ثمار الأوراق

ثمار الأوراق

منتدى تعليمي يهتم باللغة العربية علومها وآدابها.


    سيرة سفيان الثوري رحمه الله

    شاطر
    avatar
    أحمد
    إدارة ثمار الأوراق
    إدارة ثمار الأوراق

    عدد الرسائل : 16840
    الموقع : القاهرة
    نقاط : 38991
    تاريخ التسجيل : 17/09/2008

    سيرة سفيان الثوري رحمه الله

    مُساهمة من طرف أحمد في الأحد مايو 17, 2009 2:32 pm

    ( سيرة سفيان الثوري )
    الشيخ محمد صالح المنجد

    عناصر الموضوع :
    1. أهمية معرفة سير السلف
    2. سيرة سفيان الثوري رحمه الله
    3. حاجتنا إلى معرفة سير السلف واقتفاء آثارهم

    سيرة سفيان الثوري:
    إننا بحاجة إلى معرفة سير سلفنا الصالح، أولئك الرجال الأفذاذ الذين أنجبتهم هذه الأمة المباركة المعطاءة، وذلك حتى نسير على ما ساروا عليه، ونترسم خطاهم ونقتفي آثارهم، فإنهم هم القدوة الحسنة لمن أراد الاقتداء، وهم خير متَّبع لتابع... من أولئك الرجال الأفذاذ سفيان الثوري رحمه الله.. فقد تكلم الشيخ عن جوانب من سيرته الفذة، وذكر بعض أقوال العلماء في الثناء عليه، وذكر بعض فضائله.

    أهمية معرفة سير السلف:
    إن الحمد لله، نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله. يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ [آل عمران:102]. يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالاً كَثِيراً وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيباً [النساء:1]. يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلاً سَدِيداً * يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزاً عَظِيماً [الأحزاب:70-71].

    أما بعـد: فإن أصدق الحديث كتاب الله، وخير الهدي هدي محمد صلى الله عليه وسلم، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثةٍ بدعة، وكل بدعةٍ ضلالة، وكل ضلالةٍ في النار.

    لقد ضيعت هذه الأمة فيما ضيعت حفظ سير السلف والتعرف على رجالها في القرون الماضية، يوم أن التفتنا إلى أسماء اللاهين واللاعبين، وسير العابثين والفاسقين، ضيعنا من ضمن ما ضيعنا سير الأجداد المصلحين، والآباء الفاتحين، والعلماء العاملين. أيها المسلمون: إن ديناً في رقابنا أن نتعرف على سير أسلافنا، وخصوصاً رجال خير القرون الذين مضوا وخلفوا سيراً وعبراً. إن سير أولئك الرجال لتبعث في النفس الشجاعة في الحق، والحماسة في طلب العلم، والسعي لتغيير المنكر، والقيام لله بالعبادة، وسائر الفوائد التي تنبع من دراسة سير أولئكم الأفذاذ.


    سيرة سفيان الثوري رحمه الله:
    ونحن مع سيرة رجل من الرجال الذين أنجبتهم هذه الأمة.. إنه عَلَم بحق، كان رأساً في العلم، ورأساً في الزهد والورع وإنكار المنكر والجهر بالحق والعبادة والحفظ.. رحمه الله تعالى ورضي عنه وأرضاه، وقل من الناس من يعرفه، فلا تكاد ترى له عند العامة ذكراً أو تسمع له عندهم حساً وخبراً.

    نسبه ومولده:
    إنه أبو عبد الله سفيان بن سعيد بن مسروق بن حبيب الثوري رحمه الله تعالى، من قبيلة ثور، وهي قبيلة من مضر، ولد -رحمه الله- سنة سبع وتسعين للهجرة، ودرس على أبيه سعيد بن مسروق ، الذي كان ثقة عند المحدثين، وأخرج له أصحاب الكتب الستة.

    طلبه للعلم ورحلته:
    طلب سفيان العلم وهو حدثٌ باعتناء والده المحدث الصادق، وأمه كان لها أثر حسن في توجيهه، قالت أم سفيان لـسفيان : يا بني! اطلب العلم وأنا أكفيك بمغزلي. كانت تعمل بالغزل وتقدم لولدها نفقة الكتب والتعلم.. وقالت له مرة: يا بني! إذا كتبت عشرة أحرف فانظر هل ترى في نفسك زيادة في خشيتك وحلمك ووقارك، فإن لم تر ذلك فاعلم أنها تضرك ولا تنفعك! من هذا البيت خرج هذا الرجل، فالتربية التربية يا عباد الله! فإن النشء يخرج هكذا. أفنى عمره في طلب العلم وطلب الحديث، وقال رحمه الله: لما أردت أن أطلب العلم قلت: يا رب! لا بد لي من معيشة، ورأيت العلم يُدرس -أي: يذهب ويندثر تدريجياً- فقلت: أفرغ نفسي في طلبه، قال: وسألت الله الكفاية. وقال: أنا في هذا الحديث منذ ستين سنة. وقال: ينبغي للرجل أن يكره ولده على طلب الحديث، فإنه مسئول عنه. وكان -رحمه الله- يقول: لا نزال نتعلم العلم ما وجدنا من يعلمنا. وقال: لو لم يأتني أصحاب الحديث ليسمعوا ويكتبوا لأتيتهم في بيوتهم. وبلغ عدد شيوخه ستمائة شيخ، وعن المبارك بن سعيد قال: رأيت عاصم بن أبي النجود -وكان شيخاً جليلاً- يجيء إلى سفيان الثوري يستفتيه، ويقول: يا سفيان ! أتيتنا صغيراً وأتيناك كبيراً. أي: أتيتنا صغيراً تطلب العلم عندنا فتفوقت علينا فجئناك وأنت كبير.. وكان يكتب ويتعلم حتى آخر عمره يشتغل بطلب العلم. دخلوا على سفيان في مرض موته، فحدثه رجل بحديث أعجبه، فضرب سفيان بيده إلى تحت فراشه فأخرج ألواحاً فكتبه -كتب الحديث وهو على فراش الموت- فقالوا له: على هذه الحال منك! فقال: إنه حسن! إن بقيت فقد سمعت حسناً، وإن مت فقد كتبت حسناً. رحل إلى مكة والمدينة ، وحج ولم يخط وجهه بعد، وزار بيت المقدس ، ورحل إلى اليمن للقاء معمر ، وكانت أسفاره ما بين طلب علم وتجارة وهرب.. كان نابغة بحق. عن الوليد بن مسلم قال: رأيت سفيان الثوري بـمكة يستفتى ولم يخط وجهه بعد. وعن أبي المثنى قال: سمعت الناس بـمرو يقولون: قد جاء الثوري قد جاء الثوري ، فخرجت أنظر إليه فإذا هو غلام قد بقل وجهه. أي: نبت شعره من قريب، كان ينوه بذكره في صغره من فرط ذكائه وقوة حفظه. وقال محمد بن عبيد الطنافسي : لا أذكر سفيان الثوري إلا وهو يفتي، أذكره منذ سبعين سنة، ونحن في الكتاب تمر بنا المرأة والرجل فيسترشدوننا إلى سفيان يستفتونه ويفتيهم، ولما رآه أبو إسحاق السبيعي مقبلاً في صغره تمثل بقول الله: وَآتَيْنَاهُ الْحُكْمَ صَبِيّاً [مريم:12] .



    _________________


    قناتي على موقع يوتيوب :
    https://www.youtube.com/channel/UCm8N-tHwIFM7hPnwtLrBMpg
    مدونتي:
    https://arabicfraed.blogspot.com.eg/
    avatar
    أحمد
    إدارة ثمار الأوراق
    إدارة ثمار الأوراق

    عدد الرسائل : 16840
    الموقع : القاهرة
    نقاط : 38991
    تاريخ التسجيل : 17/09/2008

    رد: سيرة سفيان الثوري رحمه الله

    مُساهمة من طرف أحمد في الأحد مايو 17, 2009 2:34 pm


    حفظه للحديث:
    كان ذا حافظة عجيبة، قال سفيان عن نفسه: ما استودعت قلبي شيئاً قط فخانني. وكانوا يقدمونه في الحفظ على مالك وعلى شعبة، وقال يحيى القطان : ليس أحد أحب إليَّ من شعبة ولا يعدله أحد عندي، وإن خالفه سفيان أخذت بقول سفيان . وقد خالفه في نحو من خمسين موضعاً في حفظ الأحاديث، وكان الحق فيها مع سفيان . وكان ليله يُقسم جزأين: جزء لقراءة القرآن وقيام الليل، وجزء لقراءة الحديث وحفظه، وكان حفظه يبلغ نحواً من ثلاثين ألفاً، وقال ابن عيينة: ما رأيت رجلاً أعلم بالحلال والحرام من سفيان الثوري . وقال شعيب بن حرب : إني لأحسب أن يُجاء غداً بـسفيان حجة من الله على خلقه يقول لهم: لم تدركوا نبيكم قد أدركتم سفيان . وقال أبو بكر بن عياش : إني لأرى الرجل يصحب سفيان فيعظم في عيني. كانت مرافقة الرجل له شرف.. وقال عبد الرحمن بن مهدي رحمه الله: كنا نكون عند سفيان فكأنه قد أوقف للحساب من خشيته لله، فلا نجترئ أن نكلمه وهو في تلك الحال من الخشية، فنعرض بذكر الحديث، ونذكر في الكلام بيننا شيئاً عن الحديث، فيذهب ذلك الخشوع فإنما هو حدثنا وحدثنا، ويبدأ بالتحديث. وكان يطلب سماع الحديث وهو مستخف.. لما هرب واضطر للاختفاء كان وهو مستخف يطلب العلم، قال سليمان بن المثنى : قدم علينا سفيان الثوري ، فأرسل إليَّ: إنه بلغني عنك أحاديث وأنا على ما ترى من الحال، فائتني إن خف عليك، قال: فأتيته فسمع مني، وفعل ذلك بعدد من أصحابي. وقال ابن المبارك عن سفيان : كنت أقعد إلى سفيان الثوري فيحدث، فأقول: ما بقي شيء من علمه إلا وقد سمعته، ثم أقعد عنده مجلساً آخر فأقول: ما سمعت من علمه شيئاً.


    عمله بالعلم:
    وقال عبد الرحمن بن مهدي : سمعت سفيان يقول: ما بلغني عن رسول الله صلى الله عليه وسلم حديث قط إلا عملت به ولو مرة واحدة. كان يحس بالمسئولية، ويخشى أن يقابل الله فيسأله عن كل حديث حفظه: لأي شيء حفظته؟ وهل عملت به؟ رحمه الله تعالى.

    ورعه في الفتوى:
    ومع علمه كان ورعاً في الفتوى لا يتسرع في الإجابة، قال مروان بن معاوية : شهدت سفيان الثوري وسألوه عن مسألة في الطلاق، فسكت وقال: إنما هي الفروج أي: أخاف أن أفتي بالحل وهي محرمة عليه، فأتسبب في الوقيعة والوقوع في فرج لا تحل له. وقال ابن أسباط: سئل الثوري وهو يشتري عن مسألة، فقال للسائل: دعني فإن قلبي عند درهمي فلست متفرغاً لأفتيك، وقد أخطئ وأنا منشغل بالبيع والشراء.

    دقته في الاستنباط:
    وكان له دقة عجيبة في الاستنباط والفقه، فعن الفريابي قال: رأينا سفيان الثوري بـالكوفة ، وكنا جماعة من أهل الحديث، فنزل في دار، فلما حضرت صلاة الظهر دلونا دلواً من بئر في الدار، فإذا الماء متغير -متغير بشيء من النجاسة- فقال: ما بال مائكم هذا؟ قلنا: هو كذا منذ نزلنا هذه الدار، فقال: ادلوا دلواً من ماء البئر التي قبلكم، فإذا ماء أبيض، فقال: ادلوا دلواً من بئر الدار التي شرقيكم، فإذا ماء أبيض، ثم قال: ادلوا دلواً من بئر الماء التي غربيكم، فإذا هو ماء أبيض، فقال: ادلوا دلواً من ماء البئر التي شأمكم، فدلوا دلواً فإذا هو ماء أبيض، فقال: إن لبئركم هذه شأناً، كل ما حولها من الآبار نظيفة إلا هذه التي أنتم فيها، فحفرنا فأصبنا عرق كنيف ينزل فيها -عرق من مرحاض ينزل إلى هذه البئر فينجسها- فقال: منذ كم نزلتم هذه الدار؟ فقلنا: منذ أربع سنين، فأمر بإعادة صلاة أربع سنين. وكان -رحمه الله تعالى- حكيماً في تعليمه، وكان يقول: إذا كنت في الشام فاذكر مناقب علي ؛ لأن بعضهم في تلك البلد كانوا يشتمون علياً ، وإذا كنت في الكوفة فاذكر مناقب أبي بكر و عمر ؛ لأن بعض المتشيعين في الكوفة كان يقع في أبي بكر و عمر . وقال ابن المبارك رحمه الله: تعجبني مجالس سفيان الثوري ، كنت إذا شئت رأيته في الحديث، وإذا شئت رأيته في الفروع، وإذا شئت رأيته مصلياً، وإذا شئت رأيته غائصاً في الفقه.


    عبادته وخشيته لله:
    وكانت عبادته عظيمة -رحمة الله عليه- قال يوسف بن أسباط : قال لي سفيان بعد العشاء: ناولني المطهرة أتوضأ، فناولته فأخذها بيمينه ووضع يساره على خده، فبقي مفكراً، فنمت ثم قمت وقت الفجر فإذا المطهرة في يده كما هي، فقلت: هذا الفجر قد طلع! قال: لم أزل منذ ناولتني المطهرة أتفكر في الآخرة حتى هذه الساعة. وكان عجيباً في قيامه لليل، كان يقوم الليل حتى الصبح في أيام كثيرة، وكان يرفع رجليه على الجدار بعد قيام الليل حتى يعود الدم إلى رأسه، وكان إذا أكل اجتهد في القيام بزيادة، أكل مرة طعاماً ولحماً ثم تمراً وزبداً، ثم قال: أحسن إلى الزنجي -أي: العبد- أحسن إلى الزنجي وكده. ومرة قدم على عبد الرزاق، فقال عبد الرزاق : طبخت له قدر سكباج -لحم مع خل- فأكل، ثم أتيته بزبيب الطائف فأكل، ثم قال: يا عبد الرزاق ! اعلف الحمار ثم كده، وقام يصلي حتى الصباح. وقال علي بن الفضيل : رأيت الثوري ساجداً، فطفت سبعة أسابيع -سبعة أشواط حول الكعبة- قبل أن يرفع رأسه وقال ابن وهب : رأيت الثوري في الحرم بعد المغرب سجد سجدة فلم يرفع رأسه حتى نودي للعشاء. وكانت خشيته لله أبلغ من أن توصف، قال قبيصة : ما جلست مع سفيان مجلساً إلا ذكرت الموت، وما رأيت أحداً أكثر ذكراً للموت منه. وقال يوسف بن أسباط : كان سفيان إذا أخذ في ذكر الآخرة يبول الدم من خشيته لله عز وجل. وقال سفيان : البكاء عشرة أجزاء: جزء لله، وتسعة لغير الله، فإذا جاء الذي لله في العام مرة فهو كثير.


    زهده وورعه وتواضعه:
    وكان زاهداً.. أقبلت عليه الدنيا فتركها وأخذ كفايته حتى لا يحتاج إلى الناس، وربما اشتغل ببيع وشراء لأجل ألا يحتاج إلى الناس ولا يمد يده، وكان له وصايا في الزهد، فكان يقول: ليس الزهد بأكل الغليظ ولبس الخشن، ولكن قصر الأمل وارتقاب الموت. وكان يوصي من يخرج في سفر ألا يخرج مع من هو أغنى منه، فيكون إن ساويته بالنفقة أضر بك، إذا أنفقت مثله وهو أغنى منك أضر بك، وإن أنفقت أقل منه ظهرت كأنك بخيل، فاخرج مع من هو مثلك. وأما إنكاره للمنكر فكان شائعاً كثيراً، قال شجاع بن الوليد : كنت أحج مع سفيان فما يكاد لسانه يفتر من الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ذاهباً وراجعاً. وكان استشعاره لمسئولية إنكار المنكر عظيمة، وخصوصاً الشيء الذي لا يستطيع تغييره، فعن سفيان قال: إني لأرى الشيء يجب عليَّ أن أتكلم فيه فلا أفعل فأبول الدم. وعن ابن مهدي قال: كنا مع الثوري جلوساً بـمكة ، فوثب وقال: النهار يعمل عمله قوموا نعمل، الجلوس إذا كان مضيعة للوقت لا خير فيه. وتواضعه كان عجيباً، وإزراؤه على نفسه كان كثيراً، قال ابن مهدي : بت عنده فجعل يبكي فقيل له عن سبب بكائه، فقال: لذنوبي عندي أهون من ذا -ورفع شيئاً من الأرض- ولكني أخاف أن أسلب الإيمان قبل أن أموت! كان يخشى الله عز وجل في علمه وعمله، وهذه صور من التقوى والورع، وما خفي علينا ولم ينقل إلينا أعظم بكثير



    _________________


    قناتي على موقع يوتيوب :
    https://www.youtube.com/channel/UCm8N-tHwIFM7hPnwtLrBMpg
    مدونتي:
    https://arabicfraed.blogspot.com.eg/
    avatar
    أحمد
    إدارة ثمار الأوراق
    إدارة ثمار الأوراق

    عدد الرسائل : 16840
    الموقع : القاهرة
    نقاط : 38991
    تاريخ التسجيل : 17/09/2008

    رد: سيرة سفيان الثوري رحمه الله

    مُساهمة من طرف أحمد في الأحد مايو 17, 2009 2:35 pm


    ابتعاده عن الأمراء والسلاطين ونصحه لهم:
    ولما استخلف المهدي بعث إلى سفيان فلما دخل عليه خلع خاتمه -الخليفة يخلع خاتمه لـسفيان - فرمى به إلى سفيان وقال: يا أبا عبد الله ! هذا خاتمي فاعمل في هذه الأمة بالكتاب والسنة. فأخذ الخاتم بيده وقال: تأذن بالكلام يا أمير المؤمنين! قال السامع للراوي: قال له: يا أمير المؤمنين! قال: نعم. فقال الخليفة: نعم. يأذن له بالكلام. قال: أتكلم على أني آمن؟ قال: نعم. قال سفيان : لا تبعث إليَّ حتى آتيك، ولا تعطني حتى أسألك. قال: فغضب الخليفة وهمَّ به، فقال له كاتبه: أليس قد آمنته؟ قال: بلى. فلما خرج سفيان حس به أصحابه، فقالوا: ما منعك وقد أمرك أن تعمل في الأمة بالكتاب والسنة؟! فاستصغر عقولهم وخرج هارباً إلى البصرة ، وكان يقول: ليس أخاف إهانتهم، إنما أخاف كرامتهم فلا أرى سيئتهم سيئة. أي: إذا أكرموني تغاضيت عن الحق ولا أرى سيئتهم سيئة. وكان ينكر عليهم الإسراف في الولائم في مواسم الحج، فعن محمد بن يوسف الفريابي : سمعت سفيان يقول: أُدخلت على أبي جعفر بـمنى فقلت له: اتق الله، فإنما أنزلت في هذه المنزلة وصرت في هذا الموضع بسيوف المهاجرين والأنصار وأبنائهم وهم يموتون جوعاً، حج عمر فما أنفق إلا خمسة عشر ديناراً وكان ينزل تحت الشجر. فقال الخليفة لـسفيان : أتريد أن أكون مثلك؟ قلت: لا. ولكن دون ما أنت فيه وفوق ما أنا فيه. فقال: اخرج. ولما أُدخل على المهدي بـمنى وسلم عليه بالإمرة، فقال الخليفة: أيها الرجل! طلبناك فأعجزتنا، فالحمد لله الذي جاء بك، فارفع إلينا حاجتك. قال: وما أرفع؟ حدثني إسماعيل بن أبي خالد قال: حج عمر فقال لخازنه: كم أنفقت؟ قال: بضعة عشر درهماً، قال عمر: أسرفنا! وإني أرى هنا أموراً لا تطيقها الجبال.



    تنقله في البلاد هارباً ودفنه لكتبه:
    أما هرب سفيان وتنقله في البلاد هارباً فترة من عمره ودفنه لكتبه، فكان بسبب أن الخليفة أبا جعفر أراده على القضاء، فأبى أن يتولاه، فأراد أن يلزمه به، وكان يسجن ويضرب حتى يرضخ القاضي للقضاء، فهرب سفيان ، ولا زال هارباً متخفياً، وهو مع هربه يطلب الحديث ويطلب العلم ويعبد الله.. قال أبو أحمد الزبيري : كنت في مسجد الخيف مع سفيان والمنادي ينادي: من جاء بـسفيان فله عشرة آلاف. وقيل: إنه من أجل الطلب والملاحقة هرب إلى اليمن، فاتهموه -وهم لا يعرفونه في اليمن - بأنه سرق شيئاً؛ فأتوا به والي اليمن معن بن زائدة ، وكان عنده خبر من الخليفة بشأن طلب سفيان، فقيل للأمير: هذا قد سرق منا، فقال: لم سرقت متاعهم؟ قال سفيان : ما سرقت شيئاً. فقال لهم الأمير: تنحوا حتى نسائله -حتى أحقق معه- ثم أقبل على سفيان فقال: ما اسمك؟ فقال: عبد الله بن عبد الرحمن، وأراد ألا يكذب ولا يذكر اسمه لأنه مطلوب عند الخليفة، فقال الأمير: نشدتك بالله لما انتسبت سأله بالله، فكان لا بد أن يجيب، قال: فقلت: أنا سفيان بن سعيد بن مسروق ، قال: الثوري ؟ فقلت: الثوري ، قال: أنت بغية أمير المؤمنين؟ قلت: أجل! فأطرق ساعة يفكر ثم قال: ما شئت أقم ومتى شئت فارحل، فوالله لو كنت تحت قدمي ما رفعتها. أي: أحميك وأدافع عنك، وكان معن بن زائدة فيه خير كثير. وهرب إلى البصرة أيضاً، قال ابن مهدي : قدم سفيان البصرة والسلطان يطلبه، فصار إلى بستان، فأجر نفسه لحفظ الثمار، صار ناقوراً حارساً يحفظ الثمار، فمر به بعض العشارين الذين يأخذون أجزاء الثمار للوالي، فقال: من أنت يا شيخ؟ قال: من أهل الكوفة . فقال: أرطب البصرة أحلى من رطب الكوفة؟ قال: لم أذق رطب البصرة . قال: ما أكذبك! البر والفاجر والكلاب يأكلون الرطب الساعة. فرجع العامل إلى الوالي فأخبره ليعجبه بهذا الخبر العجيب، فقال الوالي: ثكلتك أمك! أدركه فإن كنت صادقاً فإنه سفيان الثوري ، فخذه لنتقرب به إلى أمير المؤمنين. فرجع في طلبه فما قدر عليه. ولاحقه أبو جعفر ملاحقة شديدة وجدَّ في طلبه، فاختفى الثوري بـمكة عند بعض المحدثين.. قال عبد الرزاق : بعث أبو جعفر الخشابين حين خرج إلى مكة وقال: إن رأيتم الثوري فاصلبوه. فجاء النجارون ونصبوا الخشب ونودي عليه ورأسه في حجر الفضيل مختفٍ بالبيت، ورجلاه في حجر ابن عيينة ، فقيل له: يا أبا عبد الله ! اتق الله لا تشمت بنا الأعداء.. كان مختفياً في الحرم ورأسه في حجر الفضيل ورجلاه في حجر ابن عيينة ، فتقدم إلى الأستار ثم أخذه وقال: برئت منه إن دخلها أبو جعفر، قال: فمات أبو جعفر قبل أن يدخل مكة، فأخبر سفيان فما قال شيئاً، قال الذهبي رحمه الله: هذه كرامة ثابتة.

    وفاته رحمه الله وثناء العلماء عليه:
    واستمر هذا الرجل على العطاء، وكان قد دفن كتبه فلما أمن استخرجها مع صاحب له، فقال صاحبه: في الركاز الخمس يا أبا عبد الله ! فقال: انتق منها ما شئت، فانتقيت منها أجزاء فحدثني بها. استمر -رحمه الله- عابداً لربه مستمراً على العهد الذي بينه وبين الله علماً وتعليماً وعبادة حتى جاءه الأجل ووافاه قدر الله سبحانه وتعالى بالموت في البصرة ، في شعبان سنة إحدى وستين ومائة للهجرة، وقد غسله عبد الله بن إسحاق الكناني . قال يزيد بن إبراهيم: رأيت ليلة مات سفيان قيل لي في المنام: مات أمير المؤمنين -أي: في الحديث. ولم يتمكن إخوانه وأصحابه من الاجتماع للصلاة عليه، فجعلوا يفدون إلى قبره يوم وفاته، ودفن وقت العشاء، وعن بعض أصحاب سفيان قال: مات سفيان بـالبصرة ودفن ليلاً ولم نشهد الصلاة عليه، وغدونا على قبره ومعنا جرير بن حازم و سلام بن مسكين من أئمة العلم، فتقدم جرير وصلى على قبره ثم بكى وقال:
    إذا بكيت على ميت لمكرمة فابك غداة على الثوري سفيان
    وسكت، فقال عبد الله بن الصرباح :
    أبكي عليه وقد ولى وسؤدده وفضله ناظـر كالغسـل ريان
    وقال سعيد : رأيت سفيان في المنام يطير من نخلة إلى نخلة وهو يقول: الحمد لله الذي صدقنا وعده. وهذا مما روي له من المنامات الصالحة بعد وفاته. وقال إبراهيم بن أعين : رأيت سفيان بن سعيد بعد موته في المنام، فقلت: ما صنعت؟ فقال: أنا مع السفرة الكرام البررة. قال أحمد بن حنبل رحمه الله: قال لي ابن عيينة : لن ترى بعينك مثل سفيان الثوري حتى تموت. وقال الأوزاعي : لو قيل لي اختر لهذه الأمة رجلاً يقوم فيها بكتاب الله وسنة نبيه لاخترت لهم سفيان الثوري . وقال ابن المبارك : كتبت عن ألف ومائة شيخ ما كتبت عن أفضل من سفيان . وقال ابن أبي ذئب : ما رأيت أشبه بالتابعين من سفيان الثوري . وقال ابن المبارك : ما نُعت إلي أحد فرأيته إلا كان دون نعته -دون الوصف- إلا سفيان الثوري ، رحمه الله رحمة واسعة.

    حاجتنا إلى معرفة سير السلف واقتفاء آثارهم:
    هذا من الرجال الذين أنجبتهم هذه الأمة وصاغهم هذا الدين، فكم نحن بحاجة أن نلتزم خطاهم وأن نسير على نهجهم وأن نتمثل سيرهم! كم نحن بحاجة إلى استعادة سير أسلافنا الماضين؛ لنكون في العز كما كانوا أو نحاول، ونحن نعلم أننا لن نكون مثلما كانوا، لكن على الأقل لا يصلح -أيها المسلمون- أن تبقى سير العلماء مدفونة، وأن يبقى أولئك الأجلاء الأعلام غير معروفين عند متأخري هذه الأمة، هذه جريمة لا تغتفر، فإن هؤلاء الصالحين قدوة يجب الكلام في سيرهم ونشر نهجهم وحياتهم؛ حتى تعرف هذه الأمة الامتداد الحقيقي لها، وتعرف هذه الأمة أن لها سابقين، وتعرف هذه الأمة أنها متى قامت بالحق وعدلت بوأها الله المكانة التي ينبغي أن تكون عليها. اللهم ارحم سفيان واجزه الجزاء الأوفى، اللهم إنا نسألك أن ترحمنا أجمعين، وأن تغفر لنا ذنوبنا يا أرحم الراحمين. اللهم ارحم موتانا، واشف مرضانا، وفرج همومنا، ونفس عنا كروبنا.. اللهم إنا نسألك أن تجعلنا في هذه الليلة من عتقائك من النار، وفي هذا اليوم العظيم من الفائزين بالجنة يا رب العالمين. الله إنا نسألك يوماً قريباً تعز فيه دينك، وتقر أعيننا فيه بنشر الإسلام والسنة يا رب العالمين. اللهم ارحم المستضعفين من المسلمين، اللهم إنا نسألك أن ترفع الذل عن المسلمين يا رب العالمين. عباد الله: إن الله يأمر بالعدل والإحسان وإيتاء ذي القربى، وينهى عن الفحشاء والمنكر والبغي؛ يعظكم لعلكم تذكرون، فاذكروا الله العظيم الجليل يذكركم، واشكروه على نعمه يزدكم ولذكر الله أكبر والله يعلم ما تصنعون.


    _________________


    قناتي على موقع يوتيوب :
    https://www.youtube.com/channel/UCm8N-tHwIFM7hPnwtLrBMpg
    مدونتي:
    https://arabicfraed.blogspot.com.eg/
    avatar
    أحمد
    إدارة ثمار الأوراق
    إدارة ثمار الأوراق

    عدد الرسائل : 16840
    الموقع : القاهرة
    نقاط : 38991
    تاريخ التسجيل : 17/09/2008

    رد: سيرة سفيان الثوري رحمه الله

    مُساهمة من طرف أحمد في الإثنين يناير 28, 2013 4:51 am

    سفيان الثوري.. أمير أهل الحديث


    كان من عادة سفيان الثوري (97 - 161هـ) أن لا يُعَلّمُ أحدا العلم حتى يتعلم الأدب، ولو عشرين سنة! وكان يقول لطلاب العلم: «إذا فسد العلماء، فمن بقي في الدنيا يصلحهم؟ ثم ينشد قائلا:
    يا معشر العلماء يا ملح البلد *** ما يصلح الملح إذا الملح فسد؟!


    وكان من عادته أيضا، أنه إذا جلس للعلم وأعجبه منطقه، يقطع الكلام على الفور، ويقوم من مجلسه وهو يقول: «أُخذنا ونحن لا نشعر»! ورغم أنه كان معروفا بلقب «أمير المؤمنين في الحديث»، فإنه كان دائما ما يقول: «والله لو رآني عمر بن الخطاب لضربني بالدرة، وأقامني، وقال: مثلك لا يصلح للحديث». كما كان يقول لطلبة العلم الذين يفدون إليه من كل مكان: «والله ما أرى نفسي أهلا لإملاء الحديث، ولا أنتم أهلا لأن تسمعوه، وما مثلي ومثلكم إلا كما قال القائل: افتضحوا فاصطلحوا»!! لا عجب أن يقول سفيان لطلبة علم الحديث إذن: «سلوني عن المناسك والقرآن، فإني بهما عالم»!

    ويبدو لي أن الذي دفعه لذلك أمران رئيسيان: أولهما، ما شاهده من فساد العلماء في عصره وتوظيف السلطة لهم. وثانيهما، أنه غلب على طلبة العلم في وقته طلبه لأجل المباهاة! وقد دفعه ذلك إلى الامتناع من الجلوس للعلم، فقيل له في ذلك، فقال: والله لو علمت أنهم يريدون بالعلم وجه الله، لأتيتهم في بيوتهم وعلمتهم، ولكن إنما يريدون به المباهاة، وقولهم حدثنا سفيان.. إلخ. ولذلك كان لا ينفك ينصح مريديه بالقول: زينوا العلم بأنفسكم، ولا تزينوا بالعلم! كان والد سفيان، سعيد بن مسروق الثوري، من ثقات المحدثين وهو أول من لقن سفيان العلم من دون شك. كما شهد جده، مسروق بن حبيب بن رافع، موقعة الجمل مع الإمام علي بن أبي طالب، رضي الله عنه. وبحكم البيئة العلمية التي تربى فيها اتجه آليا في دراسته وجهة أبيه، وما أجمل أن يصف لنا التطور الذي لحق به حين يقول: «طلبت العلم فلم تكن لي نية، ثم رزقني الله النية»! وإلى جانب أبيه، تلقى سفيان العلم على يد كثير من الأشياخ، في مقدمتهم: زبيد بن الحارث، وحبيب بن أبي ثابت، والأسود بن قيس، وغيرهم. ولكثرة من تلقى على أيديهم العلم، يقال إن عدد شيوخه قد بلغ ستمائة! كبارهم هم الذين حدثوه عن أبي هريرة، وجرير بن عبد الله، وابن عباس، رضي الله عنهم.

    أما تلامذته ومن حدثوا عنه، فيذكر ابن الجوزي أنهم أكثر من عشرين ألفا!! فقد حدث عنه من القدماء من مشيخته وغيرهم خلق كثير، من بينهم: الأعمش، المحدث المشهور، وأبان بن تغلب، وابن عجلان، وخصيف، وابن جريج، وجعفر الصادق، وأبو حنيفة، والأوزاعي، وشعبة، ومعمر - وكلهم ماتوا قبله - وكذلك إبراهيم بن سعد، وأبو إسحاق الفرازي، وأحمد بن يونس اليربوعي، وابن علية.. إلخ.

    وكان الثوري شديد الحفظ لا يسمع شيئا إلا حفظه في وقته حتى كان يُخاف عليه! ونظرا لذلك؛ فقد حدّث وهو شاب صغير، بحسب ما يؤكد أبو المثنى الذي قال: سمعتهم بمرو يقولون قد جاء الثوري، فخرجت أنظر إليه، فإذا هو غلام قد بقل وجهه!! وفي السياق ذاته، يقول سفيان بن عيينة: كان الثوري كأن العلم ممثل بين عينيه، يأخذ منه ما يريد ويدع ما لا يريد! ومما هو معلوم، أن المحدثين كانوا آنذاك لا يتقاضون على الحديث أجرا ممتثلين في ذلك قول الله تعالى: «قل لا أسالكم عليه أجرا إن هو إلا ذكرى للعالمين». ولذا فإن من المرجح تماما أن أسرة سفيان لم تكن من ذوي الثراء العريض، ودليلنا على ذلك؛ ما رواه وكيع، المحدث المشهور، من أن والدة سفيان قالت له - بعد وفاة والده الذي يبدو أنه فارقه صغيرا -: «يا بني، أطلب العلم وأنا أعولك بمغزلي. وإذا كتبت عشرة أحرف، فانظر هل ترى في نفسك زيادة في الخير، فإن لم تر ذلك فلا تتعبن نفسك»!! ومن اللافت هاهنا أن هذه الأم الفاضلة قد ذكرها ابن الجوزي في كتابه «صفة الصفوة»، ضمن (المصطفيات من العابدات الكوفيات).

    على أن الثوري قد أدرك، منذ أن دخل مرحلة الشباب، أنه لا غنى عن توفير مصدر دخل حتى يتفرغ لطلب العلم فاشتغل بالتجارة، ومما كان يعيبه على أهل العبادة والعلم في عصره أنهم كانوا يركنون إلى التواكل والعيش على الصدقات. يقول في ذلك: لما هممت بطلب الحديث، قلت: أي رب، إنه لا بد لي من معيشة، فاكفني أمر الرزق، وفرغني لطلبه، فتشاغلت بالطلب فلم أر إلا خيرا.

    ومما ورد عنه في هذا السياق، أنه كان يقول عن نفسه: «لأن أخلف عشرة آلاف درهم أحاسب عليها، أحب إلي من أن أحتاج إلى الناس». كما كان يتوجه للنساك بالقول: «إذا أردت أن تتعبد فاحْرِزْ الحنطة»، أي ليكن قوتك موفورا عندك من كسبك. وموقفه هذا يعد تطورا لافتا لما كان عليه الأمر من قبل، وهو ما يبدو واضحا من قول سفيان نفسه: «كان (طلب) المال فيما مضى يكره، فأما اليوم فهو ترس المؤمن»! وكان يقول أيضا: أحب لطالب العلم أن يكون في كفاية؛ فإن الآفات وألسن الناس تسرع إليه إذا احتاج وذُّل.

    المال إذن، بنظر الثوري، صار حصنا لطالب العلم من الحاجة والمذلة، خاصة حاجة العالم لهبات السلطان، وكي لا يكون العلم متاجرة بين الناس! ولذلك لما عاب الناس عليه خروجه من أجل التجارة إلى اليمن، جاء رده حاسما: «لقد عابوا غير معيب، طلب الحلال شديد، خرجتُ أريده»!! ليس غريبا إذن، والحال هذه، أنه عندما جاءه رجل وهو ممسك بمال التجارة وقال له: يا أبا عبد الله تمسك هذه الدنانير؟ أن يجيب الثوري من فوره قائلا: اسكت يا هذا، فلولا هذه الدنانير لتمندل بنا هؤلاء الملوك! أي لجعلونا في أيديهم كالمناديل التي يتمسحون بها، ويقضون بها مآربهم!! أما فيما يتعلق بموقفه من الحكام في عصره، فقد كان شديد المقت لأولئك الذين يقفون بباب السلطان طلبا للمال، أو لأولئك الذين يبيعون دينهم بدنيا السلطان، أو حتى الذين يداهنون ويتملقون الملوك والأمراء من دون مقابل! يقول في شأن الفريق الأول: «إن عامة من داخل هؤلاء (الأمراء)، إنما دفعهم إلى ذلك الحاجة والعيال».

    ويقول في شأن الفريق الثاني، خاصة كتبة السلاطين والأمراء، إنهم يوم القيامة أسوؤهم حالا: يدعى بالأمير الأول فيُسأل، ويُسألون معه، ثم يذهب الأمير ويوقفون حتى يُدعى بالآخر فيُسأل ويُسألون معه، ثم يذهب حتى يدعى بالآخر.. وهكذا. ولما اعترض عليه أحد هؤلاء بالقول: فكيف أصنع، يا أبا عبد الله، بعيالي؟ قال الثوري غاضبا: يا قوم اسمعوا لهذا يقول: «إذا عصى الله رَزَق عياله، وإذا أطاعَ اللهَ ضيَّعَ عياله»!! كان تهافت العلماء وطلبة العلم على الأمراء والسلاطين أكثر ما هال الثوري في عصره، وقد كان دائما ما يحذر مريديه بالقول: احذورا حبَّ المنزلة؛ فإن الزهادة فيها أشد من الزهادة في الدنيا! كما كان يقول أيضا: ما رأيت الزهد في شيء أقل منه في الرئاسة، ترى الرجل يزهد في المطعم والمشرب والمال والثياب، فإذا نوزع الرئاسة حامى عليها وعادى!! وقد دفعه ذلك، أكثر من مرة، لأن ينشد:

    حبُّ الرئاسة داءٌ لا دواءَ لهُ وقلّما تجد الراضين بالقسمِ! ونتيجة قناعته تلك؛ كان الثوري يقاطع الأمراء والملوك والخلفاء مؤكدا أنه «إذا لم يكن لله في العبد حاجة نبذه إليهم»! وقد غالى في ذلك لدرجة أنه حرّم النظر - مجرد النظر - إلى أبنية الظلمة، أي أصحاب السلطة! يقول يحيى بن يمان: كنت أمشي مع سفيان فنظرت إلى باب قصر مشيد فجذبني سفيان حتى جزت. فقلت: ما تكره من النظر إلى هذا؟ فقال: إنما بنوه لينظر إليه ولو كان كل من مر به لم ينظر إليه ما بنوه.

    وفيما أخبر النبي، صلى الله عليه وسلم، أن تبسم المسلم في وجه أخيه صدقة، يقرر الثوري أن من تبسم في وجه ظالم أو أخذ من عطائه فقد نقض عرى الإسلام وكتب من جملة أعوان الظلمة! ويبدو أن هذا المنحى كان متعارفا عليه لدى العلماء العاملين، فعن علي بن الصباح قال: أتيت عبد الله بن داود فسألته عن سُكنى بغداد (دار الخلافة) فقال: لا بأس. قلت: فإن سفيان الثوري كان لا يدخلها. فقال: سفيان يكره جوار القوم وقربهم. قلت: فابن المبارك؟ قال: كان كلما دخلها، تصدق بدينار! فعاصمة السلطان ومحل إقامته أدعى للافتتان، ولا يجوز الإقامة بها ومجاورتهم إلا على وجه الاضطرار، وهو ما عبر عنه بشر بن الحارث بالقول: بغداد ضيقة على المتقين؛ وما ينبغي لمؤمن أن يقيم بها. فلما قيل له: هذا أحمد بن حنبل، فماذا يقول؟ قال: كان يقول دعتنا الضرورة إلى المقام بها، كما دفعت الضرورة المضطر إلى أكل الميتة!!

    ولا شك أن كثيرا من الناس كانوا يحثون الثوري على الاتصال بالملوك والأمراء، غير أنه كان يجيبهم في حزم: «إني لألقى الرجل (من أهل السلطة) أبغضه، فيقول لي: كيف أصبحت؟ فيلين له قلبي. فكيف بمن أكل ثريدهم، ووطئ بساطهم»؟! وحين طلب إليه عبد الله بن المبارك ذلك، أجاب الثوري: أخشى أن يسألني الله عن مقامي ما قلت فيه؟ فقيل له: تقول وتتحفظ! فسخر قائلا: تأمرونني أن أسبح في البحر ولا تبتل ثيابي!! على أنه ما كان مقاطعا لهم خشية أذاهم، وإنما خاف على نفسه أن يميلوا عليه بدنياهم، ثم لا يرى لهم سيئاتهم سيئة بعد ذلك! وحين تولى شريك قضاء الكوفة متذرعا بأنه لا بد للناس من قاض، أجابه سفيان على الفور: يا أبا عبد الله! لا بد للناس من شرطي!!

    وقد عاصر الثوري خلافة كل من أبي جعفر المنصور، والمهدي: فأما الأول فما استطاع إليه سبيلا، فأصدر أمرا بصلبه، إلا أنه (المنصور) مات قبل أن يدخل مكة! وأما الآخر، فحاول أن يفيد من سلطة الثوري في المجتمع، فأرسل في طلبه ونزع خاتم الخلافة من إصبعه ورمى به إليه قائلا: يا أبا عبد الله، هذا خاتمي فاعمل به في هذه الأمة بالكتاب والسنة! فلما استأمنه على نفسه قال له: لا تبعث إلى حتى آتيك، ولا تعطني شيئا حتى أسألك. فغضب المهدي وهم أن يفتك به لولا أن ذكره كاتبه بأنه قد أمنه! ولما خرج من عنده حف به أصحابه، فقالوا: ما منعك يا أبا عبد الله، وقد أمرك أن تعمل في هذه الأمة بالكتاب والسنة؟! فاستصغر عقولهم، وخرج إلى البصرة هاربا. فقد أدرك ببصيرته الفذة أن من أوشك أن يهم به بسبب كلمة عفوية، لا يرجى منه الاستجابة إلى ما يحب الثوري من سيادة كتاب الله وسنة رسوله، صلى الله عليه وسلم.

    ومرة أخرى قال له المهدي: يا أبا عبد الله! اصحبني حتى أسير فيكم سيرة العُمرين، فقال له: أما وهؤلاء جلساؤك فلا. ثم سأله: كم أنفقت في حجك؟ فقال المهدي: لا أدري؛ فقال: لكن عمر بن الخطاب يدري، أنفق في حجه ستة عشر دينارا فاستكثرها!!


    _________________


    قناتي على موقع يوتيوب :
    https://www.youtube.com/channel/UCm8N-tHwIFM7hPnwtLrBMpg
    مدونتي:
    https://arabicfraed.blogspot.com.eg/

      الوقت/التاريخ الآن هو الجمعة سبتمبر 22, 2017 11:44 pm