ثمار الأوراق

ثمار الأوراق

منتدى تعليمي يهتم باللغة العربية علومها وآدابها.


    احفظ ما شئت وراع ما يأتي

    شاطر
    avatar
    أحمد
    إدارة ثمار الأوراق
    إدارة ثمار الأوراق

    عدد الرسائل : 16777
    الموقع : القاهرة
    نقاط : 38950
    تاريخ التسجيل : 17/09/2008

    احفظ ما شئت وراع ما يأتي

    مُساهمة من طرف أحمد في الجمعة يونيو 25, 2010 9:14 am

    كتبه الشيخ أبو مالك العوضي (حفظه الله و بارك فيه)


    كثيرًا ما يسأل طلبةُ العلم عن المتن المناسب للحفظ في علم من العلوم.
    وكثيرًا ما يقع الاختلافُ بين أهل العلم -فضلا عن طلبة العلم- في تقديم متن على متن أو أفضلية نظم على نظم.

    هذا فضلا عن الاختلاف الواقع بينهم في تفضيل مذهب على مذهب في الدراسة.

    ويحار طالبُ العلم المبتدئ في الاختيار والحفظ، وكثيرًا ما يسوءُه اختيارُه بعد حين فيندم على ما اختار، أو يرجع عودَه على بدئه فيحفظ متنًا آخر ويتحسر على وقته الضائع!

    وكثيرًا ما أنصح إخواني بأن يطلبوا العلم، ويدرسوا المتون، ولا يضيعوا الكثير من الوقت ترددًا في الاختيار والمفاضلة؛ لأن المتون وسائل لا مقاصد، والناس فيها بين إفراط وتفريط، فالطالب يجهل أن حفظه للمتن ليس مقصودًا لذاته، وإنما المقصود منه معرفةُ جملة من الفن تصلح لأن تكون ركيزةً يبني عليها ما يحصله بعد ذلك من مسائل هذا الفن.

    فأنت ولا بد مطالَب بدراسة جميع المتون المهمة في الفن، فاحفظ ما شئت وادرس ما شئت، فإنك لا بد أن تعرّج على البقية لتعرف ما فاتك.

    وخلاصة المسألة: احفظ ما شئت ولكن راع ما يلي:
    أولا: ضبط المتن على شيخ متقن لأنه مع الأسف الشديد معظم المتون المطبوعة في جميع الفنون مليئة بالأخطاء؛ إما لسوء الطباعة، وإما لجهل القائم على نشر المتن!.

    وضبط المتون المنظومة يحتاج إلى ثلاثة أمور:
    ♦ معرفة واسعة بالعلم الذي صُنفت فيه هذه العلوم.
    ♦ معرفة واسعة بالنحو والعربية.
    ♦ معرفة جيدة بالعروض والقافية.

    كل هذا فضلا عن الحاجة إلى ملكة التحقيق والنظر في الأصول والشروح لمعرفة الرواية الصحيحة.

    ومن العجائب والعجائب جمة أن قد وجدنا في هذا العصر من يشرحون المتون المطولة لطلبة العلم وهم أصلا لا يحفظونها، بل لا يستطيعون حتى مجرد قراءتها قراءة صحيحة!

    فاحذر من الأخذ عن هؤلاء، والزم أهل العلم المتقنين، ولا تبغين بهم بدلا؛ قال الحافظ العراقي:
    فاعنَ به ولا تخض بالظن
    ولا تقلد غيرَ أهل الفن
    ثانيا: استشراح المتن ومعرفة معانيه:
    لأن حفظ ما لا تفهمه يورث البلادة والغباء؛ فلا بد من فهم معنى ما تحفظ فهمًا إجماليًّا بالشرح المختصر ابتداء، ثم بعد إتقان الحفظ تتوسع في قراءة الشروح، والوقوف عند دقائق المتن وتفاصيله، والاعتراضات الواردة عليها لفظًا ومعنى.

    ثالثا: معرفة مخالفات المتن للمعروف عند أهل الفن:
    كثيرًا ما تجد متنًا مشهورًا في بابه؛ لكنه لم يمش على المعتمد عند أهل الفن في بعض المسائل، فمن المهم جدًّا لطالب العلم أن يعرف هذه المسائل حتى يكون منها على بينة، ومثال ذلك ألفية ابن مالك؛ ففيها بعض الأقوال التي خالف فيها الجمهور، وهو نفسه قد ينص على ذلك، كما في قوله:
    وعَودُ خافض لدى عطف على
    ضمير خفض لازمًا قد جُعلا
    وليس عندي لازمًا إذ قد أتى
    في النظم والنثر الصحيح مُثبَتا
    رابعا: معرفة مزايا المتن وعيوبه:
    لا بد أن تعرف مزايا المتن وعيوبه، إذ لا يخلو متن من ذلك، وحتى تضعه في مكانه اللائق به، وكذلك حتى تعرف قدر ما حصّلته وقدر ما بقي عليك تحصيله، فلا تكون كالذي حفظ الآجرومية فظن أنه قد أحاط بالنحو علمًا، أو كالذي حفظ الورقات فظن أنه قد صار أصوليَّ الدنيا وواحدها!

    خامسا: معاودة النظر في المتن ومراجعته دائما:
    لا بد من معاودة النظر في المتون المحفوظة ومراجعتها دائمًا؛ لأن المحفوظ إذا لم يراجَع فمصيره إلى الزوال، وقد كان بعضُ النحويين له ورد في كتاب سيبويه يقرؤه كل أسبوعين مرة! والشيخ عبد الحق الهاشمي كان يختم صحيح البخاري كل شهر مرة، ومثل هذا كثير عند السلف والخلف.

    سادسا: استكمال ما فات المتن من المسائل بالحفظ:
    يندر أن تجد متنًا محيطًا بالفن الذي صُنف فيه، فلا بد أن تجد مسائلَ قد ندت عنه، أو لم يحرر القول فيها تحريرًا، وهاهنا تظهر أهمية حفظ الفوائد المنثورة التي ينظمها أهلُ العلم في عدة أبيات لضبطها واستحضارها، فعليك بذلك فهو غاية في الأهمية.

    سابعا: ربط المتن بنظائره:
    كثيرًا ما تجد في المتن الذي تحفظه مسائلَ قد نُوقشت في الفنون الأخرى، فمن المهم جدًّا لطالب العلم أن يربط بين الموضعين ويستحضر ما قيل في الفنين؛ لأن هذا يقوي الحفظ في العلمين، ويساعد على الاستحضار في البابين، وكذلك أيضًا إذا حفظت متنين في فن واحد فاستحضِر الأبياتَ المتناظرة التي تجد في كل منها ما ليس في الآخر من الفوائد!

    فمثلا في منظومة الشيخ ابن سعدي:
    وكل مشغول فلا يُشغّل
    مثالُه المرهون والمسبّلُ
    وفي منظومة الشيخ ابن عثيمين:
    وكل مشغول فليس يُشغَل
    بمُسقط لما به ينشغل
    ومن الواضح أن كلا منهما يكمل الآخر، ولا يغني عنه!

    مثال آخر؛ قال السفاريني في ترك الخوض في خلافات الصحابة:
    واحذر من الخوض الذي قد يُزري
    بفضلهمْ مما جرى لو تدري
    فإنه عن اجتهاد قد صدر
    فاسلم أذلَّ الله من لهم هجر
    وقال الشيخ حافظ حكمي في المسألة نفسها:
    ثم السكوتُ واجبٌ عما جرى
    بينهمُ من فعلِ ما قد قُدرا
    فكلُّهم مجتهدٌ مثاب
    وخِطؤهم يغفرُه الوهابُ
    ثامنا: معرفة مشكل المتن وإعرابه:
    من أهم الأمور لطالب العلم أن يعرف تفسيرَ ما يشكل من المتن الذي يحفظه، وإعرابَ ما قد يخفى إعرابُه؛ لأن الإعراب فرعُ المعنى، فمعرفة الإعراب يوضح ما قد يخفى من المعاني، كما أن الاهتمام بمثل هذه المسائل يجعل الطالب يربط بين العلوم والفنون المختلفة، فإن كان المتن في الفقه مثلا ربطه بمسائل النحو واللغة وهكذا.

    ومن المؤسف حقيقة أن تجد من طلبة العلم من يحفظ كثيرًا من المتون ولكنه لا يعرف معاني غريبها، ولا يهتم بضبطها اللغوي ولا صحة إعرابها، فيذهب عنه علم كثير.

    تاسعا: معرفة منزلة المتن ومرتبته في الفن:
    المتون التي يضعها أهلُ العلم إنما يضعونها بحسب مراتب الطلب؛ فهناك متون للمبتدئين، ومتون للمتوسطين، ومتون للمتقدمين، ومن الواجب على طالب العلم أن يعرف المرحلة التي هو فيها، ويعرف المتون التي تناسب تلك المرحلة، فلا بها ينزل عن قدره، ولا يرتفع عن طوقه، وإذا كان التدرج مُهمًّا فإنه قد يُترك إذا آنس الطالب من نفسه رشدًا، فمثلا لا يُنصح الطالب أن يشرع في حفظ ألفية ابن مالك ابتداء؛ إلا أنه إن وجد في نفسه قوةً في النحو ومعرفةً بجملة وافرة من مسائله ووجد أبيات الألفية مما يسهل عليه حفظه، فحينئذ لا بأس أن يشرع فيها من غير سبق حفظ متن آخر.

    عاشرا: اختر المتن الملائم للحفظ:
    مع كل ما مضى؛ فإن الأفضل أن تختار المتن الملائم للحفظ ابتداءً حتى لا يطول عليك الطريق؛ وسأعطيك مثالا: لو افترضنا أن بعض طلبة العلم حفظ ألفية السيوطي في النحو وأهمل ألفية ابن مالك، اعتمادًا على ما سمعه -من بعض المنتسبين للفن- أن ألفية السيوطي فوائدها أكثر، فحينئذ ستجد هذا الطالب غريبًا عن أهل هذا العلم، لا يستطيع أن يجاريهم في الاستشهاد مثلا، وكذلك لا يستوعب بسهولة استشهاداتهم بها، ولو تأملتَ كتب المتأخرين لوجدت أكثرهم يستشهد بألفية ابن مالك، وفي النهاية سيجد الطالب نفسه مضطرًّا إلى معرفة ألفية ابن مالك شاء أو أبى، فهذا يدلك على أهمية اختيار المتون المشهورة عند أهل العلم حتى لو كانت مفضولة.

    والله تعالى أعلى وأعلم، وبه الهداية ومنه التوفيق.


    _________________


    قناتي على موقع يوتيوب :
    https://www.youtube.com/channel/UCm8N-tHwIFM7hPnwtLrBMpg
    مدونتي:
    https://arabicfraed.blogspot.com.eg/

      الوقت/التاريخ الآن هو الأحد ديسمبر 09, 2018 9:06 pm