ثمار الأوراق

ثمار الأوراق

منتدى تعليمي يهتم باللغة العربية علومها وآدابها.


    جمال النحو العربي

    شاطر
    avatar
    أحمد
    إدارة ثمار الأوراق
    إدارة ثمار الأوراق

    عدد الرسائل : 16864
    الموقع : القاهرة
    نقاط : 39037
    تاريخ التسجيل : 17/09/2008

    جمال النحو العربي

    مُساهمة من طرف أحمد في الخميس يناير 22, 2015 2:17 am

    المقـدمة
    الحمدُ لله الذي شرَّف اللِّسان العربيَّ بكِتابِه العزيز وشريعته الهادية، والصَّلاة والسَّلام على رسوله ومُصطَفاه محمد بن عبدالله، وعلى آله وصَحبِه أجمعين، وبعدُ:
     
    فتُعَدُّ اللغة منظومةً عُرفيَّة رمزيَّة يُعبِّرُ المرءُ بها عن أغْراض نفسِه، ويقرأ فيها أمجادَ السابقين وأفكارَ اللاحقين، فيَرَى طبائِعَ المجتمعات وخِصالها التي تتَّسِمُ بها، ويتلمَّسُ مُقوِّمات نجاحها ومَعاوِل نُكوصِها، ويتحرَّى أُسُسَ بِنائها ومشروعيَّة بقائها، فيُسهِمُ بذلك في بناء مجتمعِه، كما يسعى مجتمعُه إلى بنائه والتفاعُل معه؛ فتكون اللغة ترجمانَ الأفكار والمعاني ووسيلةَ البناء المتفاعِل، بل هي أداة تحقيق الإنسانيَّة، وتكوين الحضارة البشريَّة، فيتحقَّق وجودُ المجتمع بوسيلتَيْن مُتَكامِلتَيْن، هما: المعاني، ووسيلة التعبير عنها (اللغة).
     
    فالمعنى يُتَرجَمُ باللغة، واللغة لا تنهَضُ دُون الأفكار والمعاني، وقد عبَّر القُدَماء عن هذا التلازم الثُّنائي، فقال ابن حزم: "لا سَبِيلَ إلى معرفة الأشياء إلا بتوسُّط اللغة"[1].
     
    وقال عبدالقاهر: "اعلَمْ أنَّ الكلامَ هو الذي يُعطِي العُلومَ مَنازِلها، ويُبيِّن مَراتِبَها، ويَكشِفُ عن صُوَرِها، فلولاه لم تكن تتعدَّى فوائدُ العلم عالِمَه، ولا صَحَّ من العاقل أنْ يَفتقَ عن أزاهير العَقل كَمائِمه، ولتَعطَّلت قُوَى الخواطر والأفكار من مَعانِيها"[2].
     
    لقد أجادَ عُلَماء العربيَّة التنسيقَ بين المبنى اللُّغويِّ والمضمون الفكريِّ أو المعنى الدِّلالي، وتأمَّلوا العلاقة التي تعكسُ التلازُم بين الفِكر واللُّغة، فشغَلت هذه الثنائيَّةُ بالَ العلماء العرب منذ زمنٍ بعيد، فغدت مَدارًا للحوار والخِلاف، وميدانًا تمخَّضت فيه مسائلُ اللغة في المعاني والأفكار، فكانت مسألةُ البحث في الفُروق اللغويَّة بين التراكيب أوضَحَ شاهدٍ يُصوِّرُ إدراكَهم العلاقةَ بين المتلازمين: الدلالي واللُّغوي، فضلاً عن أنَّ مسألةَ اللفظ والمعنى والخِلاف في أيِّهما يسبق الآخَر أو أيهما أكثر أهميَّةً من الثاني يُعَدُّ شاهدًا آخَر يُصوِّرُ الاهتمامَ بهذه الثنائيَّة الفكريَّة، كما كانت محاولة عبدالقاهر في ترجمة العمَلِيَّة الذِّهنيَّة في إنشاء الجمل وتأليف التَّراكيب في إطار نظريَّة النَّظم، والبناء، والتعليق، من خير ما توصَّل إليه العقلُ البشري في تفسير عمليَّة الكلام الذي تتعاضَدُ فيه ازدواجيَّة الفكر واللغة.
     
    إلا أنَّ هذه الثنائيَّة قد تفرغ لكلِّ طرفٍ منها فريقٌ من علماء العربيَّة، فازدادت عنايةُ فريقٍ منهم باللغة، فاستدعت اللغة ميدانًا تُوضَع فيه ضَوابِطُها لتتَّقِي به اللحن أو الخطأ؛ فكان لها ميدان النحو، واعتنى فريقٌ آخَر منهم بالمعاني، فاستدعت الدلائل والأفكار ميدانًا آخَر تبحَث فيه؛ فكان لها ميدان البلاغة وعلم المعاني.
     
    ولَمَّا كان الفكر واللغة مُتَلازِمَيْن اقتَضى ذاك تلازُم ميدانَيْهما؛ أعني: تلازُم ميدان النحو وعلم المعاني.
     
    ومن هنا نشَأتْ فكرةُ المقال الذي يسعى فيه الباحثُ إلى الربط بين الدَّرس البنيوي والدِّلالي، من خِلال الرَّبط بين علم النحو وعلم المعاني، وأنهما ميدانان يُكمِلُ بعضهما بعضًا، وما كان انفِصالهما إلا أثَرًا من آثار التقسيم العلمي في زمَن انفِصال العُلوم وتصنيف أُطُرِها، فانفَصَل النحوُ عن المعاني، وأصبح لكُلٍّ منهما ميدانٌ يُغايِرُ الآخَر، فخَلا النحو من الوجه الدلالي الذي كان مُقترنًا به في تصنيفات النُّحاة الأوائل، وغَدا عند المتأخِّرين مادَّةً جافَّةً كانت مَثارًا للخِلاف، ومركزًا لِمُحاوَلات التأويل والتقدير والتعليل، وموضعًا يُتعقَّبُ فيه مخالفةُ الشعراء والأدباء للموضوع من القواعد، وقد نقَلتْ لنا الرِّوايات طرفًا من القصص التي تُبيِّن تبرُّمَهم من النُّحاة وضِيقهم من القواعد التي وضَعُوها، بل نقَلت لنا الرِّوايات ضِيقَ النحاة أنفسهم ممَّا آلَ إليه النحوُ بعد ذلك من درسٍ لُغويٍّ جافٍّ، فكان أبو العباس ثعلب يَغبِطُ أهلَ المعرفة من غير النُّحاة، ويتساءَلُ عن عاقِبة أمرِه؛ إذ قال: "اشتَغلَ أهل القُرآن بالقُرآن ففازوا، واشتَغَل أهلُ الفقه بالفقه ففازوا، واشتَغلتُ أنا بزيد وعمرو فليت عمري ماذا يكونُ حالي في الآخِرة؟!"[3].
     
    فاستدعى ذاك الجَفاف النحوي الذي آلَ إليه النحو عند المتأخِّرين دعوات جادَّة لإصلاح النحو أو تجديده، وهي نداءاتٌ استمرَّت نَفحاتها إلى يومِنا هذا.
     
    ففكرة تلازُم الدلالة والتركيب أو المعنى والمبنى، وهو تلازمٌ تتحرَّاه في مُصنَّفات الأوائل من النُّحاة، والأقدَمُون أنفسهم قد عدُّوا الدلالة من أسس تفسير الجمل، كما عُنوا بالعناصر غير اللغويَّة في تفسير المسألة من النحو، نحو اهتِمامهم بعلم المخاطَب، وبالسِّياق، وبالتنغيم، والذِّكر والحذف، والتقديم والتأخير، والفصل والوصل... إلخ.
     
    والغاية التي نَنشُدها من المقال اقتِرانُ النحو بالدَّلالة، أو ربْط مُعطَيات النحو بعِلم المعاني، أو بعبارةٍ أخرى: تسعى إلى محاولة ردِّ عِلم المعاني إلى حَقلِه الأوَّل الذي أُثِرَ عنه في مُؤلَّفات النُّحاة الأوائل، وهو حقلُ النحو.
     
    فإذا أخَذنا مِثالاً على ذلك، فننظُر إلى ظاهرة التقديم والتأخير، فالتقديم والتأخير نوعٌ من التصرُّف في التركيب والعُدول عن أصْل ترتيب عَناصِرِه لغايةٍ بيانيَّة معنويَّة، وهذا التصرُّف لا يكونُ اعتباطًا لغير علَّة، وإلاَّ كان جورًا على التركيب ومعناه، وإفسادًا للكلام بأسْره.
     
    فإذا نظَرْنا لعِلَلِ التقديم والتأخير وجدنا منها:
    1- التخصيص: كأنْ يقول أحد: زيدٌ إمَّا قائم أو قاعد، "فيُردِّده بين القيام والقُعود من غير أنْ يُخصِّصه بأحدهما"، فالردُّ عليه يكونُ بتقديم الخبَر لتخصيص المبتدأ به، فيُقال: قائمٌ هو.
     
    2- الافتخار: نحو: "تميميٌّ أنا"، فتقديم الخبر هنا "يُفهَم منه معنى لا يُفهَم بتأخيره"، وهو الافتخار - أو غيره؛ كالتخصيص في مَقامٍ آخَر - فيجبُ التقديم مُراعاةً للمعنى والغرَض.
     
    3- التفاؤل أو التشاؤم: مثل: ناجحٌ زيدٌ، ومقتولٌ إبراهيم.
     
    ومن أغراض تقديم الخبر الظرف والجار والمجرور:
    الاختصاصُ: نحو قول الله تعالى: ﴿ لَهُ الْمُلْكُ وَلَهُ الْحَمْدُ ﴾ [التغابن: 1]، فالغرَضُ من التقديم هنا: بيانُ "اختصاص الملكِ والحمدِ بالله - عزَّ وجلَّ" لا بغيره.
     
    ويجبُ التنبيهُ هنا إلى أنَّ التقديم للاختصاص ليس مَقصورًا على كون المقدَّم خبرًا والمؤخَّر مبتدأ؛ فقد "كاد أهل البيان يُطبِقون على أنَّ تقديم المعمول يفيدُ الحصْر؛ سواء كان مفعولاً أو ظرفًا أو مجرورًا؛ ولهذا قيل في ﴿ إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ ﴾ [الفاتحة: 5]: معناه: نخصُّك بالعبادة والاستعانة".
     
    ومن أغْراضه منعُ اللبس بين الخبَر والنَّعت، والتنبيه على أنَّ الظَّرف خبرٌ لا نعت، كما في قول الشاعر:
     
    لَهُ هِمَمٌ لا مُنْتَهًى لِكِبَارِهَا 
    وَهِمَّتُهُ الصُّغْرَى أَجَلُّ مِنَ الدَّهْرِ
     
    وانظُر إلى جمال الوَقْفِ والوَصْلِ في قوله تعالى: ﴿ قَالَ سَنَشُدُّ عَضُدَكَ بِأَخِيكَ وَنَجْعَلُ لَكُمَا سُلْطَانًا فَلَا يَصِلُونَ إِلَيْكُمَا بِآيَاتِنَا أَنْتُمَا وَمَنِ اتَّبَعَكُمَا الْغَالِبُونَ ﴾ [القصص: 35].
     
    فلو وقفتَ على قوله: ﴿ قَالَ سَنَشُدُّ عَضُدَكَ بِأَخِيكَ وَنَجْعَلُ لَكُمَا سُلْطَانًا فَلَا يَصِلُونَ إِلَيْكُمَا بِآيَاتِنَا ﴾ كان المعنى بآيات الله لا يصلُ فرعون وجنوده إلى سيِّدنا موسى ومَن معه.
     
    أمَّا إذا ابتدأت بقوله تعالى: ﴿ بِآيَاتِنَا أَنْتُمَا وَمَنِ اتَّبَعَكُمَا الْغَالِبُونَ ﴾ كان المعنى - والله أعلمُ - أنَّ الغلبة تكونُ لسيدنا موسى ومَن اتَّبعه تكونُ بآيات الله وقُدرته.
     
    وفي النِّهاية: هذا جهدُ المقلِّ، واللهُ من وَراء القصد، وهو يهدي السَّبِيل.





    [1] "التقريب لحد المنطق والمدخل إليه بالألفاظ العامية والأمثلة الفقهية": ص 155؛ أبو محمد علي بن حزم الأندلسي، تحقيق: إحسان عباس، بيروت 1959م.
    [2] "أسرار البلاغة": ص 2؛ عبدالقاهر الجرجاني، تعليق: أ/ محمود شاكر، دار المدني - جدة.
    [3] "نزهة الألباء في طبقات الأدباء"؛ لأبي البركات الأنباري: ص175، تحقيق: د/ إبراهيم السامرائي، مكتبة المنار - الأردن، الطبعة الثالثة، 1405هـ / 1985م.


    رابط الموضوع: http://www.alukah.net/literature_language/0/35674/#ixzz3PXYAQzbh

      الوقت/التاريخ الآن هو الأربعاء يناير 17, 2018 5:32 am