ثمار الأوراق

ثمار الأوراق

منتدى تعليمي يهتم باللغة العربية علومها وآدابها.


    السعــادة (Le Bonheur)

    شاطر
    avatar
    تاج العروبة (الفوهرر)
    فيلسوف ثمار الأوراق
    فيلسوف ثمار الأوراق

    عدد الرسائل : 599
    العمر : 33
    الموقع : العراق
    العمل/الترفيه : خريج كليه الاداب - قسم الفلسفة
    المزاج : الارادة مفتاح النصر
    نقاط : 107
    تاريخ التسجيل : 17/09/2008

    السعــادة (Le Bonheur)

    مُساهمة من طرف تاج العروبة (الفوهرر) في الخميس أكتوبر 23, 2008 7:33 am

    السعــادة
    (Le Bonheur)



    1. مدخل (من الدلالات إلى الإشكالية)
    إن مفهوم السعادة يرتبط، في التمثل الشائع، بالجانب المادي الحسي، حيث يعتبر الإنسان سعيدا كلما تحققت لديه شروط مادية ترتبط بالمال والصحة، وما إلى ذلك من المنافع المادية ..
    أما في التمثل المعجمي العربي، فإن هناك مرادفات كثيرة تشتق من الفعل الثلاثي "سعد"، وتحمل دلالات متعددة لها أبعاد اجتماعية وسياسية وفكرية. لكن غالبا ما يلتبس مرادفان في أذهان الناس هما: السعد والسعادة. وفي الواقع، إنما الأول أحد شروط الثاني. والأجدر بنا أن نقول : إن مفهوم السعادة، في المعجم العربي، يحمل دلالات أوسع من التمثل الشائع، بحيث يشمل – إضافة إلى الجانب المادي الحسي – الجانب المعنوي ؛ وبذلك يقترب من مفاهيم فلسفية، كالخير، والفضيلة، والعقل …إلخ.
    ومن المعروف، كذلك، أن دخول الفلسفة اليونانية إلى العالم الإسلامي، عمل على توليد تمثلات خاصة بمفكري الإسلام، وانقسموا حول مفهوم السعادة إلى فلاسفة عقليين ومتصوفة. فكيف كانت تمثلاتهم تلك ؟ هل كان مفكرو الإسلام يعتقدون أن السعادة عقلية أم جسدية ؟ هل ترتبط السعادة عندهم بالفرد أم بالمجتمع ؟ تلك هي بعض التساؤلات التي سيحاول هذا الدرس الإجابة عنها.
    2. السعادة : إرضاء للعقل أم للبدن ؟
    إن فلاسفة الإسلام يكادون يجمعون على موقف واحد. فهذا فخر الدين الرازي يربط السعادة بحصول اللذة لدى الإنسان ؛ واللذة العقلية أشرف من اللذة الجسدية، لأن هذه الأخيرة بهيمية. فحين يكرس الإنسان حياته لتحصيلها، فإنه ينحدر إلى مصاف الحيوان. أما اللذة التي تنال بالعقل، فهي التي يسمو بها الإنسان عن الحيوان، وهي التي يتفاضل الناس فيها بعضهم عن بعض.
    إن فلاسفة الإسلام يكادون يجمعون على موقف واحد. فهذا فخر الدين الرازي يربط السعادة بحصول اللذة لدى الإنسان ؛ واللذة العقلية أشرف من اللذة الجسدية، لأن هذه الأخيرة بهيمية. فحين يكرس الإنسان حياته لتحصيلها، فإنه ينحدر إلى مصاف الحيوان. أما اللذة التي تنال بالعقل، فهي التي يسمو بها الإنسان عن الحيوان، وهي التي يتفاضل الناس فيها بعضهم عن بعض. وحسب مسكويه، فإن السعادة تتجلى لدى الإنسان في بلوغ الكمال. والكمال الإنساني كمالان : كمال نظري، وكمال عملي (أخلاقي). أما الأول فهو الذي يبلغه الإنسان بالمعرفة، وذلك بالانتقال من تحصيل علوم الطبيعية إلى تحصيل علم الربوبية (الميتافزيقا). والكمال الثاني يكون عن طريق ترتيب قوى النفس وإخضاعها كلها للقوة الناطقة (العقل)، حيث تكون في أدنى المراتب القوة الشهوية. هكذا يبلغ الإنسان الكمال الخلقي الذي سيهيئه لبلوغ الكمال العقلي.
    إن هذا ما يسهل علينا تمثل موقف الفارابي الذي يرى أن السعادة تتمثل في بلوغ الحكمة (الفلسفة). فالفيلسوف وحده يستطيع الاتصال بالعقل الفعال، وسعادة الفيلسوف لا تضاهيها سعادة غيره من الناس، ولا تقترن بها إلا سعادة النبي. فالسعادة هي – إذن – الاتصال بالعقل الفعال (أو واهب الصور) وبالتالي رؤية الصور، التي تفيض عنه، في صفائها قبل أن تكون مشوبة (أو أن تتحد) بمادة.
    فموقف الفارابي – هذا – يقربنا من مواقف المتصوفة. فهؤلاء يعتقدون أن السعادة لا تكون إلا بالعرفان، ولا تدرك إلا بالإشراق الذي يجعل المتصوف يحيى نشوة روحية نتيجة الإلهام الذي يغمر قلبه، فيصبح به فانيا عن كل وجود، فيحس بالفناء بالذات الإلهية أو حلول الله فيه. ويمكن اعتبار رابعة العدوية من أهم من أسس لهذا النوع من التصوف، من خلال ما يعرف عندها بظاهرة "الحب الإلهي". ومن أشهر ما قالته في حب الله ما يلي :
    أحبـك حبين : حب الهوى ** وحـبا لأنك أهـــل لـذاكـا
    فـأما الذي هو حب الهوى ** فشغلي بذكرك عمن سواكا
    وأمـا الـذي أنت أهــــل لــه ** فكشفك للحجب حتى أراكـا
    فـلا الحمد في ذا ولا ذاك لي ** ولكن لك الحمد في ذا وذاكـا
    وقد كانت شطحات الصوفية (البسطامي، والحلاج، والسهروردي ..إلخ) محاولات للتعبير عن هذا الإشراق الروحي. فهذا البسطامي يعبر عن الفناء بقوله : "إن الحق مرآة نفسي، لأنه هو الذي يتكلم بلساني، أما أنا فقد فنيت". أما الحب الإلهي وقد ارتقى إلى درجة "الحلول" (الحلول هو شعور المتصوف بأن الله حال فيه) فيمكن أن ندركه من قول الحلاج التالي :
    أنا من أهوى ومن أهوى أنا ** نحن روحان حللنا بدنـا
    فـإذا أبصـرتني أبصرتـه ** وإذا أبصـرته أبصـرتنا
    وما ندركه – إضافة إلى ذلك – في قول الحلاج هذا، أن هناك إحساس المتصوفة بالسعادة في صورة "الحب الإلهي"، لأن ماكان يرومه المتصوف آنذاك هو حب الله الذي يجعله لا يدرك في الوجود غيره.
    وقد وصل هذا التصوف ذروته مع محيي الدين ابـن عربي، الذي أسس نظرية "وحدة الوجود" التي تنتهي إلى أن الوجود واحد، حيث لا يوجد إلا الله، وما العالم إلا تجل للذات الإلهية : فلما أراد الله أن يرى نفسه في وجود آخـر يكون له كالمرآة، خلق العالم. فالعالم إذن ليس إلا صفات الله وأسماءه وقد أصبحت مجسمة.
    وقد خصص ابن عربي مكانة مميزة للإنسان في نسقه الفكري حيث أن سمو الإنسان في الوجود يتمثل في اعتبارات عدة أهمها أن الإنسان هو منبع الفيض الإلهي على الموجودات لأن الإنسان –في اعتقاد ابن عربي – سمي إنسانا لأنه بمثابة إنسان العين الذي يرى الله من خلاله مخلوقاته فيرحمها. وكانت النتيجة المنطقية لهذا التصـور تبنيه لفكرة "وحدة الأديـان" التي جعلت من ابن عربي مضرب المثل في إشاعة التقارب بين الديـانات، ومن أهم من حاولوا تأسيس العلاقات بين الناس على التسامح. ومن أوضـح مـاقاله ابن عربي في هذا التوجه مايلي :
    كنت قبل اليوم أنكر صاحبي ** إذا لم يكن ديني إلى دينه دان
    (.....)
    لقد صار قلبي قابلا كل صورة ** فمرعى لغزلان ودير لرهبان
    وبيت لأوثـــان وكعبة طــائف ** وألواح ثوراة ومصحف قرآن
    مما تقدم يمكن القول : إن المتصوفة يعتقدون أن بلوغ أعلى درجات التصوف لا يكون إلا بالمجاهدة. ومعنى ذلك العزوف عن عرض الدنيا والسكون إلى الزهد. فهذا أحد المتصوفة يقول : "عين الجود يأتي من بذل المجهود". ويقول آخر : " لا تسكن الحكمة معدة ملئت طعاما". فالمجاهدة (الزهد) – في نظرهم – تطهير للنفس، وتهيئ لها لاستقبال التجلي الإلهي.
    وبناء عليه، يمكن القول بأن المتصوفة والفلاسفة يلتقون في أن السعـادة تسمو عن اللذة البدنية والجسمية ؛ ولكنهم يختلفون، في ذات الوقت، في كيفية تحصيلهـا. ففي الـوقت الذي يعتقد فيه الفلاسفة أن السعـادة تحصل بالعقل ؛ فإن المتصوفة يرون أن السعادة تكون عن طريق إلهام باطني حدسي يسمو عن الإدراك العقلي. وتجدر الإشـارة إلى أن من نتائج هذا الاختلاف، عدم اعتراف كل اتجاه فكري بالآخر. وهذا ما يتيح لنا أن نتساءل: هل السعادة فردية أم جماعية ؟
    3. السعادة : تدبير للفرد أم للمدينة ؟
    إن تمثل مفكري الإسلام للشريعة، جعلهم يختلفون في نظرتهم إلى التدبير الفردي والجماعي : فالمتصوفة يعطون الأولوية للدار الآخرة، وعليه يرون أن السعادة تدبير للفرد، ويجعلون نجاة الفرد أسبق من نجاة الجماعة. هكذا نجد المتصوفة ميالين إلى الانعزال والانطواء على النفس، والعزوف عن عرض الدنيا، ويعتبرون ذلك عفة، علاوة على أن التصوف يعتبر في نظر أهله تجربة فردية خاصة تسمو عن المماثلة ولا يمكن نقلها إلى الغير، لأن اللغة عن ترجمتها وتصويرها بأمانة.
    في مقابل ذلك، نجد الفلاسفة يرون أن سعادة الفرد ترتبط بسعادة المجتمع. فهذا مسكويه يقول : "ليست الفضائل أعداما، بل هي أفعال، وأعمال تظهر عند مشاركات الناس ومساكنتهم، وفي المعاملات وضروب الاجتماعات، ونحن نعلم ونتعلم الفضائل الإنسانية التي نساكن بها الناس ونخالطهم لنصل منها وبها إلى سعادات أخرى".
    وفي نفس التوجه، يرى الفارابي أن الإنسان ولد بطبعه محتاجا إلى غيره، لذا فالسعادة الفردية مستحيلة دون السعادة الجماعية. والاجتماعات الكاملة التي يمكن أن تتحول إلى مدن فاضلة ثلاثة : عظمى، ووسطى، وصغرى. وما دونها فهي غير كاملة (قلة عدد أفرادها لايؤهلهم لتأمين حاجاتهم). فالمدينة الفاضلة هي المجتمع الذي يلتف حول رئيسه وتتراتب فيه المراكز الاجتماعية تفاضلا حيث نجد في أسفل المـراتب من يخدم ولا يخدمه أحد. فيكون أفـراده متعاضدين متعاونين، بحيث تتوزع الوظائف بينهم بحسب الأهلية. ومضادات المدن الفاضلة كلها اجتماعات شقية في الدنيا والآخرة، وأصـل الشقاء فيها هو الاعتنـاء باللذات الجسدية، والنزوات الفردية، والتفكير في المصلحة الخاصة قبل المصلحة العامة.
    وكتخريج عـام، نقول : إن مفكري الإسلام تمثلوا السعـادة تمثلات خاصة. فهناك من رأى أن السعـادة فردية (المتصوفة)، ومن رأى السعادة اجتماعية (الفلاسفة)، إلا أنهم يشتركون جميعا في أن السعادة لا ترتبط بتحصيل اللذات الجسدية. الفلاسفة يرون أن السعادة تدرك بالعقل، والمتصوفة يرون أنها تكون بالكشف. ويـرى الفلاسفة أن تحقيق السعادة يكون بتـأسيس مجتمع متآزر ومتعاون ويرى المتصوفة السعادة في الخلاص الروحي للفرد


    _________________


    حـــــــــــسين الـــــــــــــخزاعي (الــــــــــفوهــــرر) - الـــــعراق

      مواضيع مماثلة

      -

      الوقت/التاريخ الآن هو السبت سبتمبر 23, 2017 8:28 am