ثمار الأوراق

ثمار الأوراق

منتدى تعليمي يهتم باللغة العربية علومها وآدابها.


    أخطاء في كتابة التاريخ الحديث

    شاطر
    avatar
    أحمد
    إدارة ثمار الأوراق
    إدارة ثمار الأوراق

    عدد الرسائل : 16841
    الموقع : القاهرة
    نقاط : 38992
    تاريخ التسجيل : 17/09/2008

    أخطاء في كتابة التاريخ الحديث

    مُساهمة من طرف أحمد في الثلاثاء مايو 19, 2009 1:40 pm

    (1)
    تعرض التاريخ الحديث لموجات من التحليل والتفسير اختلفت باختلاف المدارس التاريخية الغربية التي حاولت أن تصدر أحكامًا من وجهة نظرها أولا كغرب، وخاصة فيما يتعلق بتاريخ الإسلام وعلاقات المسلمين بالغرب، صدرت هذه الأحكام تحت تأثير طابع الاستعلاء الغربي في النظر إلى الأشياء وتفسيرها، ومن حيث النظرة المستمدة من غرب حاكم مسيطر ومستعمر على عالم الإسلام الذي وقع تحت تأثير النفوذ الغربي منذ سقطت الدولة الإسلامية في الهند تحت النفوذ البريطاني وسقطت منطقة أرخبيل الملايو تحت النفوذ الهولندي، بل يرجع إلى أبعد من ذلك، عندما تدافعت قوات أسبانيا والبرتغال لضرب المغرب العربي والزحف على غرب إفريقيا في بدء مرحلة يمكن أن يطلق عليها جولة الاستعمار الغربي الحديث التي وصفها الغرب بأنها تتمة للحروب الصليبية التي سبقتها بأكثر من ثمانمائة عام، ولقد كان من شأن هذا الصراع بين عالم الغرب وعالم الإسلام أن شكل من خلال حركة الاستشراق مفهومًا خاطئًا وتفسيرات متعصبة لحركات الإسلام الحديث ومراحل تاريخه، فقد صدرت هذه المفاهيم وهذه التفسيرات من وجهة نظر الغرب القائمة على التعصب والخلاف والخصومة، فهي ليست خالصة لوجه الحق، وإنما يغلب عليها الهوى والحقد، هذا فضلا عن أن مقاييس التفسير التاريخي الغربي، هي مقاييس مستمدة من التاريخ الغربي نفسه، ولذلك فهي ليست صالحة لتفسير التاريخ الإسلامي الذي يستمد قوانين تفسيره من أصوله ومقوماته، ولا ريب أن هناك خلاف عميق بين أصول التاريخ الغربي ومقوماته التي تقررت عليها مقاييس تفسيره.
    ترجع هذه الأصول إلى العقيدة والثقافة والتاريخ القديم، ولا ريب أن التاريخ الغربي يتصل اتصالا عميقًا بمفاهيم الوثنية اليونانية والعبودية الرومانية والتفسيرات المسيحية، وهذه كلها تشكل نظرة خاصة إلى الأوضاع والأحداث والمواقف، ومن هنا فهي تختلف اختلافًا عميقًا عن أصول التاريخ الإسلامي الذي يقوم على أساس عقيدة التوحيد والنبوة والبعث ومسئولية الإنسان والتزامه الأخلاقي ومفاهيم الإخاء الإنساني والعدل والرحمة وفي إطار المنهج الذي قدمه القرآن الكريم والذي يختلف بل ويتعارض مع تفسيرات العقيدة والقيم التي تقررت في الفكر البشري المختلط، وخاصة فيما يتعلق باضطراب مفاهيم العقائد اليهودية والمسيحية، وهي التي تشكل الأساس الأول للثقافة والفكر الغربي، ويتجلى هذا الخلاف في تفسير التاريخ الإسلامي حيث يقوم الاستشراق بتطبيق مقاييس غربية مختلفة كل الاختلاف عن مفاهيم وقيم الإسلام التي تتشكل من خلال مفهوم كل جامع بين الروح والمادة والقلب والعقل، والدنيا والآخرة، فبينما تقوم مفاهيم الغرب على التفسيرات المادية الخالصة، التي لا تستطيع أن تستوعب التوحيد والوحي والنبوة وآثار الجوانب الروحية والمعنوية في قيام الدول في آماد قصيرة وانتصار الجيوش بالعدد الأقل، وانتشار الإسلام ذاتيًا، كل هذا يستدعي من الباحثين إعادة النظر في هذه التغيرات.
    (1) لتكون الحقيقة أكثر جلاء ووضوحًا يجب التفرقة بين حكم العثمانيين للعرب وبين حكم الاتحاديين والتفرقة بين حكم المماليك في مراحله الأولى وبينه في مراحله الأخيرة.
    (2) القول بأن الأتراك سبب تأخر العرب قول مردود، لقد كان الحكم العثماني في البلاد العربية مختلفًا عن الحكم الاستعماري، وأن الترك وحكمهم ليس سبب تأخر العرب وعدم نهوضهم، ذلك لأن الترك أنفسهم كانوا متأخرين في العلوم والفنون.
    (3) خطأ القول بأن الأتراك هم الذين سيطروا على البلاد العربية واحتلوها.
    كان دخول العرب في الدولة العثمانية في النصف الأول من القرن السادس عشر التقاء الجزء بالكل والتئام الأجزاء الضعيفة مع الجزء الأقوى لصد خطر الإفناء الصليبي الذي صاحب مطالع عصر الاستعمار واكتشاف رأس الرجاء الصالح.
    ولا ريب أن ارتباط العرب بالترك كان عاملا هامًا في تأخير سقوط البلاد العربية في قبضة الاستعمار الغربي أربعة قرون، وكان مصدر صمود الجبهة في مواجهات ضربات أوربا.
    (4) فساد مفهوم الإصلاح المنقول من إصلاح المسيحية باعتبارها قامت على تفسيرات بشرية جعلتها غير قادرة على مواجهة تغييرات الأزمنة والبيئات.
    أما الإسلام فإنه لا يقر الإصلاح بمفهوم تعديل مقررات الشريعة الإسلامية الثابتة، وكلمة التجديد أقرب إلى مفهوم الإصلاح (إن الله يبعث لهذه الأمة على رأس كل مائة سنة من يجدد لها أمر دينها) والتجديد هنا هو العودة إلى المنابع ومصطلحات الإصلاح والتطور والتجديد بمفهوم ممالأة الاستعمار الغربي في تغريب الإسلام أو تمسيحه هي مصطلحات باطلة.
    كذلك لا ينطبق على الإسلام مفهوم التطور لأن التطور مرتبط بالمناهج البشرية القاصرة التي سرعان ما يتجاوزها الزمن فتحاول إصلاح نفسها بالتطور، أما المنهج الإسلامي الرباني فإنه قادر على العطاء في مختلف العصور والبيئات، وهو منهج مرن واسع الجنبات قادر على العطاء والاستجابة مع تغير الأوضاع.
    (5) فساد محاولة القضاء على فريضة الجهاد على النحو الذي تقدمه القاديانية والبهائية، بهدف إيقاف الكفاح ضد المستعمر والغاصب وهي محاولة لتغريب الإسلام وتمسيحه وإعطائه طابع الغاندية والتولستوية الذي لا يمثل مفهوم الإسلام.
    وتعد محاولة علي عبد الرازق، والقادياني، وأحمد خان، والبهاء محاولات باطلة تستهدف تغيير مفهوم الإسلام الأصيل.
    وقد حاول علي عبد الرازق الادعاء بأن الخلافة ما كانت إلا ملكًا ولا سلطانًا، وأن النبوة ليست حكمًا ولا ملكًا. وقال إن الملك الذي شيده النبي صلى الله عليه وسلم عمل دنيوي لا علاقة له بالرسالة، وإن زعامة الرسول ليست إلا زعامة دينية، وهذا فهم باطل للإسلام الجامع بين الدين وبين نظام المجتمع.
    وقد جرت محاولات النفوذ الأجنبي لضرب حركات التحرر الإسلامية والقضاء عليها.
    (1) القضاء على ثورة المسلمين في الهند.
    (2) القضاء على ثورة الأمير شامل في القوقاز.
    (3) تحطيم القوة المصرية في نفارين.
    (4) تحطيم القوة الوهابية الصاعدة في الجزيرة.
    كما جرت محاولة تمزيق وحدة العالم الإسلامي إلى قوميات وإقليميات، بدأت هذه المحاولة قبل إلغاء الخلافة فانقسم المسلمون إلى نحو سبعين جنسية وفرقة كل منها معزولة عن الأخرى ومحبوسة وراء فواصل مادية وأدبية لا حصر لها.
    أخطاء في كتابة التاريخ الحديث:
    (2)
    قضى الاستعمار على الزعامات الأصيلة التي كانت مفاهيمها تربط بين الوطنية والإسلام بمفهومه العام وكانوا يرون كفاح الاستعمار جزءًا من النضال في سبيل الله، وصنع مدرسة أخرى من تلاميذ الاستعمار هم الذين قاموا بحركاتهم في دائرة الاستعمار وفكره ومنهجه الداعي إلى قبول الأمور الواقعة ثم المطالبة، والذين كانوا مبهورين بالحضارة الغربية، معجبون لأولياء الاستعمار متعاونون معهم.
    وقد كانت معركة الجزائر تختلف عن ذلك فقد قامت على أساس مفهوم الجهاد في الإسلام، ولولا أنهم أكدوا ذلك لما استشهد منهم مليون شهيد، فالشعب الجزائري لم يدعي لخوض المعركة التحريرية إلا باسم الإسلام، ولولا ذلك لما استطاع أن يحمل في هذا العصر لواء المقاومة للاستعمار المدجج بأحدث الأسلحة، ولكن التجربة لم تكتمل فقد خشيت أوربا مغبة هذا الاتجاه ولذلك فقد أجهض قبل أن يقيم الجزائريون دولة إسلامية.
    إن تجربة الجزائر أعادت القيم الإسلامية إلى الظهور مرة أخرى بعد صلاح الدين وبعد أن غابت عن مسرح الحياة الإنسانية.
    وقد كان الاستعمار والنفوذ الأجنبي حريصًا على إجهاض الاتجاه الإسلامي في الجهاد حتى لا يؤدي إلى مواجهة عقائدية مع النفوذ الأجنبي، وقد خدع مصطفى كمال الأتراك والعالم الإسلامي حين حمل القرآن ودعا إلى حرب اليونان ثم كانت جولته في مواجهة إسقاط الإسلام وإلغاء الخلافة.
    (3)
    انطلقت فكرة الدولة الباكستانية من مفهوم الإسلام ولكن الدولة الباكستانية لم تقم عليه، فقد حالت حوائل كثيرة دون تحقيق هذه الغاية، بل إن المدرسة التي كان يرأسها محمد علي جناح لم تكن إلا مدرسة غربية شبيهة بالمدارس التي كونها النفوذ الأجنبي في البلاد العربية، كان من المؤمنين بالليبرالية الغربية.
    قال الأستاذ المودودي: إنه بالرغم من أن هذه الحركة (حركة جناح) تثار باسم الإسلام ولكنها ليست حركة إسلامية وطرح نظرية العمل الإسلامي الصحيح وهو أن ينتشر الإسلام أولا إذا ما انتصر الدين الإسلامي في أعماق الجماهير فإن هؤلاء المسلمين سيقيمون الإسلام في الهند جزء من عقيدتهم. وقال غلام أعظم (أمير الجماعة الإسلامية في باكستان الشرقية) بما أن هذه الحركة لم تتبلور كحركة إسلامية فإن غالبية قادتها بعد قيام الباكستان تنكروا لمفهوم الإسلام، لقد قامت باكستان على تصور إسلامي ولكنها بعد تأسيسها لم تتخذ هذا التصور وبالتالي لم يترسخ في أعماق الجيل الجديد ولذلك حينما بحث هذا الجيل عن قوميته وجدت الإقليمية طريقها إلى تفكيره.
    (4)
    طرحت عناصر مختلفة في أفق كل بلد عربي أو إسلامي:
    (1) عنصر قديم متصل بالتاريخ السابق للإسلام، ففي عصر الفرعونية وفي الشام البابلية وفي العراق الآشورية، وفي المغرب البربرية، وفي الهند الإسلامية: الهندوكية القديمة وفي إيران تاريخ كورش والمجوسية القديمة وفي تركيا الطورانية وتاريخ الذئي الأغبر وكلها محاولات المردة إلى القديم البالي الذي حطمه الإسلام.
    (2) عنصر قومي وإقليمي متصارع، كالمصرية، أو السورية، والعراقية تحاول أن تلتقط من التاريخ صفحات ومراحل وشخصيات وفي محاولة لتقسيم أعلام الفكر الإسلامي إلى عرب وفرس وترك، وإلى مصريين وسوريين وعراقيين.
    (3) عنصر غربي أوربي (فرنسي، بريطاني) أو أمريكي، وعنصر ليبرالي أو ماركسي.
    ووراء كل عنصر من هذه العناصر مفاهيمه، فالبلاد التي خضعت لفرنسا أبان الاحتلال، ما زال ولائها الثقافي للفكر الفرنسي (لاتيني) البلاد التي خضعت لإنجلترا ما زال ولائها (سكسوني) وقد قامت الصراعات بين اللاتينية والسكسونية،وبين الولاء للغة الإنجليزية واللغة الفرنسية، وبين الولاء الغربي نفسه: فرنسي، وإنجليزي، وأمريكي من خلال الثقافة والمترجمات.
    ثم جاء الصراع الآخر بين الأيدلوجيات: الرأسمالية الغربية والماركسية السوفيتية، وما يتصل بإتباع هذين الأيدلوجيين.
    والهدف هو الحيلولة دون قيام وحدة إسلامية أصيلة مستمدة من القرآن واللغة العربية والإسلام هي الصراع بين المدارس والمناهج.
    (5)
    لما كان الغربيون يرون في أبطال النضال الوطني خصومًا لهم لأنهم قاوموهم وهزموهم فإنهم يحاولون أن يسموهم بأسماء زائفة، فالرئيس حميدو القائد الجزائري المشهور الذي أخضع دول أوربا لبأس الجزائر وسلطانها حتى كان الأوربيون يؤدون للجزائر مغرمًا سنويًا وكانوا لا يدخلون هذا البحر المتوسط حتى يعطوا الجزية، هذا القائد البطل يصفه المؤرخون الفرنسيون بأنه قاطع طريق وبأنه هو وأصحابه الأبطال قراصنة متوحشون.
    (6)
    إن ظهور سعد زغلول (مصر) ومصطفى كمال (تركيا) ورضا شاه (إيران) في مرحلة واحدة بعد الحرب العالمية الأولى كان يستهدف القضاء على صيغة العالم الإسلامي الإسلامية وإرساء مفاهيم الإقليمية والقوميات الوافدة، والوطنية الضيقة، والقضاء على الوحدة الإسلامية، والخلافة، بل أن بعض المؤرخين يردون هذه المحاولة إلى محمد علي الذي فتح الباب لأول مرة أمام الحكومة العلمانية التي حطمت نظام الحكم الإسلامي وقد سجل السيد رشيد رضا هذه الظاهرة فقال إن لمحمد علي ثلاثة أعمال كبيرة كان كل منها موضع خلاف:
    أولا: تأسيس حكومة مدنية في مصر (أي علمانية) كانت مقدمة لاحتلال الأجانب له.
    ثانيًا: قتاله الدولة العثمانية بما أظهر به للعالم كله ولدول أوربا خاصة ضعفها وعجزها وجرأهن على التدخل في أمور سياستها.
    ثالثًا: مقاتلة الوهابية والقضاء على ما نهضوا به من الإصلاح الديني في جزيرة العرب مهد الإسلام وأحد معاقله.
    وأن محمد علي هو أول من تجرأ في العالم الإسلامي على استبدال القوانين الأوربية بالشريعة الإسلامية ولا ينسون قتاله لخليفة المسلمين مما يعد حرابه، ولا ينسون أن (توفيق) هو الذي تآمر على ثورة عرابي واستدعى الإنجليز لاحتلال مصر واحتمى بجيشهم بعد أن عاهد جمال الدين على تطبيق حكم الشورى بمصر ثم نفاه وزعم أنه رئيس عصابة من المفسدين.
    ويعد هذا في تقدير الباحثين هو التمهيد لما قام به سعد زغلول في مصر وكمال أتاتورك في تركيا ورضا شاه وابنه محمد في إيران في محاولة تغريب مصر وتركيا وإيران.
    (7)
    ظهرت دعاوى باطلة تحاول أن تصور العالم الإسلامي وكأنه قبل الاحتلال الغربي كان في سبات عميق، وأنه تجمد في القرون الوسطى وكأن أوضاعه السياسية والاجتماعية وإن لم ينهض إلا حين نهض به النفوذ الأجنبي وأن الحملة الفرنسية على مصر هي بدأ اليقظة وإن الإرساليات الأجنبية هي التي حققت له الصحوة.
    كذلك شوه الاستعمار حركات اليقظة التي قامت قبل قدومه وادعى أنها لم تحقق شيئًا بينما كانت البلاد العربية والإسلامية قبل الاحتلال على درجة عالية من الوعي السياسي والاجتماعي وكانت بها نظم سياسية جيدة، مثل ما كان في مصر.
    وكانت الحياة الحضارية والثقافية في أوج التقدم في مختلف مناطق أفريقيا التي احتلها الاستعمار البريطاني والفرنسي وحاول تشويه ثقافتها وحضارتها وأطبق عليها بفوده وثقافته ليزيل الوجود الإسلامي والعربي بها.
    ولا شك كان الأزهر حافلا بحركات اليقظة قبل الحملة الفرنسية وكانت الجزيرة العربية (في نجد ومنطقة الخليج) في أوضاع ثقافية واجتماعية طيبة بدعوة الإمام محمد بن عبد الوهاب. وقد جاء احتلال الجزائر بعد فترة من إنجازات ضخمة كان لها شأنها في هزيمة الاحتلال الفرنسي ثم جاء التدخل الأجنبي بعد أن أوشكت هذه الحركات على النجاح فأجهضها وأدخلها في صراع مع بعضها البعض بقصد ضرب بعضها ببعض والقضاء عليها.
    ولا ريب أن الحركات الوطنية والفكرية في مصر وتونس عبر القرن التاسع عشر قد ألزمت الفئات الحاكمة على الشورى والعدل وتمكنت من الحصول على مزيد من حرية العمل والفكر، ووضع أسس دستورية وتشريعية كانت كفيلة بالمساهمة الشعبية في الحكم، بل إن هذه الحركات الإصلاحية قبل الاحتلال الأجنبي كانت تستمد مفاهيمها من الأصول الإسلامية في تحديد وجهتها، غير أن النفوذ الأجنبي قد حطم هذه المحاولات كلها ووضع البلاد الإسلامية في دور التبعية الكاملة لنفوذه وقوانينه تحت أسماء الانتداب والوصاية بادعاء أن أهالي هذه البلاد لم يكونوا على أي قدر من الوعي السياسي وكان في ذلك كاذبًا ومضللا.
    ذلك لأنه كان يطمع في القضاء على تلك الروح الإسلامية الأصيلة في الإصلاح، وكان يهدف إلى القضاء على هذه المدرسة الإسلامية في السياسة والحكم والاجتماع، وبناء مدرسة من أوليائه التابعين الخاضعين المزيفين، الذين يوالون سيطرته ويقبلونها ويعجبون بها ويلتمسون بقائها ليستمر بقائهم، ومن هؤلاء سعد زغلول في مصر وعدد كبير من الحكام الذين نشأوا في مدارس الإرساليات وعملوا على تثبيت دعائم الاستعمار.
    ثم تحولت التنظيمات السياسية والاجتماعية والتربوية فاقتبست الأنظمة الغربية والقوانين الوضعية، فأفسد ذلك المجتمع الإسلامي إفسادًا تامًا. حيث انتشرت عوامل الفساد الاجتماعي نتيجة حجب الشريعة الإسلامية بحدودها، في الربا وفي العلاقات الاجتماعية، وغيرها وفتح باب الاستدانة والرشوة والفساد الخلقي لتمكين الغاصب من عصر هذه الشعوب والحصول على ثمرات نتاجها.
    وهنا حجبت القوى الغازية أهل الأصالة والحق عن مواقع القيادة، وسمحت للقلة الموالية للغرب أن تسيطر وظهر من يدعو إلى تبني فكرة ارتباط العالم الإسلامي بالحضارة الأوسطية والغرب، وتبنى الولاء الغربي وإنكار الأصول الإسلامية والعربية في العلاقات والثقافة والقصائد والأعراق وظهرت تلك الدعوات الإقليمية، والقوميات الوافدة، والوطنية وأخذت البلاد الإسلامية تطبق على فكرها ومجتمعها مقاييس الاستعمار ومعاييره في مفهوم التقدم والتخلف، وفي التنظيمات الاجتماعية والسياسية.
    كانت هذه المحاولات كلها ترمي إلى تمزيق وحدة الفكر الإسلامي والجامعة الإسلامية التي تقوم على الإسلام والقرآن والتوحيد.
    (8)
    حاول كتاب الغرب في تفسير التاريخ الإسلامي تفسيرًا ماديًا واقتصاديًا وغفلوا عن جانب المعنويات والقوة الروحية والإيمان الذي كان عاملا أساسيًا في النصر الذي حققه المسلمون بالأعداد القليلة على القوى الكبيرة وباندفاع هذه القوى التي لم تكن تملك من التكتيك العسكري أو العَدَد أو العِدَد ما يوازي عشر معشار ما يملكه عدوهم، ثم أنصارهم عليها، وإذا نظرنا نظرة عامة قلنا أن عدد المسلمين في المعارك الإسلامية لا يزيد عن مائة ألف مقاتل فتحوا في ثمانين عام ثلاثة أرباع المعمورة، وهذا هو المد الذي لم يشهد له التاريخ مثيلا من قبل وهذه الظاهرة هي التي أزعجت أصحاب مقاييس التفسير الغربي للتاريخ عن معرفة السر في هذه المعجزة.
    ولقد جاءت محاولات تفسير هذه الظاهرة تحمل طابع الجهل بالجوانب الروحية والمعنوية وأثرها البعيد في التعبير، أو طابع الحقد الدفين على هذا النفوذ الإسلامي في مواجهة الأرض التي كانت خاضعة للرومان.
    إن دعوى القول بأن العرب خرجوا من جزيرتهم تحت ضغط الفاقة والحاجة لا يمكن أن تكون إجابة صحيحة لهذه الروح من الإيمان والاستشهاد وعدم المبالاة بالغنائم، إن للوقوف عند هذا التفسير بالعامل الاقتصادي وحده لا يمكن أن يوصل إلى الحقيقة ولقد أجاب المجاهدون المسلمون أنفسهم عن هذا التساؤل حين قال رستم للمغيرة بن شعبة: قال: قد علمت أنه لم يحملكم على ما أنتم عليه إلا ضيق المعاش وشدة الجهد ونحن نعطيكم ما تشبعون به.
    قال المغيرة: إن الله بعث إلينا نبيه صلى الله عليه وسلم فسعدنا بإجابته وإتباعه وأمرنا بجهاد من خالف ديننا حتى يعطوا الجزية عن يد وهم صاغرون ونحن ندعوك إلى عبادة الله وحده والإيمان بنبيه فإن فعلت وإلا فالسيف بيننا وبينكم.
    وقال ربعي بن عامر: أتيناكم بأمر ربنا نجاهد في سبيله وننفذ أمره وننجز موعوده وندعوكم إلى الإسلام وحكمه فإن أجبتمونا تركناكم ورجعنا وخلفنا معكم كتاب الله وإن أبيتم لم يحل لنا إلا أن نعاطيكم القتال أو تفتدوا بالجزية فإن فعلتم وإلا فالله قد أورثنا أرضكم وأبناءكم وأموالكم فاقبلوا فوالله لإسلامكم أحب إلينا من غنائمكم ولقتالكم بعد أحب من صحبتكم.
    ومن المؤسف أن تصور غزوات الإسلام التي كانت مثلا عاليًا في الرحمة والخلق بأنها أعمال السلب والنهب.
    وإذا كان العامل الاقتصادي هو واحد من جملة عوامل في تفسير التاريخ فإن ذلك يكون قريبًا من الواقع، غير أن وقائع التاريخ كلها تشهد بأن منازعات الأمم وحروبها ترجع في أغلبها إلى الدين والاعتقاد وإن محاولة قصر عوامل التاريخ على الاقتصاد لا تنطبق على التاريخ الإسلامي بل لا تنطبق أيضًا على التاريخ الأوربي.
    الأستاذ/ أنور الجندي


    _________________


    قناتي على موقع يوتيوب :
    https://www.youtube.com/channel/UCm8N-tHwIFM7hPnwtLrBMpg
    مدونتي:
    https://arabicfraed.blogspot.com.eg/

      الوقت/التاريخ الآن هو السبت سبتمبر 23, 2017 10:52 pm