، فتقولُ على تقديرِ الضميرِ باعتبارِها ناقصةً: الْمُحَمَّدَانِ عَسَيَا أنْ يَسْتَقِيمَا، والْمُحَمَّدُونَ عَسُوا أنْ يَستقيمُوا، فيَبْرُزُ الضميرُ المُستَتِرُ في (عسى) في حالِ الإفرادِ، وعلى عدَمِ التقديرِ باعتبارِها تامَّةً تقولُ: الْمُحَمَّدَانِ عسَى أنْ يَستقيمَا، والمُحَمَّدُونَ عسى أنْ يَستقيمُوا.
    وعَدَمُ تقديرِ الضميرِ فيها هو الأَفْصَحُ؛ لأنه وَرَدَ في القرآنِ؛ قالَ تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لاَ يَسْخَرْ قَوْمٌ مِنْ قَوْمٍ عَسَى أَنْ يَكُونُوا خَيْراً مِنْهُمْ وَلاَ نِسَاءٌ مِنْ نِسَاءٍ عَسَى أَنْ يَكُنَّ خَيْراً مِنْهُنَّ}، فقد جاءَتْ (عسَى) في المَوضعينِ خاليةً مِن الضميرِ، ولو أُضْمِرَ فيها لقالَ: عَسُوا أنْ يَكونوا، وعَسَيْنَ أنْ يَكُنَّ.
    وهذا معنَى قولِه: (وَجَرِّدَنْ عَسَى.. إلخ)؛ أيْ: جَرِّدَنْ (عسى) مِن الضميرِ واعْتَبِرْهَا تامَّةً، أو ارْفَع الضميرَ بها على أنه اسْمُها، وتكونُ ناقصةً، وذلك إذا ذُكِرَ قبْلَها اسْمٌ.
    حَرَكَةُ السينِ مِن (عسَى) المُسْنَدَةِ للضميرِ

    172- والفتْحَ والكسرَ أَجِزْ في السينِ مِنْ = نحوِ عَسَيْتُ وانْتِفَا الفَتْحِ زُكِنْ
    مِن أحوالِ (عسى) أنه يَجوزُ فَتْحُ سِينِها وكَسْرُها إذا أُسْنِدَتْ إلى أحَدِ الضمائرِ الثلاثةِ، وهي: التاءُ والنونُ ونا الفاعلينَ، والفتْحُ هو المختارُ؛ لِخِفَّتِه، ولأنه اللغةُ المشهورةُ، ولِعَدَمِ مُخالَفَةِ (عسى) المسنَدَةِ إلى الضميرِ (عسى) المسنَدَةَ إلى الظاهِرِ.
    ومِثالُ ذلك قولُه تعالى: {قَالَ هَلْ عَسَيْتُمْ إِنْ كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِتَالُ أَلاَّ تُقَاتِلُوا}. فقد قَرَأَ نافِعٌ الْمَدَنِيُّ بِكَسْرِ السينِ، وقَرَأَ الباقونَ مِن السبعةِ بالفتْحِ، وقد نَقَلَ ابنُ مالِكٍ في (شرْحِ الكافيةِ) أنَّ العرَبَ اتَّفَقَتْ على فتْحِ السينِ مِن (عسى) إذا لم يَتَّصِلْ بتاءِ الضميرِ ونُونَيْهِ.
    وهذا معنى قولِه: (والفتْحَ والكسرَ أَجِزْ.. إلخ)؛ أيْ: أَجِزِ الفتحَ والكسْرَ في السينِ مِن (عسَى) المُتَّصِلةِ بتاءِ المُتَكَلِّمِ أو المُخاطَبِ، نحوُ: عَسِيتُ.
    (وانْتِفَا الفَتْحِ زُكِنْ)؛ أيْ: عُلِمَ اختيارُ الفتحِ عن العرَبِ، وأنه أحْسَنُ مِن الكسْرِ؛ لِمَا ذَكَرْنَاهُ.


    _________________


    قناتي على موقع يوتيوب :
    https://www.youtube.com/channel/UCm8N-tHwIFM7hPnwtLrBMpg
    مدونتي:
    https://arabicfraed.blogspot.com.eg/
    avatar
    أحمد
    إدارة ثمار الأوراق
    إدارة ثمار الأوراق

    عدد الرسائل : 16844
    الموقع : القاهرة
    نقاط : 39017
    تاريخ التسجيل : 17/09/2008

    رد: أفعال المقاربة ( كاد وأخواتها )

    مُساهمة من طرف أحمد في الجمعة مارس 16, 2018 1:00 pm

    شرح العوامل المائة للشيخ خالد الأزهري

    النوع الحادي عشر
    أفعال تسمى أفعال المقاربة
    لما فرغ المصنف عن بيان الأفعال الناقصة شرع في بيان أفعال المقاربة-
    فإن قيل: لم قدم المصنف أفعال المقاربة على أفعال المدح والذم؟
    قيل: إن أفعال المقاربة مشاركة للأفعال الناقصة في العمل في كونها: ناقصة – وتامة – كالأفعال الناقصة –
    وهي وضعت لدنو الخبر رجاء أو حصولا – ترفع الاسم وتنصب الخبر على أحد الوجهين.
    أي أفعال المقاربة ترفع الاسم وتنصب الخبر إذا كانت ناقصة – وأما إذا كانت تامة فيكون ما بعدها مرفوعا على أنه فاعل لها – وأما ما وضع لدنو الخبر رجاء، فكقولك:
    عسى زيد أن يخرج.
    فعسى: من الأفعال المقاربة-
    وزيد: اسم عسى.
    وأن مصدرية ناصبة.
    ويخرج: فعل مضارع منصوب بأن والفعل مع فاعله بتأويل المصدر في محل النصب خبر عسى – أي عسى زيد الخروج.
    فإن قيل: فعلى هذا التقدير لا يصدق الخبر على الاسم مع أن صدق الخبر على الاسم واجب؟
    قيل: إن المضاف مقدر.
    إما من جانب الاسم، نحو: عسى حال زيد الخروج.
    أو من جانب الخبر، نحو: عسى زيد الخروج – فيصدق الحمل. وعسى أن يخرج زيد-
    فعسى: من أفعال المقاربة – وأن: مصدرية ناصبة ويخرج: فعل مضارع منصوب بأن، وزيد فاعل يخرج – والفعل مع الفاعل بتأويل المصدر في محل الرفع فاعل عسى –
    ويستغني عسى عن الخبر تقديره: قرب خروج زيد-
    وإذا قيل: عسى زيد أن يخرج.
    فعسى: ناقصة-
    وإذا قيل: عسى أن يخرج زيد.
    فعسى تامة.
    وإذا قيل: زيد عسى أن يخرج-
    فزيد: مبتدأ – فيكون ضمير في عسى عائد إلى زيد وهو اسمه – وأن مع الفعل: منصوب المحل خبر عسى، والجملة الفعلية في محل الرفع خبر عن زيد.
    فعلى هذا تقول:
    الزيدان عسيا أن يقوما.
    والزيدون عسوا أن يقوموا.
    وهند عست أن تقوم.
    والهندان عستا أن تقوما.
    والهندات عسين أن يقمن.
    ويجوز أن يكون أن مع المضارع في محل الرفع على أنه فاعل ولا ضمير في عسى.
    وعلى هذا تقول:
    الزيدان عسى أن يقوما.
    وهند عسى أن تقوم.
    والزيدون عسى أن يقوموا.
    والهندان عسى أن تقوما.
    والهندات عسى أن يقمن.
    وقد يحذف أن في قولك: عسى زيد يخرج – تشبيها لعسى بكاد- فكما أن، كان زيد يخرج لم يذكر فيه أن، كذلك عسى زيد يخرج لا يذكر فيه أن كقولهم:
    عسى الكرب الذي أمسيت فيه = يكون وراءه فرج قريب
    كان الأصل: أن يكون وراءه فرج قريب.
    فحذفت أن بخلاف قولك: عسى أن يخرج زيد لعدم مشابهته بقولك: كاد زيد يخرج.
    وعسى غير متصرف من حيث لا يجيء منه المضارع واسم الفاعل، والأمر والنهي لتضمنه " أنشأ": - الطمع والرجاء -: كلعل.
    والإنشاء فيه غالبا من معنى الحرف – والحرف لا يتصرف.
    وأما ما وضع لدنو الخبر حصولا فكقولك:
    كاد زيد يخرج.
    فكاد: من أفعال المقاربة.
    وزيد: اسم كاد – وخبره: يخرج بعد أن مؤولا باسم فاعل تقديره: كاد زيد خارجا.
    وقد تدخل أن على خبر كاد تشبيها له بعسى. فكما يذكر (أن) في خبر عسى يذكر (أن) في خبر كاد – فيقال:
    كاد زيد أن يخرج، كقولهم:
    قد كاد من طول البلى أن يمحصا.
    فأن يمحصا خبر كاد – ودخلت أن عليه.
    فإن قيل: لم حذف أن مع كاد – وأثبت مع عسى؟
    قيل: إن كاد أبلغ في تقريب الشيء من الحال ألا ترى أنك إذا قلت:
    كادت الشمس تغرب كان المعنى: قرب غروبها جدا – وعسى أذهب في الدلالة على الاستقبال. ألا ترى أنك تقول: عسى الله أن يدخلني الجنة – وإن لم يكن هذا شديد القريب من الحال.
    فإذا كان الأمر كذلك حذف على الاستقبال مع كاد – وأثبت مع عسى.
    وكرب
    بفتح الراء مثل كاد خبره فعل مضارع بغير أن – كذلك خبر كرب بغير أن نحو:
    كرب زيد يخرج.
    وأوشك
    مثل عسى كما أن عسى يكون خبره فعلا مضارعا مع أن كذلك خبر أوشك فعل مضارع مع أن نحو:
    أوشك زيد أن يخرج.
    فأوشك: من أفعال المقاربة.
    وزيد: اسم أوشك.
    وأن مصدرية ناصبة.
    ويخرج: فعل مضارع منصوب بأن – والجملة الفعلية بتأويل المصدر في محل النصب خبر أوشك.
    فإن قيل: لم استعمل كرب – وأوشك مثل استعمال كاد وعسى؟ قيل: إن عسى وكاد – أصل الباب فاستعمل كل واحد من كرب وأوشك مثل استعمالها
    فإن قيل: لم خص كرب باستعمال كاد وأوشك باستعمال عسى؟
    قيل: إن كرب أقرب لكاد في تقريب الشيء من الحال – وأوشك أقرب لعسى في الدلالة على الاستقبال فاستعمل كرب استعمال كاد – وأوشك استعمال عسى.


    _________________


    قناتي على موقع يوتيوب :
    https://www.youtube.com/channel/UCm8N-tHwIFM7hPnwtLrBMpg
    مدونتي:
    https://arabicfraed.blogspot.com.eg/
    avatar
    أحمد
    إدارة ثمار الأوراق
    إدارة ثمار الأوراق

    عدد الرسائل : 16844
    الموقع : القاهرة
    نقاط : 39017
    تاريخ التسجيل : 17/09/2008

    رد: أفعال المقاربة ( كاد وأخواتها )

    مُساهمة من طرف أحمد في الجمعة مارس 16, 2018 1:00 pm

    وسائل الفئة في شرح العوامل المائة لابن العينى

    قوله: "النوع الحادي عشر" أي النوع الحادي عشر من الأنواع الثلاثة عشر: أفعال تسمى أفعال المقاربة.
    قوله: "وخبره" أن الواو فيه للحال أي ترفع اسما واحدا، والحال أن يكون خبره آتيا مع الفعل المضارع نحو: عسى زيد أن يخرج، فإن زيدا ارتفع بعسى وخبره أن يخرج.
    قوله: "وهي" أي أفعال المقاربة أربعة، فيصير المجموع بهذه الأربعة ثمانين عاملاً.
    قوله: "عسى" أي الأول "عسى"، وهو فعل ماض غير متصرف بدليل لحوق الضمائر وتاء التأنيث الساكنة، وإنما سلب التصرف من حيث إنه يشبه الحرف؛ لأن فيه معنى الطمع فأشبه بذلك، ثم إن فاعلها على نوعين:
    أحدهما: أن يكون اسما نحو: عسى زيد أن يخرج، فزيد مرفوع بالفاعلية، وأن يخرج في موضع نصب؛ لأنه بمنزلة قارب زيد الخروج.
    والثاني: أن يكون أن مع صلتها في موضع الرفع نحو: عسى أن يخرج زيد، فحينئذ يكون بمنزلة قرب أن يخرج أي خروجه.
    قوله: "وكاد" أي الثاني "كاد"، وهو أيضا يرفع الاسم، وخبره الفعل المضارع بغير أن، متأول باسم الفاعل نحو: كاد زيد يخرج أي خارجا، وإنما أثبت أن مع عسى، وحذف مع كاد؛ لأن كاد أبلغ في تقريب الشيء من الحال، ألا ترى أنك إذا قلت: كادت الشمس تغرب، كان المعنى قرب غروبها جدا، و"عسى" أذهب في الدلالة على الاستقبال إلا ترى تقول: عسى الله أن يدخلني الجنة، وإن لم يكن هذا شديد القرب من الحال، فلما كان الأمر على هذا حذف علم الاستقبال مع كاد وأثبت مع عسى.
    قوله: "وكرب" أي الثالث "كرب"، نحو: كرب زيد يضرب، وهي تستعمل استعمال كاد.
    قوله: "وأوشك" أي الرابع "أوشك"، نحو: أوشك عمرو يدخل، وهي تستعمل استعمال عسى في الوجهين نحو: أوشك زيد أن يجيء، وأوشك أن يجيء زيد، ويستعمل استعمال كاد أيضا نحو: أوشك زيد يجيء.
    واعلم أن أم الباب هي "عسى وكاد"، ويجرى "كرب" مجرى "كاد" كما قلنا، وكذا جعل وأخذ وطفق، ويجري "أوشك" تارة مجرى "كاد" وتارة مجرى "عسى" كما بينا.


    _________________


    قناتي على موقع يوتيوب :
    https://www.youtube.com/channel/UCm8N-tHwIFM7hPnwtLrBMpg
    مدونتي:
    https://arabicfraed.blogspot.com.eg/

      الوقت/التاريخ الآن هو الإثنين أبريل 23, 2018 1:24 am