ثمار الأوراق

ثمار الأوراق

(ثمار الأوراق) : منتدى إسلامي / تعليمي / دعوي على عقيدة (أهل السنة و الجماعة) ، يهتم بنشر العلم الشرعي و العربية و التاريخ الإسلامي و كل ما ينفع المسلم


    قراءة نقدية جديدة لكتاب (تاريخ القرآن) لنولدكه

    شاطر

    أحمد
    إدارة ثمار الأوراق
    إدارة ثمار الأوراق

    عدد الرسائل : 16657
    الموقع : القاهرة
    نقاط : 38587
    تاريخ التسجيل : 17/09/2008

    قراءة نقدية جديدة لكتاب (تاريخ القرآن) لنولدكه

    مُساهمة من طرف أحمد في الإثنين يناير 21, 2013 6:58 am

    قراءة نقدية جديدة لكتاب (تاريخ القرآن) لنولدكه

    * كثير من المستشرقين ضللوا العقل الغربي ونقلوا صورة مشوهة للإسلام
    تاريخ النشر: السبت27/2/2010, تمام الساعة 02:47 صباحاً بالتوقيت المحلي لمدينة الدوحة

    في قراءة لكتاب "تاريخ القرآن" .. عبد الله البكري :
    النقد العلمي للاستشراق يخدم المعرفة وجزءا من الحوار الحضاري
    المستشرقون حجبوا نور الإسلام عن شعوبهم.. ودحض مزاعمهم ينير العقل الغربي

    الدوحة – الراية :
    صدر مؤخرا عن وزارة الأوقاف والشؤون الإسلامية (ترجمة وقراءة نقدية) لكتاب من أهم كتب الاستشراق ومرجع من أهم مراجعه وهو كتاب ( تاريخ القرآن ) للمستشرق الألماني (تيودور نولدكه ) (1836- 1930م) ترجمة وقراءة نقدية للباحث د. رضا محمد الدقيقي وهو رسالة علمية متميزة حصل بها الباحث على درجة الدكتوراة من جامعة الأزهر ، بمرتبة الشرف مع التوصية بالطبع ، وقد أشرف عليه أ.د محمود حمدي زقزوق وشارك في المناقشة كل من أ.د عبدالله الشاذلي وأ.د. محمد شامة والمستشرق الألماني تيلمان ناجل .
    وقدم عبد الله بن عمر البكري رئيس لجنة إحياء التراث الإسلامي والنشر العلمي عرض للكتاب أكد فيه انه لأهمية كتاب (تاريخ القرآن) فلا تكاد تجد باحثاً مختصاً في مجال الدراسات الإسلامية في الغرب لا يرجع إليه .
    وهذه فكرة موجزة عن الكتاب نستعرض فيها بعض ماورد في مقدمة الباحث لرسالته والتي تُعد من أهم الدراسات المعاصرة المتعلقة بحركة الاستشراق ، وقد اعتبرها الباحث خطوة للحوار مع المستشرقين حيث أشار أنه لا ينبغي أن يماري أحد في أهمية الحوار الديني مع الغرب، وهذا الحوار يتضمن بالضرورة حوارًا مع المستشرقين الذين هم من أهم مكونات العقل الغربي والثقافة الغربية. والحوار مع المستشرقين كما يرى الدكتور يوسف القرضاوي جزء من الحوار الديني للغرب ومتمم له وهو ضروري لتصحيح الفكرة وتقريب الثقة وتنقية الأجواء وتمهيد الأرض لعلاقات أفضل كما يرى الباحث.
    وقال البكري : وتأتي أهمية هذه الدراسة كونها تتعلق بعالم من أبرز المستشرقين ويكفي أنه أستاذ للمستشرق كارل بروكلمان ذائع الصيت صاحب (تاريخ الأدب العربي) الذي يُعد من أبرز أعمال المستشرقين وأنفعها حتى جاء الباحثة د.فؤاد سزكين بالعمل الأنفس وهو (تاريخ التراث العربي ) الذي أصلح فيه أخطاء بروكلمان وزاد عليه ونقحه. يقول المستشرق الألماني "إينو ليتمان" عن (نولدكه) : (لقد طبعت مكانته العلمية وقوة نفوذه حقل الاستشراق بكامله خلال السبعين عاماً الأخيرة بطابع شخصيته، ولولاه لما أمكن أي تطور لهذا العلم) .
    واضاف : ووصفه المستشرق الألماني " يوهان فيُك" بالذكاء الحاد والفكر الثاقب والذاكرة القوية التي أتاحت له أن يسلك طريقه في مجالات عديدة؛ فهو لغوي ومؤلف ومترجم ونحوي وناقد. وقال: إنه يمكن وصفه بأنه أعظم المستشرقين الألمان في عصره، ووصف منهجه بالتدبر الحكيم الذي جعل أبحاثه من الوجهة المنهجية نموذجاً يُحتذى.
    ووصفه " جولدتسيهر" بأنه (زعيمنا الأكبر) وقال تلميذه " كارل بروكلمان": كان "نولدكه" على رأس مدرسة الاستشراق الألمانية بـ " اشتراسبورج" وطبع حركة الاستشراق سبعين سنة بشخصه.
    وقال عنه المستشرق الألماني " رودي بارت " (صاحب أشهر ترجمة لمعاني القرآن في ألمانيا) : "تيودور نولدكه أستاذ الاستشراق الجليل الذي حظي باحترام عالمي في مادته".
    وإذا كانت هذه مكانة نولدكه بين زملائه وتلامذته من المستشرقين؛ فقد تمتع بمكانة طيبة وسمعة حسنة بين كثير من العلماء العرب فقد أثنى عليه جماعة وقال عنه د. عبد الرحمن بدوي: (يعد نولدكه شيخ المستشرقين الألمان غير مدافَع ، وقد أتاح له نشاطه الدائب وألمعية ذهنه واطلاعه الواسع على الآداب اليونانية ... أن يظفر بهذه المكانة ليس فقط بين المستشرقين الألمان بل بين المستشرقين جميعاً).
    وقال : أما كتاب (نولدكة) الذي تخرج قطر اليوم ترجمة له فقد كان في أصله رسالة دكتوراة باللغة اللاتينية بعنوان: (حول نشوء وتركيب السور القرآنية) تقدم بها " نولدكه" عام 1856م إلى جامعة جوتنجن للحصول على الدكتوراة وكان عمره عندئذ عشرين عاماً، وحصل عليها بالفعل بمرتبة الشرف الأولى .كما حصل " نولدكه" عام 1858م بهذه الرسالة على جائزة من فرنسا خصصت لأفضل كتاب أُلِّف في أوربا عن كتاب مقدس.ثم عكف بعد ذلك على إعادة كتابتها باللغة الألمانية بمفرده على نحو جديد وصدرت كطبعة أولى سنة 1860م تحت عنوان: (تاريخ القرآن).
    وأضاف : وتأتي أهمية كتاب الدكتور رضا الدقيقي من كونه متعلقاً بهذا المرجع الاستشراقي المهم في الأوساط الغربية فمنه يستمد الغربيون المعرفة بالقرآن الكريم وبالنبي صلى الله عليه وسلم منذ زمن طويل . وقد قسم الباحث كتابه إلى ثلاثة أقسام خرجت في ثلاثة مجلدات هي :
    1- الوحي إلى محمد صلى الله عليه وسلم بين الإنكار والتفسير النفسي .
    2- الوحي إلى محمد صلى الله عليه وسلم هل هو صوت داخلي .
    3- النبي صلى الله عليه وسلم والمرجعية هل ثمة تحول .
    ولأهمية كتاب (تاريخ القرآن) فإن ثلاثة من العلماء الألمان قد عملوا على تحقيقه ومعالجته ونشره، هم : (شفاللي) (برجشتراسر) ، و (بريتسل) .ووصف المستشرق المجري (جولدتسيهر) كتاب تاريخ القرآن بأنه (كتاب أصيل بكر).وقال عنه المستشرق البريطاني )آرثر جفري): (إنه أساس كل بحث في علوم القرآن في أوروبا).وقال المستشرق الألماني (رودي بارت): "لقد أصبح كتاب (تاريخ القرآن) منذ زمن طويل كتاباً أساسياً من كتب هذا الفرع من التخصص، ولا يحتاج لتبجيل أو تكريم أكثر من هذا.. وعلى من يريد الاشتغال علمياً بالقرآن على أي نحو أن يعتمد على كتاب نولدكه " تاريخ القرآن " ذلك الكتاب الذي سيظل حافظاً لقيمته على مر الأيام".
    وقال عنه المستشرق الألماني " جوستاف بفانموللر" (وأما كتاب نولدكه: تاريخ القرآن فإنه يفي بكل متطلبات العلم . إنه كتاب عظيم القيمة لكل الذين يدرسون الإسلام ولكنه بالنسبة لغير المستشرقين كتاب شاق الاستعمال). ويقول عنه المستشرق الألماني " يوهان فيُك" : "لقد أحدث الكتاب هزة مدوية حيث عولجت فيه بذكاء مسألة نشأة الكتاب وجمعه وروايته. ولقد أسست المناقشة النقدية فيه للترتيب الزمني لسور القرآن قاعدة راسخة لكل البحوث التاريخية حول القرآن". وقال عنه المستشرق الألماني (فريدريش شفاللي ) :"إنه يعد في المحيط العلمي من أُمَّات الكتب " .
    واكد انه على الرغم من أهمية هذا الكتاب؛ فقد كانت صلة معظم الباحثين العرب والمسلمين به تتم من خلال دراسات المستعربين باللغتين الإنجليزية والفرنسية ؛ حيث نقل هؤلاء وعلى وجه الخصوص: بلاشير في كتابه: (مدخل إلى القرآن) فقرات منه. وصادف أن الفقرات التي نقلها بلاشير لا تتعلق بشكل مباشر بآراء نولدكه بشأن الوحي إلى محمد صلى الله عليه وسلم ونبوته وأصل القرآن والمصدر الإلهي للإسلام وغير ذلك من مسائل العقيدة؛ وإنما تتعلق برأي أو ترجيح في مسألة من المسائل الفنية المتعلقة بعلوم القرآن كمكية موضع قرآني أو مدنيته، وسبب نزول آية أو ترتيب زمني للقرآن. ونتيجة لذلك وتأثرًا بالأحكام الاستشراقية سالفة الذكر بشأنه، فقد أغرى الإعجاب الاستشراقي بالكتاب بعض الباحثين المسلمين والعرب بأن يثنوا على الكتاب بشكل مطلق.فلقد عد الدكتور أحمد سمايلوفيتش كتاب (تاريخ القرآن) لنولدكه "واحدًا من البحوث القيمة التي كانت بمثابة تحول عظيم في تصحيح مفاهيم الغرب عن الإسلام والعرب ...الخ ". وعلى الرغم من أن الدكتور صلاح الدين المنجد وصف بعض آراء نولدكه بشأن القرآن بأنها خاطئة تماماً إلا أنه قال عن كتاب (تاريخ القرآن):"هو أول مؤلفات (نولدكه) العظيمة الكثيرة، وبه دل على طريق البحث العلمي الصحيح في الدراسات القرآنية ..." !!!
    كما وصف الدكتور عمر فروخ كتابات نولدكه بشكل مطلق بأنها "يصعب أن يكون فيها تشويه وأن يقصد بها ضرر مباشر" وقدم وصفا جزئياً عن كتاب تاريخ القرآن تحديدًا .وأشار الدكتور سامي الصقار إلى رسالة نولدكه للدكتوراة (حول نشأة وتركيب السور القرآنية) التي تمثل البدايات الأولى لكتابه (تاريخ القرآن ) مكتفياً بما نقله عن نجيب العقيقي من أنها "كانت من الإتقان لدرجة أنها حازت على جائزة مجمع الآداب في باريس عام 1858م وقد وسعها ونشرها في عام 1860م "
    وقال : من هنا أيضاً تأتي أهمية هذه الدراسة التي تنشرها اليوم لجنة إحياء التراث الإسلامي والنشر العلمي بقطر ، فهي إلى جانب كونها أولى الدراسات العربية عن هذا الكتاب المهم؛ فهي أيضاً تسهم في تقييم موضوعي لكتاب نولدكه: (تاريخ القرآن) بعيدًا عن الافتتان بالحضور الطاغي لشخصيته أو الأحكام المطلقة التي قوبل بها كتابه وذلك في دراسة رصينة لباحث متميز حاز إعجاب المناقشين له ومنهم المستشرق الألماني "ناجل" .
    ومما تغافل عنه كثير ممن افتتن بكتاب (نولدكه) أن نولدكه نفسه قد نقد كتابه وأشار لبعض سلبياته فقد نشر نولدكه كتابه (تاريخ القرآن) كطبعة أولى باللغة الألمانية سنة 1860م، وعرض عليه الناشر عام 1898م أن يعيد نشره باللغة الألمانية كطبعة ثانية؛ لكن نولدكه رفض لأسباب عديدة لم يذكرها، واقترح أن ينهض بهذا تلميذه (شفاللي) . وساق الباحث الدكتور رضا الدقيقي عدة أدلة وقرائن تؤكد بأن نولدكه لم يكن راضياً عن كتابه (تاريخ القرآن) بل أن نولدكة وبعد أن انتهى (شفاللي) من معالجة الطبعة الثانية من القسم الأول من كتاب نولدكه في أغسطس 1909م كتب نولدكه مقدما لها؛ فاعترف أن السلبيات الفكرية مازالت على حالها؛ فالتهور في الأحكام ما زال موجودًا، وكثيرا مما كان يجزم نولدكه بصحته في الكتاب؛ ظهر له فيما بعد أن صحته غير مؤكدة؛ فقال نولدكه :" لقد جعل (شفاللي) هذا الكتاب الذي كتبته بتعجل قبل نصف قرن متناسباً بقدر الإمكان مع المقتضيات العلمية المعاصرة ، وأقول - والكلام لنولدكه - : بأن آثار تهور الشباب لم تمح بالكامل؛ وإلا لنشأ عمل جديد . إن كثيرًا من المسائل التي اعتقدت وقتئذ صحتها – بكثير الجزم أو قليله- بدت لي فيما بعد غير مؤكدة الصحة " أهـ . وهذا الاعتراف يُحسب لنولدكه ويبين أنه كان على قدر كبير من الإنصاف - بحسب ما سمحت له ثقافته ونشأته - فإن نولدكه حصل بسبب هذا الكتاب على جائزة كبرى كما رأينا، وكان الكتاب سبباً رئيساً في تبوئه المكانة الرفيعة التي نالها بين المستشرقين وغيرهم . ومع ذلك لم يأنف أن يصدر منه هذا الاعتراف دون أن يأبه لعواقبه . وهذا الاعتراف من نولدكه ؛ وإن كان يرفع من قدره كعالم متواضع لا يغره جهل غيره به عن علمه بنفسه ؛ إلا أنه كان ينبغي أن يبرر إعادة النظر من قِبل باحثي الدراسات الإسلامية في كثير من النتائج التي توصل إليها الكتاب، لا سيما أن مؤلفه لم يحدد ما هي المسائل التي رأى فيما بعد أن نتائجها كانت تهوُّرًا، أو التي ظهر له فيما بعد أن صحتها غير مؤكدة.كما أن نولدكه قد سئل وقد شارف على التسعين إن كان قد شعر بالندم؟ فقال: (إذا كان من ندم فلأنني درست علوماً لم أظفر منها في النهاية بنتائج حاسمة قاطعة) ولاشك أن دراسته لتاريخ القرآن كانت من هذه العلوم إذ لم يهتد بها إلى الحق والنور الذي بعث الله به خاتم النبيين .
    ولأن هذا الكتاب كان وما زال يحتل مكانة كبيرة لدى باحثي الدراسات الإسلامية كما بيّنّا؛ فقد كان واجباً على الباحثين في هذا المجال – خاصة الألمان- أن يعيدوا قراءته من جديد بشكل نقدي يدفعهم لذلك تحقيق رغبة أستاذهم على أقل تقدير.
    ويقول الدكتور رضا الدقيقي :"ولأكون أمينا مع نفسي كما علمني الإسلام؛ فإني أبين أني أفعل ذلك في المقام الأول بهدف النقاش الهادئ والموضوعي للقضايا التي أثارها نولدكه في كتابه (تاريخ القرآن) بشأن العقيدة الإسلامية ، ولا أدري إن كان في ذلك تحقيق لرغبة نولدكه أو لا؛ إذ الوحيد القادر على أن يقرر هو نولدكه نفسه؛ لكن الموت حال بينه وبين أي قرار كما حال من قبل بينه وبين أي تصحيح ..." .
    البكري إن الاستشراق هو أحد أهم مصادر الأفكار الغربية عن الإسلام والحضارة الإسلامية ، وإن كان للاستشراق حسناته في إخراج بعض كتب التراث وخدمتها وفهرستها لأغراض مختلفة فإن الاستشراق قد ساهم بقصد أو بغير قصد على نشر صورة غير صحيحة عن الإسلام وشعائره وشرائعه لدى أمم الغرب ومنها انتقل إلى غيرها من الأمم . وحتى قبل الاستشراق فإن الأفكار الغربية عن الإسلام لم تؤخذ من مصادرها الصحيحة وكمثال مما نُشرعلى نطاق واسع في أوروبا الحكاية الأسطورية أن محمدًا صلى الله عليه وسلم درب الحمامة لتلتقط حبات القمح من أذنه وبذلك أقنع العرب أن تلك الحمامة هي رسول الروح القدس الذي كان يبلغه الوحي الإلهي، ولقد بلغ تأثير هذه الحكاية أن شاعرًا إنجليزياً في القرن الخامس عشر هو" جون ليدهيت" وضع سيرة لحياة محمد صلى الله عليه وسلم تحدث فيها عن الحمامة المذكورة ولم ينس أن يقول: إن لونها كان حليبياً أبيض.وبلغ من تأثير الأضحوكة كذلك أنها وردت على لسان أحد أبطال رواية " شكسبير" (هنري الرابع ) حيث يخاطب " جان دارك" ساخرًا: (ألم تلهم الحمامة محمدًا؟ أما أنت فإن النسر ربما ألهمك) .
    وقال : وإذا كان هذا هو صدى هذه الحكاية وأمثالها، فإن الصدى سيكون أوسع لادعاءات تخرج من أوساط علمية ذات مستوى أكاديمي. ومن هذا القبيل المواضع التي انتقدها الباخث على (نولدكه) كزعمه أن وحي الله جل وعلا لمحمد صلى الله عليه وسلم هو صوت داخلي ظنه محمد صلى الله عليه وسلم وحياً، يقول: (إن محمدًا عدّ كل ما يتحرك بداخله شيئاً خارجياً مرسلاً له من السماء، ولم يختبر أبدًا هذا الإيمان؛ بل انقاد للشعور الغريزي الذي قاده مرة إلى هنا ومرة إلى هناك، إذ إنه كان يعتبر هذا الشعور الداخلي صوت الله الذي قدر له بشكل خاص).
    فلقد كان لهذا القول انعكاساته على المثقفين الغربيين؛ حيث قال ويلز في كتابه معالم تاريخ الإنسانية إن (محمدًا لم يكن دجالاً بأية حال وإن كان اعتداده بنفسه يدعوه في بعض الأحيان أن يتصرف كأنما كان الله رهن إشارته وكأنما كانت أفكاره أفكار الله).
    واشار البكري الى انه إذا قارنَّا كلام ويلز هنا بما قاله نولدكه أدركنا مدى انعكاس أفكار كبار المستشرقين بشأن الإسلام على مؤرخي الغرب وكتُّابه ومثقفيه الذين لا يتمكنون – بسبب عجز لغوي- من التعرف المباشر على الإسلام عبر نصوصه ومصادره الأصلية؛ فلا يبقى لهم من ثَمَّ إلا الولوج إليه عبر البوابة الاستشراقية.هذا في المستشرقين الموصوفين بالحياد والموضوعية فما بالك بمن عُرف منهم بالتجني والحقد الواضح والمغالطات البينة . إن المستشرق في موضوعه – كما يقول الشيخ محمود محمد شاكر- (مأمون عند كل أوروبي من أول طبقة الرهبان والساسة إلى آخر رجل من جماهير الناس، مأمون على ما يقوله، مصدّق فيما يقوله في أمور لا سبيل لأحد منهم إلى معرفتها لأنها تتعلق بأقوام لسانهم غير لسانهم ولا يقوم بها إلا دارس صابر ذو معرفة بهذا اللسان الغريب).
    وهذا يلقى بتبعة أخلاقية في المقام الأول على المستشرقين؛ عليهم أن يقدروها حق قدرها؛ وذلك لأن الثقة التي يوليها المتلقي الغربي لأبحاث المستشرق هي ثقة بلا حدود لأنها (يسّرت له – ما لم يكن يتيسر البتة- أن يعرف أشياء كثيرة متنوعة في صورة واضحة مصورة بمهارة ومصنوعة بأسلوب مقنع مقبول لا يرفضه عقله، بل لعله يرتضيه كل الرضا.. فهو – أي المتلقي الغربي- غير حريص على التحقق من صحة التفاصيل التي تكونت منها الصورة؛ ولا هو قادر على التشكك في سلامتها من الآفات، ولا يخطر بباله أن يسأل نفسه: أهي صادقة أم كاذبة؟ أهي مطابقة للحقيقة أم غير مطابقة للحقيقة؟ فإذا كان جزء من الصورة التي يقدمها الاستشراق عن الشرق – والإسلام في قلبه- شائها منقوصاً؛ فإننا نصبح بالضرورة إزاء مشكل كبير يعبر عنه إدوارد سعيد أصدق تعبير حين يقول: (ليس في وسع إنسان في الغرب يكتب عن الشرق أو يفكر فيه أو يمارس فعلاً متعلقاً به أن يقوم بذلك دون أن يأخذ بعين الاعتبار الحدود المعوقة التي فرضها الاستشراق على الفكر والفعل. وبكلمات أخرى فإن الشرق بسبب الاستشراق لم يكن موضوعا حرًا للفكر أو للفعل).
    ومن هنا يقول الباحث في مقدمة كتابه : "فإني آمل أن تسهم دراساتي هذه لدى من يقرأها من المعاصرين من المستشرقين في أن يخرجوا أنفسهم من هذه الزاوية التي وضع فيها الاستشراق نفسه عبر تاريخه الطويل وأن يرفعوا تلك المعوقات التي وضعها سلفهم في سبيل فهم جيد للشرق بمكونه الرئيس: الإسلام؛ حتى يسهل على قومهم الوصول للمعرفة الحقيقية بالشرق والإسلام وهم إن فعلوا؛ فقد أدوا أمانة العلم وكانوا أهلاً للثقة التي حباهم بها مواطنوهم ومجتمعهم" ثم بين امتداد أثر الاستشراق إلى الباحثين المسلمين فقال :"إن الاستشراق ما عاد محدود الأثر ببيئته التي نشأ فيها؛ بل تعدى أثره لبيئتنا العربية والإسلامية؛ فلقد فرّخت أفكاره فيها عبر التلقي والتلمذة المباشرة أو عبر الترجمة؛ فقلّ ألا تسمع فكرة مارقة عن الإسلام في الغرب دون أن يكون لها صدى يتراوح مداه بين الخفوت والإعلان في بلادنا، وشجع على ذلك ملابسات كثيرة ليس هذا مكان تفصيلها " فلقد ذهبت الأيام التي كان يكتب فيها المستشرقون غالب كتاباتهم ليقرأها مستشرقون مثلهم . و نحن ننحي جانباً الدراسات الفرعية المتخصصة لنجد معظم الإنتاج الحاضر يقرؤه ويقدره أعداد ضخمة من الباحثين والمثقفين واسعي الأفق في الغرب ومن هؤلاء أعداد قد تكون أكبر في العالم الإسلامي. يقول الشيخ محمود محمد شاكر عن المسلمين والاستشراق : (هم يتدارسون ما يلقيه إليهم على أنه علم يتزوده المعلم، وثقافة تتشربها النفوس، ونظر تقتفيه العقول، حتى كان كما قال مالك بن نبي: (إن الأعمال الأدبية لهؤلاء المستشرقين قد بلغت درجة من الإشعاع لا نكاد نتصورها)، وتفصيل أثر هذا الإشعاع في تاريخنا الحديث وفي سياستنا وفي عقائدنا وفي كتبنا وفي ديننا وفي أخلاقنا وفي مدارسنا وفي صحافتنا وفي كل أقوالنا وأعمالنا شيء لا يكاد يحيط به أحد).ولذا يؤكد الدكتور محمود حمدي زقزوق أن حركة الاستشراق (لها آثار كبيرة على قطاعات عريضة من المثقفين في العالم الإسلامي وفي العالم الغربي على السواء ولهذا؛ لا بد من التوافر على دراسة الاستشراق دراسة عميقة.وليس يكفي أن نقول: إن ما يكتبونه كلام فارغ؛ فهذا الكلام الفارغ مكتوب بشتى اللغات الحية؛ ومنتشر انتشارًا واسعاً على مستوى عالمي).
    واكد انه من المهم أن تجرى دراسات أكاديمية جادة تعالج الطروحات الاستشراقية في شتى المجالات التي ولجها البحث الاستشراقي، وتأتي إلى ما عسى أن يكون باحثا غربيا متهورا قد أحدثه؛ فتسد الثغرات التي يفتحها، وترتق الخرق الذي يفتقه، وتعيد الصورة التي يشوهها إلى سابق وضاءتها. ولن يكون ذلك ببضعة كلمات إنشائية يكتبها صاحبها كيفما اتفق من أجل المعايشة في سوق الكتاب؛ بل بأبحاث جادة يقوم بها علماء أكفاء، أو بأبحاث جامعية يقوم بها شباب واعون حسبة لله تحت رعاية علماء أكفاء يساعدونهم في المنهج، ويعينونهم على سلوكه، ويقومون نتاجهم ويجعلونهم أكثر دقة وموضوعية" ولابد أن ترعى نشر تلك الأبحاث الجادة جهات عدة تأتي على رأسها وزارات الأوقاف في العالم الإسلامي وتأتي في مقدمتها وزارة الأوقاف والشؤون الإسلامية بدولة قطر التي قدمت للأمة الكثير في هذا المجال من خلال إصدارات الوزارة المختلفة الذي يأتي من ضمنها هذا الكتاب.
    ويقول الباحث "إن استيعاب الإنتاج الاستشراقي – كما يقول الدكتور محمود زقزوق – ودراسته دراسة عميقة هو الخطوة الأولى لنقده نقدًا صحيحاً وإثبات ما يتضمنه من تهافت أو زيف. وهذا يجعل المستشرقين يفكرون ألف مرة قبل أن يكتبوا تحسباً لما قد يواجههم من نقد علمي يعربهم ويثبت زيف ادعاءاتهم. ويؤكد هذه الحقيقة المستشرق الفرنسي " مكسيم رودنسون" حين يشير إلى أن هناك طريقاً واحدًا فقط لنقد المستشرقين، وهذا الطريق يسير عبر دراسة تفصيلية لمؤلفاتهم).
    انتهى الباحث إلى أن نولدكه وقع في أخطاء علمية ومنهجية في دراسته للقرآن الكريم ونبوة محمد صلى الله عليه وسلم، وضلل العقل العربي لزمن طويل بشأن الإسلام والقرآن والنبوة ، بقصد أو بغير قصد ، وبعض أخطائه ناشئ عن جهله باللغة العربية وبعضها لعوامل أخرى لا تخفى . وهذه المغالطات الشنيعة التي أوردها (نولدكه) عبر عنها المستشرق الألماني "ناجل" الذي شارك في مناقشة الرسالة على استحياء بقوله إن الأسس التي بنى عليها (نولدكه) كتابه " تختلف عما نسلم به اليوم كأمر بدهي" .
    وأهم ما فيه من الباطل رفضه أن يكون النبي صلى الله عليه وسلم قد تلقى الوحي من الله جل وعلا ، حتى أنه من جهله باللغة زعم أن جبريل نزل على هيئة عائشة رضي الله عنها وذلك في سوء فهم منه للقصة المعروفة في رؤيته صلى الله عليه وسلم لعائشة رضي الله عنها في المنام قبل زواجه بها .


    المصدر : جريدة الراية القطرية .


    _________________


    قناتي على موقع يوتيوب :
    https://www.youtube.com/channel/UCm8N-tHwIFM7hPnwtLrBMpg
    مدونتي:
    https://ahmed26413.blogspot.com.eg/

      الوقت/التاريخ الآن هو الأربعاء ديسمبر 07, 2016 5:38 am