ثمار الأوراق

ثمار الأوراق

منتدى تعليمي يهتم باللغة العربية علومها وآدابها.


    التنوين حرف أم علامة؟

    شاطر
    avatar
    أحمد
    إدارة ثمار الأوراق
    إدارة ثمار الأوراق

    عدد الرسائل : 16844
    الموقع : القاهرة
    نقاط : 39017
    تاريخ التسجيل : 17/09/2008

    التنوين حرف أم علامة؟

    مُساهمة من طرف أحمد في الخميس نوفمبر 16, 2017 11:40 am

    حدَّد علماء اللُّغة العرَب التنوين بأنه: نون ساكنة زائِدة تلحق آخِر الاسم لفظًا لا كتابة.

    وهذا التنوين له قِيم متعدِّدة، تتعدَّد بتعدُّد الأغراض الذي يجتلب لأجْلها.

    فأولاً: له قِيمة عَروضيَّة، حيث استخدمه علماء العَروض ضابطًا قافويًّا فيما يُسمَّى بتنوين الترنُّم والتنوين الغالي[2].

    وثانيًا: له قِيمة صرفيَّة، حيث يفرِّقون به في بِنية الكلمة بيْن المعرفة والنكرة، فكلمة "صه"، إذا نوِّنت كانتْ نكرةً، وإذا لم تنون كانت معرفةً.

    وثالثًا: له قِيمة نحْوية، حيث يقوم التنوينُ مقامَ كلمة محذوفة في نحو: ﴿ قُلْ كُلٌّ يَعْمَلُ عَلَى شَاكِلَتِهِ ﴾ [الإسراء: 84]، والتقدير: "كل مخلوق"، حيث قام التنوينُ في "كل" مقامَ كلمة "مخلوق"، بل يقوم التنوين مقامَ جُملة محذوفة، في نحو: ﴿ يَوْمَئِذٍ يَفْرَحُ الْمُؤْمِنُونَ ﴾ [الروم: 4]، والتقدير: "يوم إذ تنتصرون يفْرَح المؤمنون"، حيث نوِّنت "إذ" عوضًا عن جُملة "تنتصرون".

    ورابعًا: للتنوين قِيمة تبدو مِن دَلالته على الزَّمن، حيث يفهم الزَّمَن المراد مِن التنوين، فحينما أقول: "أنا فاهم الدَّرس"، بالتنوين فيه دَلالة على المستقبل، غير قولي: "أنا فاهم الدرس" بغيْر التنوين فيه دَلالة على المضي.

    وخامسًا: يقوم التنوينُ بتحديد وظيفة العامِل من حيث العملُ، فاسم الفاعِل إذا نُوِّن يعمل فيما بعدَه النصبَ، مثل: "أنا فاهمٌ الدرس"، "الدرس" مفعولٌ به، واسم الفاعل منوَّن، وإذا لم ينوَّن يعمل فيما بعدَه الجر بإضافتِه إليه نحو: "أنا فاهِم الدرس"، "الدرس" مضاف إليه، واسم الفاعِل غير منوَّن وهو مضاف.

    والتنوين له مظاهرُ كتابيةٌ متعدِّدة:
    1- قد يُكتب نونًا ساكنةً حين الكتابة العَروضيَّة في وزن الشِّعر، مِثل قول الشاعر[3]:
    وَقَاتِمُ الأَعْمَاقِ خَاوِي المُخْتَرَقِنْ

    وقول الشاعر:

    لاَ يَغُرَنَّ امْرَأً عَيْشُهُ
    كُلُّ عَيْشٍ صَائِرٌ للزَّوَالِ  

    حيث تكتب (امرأ) عروضيًّا هكذا (امرأن)، وتكتب (عيشٍ، صائرٍ) عروضيًّا هكذا (عيشن صائرن).

    2- وقد يُكتب نونًا مقلوبةً حال الرفْع فوق الضمَّة هكذا: وجاءَ محمدٌ.

    3- وقد يُكتب ألفًا في حالة النصْب، نحو: رأيت عليًّا، وقول الشاعر:

    قَيَّدَهُ الحُبُّ كَمَا  
    قَيَّدَ رَاعٍ جَمَلاَ[4]


    ولا يُعتدُّ بقول مَن يرى أنَّ النصب فتحة، والتنوين فتحةٌ أُخرى[5]، فقد فرَّق علماء النحو بيْن المنوَّن المنصوب والممنوع مِن التنوين المنصوب، بإلحاق ألفٍ إلى المنوَّن دون الممنوع، ترى ذلك في:
    رأيت عَمرًا.
    رأيت عُمرَ.

    في المثال الأول (عمرًا) جاء منصوبًا منونًا، وحذفت الواو الفارِقة، اعتمادًا على الألف الدالَّة على التنوين.

    وفي المثال الثاني (عمر) جاءَ منصوبًا ممنوعًا مِن التنوين؛ لذلك حرم من الألف.

    4- وقد يُكتب كسرة، في حالة الجر، تُضاف إلى كسرة الإعراب الدالَّة على الجر، وليستْ هذه الكسرة هي الأخرى، فالأولى علامة إعراب، والثانية علامة تنوين، نحو: سلمتُ على زيدٍ.

    ولكن.. هل التنوين برموزه المختلفة (نون - ألف - كسرة) حرْف أم علامة؟

    بمعنى: هل رمز التنوين رمزٌ أبجدي كالباء والتاء والثاء؟ أم علامة إعراب وبِناء؟ مثل الضمَّة والكسرة والفتحة والسُّكون؟

    الحقيقة أنَّ الدارس ليقف حائرًا أمامَ التنوين؛ فأحيانًا يراه ضمَّةً مع ضمَّة الرفْع، وفتحة مع فتْحة النصب، وكسْرة ثانية مع كسْرة الجرّ، على رأي مَن قال: إنَّ التنوين يقابله رمزٌ كتابي؛ حيث إنَّ الحركة الأولى دليلٌ على الرفْع أو النَّصْب أو الجرّ، والثانية دالَّة على التنوين.

    وأحيانًا يراه الدارس نونًا صريحة، كما في عِلم العَروض حيثُ يَكتبون "محمدٌ" عَروضيًّا هكذا (محمدن).

    - وعندَ التِقاء الساكنَين: النون الساكِنة الناشِئة من تنوينِ آخِر الاسم المتمكِّن، وهمزة الوصْل في (أل) فإنَّ نون التنوين تُكسَر كسرة واضِحة؛ أي: تتحرَّك بالكسر؛ خشيةَ التقاء الساكنين، وهذه النون وإنْ لم تكتبْ إملاء إلا أنَّها ترسم نطقًا، نحو: "آمنت بمحمَّد الرسول"، حيث تنطق هكذا "آمنت بمحمَّد نرسول"، وكان الواجِب أن تكتب إملائيًّا هكذا "آمنت بمحمدن الرَّسول"، حتى يسهُل الأمر على الدَّارسين، ويميِّزون بين النون الساكِنة، والمتحرِّكة بالكسْر لالتِقاء الساكنين.

    ولقدْ تغلَّب علماء العَروض على هذه المشكلة، وسهُل الأمر عليهم، حيث قرَّروا "ما يُنطق يُكتَب، وما لا يُنطق لا يُكتَب".

    لذلك أرى أنَّ "نون"، التنوين حرْف "أبجدي"، يُستعمل علامةَ إعراب، وهذا أمرٌ شائع، فالواو "حرف أبجدي"، يستعمل علامة رفْع للأسماء السِّتَّة، والياء حرْف أبجدي يستعمل مرةً للنصْب وأخرى للجرّ.

    ولما كانتْ علامات الإعراب ينوب بعضُها عن بعض، فليس هناك ما يمنع مِن نيابة الضمَّة الثانية في مِثل (محمدٌ) عن التنوين، وهكذا الفتحة في النصْب، والكسْرة في الجرّ، كما ينوب الواو عن الضمَّة، والألِف عن الفتْح، والياء عن الكسْرة.

    وقد يقول قائل: نعمْ في هذه؛ لأنَّ الواو مِن جِنس الضمَّة والألف من جِنس الفتحة، والياء مِن جنس الكسْرة، فهذه علامات نابِت عن علامات من جِنسها، فكيف تنوب الضمَّة الثانية في مِثل "محمد" عن نونِ التنوين، وليس هذه مِن جنس هذه؟

    ونقول: كيف نابت "النون" في الأمثلة الخمسة رَفعًا عن الضمَّة؟ هل هذه مِن جنس هذه؟ كلا! وإذًا تأكَّد ما ذهبنا إليه، من أنَّ النون حرفٌ أبجدي، يُستخدم علامةَ إعراب وتنكير وتمكُّن وتنوين.

    - فهو علامةُ إعراب في قولنا "الزيدون يكتبون": "يكتبون" فِعل مضارِع مرفوع بثبوتِ النون.

    - وهو علامةُ تنكير في نهو "صهٍ"، و"سيبويهٍ"، فما جاء منونًا كان نكرةً، وهنا "صهٍ - وسيبويهٍ" نُوِّنتا بالكسرة نيابةً عن النون (نون التنوين).

    وهو علامةٌ لتمكُّن الاسم الذي ينوَّن آخِرُه في باب الاسمية، فالذي ينوَّن آخِره يكون متمكنًا نحو: "هذا زيدٌ"، والذي لا ينوَّن يكون غير متمكِّن نحو: "هذا يزيدُ"، حيث نابتِ الضمَّة في (زيد) عن (نون التنوين).

    - وهو علامةٌ على صرْف الذي التنوين آخرُه، وعدم صرْف المجرَّد منه نحو: "رأيت عَمرًا" مصروفٌ لأنَّ الفتحة نابتْ عن نون التنوين، نحو: "رأيت عُمرَ" ممنوع مِن الصَّرْف؛ لأنَّ آخره تجرَّد من التنوين.

    - وقد يكون التنوين بالكسرةِ نيابةً عن "نون التنوين"، وذلك في حالةِ التعويض عن شيءٍ محذوف.

    مثل "غواشٍ"، "جوارٍ"، حيث نابتِ الكسرة عن (نون التنوين) عوضًا عنِ الياء المحذوفة؛ إذ الأصل (غواشي، جواري)، ونلاحظ أنَّ (غواشٍ وجوارٍ) الشين والراء مضبوطتانِ بكسرتين.

    الأولى: علامة على أنَّ المحذوف مِن الكلمة "ياء"، وأنَّ الكسرة مِن جنسها بقيتْ للدَّلالة عليها.

    الثانية: هي الكسرة النائِبة عن (نون التنوين) التي جِيء بها عوضًا عنِ المحذوف.

    - أمَّا في قولنا: "آمنت بمحمدٍ الرَّسول".

    إذا وقفْنا على لفظ "محمد" وفصلْنا بينها وبيْن الرسول، فلفظ محمَّد مجرور، وعلامة الجرّ الكسْرة الأولى، أما الكسرة الثانية، فهي نائبةٌ عن (نون التنوين)، أمَّا إذا وصلنا الكلام فإنَّنا ننطقه هكذا: "آمنت بمحمدن الرسول": "محمَّد" مجرورٌ بالباء، وعلامة الجرّ الكسرةُ تحتَ الدال، وهي كسرةٌ واحِدة؛ لأنَّ النون الدالَّة على التنوين جاءتْ بنفسها دون أن ينوبَ عنها شيء، وجاءتْ متحرِّكةً على الرغم مِن أنها ساكنة؛ لأنَّها تحرَّكت تخلصًا مِن التِقاء الساكنين.

    وهذا دليلٌ على أنَّها حرْف أبجدي يأتي علامةَ إعراب وتنوين، بنفْسه، أو بما ينوب عنه.


    _________________


    قناتي على موقع يوتيوب :
    https://www.youtube.com/channel/UCm8N-tHwIFM7hPnwtLrBMpg
    مدونتي:
    https://arabicfraed.blogspot.com.eg/

      الوقت/التاريخ الآن هو الإثنين أبريل 23, 2018 1:26 am