ثمار الأوراق

ثمار الأوراق

(ثمار الأوراق) : منتدى إسلامي / تعليمي / دعوي على عقيدة (أهل السنة و الجماعة) ، يهتم بنشر العلم الشرعي و العربية و التاريخ الإسلامي و كل ما ينفع المسلم


    الملامح العامة للفكر السياسي الإسلامي في التاريخ المعاصر

    شاطر

    أحمد
    إدارة ثمار الأوراق
    إدارة ثمار الأوراق

    عدد الرسائل : 16657
    الموقع : القاهرة
    نقاط : 38587
    تاريخ التسجيل : 17/09/2008

    الملامح العامة للفكر السياسي الإسلامي في التاريخ المعاصر

    مُساهمة من طرف أحمد في السبت يناير 03, 2015 1:05 am

    المستشار / طارق البشري*



    أتصور أنه لكي نتلمس رؤية المستقبل للحركة الإسلامية ، يحسن بنا أن نطالع ملامح الوعاء الزمني الذي تعمل فيه هذه الحركة والزمان المعاصر في تاريخنا يتكون من هذين القرنين الأخيرين ، وقد شارف القرن الثاني منهما على نهايته ، وصرنا على مشارف قرن ثالث يبدأ معنا بالملامح عينها التي صبغت تاريخنا المعاصر منذ بداية القرن التاسع عشر0

    أمام الحركة الإسلامية في بلادنا مهام جد متعددة ومتنوعة ، في مجالات الفكر والفقه ، والنظم السياسية والرؤى الحركية ، وفي تشييد المؤسسات ورسم العلاقات في هذه المجالات وغيرها أمامنا العديد من المشاكل ، منها على سبيل المثال ؛ مسألة التجديد مع المحافظة على الأصول تعني الصمود ، ومنها الانفصال الحادث بين علوم الدين وعلوم الدنيا ، وهو انفصال طرأت تداعياته مما ألم بنا من توجهات الغرب في القرنين الأخيرين ، وعلينا أن نعيد المزج والدمج بين هذه العلوم جميعا ، كما كان فقهاؤنا القدامى يعتبرون العبادات والمعاملات أبوابا من علم واحد0

    ومن المشاكل أيضا تلك القطيعة بين الفكر والنظم الوافدة من الغرب والفكرة والنظم الموروثة ، وهي قطيعة تتعمق في وعي الناس عبر السنين ، ومن ذلك أيضا هذا الازدواج في بناء المؤسسات والنظم والهيئات ، سواء في التعليم أو في القضاء أو في مؤسسات الإدارة والحكم أو في الاقتصاد 0 ومنه أيضا هذا التنوع الكبير للرؤى الإسلامية للواقع الراهن أو هذا الغموض الذي يعوق حسن إدراكنا للأوضاع المعيشية ولما يتعين علينا اتخاذه من الذرائع لحفظ الجماعة الإسلامية والنهوض بها 0

    وليس آخر تلك المشاكل مشكلة التفتت التي تعاني منها أوطاننا ، أي هذه التجربة الإقليمية والقطرية التي صرنا إليها عبر القرنين الأخيرين ، وما أدى إليه هذا الوضع من ظهور عناصر التباعد والتنافر في كل قطر إزاء غيره ، حتى تكونت عوائق ذاتية صارت تكبح نمو حركات التوحيد العربي والإسلامي ، لأن التجزئة قد غايرت من أوضاع كل قطر إزاء غيره ، في أمور الاقتصاد والسياسة وبناء النظم والمؤسسات وهذه المغايرة تشكل عوائق أمام مساعدي التوحيد ، متى وجدت تلك المساعي وحيثما وجدت0

    أن تاريخنا المعاصر بدأ بحركتين للإصلاح كانتا مضاربتين ، ولم يكتب لهما أثر عميق فيما عرفنا من بعد من وجوه الإصلاح0

    أولى الحركتين ، كانت حركة التجديد الفقهي والفكري التي استفتحت بابن عبد الوهاب في نجد في القرن الثامن عشر (1703 ـ 1791) تقوم على التوحيد المطلق وترفض فكرة الحلول والاتحاد وتؤكد مسؤولية الإنسان وتمنع التوسل بغير الله وتدعو لفتح باب الاجتهاد ، ومظهر محمد بن نوح الغلاتي في المدينة (752 ـ1803) كما ظهر ولي الدين الدهلوي في الهند (1702 ـ 1762) وفي اليمن ظهر محمد بن علي الشوكاني (1758 ـ 1834) ثم الشهاب الألوسي في العراق (1802 ـ1854 ) وفي المغرب ظهر محمد بن على السنوسي (1878 ـ1859) ثم ظهر في السودان محمد بن أحمد المهدي (1843 ـ1885)0

    ونلحظ أن هذه الدعوات التجديدية الإصلاحية كانت ظاهرة عامة من منتصف القرن الثامن عشر حتى منتصف القرن التاسع عشر تقريبا ، وأنه رغم الخلافات التي تبدو بين بعض هذه الدعوات وبعضها ، فهي جميعا تكون حركة تجديدية ، وهي جميعها تتفق اتفاقا عاما ونبذ التقليد وفتح باب الاجتهاد0

    ونحن إذا نظرنا إلى مناطق قيام هذه الحركات وجدناها تظهر في الهند والعراق شرقا وفي نجد واليمن والحجاز والسودان جنوبا وفي المغرب بالجزائر وليبيا غربا فهي حركة عامة ولكنها تتفادى منطقة القلب من الأمة الإسلامية ، بحسبان أن منطقة القلب من هذه الأمة كانت تتمركز في مجال الهيمنة المركزية للدولة العثمانية في ذلك الوقت ، وهي المنطقة الممتدة على المحور من تركيا إلى الشام إلى مصر ، (استامبول ـ دمشق ـ القاهرة) 0

    وكان من الطبيعي أن تبقى منطقة المركز عصية على التغيير والتجديد ، لاستتباب المؤسسات التقليدية وعظم النفوذ المحافظ لهذه المؤسسات ، واتصالها جميعا بهيئات الحكم والسلطان ووجودها كلها في منطقة الضوء الساطع لدى أجهزة الدولة وكانت التجديد الفقهي والفكري خليقة بان تنمو للإصلاح الفكري وللتجديد الفقهي في ذلك الوقت ولأن ثمة شواهد تاريخية تشير إلى أن هذه الدعوات كانت مما يحسن قبلوه لدى عامة المفكرين والمثقفين في مصر والشام ، لو لم تواجه بمثل ما وجهت به من السلطة0

    ثانيا هاتين الحركتين ، كانت حركة الإصلاح المؤسسي التي قامت مع نهاية القرن الثامن عشر ونهايات القرن التاسع عشر على امتداد محور السلطة المركزية للدول العثمانية بين استامبول والقاهر0

    استفتحت هذه الحركة يسعى السلطان سليم الثالث لإعادة بناء الجيش العثاني على الطراز الجديد ، وذلك بغية التمكن من مواجهة الأخطار الفعلية المحدقة بالدولة العثمانية ، سواء من روسيا القيصرية في الشمال أو من الإنجليز بأسطولهم في البحر المتوسط أو من سائر الدولة الأوربية الكبرى في ذلك الوقت 0 وتلت حركة سليم الثالث الفاشلة حركة السلطان محمود الثاني (1808 ـ 1840) وحركة محمد علي من مصر (1805 ـ 1848) وقامت هذه الحركات بمناسبة وقائع الغزو الأوربي لأرض المسلمين بخاصة ، وللشرق بعامة0

    لم يبدأ تاريخنا المعاصر إلا وكان قد احكم الحصار حولنا ، اكتشف طريق رأس الرجاء الصالح ، الذي أدى إلى تطويق العالم الإسلامي من الجنوب والشرق ، فضلا عن الغرب والشمال ونحن نذكر توسعات روسيا القيصرية في آسيا الوسطى وسيطرتها على بلدان "ما وراء النهر" ودخول بخارى وطشقند وسمرقند في حوزتها ، ثم حروبها ضد الدولة العثمانية بالزحف عليها من الشمال كما نعرف سيطرة الإنجليز على الهند ووصول هولندا إلى جزر الهند الشرقية ن ثم صعود الإنجليز من الهند شمالا إلى أواسط آسيا0

    وبعد تمام حركة الحصار الغرب وبدأت عمليات غزو القلب مع نهايات القرن الثامن عشر وعلى مدى القرن التاسع عشر ، ومن ابرز ملامحها حملة نابليون على مصر 1798 التي كان يستهدف منها الاستيلاء على مصر وأرض الشام كلها ، ثم استيلاء الإنجليز على عدن في 1839 واستيلاء فرنسا على الجزائر في 1830 ثم تونس في 1881 ، واستيلاء الإنجليز على مصر في 1882 ثم على السودان في 1899 ، واستيلاء ايطاليا على ليبيا في 1912 واستيلاء فرنسا على المغرب في السنة نفسها ، ثم اقتسام الشام والعراق بين بريطانيا وفرنسا بعد انتهاء الحرب العالمية الولى في 1918 وهكذا تقطعت البلاد شلوا مما كان له أثره العميق من بعد0

    كان من الطبيعي أن تلفت هذه المخاطر أقصى الانتباه من رجال الدولة والقائمين على الحكم ، وإن توقظ فيهم الشعور بالحاجة إلى الإصلاح ، وهم المسؤولون عن الرباط وحماية الثغور والدفاع عن الحوزة ، ورجال الحكم رجال عمل وتصدي تلقتهم المشاكل العملية ويبادرون في التصدي بها بالحلول العملية ، ووجوه الإصلاح والتجديد التي يهتمون بها هي ما يتصل مباشرة بما نسميه الآن "شؤون الأمن القومي" ونقطة البداية في ذلك مؤسسة الدفع عن الديار ، وهي الجيش وفي هذا يتفق سليم الثالث مع محمود الثاني مع محمد علي 0

    وإذا بدأ الإصلاح في مجال الجيش ، فإنه يبدو أول ما يبدو إصلاحا في استخدم آلات القتال كالمدافع وغيرها وإدخال أدوات القتال الحديثة يستدعى إدخال وسائل التنظيم الحديث الملائم لاستخدامها ، وفي هذين المجالين لابد من الاستفادة من خبرة الخصم الذي ثبت تفوقه فيها 0 كما أن هذين المجالين يستدعيان إدخال أنماط جديدة من التعليم تتعلق بعلوم الصناعة وقنواتها ، مما يمكن من الاستخدام الأمثل والسيطرة على وسائل الحرب الجديدة ، سواء الآلات وصناعتها وتركيبها واستخراجها ، أو التنظيمات التي يتحقق بها التنسيق الأمثل0

    كل هذه المهام يقوم على تحقيقها رجال دولة ومديرو أعمال ومنفذو سياسات ، وهم بحكم نوع أعمالهم وخبراتهم ذوو حس عملي مباشر ، ولا ينشغلون كثيرا بالجوانب النظرية والفكرية 0 ثم إن الضرورة تستدعي منهم سرعة سريعة في التحرك والتنفيذ ، لمواجهة المخاطر الخارجية أولا ، للمناورة والالتفاف على القوى التقليدية في الجيش وفي مراكز الدولة ثانيا0

    جماع هذه الأوضاع ألجأت حكام الزمان إلى أن يتوسلوا للإصلاح بإنشاء ما يمكن أن نسميه "المؤسسات البديلة" فلم يهتموا بأن يتبنوا حركة تجديد ما يمكن أن نسميه "المؤسسات البديلة " فلم يهتموا بأن يتبنوا حركة تجديد شامل للجماعة والمؤسسات المختلفة ولم يهتموا بأن يظهر الجديد انبثاقا من القديم أبقوا القديم على حاله من القدم ، فكرا ومؤسسات ورجالا ، القوة على ركوده ،، وأنشأوا بجانبه المؤسسات الجديدة برجال آخرين وفكر آخر ، ولم يجر ذلك منهم استجابة لضرورات السرعة في التنفيذ فقط ، ولكنه جرى تجنبا للخلاف والصراع مع مؤسسات تقليدية كانت هي نفسها من ركائز الحكم ومن أعمدة قيامه ودعامات استقراره ، وذلك سواء في الجيش أو في التعليم أو في الفكر أو الإدارة المدنية0

    فيبقى الجيش القديم وأنشئت بجواره فرق جديدة ، وبقى التعليم التقليدي وأقيمت بجانبه مدارس حديثه وهكذا ، صار هذا الازدواج منهجا وتقليدا ، سواء في السياسات المنفذة أو في بناء عقلية الحكام المصلحين في بلادنا ثم صار منهجا يترسم على وجه التلقائية في إنفاذ مطالب الإصلاح في المجالات المختلفة0

    وثمة ملاحظات يمكن الإشارة هنا ؛ فإن هذا الازدواج الذي حدث بين المؤسسات القديمة والحديثة ، لم يكن من شأنه وحده أن يقيم صدعا في الجماعة أو في البيئة الاجتماعية أو الهياكل الفكرية ، لو أن الأمور جرت على منوالها ، كان الأرجح أن يتفاعل الطرفان ويتبادلون التغذية على المدى الزماني الأطول ، ولكن الذي جدت أنه ما أن ظهر هذا الازدواج حتى بدأ يتسرب إلينا النفوذ الأوربي في الكثير من المجالات والأنشطة 0 ووجد هذا النفوذ فيما وفد علينا من مؤسسات غربية كالبنوك ومن نظم التعامل القانوني ومن فكر وعقائد 0 ووجدت هذه المؤسسات والنظم والأفكار الوافدة ، وجدت في الازدواج الحادث ظرفا مواتيا ورؤوس جسور لتلك النظم والأفكار الوافدة ، فسرعان ما ضلت هذه المؤسسة الحديثة وصرفتها عن هدفها الأصلي الخادم لحركة المقاومة الحديثة ضد مخاطر الغزو الغربي ، ووجهتها وجهة التلقي والتابعية والتثبيت للنفوذ الغربي بعامة ، وتضرب لذلك المثل بالمقارنة السريعة لمدارس محمد على الحديثة التي أنشئت لتغذي الجيش المحارب وتقتصر على تدريس علوم الصنائع وقنواتها ، كالهندسة والطب والحربية 00 الخ وبين مدارس الخديوي إسماعيل والاحتلال البريطاني مع نهاية القرن التاسع عشر التي صرفت همها عن تلك العلوم إلى تدريس الآداب والنظم القانونية الوافدة 00 الخ ونلحظ ذلك أيضا في المقارنة المماثلة بين بعثات محمد علي في أوائل القرن الماضي وبعثات الاحتلال البريطاني في أواخر ذلك القرن0

    وثانية الملاحظتين ، أن عامل الخطر الخارجي كان هو السبب في كل الظواهر السابقة ، هذا الخطر الخارجي الحال ذو الوقائع الممتدة عبر سنين القرن التاسع عشر ، هو ما به توقفت حركة الإصلاح الفكري والفقهي التي سبقت الإشارة إليها ، لأن مجال التجديد في الفكر والفقه كان يجري مكافحة للمؤسسات المحافظة 0 ولأن قيام الخطر المهدد لأمن الجماعة كلها من شأن أن ينحي المشاكل الداخلية ويبعدها عن بؤرة الاهتمام ، من شأنه أن يلقي على سلطات الحكم والمؤسسات الحاكمة مهام الدفاع عن الجماعة وحماية الحوزة مما يستدعي من الكافة المساندة والالتفاف وأرجاء خلافات الداخل وهذا ما حدث منذ اشتعلت المخاطر الخارجية في بدايات القرن التاسع عشر 0 إذ ذوت مع حركات الإصلاح الفكري على مدى النصف أو الثلثين من بداية ذلك القرن0

    وهو ذاته هذا الخطر الخارجي ، الذي استدعى أسلوبا عاجلا سريعا عمليا للإصلاح أعتمد على بناء مؤسسات جديدة موازية للقديم دون أن تظهر منها ودون أن يصاحبه هذا الإصلاح حركة فكرية وحركة أحياء للقديم تواكبها وتنتقل بالمجتمع كله من حال قديم إلى حال جديد ناهض تنسجم هياكله وأبنيته وتتكامل في أداء وظيفي واحد ، وهو ذاته الخطر الخارجي الذي احتل بنفوذه سائر المؤسسات المحدثة وغير من وظائفها ليجعلها باسم الحداثة قواعد تثبيت التبعية له في المجتمعات المفردة0

    والحال أن لم تفتقر حركة الإصلاح المؤسسي 0الجيش والدولة 00 الخ ) دعم حركة الإصلاح الفقهي والفكري فقط ، ولكنها حاربتها وعملت على تصفيتها ، وهذا ما كان من مسلك استانبول (محمود الثاني) والقاهرة (محمد علي) من الحركة الوهابية في 1811م0 لذلك كان من نتائج هذه الفترة ، نوع من الانفصام بين حركة الإصلاح المؤسسي وحركة الإصلاح الفكري ، ونوع من الازدواج بين الأبنية التقليدية نظما وفكرا وبين الأبنية الحديثة نظما وفكرا ، فصار القديم ابتر مقطوعا لم يفض إلى جديد من نوعه ومن مادته ومائه ، وصار الجديد أجنبيا لقيطا وفد من نسق عقيدي آخر ومن أوضاع اجتماعية وتاريخية مختلفة 0

    وما حل القرن العشرين حتى كانت البيئة الاجتماعية والفكرية قد انصدعت بين قرن أبتر وقرن لقيط أعقبه ، وهذا ما وثناه حتى اليوم وما تواجهه الحركة الإسلامية لتتعامل مع مجتمع مصدوع ، عليها أن تلائم صدعه وأن تجد قديمه وتؤصل حديثة 0

    وفي ظل هذا الظرف أتت الموجة التجديدية الثانية ، جاءت من المناطق التي عرفت من قبل بمناطق القلب ، والتي آلت مع نهايات القرن التاسع عشر إلى الغزو والاحتلال الأجنبي 0 واستفتحت برجال مثل جمال الدين الأفغاني (1839 ـ 1896) ومحمد عبده (1849 ـ1905) ومحمد رشيد رضا (1865 ـ 1939) وفي الوقت ذاته صار للتيار المحافظ وظيفة جد هامة تتعلق بالوقوف دفاعا عن أصول العقيدة وثوابتها في وجه رياح الغزو العاتية التي لم تترك أخضر ولا يابس وشملت الفكر والعقائد والعوائد وأساليب العيش 00 الخ0

    لقد صار على الحركة الإسلامية في عمومها وبمجدديها ومحافظيها أن تواجه أوضاعا متعددة تستدعي مواقف فكرية متباينة ، فهي لم تعد تواجه ما كان يواجهه ابن عبد الوهاب من تعصب مذهبي وبدع وخرافات ، وهي لم تعد تواجه أخطار الاحتلال العسكري الغربي لأراضي المسلمين ، إنما صارت تواجه مع كل ذلك وفضلا عنه ، موجات من "التبشير" تقوم به بعثات مسيحية أوربية وأمريكية ، وتواجه أفكار الفلسفات المادية واللاتينية 0 ونزعة التغريب في وسائل العيش والأساليب والعلاقاتالاجتماعية0

    هذا في ظني هو المنشأ التاريخي الحديث للتحديات التي تواجه الحركة الإسلامية فكرا وعملا وهي التحديات التي أشير إليها في صدر هذا المقال ، استحسنت لتصدي الحركة الإسلامية لهذه المشاكل ، أعرضها في سياقها التاريخي الواقعي أيضا ففي ظني أن الفكر الإسلامي الحديث تكون بالتراكم الحميد عبر عشرات السنين التي مضت من نهايات القرن الماضي ، وهو تكون من جهود عدد غير محصور من المفكرين والقادة والمصلحين 0 وهو فكر شيد وتراصت لبناته تحت خط النار ، وبنيت قلاعه وسط قصف مدافع الخصوم 0

    ونذكر هنا في عجلة الملامح العامة لحركة تراكم الفكر السياسي الإسلامي في المرحلة التاريخية المعاصرة0

    ونحن إذ نختار هذا "الطريق التاريخي" لعرض مفردات الفكر السياسي الإسلامي في زماننا ، إنما نفعل ذلك وأعيننا على الحاضر ، ولنوضح الظرف التاريخي الذي نبتت فيه أي ثمرة من ثمار هذا الفكر ، وهذا يلقى الضوء على هذا "المفصل" الذي يصل الفكر الواقع من حيث الأعمال والمقاصد ، أي من حيث مدى احتياج جماعة المسلمين لفكرة حركية ملائمة في لحظة بعينها ، ومن حيث توظيف هذه الفكرة لصالح الإسلام وجماعته في مرحلة ما ، وهذا يوضح أيضا أن كثيرا مما نعتبره خلافا في الرأي فنقف إزاءه متواجهين متقابلين ، كان أساسه اختلاف الزمان والمكان ، ولم يكن خلاف حجة وبرهان ، وإيضاح هذا الأمر من شأنه يقرب بين المتخالفين وألا يجعلهم في موقف المواجهة والمقابلة ، أنما يجعلهم أعرف بأن ثمة حقائق إسلامية عليا ومصالح إسلامية عليا ، ونحن ـ كل في زمانه ومكانه ـ نتوسل إلى رعايتها وصيانتها وإعلائها بالعديد من المواقف الفكرية والحركية التي تتباين الظروف والوضاع ، ومن هنا ندرك أن كثير مما نسميه اختلافا هو إلى التنوع اقرب ، وكل ذلك يزيدنا بأذن الله غنى ومرونة في إدراك وجوه الرأي وفي التعامل به مع الواقع إعلاء للصالح الإسلامي العام0

    إن لواقعنا التاريخي الحاضر جانبين 0 هما وفقا لتعبيرات مالك بن نبي الاستعمار والقابلية للاستعمار وأنا أقصد بالاستعمار العدوان الآتي إلينا من الخارج ، عسكريا كان أو سياسيا أو اقتصاديا أو فكريا ، أي هو أثر الخارج فينا متى كان هذا الأثر يجري بغير رضانا ولغير صالحنا 0 كما أقصد بالقابلية للاستعمار هذا الوضع الذي نكون عليه والذي يمكن من غلبة الغير لنا ، أو الجهل أو التضارب أو غير ذلك مما يكون سببا في غلبة الطامعين فينا على أمرنا 0

    وبهذا تجد أن جمال الدين الأفغاني وضع البنات الأولى في فكرنا الإسلامي الحديث "المقاومة للاستعمار" وإن محمد عبده وضع اللبنات الأولى في هذا الفكر "المقاومة للقابلية للاستعماري" 0

    لقد أنشغل جمال الدين بأمر "وحدة المسلمين " ليمكنهم الوقوف في وجه ما يتهددهم من أطماع الدول الأوربية والغربية ودعا لنبذ الخصومة بين السنة والشيعة ليمكن تأليف السلطتين الإسلاميتين الكبيرتين في وقته وهما سلطتا استانبول وإيران ، بعد أن كانت ذهبت دولة الهند الإسلامية أدراج الرياح ، ومن أهم ما أكد عليه هو طرح ولاية الأجنبي عن المسلمين بحسانه الركن الأعظم للإسلام فوحدة الجماعة الإسلامية وحدة موظفة إلى مقاومة الاحتلال ونبذ الولاية الأجنبية ، واعتبار ذلك هو الركن الأعظم للإسلام في وقتنا ، هذه النقطة تنطوي على جوهر دعوة جمال الدين وجوهر ما أرسى في الفكر السياسي الإسلامي الحديث0

    وأهم ما أرسى في الفكر السياسي الإسلامي الحديث0

    وأهم ما أريد الإشارة إليه هنا ، ذلك الجدل الذي كان الذي كان يثور كل حين حول موضوع مقاومة الاستعمار وإجلائه ، موضوع الأخذ بأسباب النهوض ومعالجة أسباب الضعف ، بأي هذين الموضوعين نبدأ لأيهما تكون الأولوية في اهتمامنا وتحركاتنا 0

    والقائلون بأولوية الاستعداد لمكافحة الاستعمار يستند إلى أن وجود الاستعمار يرتب مجموعة من السياسات التي تتخذ لصالح بقائه ، فوجوده واستمرار بقائه يضعف فينا أسباب مقاومته ويقضي على إمكانيات النهوض ضده أو النهوض لتحقيق أي أمل مرتجى في المستقبل0

    والقائلون بأولوية بناء القوة الذاتية وإنضاج أسباب النهوض ومعالجة نواحي الضعف ، إنما يستندون إلى أن ضعفنا الذاتي هو الذي سبب نجاح الاستعمار ضدنا ، ونحن لم نستطيع أن نقاوم غزوة لأننا كنا ضعافا ، ولأننا ضعاف فلن ننجح في إخراجه ، وإذا حدث أن خرج مع بقاء ضعفنا فسيعاود الكرة علينا ، أو يعاودها غيره0

    وفي ظني أن هذا الجدل يقوم على خيار خاطيء ، لأنه يجري تمييزا بين أمرين كلاهما لازم ، أو أنه يقيم أولوية بين الواحد مهما تجاه الآخر ، رغم أنها بوصف ذلك كله عملية واحدة ، لأن كلا منهما لازم للآخر ملزم منه ومتى كان الأمر كذلك فليس من الصواب أن نطرح سؤالا مفاده أن أيهما أنفع وبأيهما نبدأ 0 وعلينا أن نتسلح بالنظرة التكاملية التي تنظر إلى العناصر المتنوعة في التكامل وليس في تنافرها وأن الذي يطرح على الناس في وقت معين ، والذي يتعلق بما يبدأ به من هذه العناصر إنما تؤثر فيه ـ وقد تتحكم فيه ـ ظروف اللحظة التي يطرح فيها الأمر ، والاختيار الصائب هو الاختيار الذي يتلاءم مع ما تتطلبه اللحظة التاريخية ذاتها ، ومدى ملاءمة عنصر ما إنما تقاس مدى إمكانية تحققه في ظرف معين ، أو بمدى ما يترتب عليه من أثر مطلوب في هذه اللحظة ، فالملاءمة نجد حديها في الإمكانية والتوظيف لذلك فنحن في الحقيقة لا نختار ـ عندما نختارهما ـ بين بديلين كما لو كانا سلعتين معروضتين في واجهة أحد المحال التجارية ، إنما ننظر في الممكن والمؤثر في اللحظة التاريخية المعنية 0

    وجمال الذين عندما كان يهيء المسلمين ويستحمسهم لمقاومة الاستعمار في كل من مصر وفارس والهند وإستانبول ، أنما كان يصنع ذلك في ظروف تدفق موجات الغزو الاستعماري على ديارنا في كل هذه الأقطار ، وفي مثل هذه اللحظات فإن الخيار الوحيد المجدي هو الاحتشاد والتجمع للمقاومة وقد ساهم محمد عبده بقدر في هذا العمل عندما نشط مع أستاذه جمال الدين الأفغاني وقتها0

    ولكن لا شك أن جهد الرجلين لم يكن متماثلا ، وكان تركيب كل منهم النفسي والوجداني والفكري متلائما مع المهمة التي قام بها ، جمال الدين في مقاومة الاستعمار ، ومحمد عبده في مقاومة القابلية للاستعمار وقد بدأ محمد عبده نشاطه الذي تميز به بعد إتمام احتلال الإنجليز لمصر في 1882 ، وقد ابعد عن مصر سنوات ثم عاد بعد أن تمكن منها الاحتلال البريطاني ولم يعد من بين الخيارات المطروحة في التسعينات من القرن التاسع عشر ، أن تحشد القوى لطرد الاحتلال ، ولم يعد ثمة خيار غير العمل الدائب لمقاومة القابلية للاستعمار ، ومن هنا جاءت جدوى ما صنع محمد عبده وقد اعتنى ما رآه من ازدواج يفصم الحياة الاجتماعية ، وتبدت أهم ظواهره في مجال القانون والتشريع ومحال التعليم ، وهنا صارت دعوة الاجتهاد والتجديد لصيغة يهدف تفتيق الفكر الإسلامي وفقهه ليستجيب لمطالب النهوض والصحوة وليلتئم الصدع الحادث في مؤسسات المجتمع فيمكن القضاء على الازدواج الحادث في المؤسسات0

    وصار محمد رشيد رضا امتدادا لدعوة محمد عبده خلال الثلاثين عاما التي أعقبت وفاة محمد عبده في 1905 إلا أنه امتداد له تميزه وتنوعه واستجابته للأوضاع المتغيرة على مدى هذه السنين ، فقد صارت اجتهاداته أكثر اتصالا بفكر ابن تيمية ، ومن ثم قويت الآصرة من بعد بين حركة التجديد الفقهي وبين التوجه السلفي 0 وكان لهذه الآصرة أثر عميق في تحقيق الملاءمة بين الأصالة الشرعية وبين استشراف أوضاع الواقع المعيشي كما كان السيد محمد رشد رضا أوغل في السياسات العلمية ، سواء العربية أو الإسلامية ، من الأمام محمد عبده واكتمل لديه منهج التفسير المحدد للقرآن مع الربط بين قضايا الفقه وقضايا السياسة ، ذلك لأنه عاصر من الأحداث التالية لمحمد عبده ما كان يحتاج لهذا الانشغال بهذه السياسات الوطنية ، مثل تصفية الدولة العثمانية وتقسيم الشام والعراق بين الإنجليز والفرنسيين وظهور الصهيونية0

    في بداية القرن العشرين ، كانت الحركة الوطنية في بلادنا مرتبطة بالإسلام لا تكاد تنفصل وكانت شعوبنا العربية الإسلامية ـ وهي تقاوم الاستعمار ـ إنما تنهض تحت راية الإسلام وتتجمع تحت جناحيه وتكافح به الاحتلال الأجنبي وظلم الاستبداد ومن ذلك حركات الجزائري في الجزائر والخطابي في المغرب والسنوسي في ليبيا والمهدي في السودان وابن عبد الوهاب في الجزيرة ، وحتى حركة مصطفى كامل في مصر تنتمي إلى هذا الاتجاه الذي لا يفرق بين الإسلام وبين حركات مقاومة الاحتلال والاستبداد ولم تكن التكوينات الثقافية والاجتماعية المتأثرة بالفكر الغربي ، لم تكن تتجاوز بعض النخب السياسية من كبار رجالات المجتمع ذوي المناصب الكبيرة ، ولكن ما لبثت هذه التكوينات أن اتسعت وتكاثر ناسها ، بسبب نظام التعليم الحديث الذي لم يكتف بإدخال العلوم الحديثة في الصنائع وفنونها كالفيزياء والكيمياء وغيرهما ، ولم يكتف بإدخال اللغات الأوربية ، ولكنه نظام أسس على نمط علماني بفصل علوم الدين عن علوم الدنيا وهموم على أساس من فلسفات الغرب ، والسبب الثاني يتعلق بانتشار الفكر الأوربي الفلسفي والاجتماعي ونظرياته بين صفوة المثقفين المتخرجين من هذه المدارس أو من المبعوثين إلى الخارج ، ثم هناك سبب ثالث يتعلق بوجود المجلات الشهرية والكتب التي بدأت تظهر لتروج لهذه الأفكار وتقييم قواعد احلال فكري ونظري تعارض أسس الفكر الإسلامي التقليدي0

    ولم نكد تنتهي الحرب العالمية الأولى (1814 ـ1818) حتى كانت الدول العثمانية قد صفيت : وحل محلها دولة تركيا الحديثة التي ألغت الخلافة الإسلامية واتخذت إجراءات بالغة الحدة لتصفية كل اثر للإسلام في تلك الديار ، كنظام للحياة وأساس للشريعة الاجتماعية والسياسية فيها ، وكان لذلك وقع الصدمة الشديدة على المسلمين في العالم أجمع ، لا ألما من ذهاب دولة بني عثمان ولكن ألما من تلك الظروف التي نقضت عقد المسلمين وشتت شملهم ، فلم يعودوا يرون جهة أو هيئة يتجهون إليها كجامع لهم ، وفي الوقت نفسه احتلت القوات الأوربية ما كان لم يحتل بعد من أرض العرب والمسلمين ، واقتسموا فيما بينهم ، وخاصة أرض الشام والعراق كما سبقت الاشارة0

    وفي هذا الوقت ظهر عديد من الحركات الوطنية في العالم الإسلامي كمصر وفي غيره كالصين والهند ، وكذلك حركات المقاومة في البلاد حديثة العهد بالاحتلال كسوريا والعراق ، كانت القوى الأساسية التي قادت هذه الحركات من أبناء المؤسسات الحديثة في التعليم وممن تربوا على أسس علمانية بعيدة عن المؤسسات الدينية التقليدية0

    وقد تكاتفت هذه العوامل لتضع الحركات من أبناء المؤسسات الحديثة في التعليم وممن تربوا على أسس علمانية بعيدة عن المؤسسات الدينية التقليدية وقد تكاتفت هذه العوامل لتضع الحركات الوطنية التي ظهرت في هذه المرحلة الوطنية التي ظهرت في هذه المرحلة ، بصورة علمانية ، فهي تعمل على إجلاء المحتل وتطالب بالاستقلال السياسي ، ولكنها ترسم لمستقبل بلادها صورا مستمدة من أنماط النظم الاجتماعية السائدة في الغرب وتستهدف بناء نظم وضعية بعيدة عن الفكر الديني وعن أصول الشرعية الدينية0

    في البداية اندمج التوجه الإسلامي ورجاله في هذه الحركات بحسبان أن مقاومة الناصب الأجنبي أولى في الاعتبار ، وأن إجلاءه يقيد القوى الوطنية كلها ، وإن المتتبع للحركات الوطنية في هذه المرحلة ، من بداية العشرينات من القرن العشرين ، يلحظ إتصالا قويا للعناصر ذات التوجه الإسلامي بهذه الحركات ومشاركة فعالة فيها0

    ولكن مع نهاية العشرينات بدأ أن الفكر العلماني يعمل بإصرار على أن يسيطر على أوضاع المجتمع كلها ، وأن يصوغ المؤسسات الاجتماعية والفكرية ومؤسسات الدولة بطابعه ، ويعمل على أن يفصل الإسلام عن أوضاع المجتمع لينشيء نظاما علمانيا صرفا ويكمل النظام العلماني الذي كان بدأ مع نهايات القرن التاسع عشر ، وبدأت دعوة صريحة جهيدة تطالب بتنحية الإسلام عن نظم الحياة كافة0

    وفي الوقت نفسه تحررت حركات التبشير المسيحي الأوربية والأمريكية من خوفها إزاء المسلمين ، كانت هذه الحركات قد وفدت إلى أقطارنا منذ منتصف القرن التاسع عشر ، وكانت وقتها تنشط بين المسيحيين الشرقيين من مواطنينا ، سعيا لأن تبني لها قواعد بشرية مواليه لها ، وقد أثار ذلك المسيحيين الشرقيين وحفزهم لمقاومة هذا النشاط ، ولم تكن هذه البعثات في ذلك الوقت تجرؤ على أن تقترب بنشاطها من المسلمين ، هذا البحر الواسع الذي إذا هاج فقد يبتلع تلك البعثات في قراره السحيق ويزيد المسلمين غضبا وحدة في مقاومتهم أي نفوذ غربي0

    ولكن تغير هذا الموقف بعد الحرب العالمية الأولى ، إذ انتقص عقد الخلافة الإسلامية ونشأت نظم علمانية في بلادنا وتبنت قيادات دولنا وقيادات حركاتنا الوطنية هذه النظم الوافدة ، وبات الإسلام مجردا من سيفه بعيدا عن سياسة الحكومات وكل ذلك شجع حركات التبشير أن تعمل بين المسلمين وانعكس ذلك في مؤتمر المبشرين بالقدس 1924 الذي ارتفع فيه شعار "تنصير العالم في جيل واحد"

    وقد قوبل هذا النشاط بصدود شديد من المسلمين ، وإن الأفراد المعدودين القليلين جدا الذين استجابوا لبعثات التبشير بسبب يتم أو مرض ، سواء في مصر أو في بلاد الشام أو في تركيا ، هذه الحالات المحدودة قد أقامت أعاصير احتجاج بين المسلمين وحفزت روح المقاومة في الجسد الإسلامي الكبير0

    ورغم هذه الصحوة للروح الإسلامية ، سياسات الصهاينة اليهود في أرض فلسطين وفلسطين أرض القدس والمسجد الأقصى ، وهي أن اهاجت الحس العربي فإنها تثير معه وأقوى الحس الإسلامي ، تجاه بلد فيه أولى القبلتين وثالث الحرمين التي يشد إليها الرحال ، وفيها معراج البراق ثم هناك أيضا رد الفعل الإسلامي إزاء ما اتخذته السلطات الفرنسية في المغرب العربي من إجراءات لعزل البربر المغاربة عن الإسلام وإبعادهم عن أحكام الشريعة الإسلامية 0

    في هذه الظروف ، واستجابة لها ظهر الشيخ حسن النبا بحركة الإخوان المسلمين في مصر عام 1928 ، لقد سبقت جمعية الشبان المسلمين (1927) ظهور الإخوان ، وقام عديد من رجالات الدعوة الإسلامية بدورهم من قبل ، ولكن حسن البنا وجماعته وجماعته كانا هما الاستجابة الأكثر وضوحا والأكثر تبلورا لمتطلبات الحركة الإسلامية في ذلك الوقت0

    والنبا والإخوان ليسوا فكرا فقط ولكنهم حركة وموقف ، وأساسهم فكرا وحركة وموقفا هو "شمولية الإسلام" أي الدعوة للإسلام الشامل لكل أوضاع الكون والمجتمع والفرد ، وللإسلام الجامع لكل أطراف الحياة المهيمن على كل أحوال البشر عقيدة وشريعة وسلوكا ، وبالعقيدة تتحدد للإنسان نظرته إلى الكون وموقعه فيه ، وبالشريعة تتحد له نظرته للمجتمع وموقع الفرد بين الجماعة والتوازن الواجب بين الحقوق والواجبات بين الناس وبالسلوك تتحدد له أسس نظرته إلى غيره من الأفراد والجماعات وأساليب تعامله مع غيره وتكوينه الوجداني0

    أن التأكيد على هذا المعنى الشامل هو ما به تمثلت الاستجابة الإسلامية الصحيحة التي تطلبها الواقع ، عندما اتجهت حركة المجتمع إلى إضمار الإسلام وحصره في نطاق العلاقة الباطنية بين الفرد وربه ، وعندما ظهرت العلمانية لتقيد الإسلام في حدود العبادات وتعمل على إقصائه عن أن يكون مهيمنا على نظام المجتمع وحاكما لعلاقاته0

    أن ذلك لا يعني أن الدعوة كانت رد فعل الواقع معين فقط ، ولكنه يعني أن أي كيان حي وكبير كالإسلام ، عندما يلقى تحديا لأي من جوانبه أو عناصره وخصائصه الأساسية ، إنما يبرز لهذا الوجه من وجوه التحدي كل طاقته ويحشد كل قوته لمواجهة التحدي في هذه الزاوية أو الجانب الذي وقع فيه الخلل ، كشأن جسم الإنسان عندما يركز كل قوته لمواجهة آثار الإصابة الموجه إليه في الجانب المصاب ، وشبيه لذلك مثلا حركات الاستقلال الوطني التي انتشرت في بلادنا مع الاحتلال الأجنبي لهذه الأوطان ، لم تكن رد فعل بالمعنى السلبي للكلمة ، ولكنها كانت استجابة لوجود التحدي التي تواجهها الجماعة والجوانب الخلل التي تعاني منها ، فشمول الإسلام خاصة أصلية فيه وهي ملاصقة له لا تبارحه ، أولا يمس الإسلام إسلاما بغيرها وهي تتأكد في مواجهة من ينكرها0

    وبما يستق مع هذه النظرة لشمول الإسلام ، اندمج فكر الجماعة في عملها ونشاطها الحركي ، والدعوة ليست عرضا لفكرة والدفاع عنها ، ولكنها تنظيم ونشاطها الحركي ، والدعوة ليست عرضا لفكرة والدفاع عنها ، ولكنها تنظيم يجمع الناس وينتظمهم في شعب ويأخذهم بالتعليم والتربية الدينية والسياسية كما أن التكوين الفكري الوجداني للجماعة قام مزيجا من علوم الإسلام التي تدرس بالأزهر ، ومن القدر الموفق من وجدانيات الصوفية في العبارة وربط الفرد بالجماعة كتنظيم ، ومن وطنيات الحركات السياسية التي تنادي بالاستقلال السياسي والنهوض به وخاصة الحزب الوطني 0

    لقد أرسى الأفغاني فكرة الإسلام المجاهد ، وأضاف محمد عبده فكرة التجديد في الفقه والتفسير ، وأضاف محمد رشيد رضا الربط بين التجديد والسلفية والتفاعل مع السياسات الوطنية ، وأضاف حسن النبا شمولية الإسلام والترابط الوثيق بين العقيدة والشريعة والسياسة ، وبين الفكر والتنظيم الحركي ، ومزج بين فكريات فقه الأزهر ووجدانيات الصوفية ووطنيات الحزب الوطني 0

    وهذا في تقديري هي الأسس العامة التي تكون هيكل الفكر السياسي الإسلامي في تاريخنا المعاصر ، وهي جوانب ذات ثبات نسبي في الفكر الإسلامي المعاصر ، تراكمت عبر مرحلة ممتده من الربع الأخير من القرن التاسع عشر حتى النصف الأول من القرن العشرين ، وقد شارك فيها كثيرون من المفكرين والدعاة والعاملين لنصرة الإسلام ولكننا هنا نحدد ملامح عامة ونتكلم عن أوضح الرموز في بيان تلك الخطوط العامة0

    وأهم الدلالات التي يمكن استخراجها من العرض السابق تتعلق بالترابط بين الوضاع التاريخية التي تلابس جماعة الإسلام في وقت ما وبين نوعية الاستجابة الفكرية والسياسية لها من داخل الإسلام وعادته الفقهية ، وهذه الدلالة نستطيع أن نتبعها مع عدد من التكوينات الفكرية الإسلامية الأقل ثباتا في خصائصها وسماتها مما سبق عرضه ، ونحن نعني بذلك أن الخصائص الأكثر ثباتا في الفكر السياسي الإسلامي في هذا العصر الحديث إنما هي خصائص تستجيب للملامح الأكثر عموما التي تتسم بها هذه المرحلة الممتدة من تاريخنا المعاصر ، وهي ما يمكن تسميتها مرحلة "الاستعمار ومقاومته"0

    ففي هذا الإطار الفسيح للفكر الإسلامي السياسي ، ظهرت حركات ومجموعات فكرية ذات خصائص ثانوية وأقل ثباتا مما سبق عرضه ، وهي عند التحقيق لا تمثل نقضا ولا معارضة للخصائص العامة السابقة ، ولكنها تمثل استجابات مرحلية أو إقليمية متغيرة لحالات طارئة أو خاصة ، أو لضغوط حادة أو أوضاع غير عادية صادفت المسلمين ، وهناك ما نلحظه في حركات ودعوات مثل ما كان من سعيد النورسي في تركيا أو من جماعات التبليغ حيث ظهرت في الهند أو ما كان من فكر أبي الأعلى المودودي أو سيد قطب حيثما ظهرت وتفاعل 0 ولكل من هذه التنوعات الفكرية والسياسية خصوصيات قامت استجابة لحاجات الجماعة الإسلامية في وضع مخصوص0

    ويمكننا أن نلحظ أن هذه الدعوات جميعا ظهرت في أوضاع تاريخية وإقليمية اتسمت بحصر وتضييق على الوجد الإسلامي ، ولكنها تنوعت حسب نوع التضييق الحادث كما يظهر مما يلي أولا ، حيثما كان الحصر والتضييق يشتد ويمتد إلى أصول العقيدة الإسلامية وتنسد المنافذ أمام التعبير عن الموقف الإسلامي في شموله ويخشى على العامة من تآكل جذور العقيدة في نفوسهم بسبب المخالطات الوثنية كما في الهند أو بسبب سياسة طغيان عارم على اقتلاع الإسلام كما في تركيا الكمالية ، حيثما كان الوضع هكذا صرفت الحركة الإسلامية المعنية جهدها لتثبت العقيدة في قلوب البشر وتأكيد دعامات الإسلام في النفوس وتعتني بالأوضاع الاجتماعية المهيئة لاستقرار أوضاع المسلمين المادية والمعنوية0

    وهذا ما كان من دعوة محمد الياس الكاندهلوي الذي أنشأ جماعات التبليغ في بنية كان المسلمون فيها أقلية غير معززة ، ضعيفة محاصرة محرومة وهذا ما كان من بديع الزمان سعيد النورسي الذي واجه كل محاولات كمال أتاتورك اقتلاع أسس العقيدة نفسها من صدور الرجال ، وقد قصرت جماعات التبليغ دعواها على التعليم الحض على إقامة الفروض وترك المعاصي سواء في الهند أو حيثما وجدت خطرا يهدد هذه الأصول بسبب انتشار الثقافات الغربية الكاسحة مع الحرص على البعد عن الدعوات السياسية حرصا على حصر الخصوم وتوسيع الأنصار كما قصر النورسي حركته على المطالبة بتطبيق أصول الشريعة ومباديء الإسلام والاستمساك بأركان العقيدة وغير ذلك من الجوانب الإيمانية ، مع الحرص على تجنب ما يتعلق بالنظم الإسلامية وتأجيل الاهتمام بكل ما يتعلق بالقضايا السياسية 0

    نحن نلمح في هاتين الحركتين نوعا من الدفاع عن الخطر الأخير للإسلام خطر المحافظة على استبقاء أصل العقيدة والدفاع عن مقوماتها الأساسية0

    ثانيا ، وحيثما ارتجت أبواب التعمير عن الموقف الإسلامي من حيث هو نظام شامل ومصدر للشريعة لنظم الحياة والمجتمع ، كانت الاستجابة داعية للمفاصلة مع النظم السائدة وهذا ما نلحظه في فكر المودودي وقطب وبوجه خاص في فكر سيد قطب0

    ونحن عندما نتحدث عن فكر سيد قطب إنما نقصد بوجه خاص ما انتج هذا الفكر في الخمسينات والستينات دون ما صدر له من أعمال قبل ذلك فإن ما يميز هذا الفكر في هذا المقام كان له أثر خاص في تاريخ الفكر والحركات السياسية الإسلامية الحاضرة ، هو ما ورد في الصياغة الخيرة لتفسيره "في ظلال القرآن" وفي كتابه الذي شعر بخطره أنصاره وخصومه على السواء "معالم في الطريق" 0

    في الخمسينات والستينات كانت الحركة الإسلامية مضروبة في رجالها وتنظيماتها ، وكان الفكر السياسي الإسلامي مستعدا عن المشاركة في تجديد المفاهيم السياسية والاجتماعية ورسم السياسات ، ورغم كل تحفظات قيادة الدولة في مصر وحذرها مما أسمته "استيراد الأفكار" وحرصها وحرص دعاتها على الترويج لما أسمى بالنظم المنبثقة عن واقع المجتمع وتاريخه ، رغم ذلك فقد غلب الطابع العلماني في صياغة مجمل الأفكار والمؤسسات والنظم ورؤى المستقبل ، واكتسب "المثال" الغربي قدرا كبيرا من السيادة في القيم السياسية وفي العادات وأساليب العيش ، وفي هذه الظروف ظهر من تحت الرماد وميض ما عرف بفكر سيد قطب0

    كان قطب يؤكد على مقهوم الحاكمية لله وحده ، في جميع مجالات حياة البشر ، ويؤكد أن عقيدة الإسلام لا تتحقق بمجرد القيام بالعبادات ، لأن طاعة الله مطلوبة في شؤون الحياة كافة ، والصلاة لا تؤدي وظيفتها إذا لم تنه عن الفواحش ، والتشريع لا ينفصل عن الإيمان والشريعة لا تنفصل عن ذكر الله0

    إن مجمل هذه الأفكار سائد في الفكر الإسلامي بعامة ، ولكن سيد قطب أقام هذا الفكر على نهج فاصل وفارق ، فهو فيما يؤكد عليه لا يتعامل مع الأفكار المغايرة ولا يقيم معها جسورا ولا يتوجه إليها بحوار ، فهو فكر صيغ على وجه يهدف إلى المجانبة وليس إلى الانتشار ، وقطب يبدأ بمقولة صحيحة لا ينكرها مسلم وهي أن الحكم لله وحده ، ولكنه يستخلص من ذلك أن كل تشريع وأي قانون نضعه إنما يتضمن معنى الشرك بالله سبحانه ، ومن ثم فهو مسلك جاهلي واعتبر دعوته إنما تقوم لإنشاء الدين إنشاء أي أنها دعوة لاعتناق عقيدة الإسلام ، حتى لو كانت بين قوم يدعون انهم مسلمون ، واعتبر موضوع التجديد في الفقه الإسلامي موضوعا مرجأ لأن شرط التجديد أن يوجد الإسلام اولا0

    لا صعوبة في بيان وجوه المغالاة في هذا الفكر الذي يحصر المسلمين في نطاق "طليعة" محدودة ويحسر هذا الوصف عن جمهور الأمة المطلوب إنشاء الدين فيها إنشاء على أننا لا نريد هنا أن نحاكم فكرا ، ولا يكفينا أن نصف أي فكر أو حركة بالاعتدال أو التطرف ونسكت ، إنما علينا أن نتساءل لماذا يظهر نهج فكري وحركي معين ولماذا ينمو أو يخبو ثم علينا أن نعرف أن الاعتدال والتطرف هما حكمان ينسبان إلى ظروف معين أو وضع خاص ، وأن الفكرة الواحدة يتغير وصفها ومؤداها من حيث التطرف أو الاعتدال بتغير الظروف الذي تعمل فيه ، لأن الحكم يتعلق في صميمه بمدى الملاءمة مع واقع الحال بل أكاد أقول أن وجهي التطرف والاعتدال قد يكونان نافعين في الظرف التاريخي الواحد ، وذلك إذا توجه كل منها إلى ما يسر له ، ونحن هنا بصدد الحديث عن فكر وحركة سياسية ، وفي السياسة يتوقف النجاح على حسن أعمال كل من سلاحي التشدد والتهاون ، كل في مجاله وفي ظرفه 0

    نحن لا نحاول أن نجري تلفيقا بين فكرين ، ولكننا نحاول أن نفهم وظيفة كل صيغة فكرية في إطار أوضاعها وما يلابسها وخطأ المدارس الفكرية في علاقاتها مع بعضها البعض أن كلا منها لا يدرك وظيفة الأخريات في جوانب معينة من واقع الحال ، فهي تتضارب بدلا من أن تتعاون ، وهي تضع مقاييس الحكم على أساس من الصواب أو الخطأ المطلقين ، رغم أن المعيار هنا نسبي يقاس بملاءمة الاستجابة للأوضاع القائمة ، وما قد تقتضيه أحيانا من تعدد الأدوار 0

    أن سيد قطب صاحب فكر يختلف كثيرا عن فكر حسن البنا رحمهما الله ولكن الأمر لا يقوم بالمقارنة بموازين مطلقة ، إنما يجري وصف كل فكر وظروف إعماله وفكر حسن البنا لمن يطالعه فكر انتشار وذيوع وارتباط بالناس بعامة ، وهو فكر تجميع وتوثيق للعرى ، وفكر سيد قطب فكر مجانبة ومفاصله وفكر امتناع عن الآخرين ، فكر البنا يزرع أرضا وينثر حبا ويسقي شجرا وينتشر مع الشمس والهواء ، وفكر قطب يحفر خندقا ويني قلاعا ممتنعة عالية الأسوار والفرق بينهما هو الفرق بين السلم والحرب0

    لقد نشأت جماعة الإخوان كتنظيم علني منشور ، ثم ما لبث أن ظهر بداخلها ما عرف باسم "النظام الخاص" وهو تنظيم أكثر إحكاما وأوثق رباط يمثل كتيبة صدام ، عندما تظهر الحاجة لكتائب الصدام ، سيما أن البلاد كانت محتلة ولكن وجود التنظيمين في بردة واحدة لم يكن له أن يبقى طويلا لأن لكل من التنظيمين تكوينه المتميز والوسط الملائم ، الذي يحيا فيه ، من حيث اختيار الرجال والعلاقات التنظيمية وأدوات العمل ووجوه العطاء المطلوب والمبذول 0

    والمفروض أن يكون لكل منهما فكر أو "فقه" يلائم وظيفته ، الانتشار أو الصدام ، والفكر هو ماء الحياة ، وماء الحياة الذي يلزم لجماعة مفتوحة تعمل لنشر دعوة بين العامة ، ليس هو ماء الحياة الذي يلزم لجماعة أعدت نفسها كتيبة صدام وعضلة امتناع ومحاربة وليس الفكر اللازم لبناء مجلس نيابي هو عينة الفكر اللازم لبناء جيش مقاتل ، ولا الرجال هم هم ، ولا علاقات العمل ومستويات النظم هي ، هي لذلك فقد حدث بين نظامي جماعة الإخوان ما عرفنا عن وقائع الحركة الإسلامية في نهايات الأربعينات وبدايات الخمسينات0

    لم يكن سيد قطب في ذلك الوقت من رجال المغالاة في الفكر السياسي الإسلامي ، ولم يعرف "النظام الخاص" ولكن ظروف الخمسينات والستينات من بعد ، والأوضاع التي خضعت لها تجربته الفكرية ولملكاته الوجدانية والعقلية ، كل ذلك اجتمع ليخرج من يراع هذا الرجل جوهر الفكرة الأساسية التي تقوم عليها كتائب الصدام ، وقدم الرجل حياته ثمنا لهذا الصنيع0

    وقد تبلور فكران ، فكر الانتشار وفكر الصدام ، وقام كل على ساقه ليؤدي الوظيفة التي ترشحها له الظروف في كل حال وتنميها الأوضاع في كل آن ، ونحن لا نقول أن الإسلام أفضل ولا أن الحرب أوجب ، هكذا على نحو مطلق ، إنما الأفضلية والأولوية بينهما تكون مسنوبة إلى ظروف الحال وهكذا الحال في الفكر الذي يغذي أيا من النشاطين ، وأن الواقع الحي يعلمنا أنه لا سلام إلا مع القدرة على الحرب ، فكلا العنصرين مطلوب في الوقت عينه ، وكلاهما يغذي الآخر ويتغذى به ، شريطة أن يعرف كل منهما مجاله ومحال غيره وشريطة أن نعرف القدر المناسب من كل منهما لعلاج الأوضاع العينية في كل عصر ومصر 0

    قصدت بهذا العرض التاريخي للملامح العامة للفكر السياسي الإسلامي في العصر الحديث ، أن أوضح عددا من الأمور أرجو أن أكون جلوتها بعض الجلاء من ذلك أن هذا الفكر كما يتراءى لنا الآن هو حصيلة استجابات تاريخية لهذه المرحلة من حياة جماعة المسلمين ، وأنه محصلة تراكمت عناصرها لبنة ، لبنة بواسطة عدد غير محصور من رجال الفكر والسياسة الإسلامية في عصرنا ، ومنعا أن الخلافات بين الاتجاهات المختلفة إنما هي خلافات تحسمها الحاجة التاريخية والاجتماعية للأمة الإسلامية في كل حال ، وأن الحاسم في الحكم على الجوانب الإيجابية لكل اتجاه إنما يتعلق بمدى الاستجابة للشكل الأساسي الذي يطبع عصرنا كله ، وهو مشكل التعبئة ومطلب التحرر الإسلامي من هذه التعبئة للأجنبي ، وهذا ما يحدد وجوه التحديد ووجوه المحافظة وأنماط الوحدة والتنوع وأساليب الاعتدال والغلو وملاءمات كل وجه من وجوه النشاط 0

    وأن إيجابيات الاتجاهات المختلفة المختبرة وفقا لما سبق يمكن أن يغذي بعضها بعضا لتتراكم في إدراك الأمة كأدوار متنوعة في نسق واحد منتظم وأن التنوع مطلوب والكثرية نافعة متى أمكن نظم وظائفها لتجيب على الوجوه المتباينة للواقع الحال بتعقيداته وتنوعاته فيعين بعضها بعضا ويصوب بعضها بعض بغير تناف 0

    وإن الظرف التاريخي وأوضاع التحدي التي تقوم أمام الجماعة هي ما تولد أسلوب المواجهة للدفاع عن الإسلام والنهوض بالأمة الإسلامية بوصفها كيانا حيا وهي التي تحدد وسائل الدفاع وأدواته ، ونحن نحتاج في كل ذلك إلى قدر مقور من الوحدة مع التنوع بدرجة لا يجلوها إلا التفاعل مع المواقع المعين0

    * من مواليد أول نوفمبر 1933 ، وتخرج في كلية الحقوق بجامعة القاهرة في مايو سنة 1953 ، بعد تخرجه عمل في مجلس الدولة المصري ، وهو هيئة قضائية تفصل في المنازعات التي تقوم بين الأفراد وبين الدولة أو أي من وزاراتها ومصالحها ، والمجلس يقوم أيضا بمهمة الإفتاء لجهات الحكومة وهيئاتها ومراجعة مشروعات القوانين0

    · له عدد من الكتب والبحوث في التاريخ المصري والتاريخ العربي الإسلامي في المرحلة المعاصرة منذ نهايات القرن الثامن عشر حتى الآن ، مع اهتمام خاص بالحركات السياسية التي نشأت في هذه المرحلة وبالتيارات الفكرية والسياسية0

    · له عدد عن الكتب من الحركات السياسية الشعبية في مصر بعد انتهاء الحرب العالمية الثانية ، وعن الأقباط والمسلمون في إطار الجماعة الوطنية ، وهي دراسة عن مؤسسات الدولة والتنظيمات السياسية بالنظر إلى العلاقة بين المسلمين والأقباط من بداية القرن التاسع عشر حتى الآن ، ومجموعة دراسات وكتب عن النظام السياسي ونظام الدولة من بدايات القرن العشرين من حيث مدى الآثار المتبادلة بين التكوينات التنظيمية لمؤسسات الدولة والأهداف والمشاكل التاريخية والسياسية والاجتماعية خلال هذه الفترة0

    · وثمة دراسات في الفكر السياسي عن الإسلام والعروبة ، وعن الأوضاع التاريخية والسياسية التي أفضت إلى إزاحة الشرعية الإسلامية عن موقعها المهيمن على الشرعية في المجتمع الإسلامي0

    · وذلك فضلا عن دراسات تحت النشر عن مناهج الثبات والتغير في فقه الشريعة الإسلامية ، وعن مؤسسات الحكم في الفقه الإسلامي وفي النظم الغربية 0

      الوقت/التاريخ الآن هو السبت ديسمبر 03, 2016 10:39 am