ثمار الأوراق

ثمار الأوراق

(ثمار الأوراق) : منتدى إسلامي / تعليمي / دعوي على عقيدة (أهل السنة و الجماعة) ، يهتم بنشر العلم الشرعي و العربية و التاريخ الإسلامي و كل ما ينفع المسلم


    علم الكلام - علم التوحيد

    شاطر

    أحمد
    إدارة ثمار الأوراق
    إدارة ثمار الأوراق

    عدد الرسائل : 16657
    الموقع : القاهرة
    نقاط : 38587
    تاريخ التسجيل : 17/09/2008

    علم الكلام - علم التوحيد

    مُساهمة من طرف أحمد في الإثنين مايو 13, 2013 12:31 am

    تعريف علم الكلام

    علينا أن نعرف بعلم الكلام لأنه الموضوع الأساسي لهذه المحاضرة، وذلك لما لتصور التعريف وما يلزم عنه من فائدة في بيان تأثير علم الكلام في الفكر الإسلامي.
    توجد عدة تعريفات لعلم الكلام، تختلف في ظاهرها في المفهوم المأخوذ منها، ولكنها في حقيقتها ترجع إلى حقيقة واحدة.
    قال العلامة السمرقندي في الصحائف ص59:"فإن العلوم وإن تنوع أقسامها لكن أشرفها مرتبة وأعلاها منزلة هو العلم الإلهي الباحث بالبراهين القاطعة والحجج الساطعة عن أحوال الألوهية وأسرار الربوبية التي هي المطالب العليا والمقاصد القصوى من العلوم الحقيقية، والمعارف اليقينية إذ بها يتوصل إلى معرفة ذات الله تعالى وصفاته، وتصور صنعه ومصنوعاته ، وهو مع ذلك مشتمل على أبحاث شريفة ونكات لطيفة بها تستعد النفس لتحقيق الحقائق، وتستبد بتدقيق الدقائق."اهـ
    وقد أكثر العلماء من وصف جليل منزلة هذا العلم الشريف حتى جعلوه في أعلى من مرتبة من العلوم الإسلامية، وحق لهم ذلك.
    ومن هذه التعريفات

    ما قاله العلامة السمرقندي في الصحائف ص65:"لما كان علم الكلام نفسه يبحث عن ذات الله تعالى وصفاته وأسمائه، وعن أحوال الممكنات والأنبياء والأولياء والأئمة والمطيعين والعاصين، وغيرهم في الدنيا والأخرى، ويمتاز عن العلم الإلهي المشارك له في هذه الأبحاث بكونه على طريقة هذه الشريعة، فحده: إنه علم يبحث فيه عن ذات الله تعالى وصفاته، وأحوال الممكنات في المبدأ والمعاد على قانون الإسلام.
    وعلم من ذلك: أن بحثنا فيه إنما يقع عن أعراض ذاتية لذات الله تعالى من حيث هي، وأعراض ذاتية لذات الممكنات من حيث هي محتاجة إلى الله تعالى.
    فيكون موضوعه: ذات الله تعالى من حيث هي، وذات الممكنات من حيث إنها في ربقة الحاجة. لما علم أن موضوع كل علم ما يبحث فيه عن عوارضه الذاتية، أي التي يكون منشؤها الذات."اهـ

    ومن أحسن النصوص التي تبين فائدة وحقيقة علم الكلام ما قرره الإمام التفتازاني في شرح العقائد النسفية، قال:" اعلم أن الأحكام الشرعية منها ما يتعلق بكيفية العمل، وتسمى فرعية، ومنها ما يتعلق بالاعتقاد وتسمى أصلية واعتقادية .
    والعلم المتعلق بالأولى يسمى علم الشرائع والأحكام، لما أنها لا تستفاد إلا من جهة الشرع، ولا يسبق الفهم عند الإطلاق إلا إليها .
    وبالثانية: علم التوحيد والصفات، لما أن ذلك أشهر مباحثه وأشرف مقاصده .
    وقد كان الأوائل من الصحابة والتابعين رضوان الله عليهم أجمعين، لصفاء عقائدهم ببركة صحبة النبي عليه السلام وقرب العهد بزمانه، ولقلة الوقائع والاختلافات، وتمكنهم من المراجعة إلى الثقات، مستغنين عن تدوين العلمين وترتيبهما أبواباً وفصولاً، وتقرير مباحثهما فروعاً وأصولاً .
    إلى أن حدثت الفتن بين المسلمين، وغلب البغي على أئمة الدين، وظهر اختلاف الآراء والميل إلى البدع والأهواء، وكثرت الفتاوى والواقعات والرجوع إلى العلماء في المهمات، فاشتغلوا بالنظر والاستدلال والاجتهاد والاستنباط وتمهيد القواعد والأصول، وترتيب الأبواب والفصول، وتكثير المسائل بأدلتها وإيراد الشبه بأجوبتها، وتعيين الأوضاع والاصطلاحات، وتبيين المذاهب والاختلافات .
    وسموا ما يفيد معرفة الأحكام العملية عن أدلتها التفصيلية بالفقه .
    ومعرفة أحوال الأدلة إجمالاً في إفادتها الأحكام بأصول الفقه .
    ومعرفة العقائد عن أدلتها بالكلام، لأن عنوان مباحثه كان قولهم: الكلام في كذا وكذا .
    ولأن مسألة الكلام كان أشهر مباحثه وأكثرها نزاعاً وجدالاً، حتى إن بعض المتغلبة قتل كثيراً من أهل الحق لعدم قولهم بخلق القرآن .
    ولأنه يورث القدرة على الكلام في تحقيق الشرعيات وإلزام الخصوم، كالمنطق للفلسفة .
    ولأنه أول ما يجب من العلوم التي إنما تعلم وتتعلم بالكلام، فأطلق عليه هذا الاسم لذلك، ثم خص به، ولم يطلق على غيره تمييزاً .
    ولأنه إنما يتحقق بالمباحثة وإدارة الكلام من الجانبين وغيره قد يتحقق بالتأمل ومطالعة الكتب .
    ولأنه أكثر العلوم خلافاً ونزاعاً، فيشتد افتقاره إلى الكلام مع المخالفين والرد عليهم .
    ولأنه لقوة أدلته صار كأنه هو الكلام دون ما عداه من العلوم، كما يقال للأقوى من الكلامين: هذا هو الكلام .
    ولأنه لابتنائه على الأدلة القطعية المؤيد أكثرها بالأدلة السمعية أشد العلوم تأثيراً في القلب وتغلغلاً فيه، فسمي بالكلام المشتق من الكلم وهو الجرح، وهذا هو كلام القدماء .
    ومعظم خلافياته مع الفرق الإسلامية خصوصاً المعتزلة، لأنهم أول فرقة أسسوا قواعد الخلاف لما ورد به ظاهر السنة وجرى عليه جماعة الصحابة رضوان الله عليهم أجمعين في باب العقائد .
    وذلك أن رئيسهم واصل بن عطاء اعتزل مجلس الحسن البصري رحمه الله يقرر ××× أن مرتكب الكبيرة ليس بمؤمن ولا كافر ويثبت المنزلة بين المنزلتين، فقال الحسن: قد اعتزل عنا، فسموا المعتزلة، وهم سموا أنفسهم أصحاب العدل والتوحيد، لقولهم بوجوب ثواب المطيع وعقاب العاصي على الله ونفي الصفات القديمة عنه .
    ثم إنهم توغلوا في علم الكلام وتشبثوا بأذيال الفلاسفة في كثير من الأصول، وشاع مذهبهم فيما بين الناس إلى أن قال الشيخ أبو الحسن الأشعري لأستاذه أبي علي الجبائي: ما تقول في ثلاثة أخوة، مات أحدهم مطيعاً والآخر عاصياً والثالث صغيراً ؟
    فقال: إن الأول يثاب بالجنة، والثاني يعاقب بالنار، والثالث لا يثاب ولا يعاقب .
    قال الأشعري: فإن قال الثالث: يا رب أمتني صغيراً وما أبقيتني إلى أن أكبر فأومن بك وأطيعك فأدخل الجنة !! ماذا يقول الرب تعالى .
    فقال: يقول الرب: إني كنت أعلم أنك لو كبرت لعصيت فدخلت النار، فكان الأصلح لك أن تموت صغيراً .
    قال الأشعري: فإن قال الثاني: يا رب لم لم تمتني صغيراً لئلا أعصي فلا أدخل النار ؟! فماذا يقول الرب ؟
    فبهت الجبائي، وترك الأشعري مذهبه واشتغل هو ومن تبعه بإبطال رأي المعتزلة وإثبات ما ورد به السنة ومضى عليه الجماعة، فسموا أهل السنة والجماعة .
    ثم لما نقلت الفلسفة إلى العربية وخاض فيها الإسلاميون حاولوا الرد على الفلاسفة فيما خالفوا فيه الشريعة، فخلطوا بالكلام كثيراً من الفلسفة ليتحققوا مقاصدها، فيتمكنوا من إبطالها، وهلم جرا، إلى أن أدرجوا فيه معظم الطبيعيات والإلهيات، وخاضوا في الرياضيات، حتى كاد لا يتميز عن الفلسفة لولا اشتماله على السمعيات، وهذا هو كلام المتأخرين .
    وبالجملة هو أشرف العلوم، لكونه أساس الأحكام الشرعية ورئيس العلوم الدينية، وكون معلوماته العقائد الإسلامية، وغايته الفوز بالسعادات الدينية والدنيوية، وبراهينه الحجج القطعية المؤيد أكثرها بالأدلة السمعية .
    وما نقل عن بعض السلف من الطعن فيه والمنع عنه فإنما هو للمتعصب في الدين والقاصر عن تحصيل اليقين، والقاصد إفساد عقائد المسلمين، والخائض فيما لا يفتقر إليه من غوامض المتفلسفين .
    وإلا فكيف يتصور المنع عما هو من أصل الواجبات وأساس المشروعات ."اهـ

    ومنها ما أورده الإمام التفتازاني في تهذيب الكلام: فقال:"الكلام هو العلم بالعقائد الدينية عن الأدلة اليقينية".اهـ
    وقال العلامة العضد في المواقف مع شرحه للشريف الجرجاني:"(والكلام علم)بأمور (يقتدر معه)أي يحصل مع ذلك العلم حصولا دائميا عاديا قدرة تامة(على إثبات العقائد الدينية) على الغير وإلزامه إياها(بإيراد الحجج)عليها(ودفع الشبه) عنها، فالأول إشارة إلى إثبات المقتضي، والثاني إلى انتفاء المانع."اهـ

    تعليقات على تعريف علم الكلام:

    يؤخذ من تعريف العلماء لعلم الكلام أمور
    أولا: أن هذا العلم يبحث في أصول الدين وفروعه، ولكن من ناحية كلية، فيبحث في أصول الدين من حيث بيانها وإثباتها، ويبحث في فروع الدين من حيث تمييزها عن الأصول، ويمهد بإثبات القواعد التي لا يمكن تقرير الفروع إلا عليها.
    ثانيا: إذا صح ما قلناه، فإن لهذا العلم موقعا عظيما عاليا في العلوم الدينية، ويلزم عن ذلك أن يكون له تأثير بالغ في سائر العلوم، وذلك لأننا نعتقد أن الدين له مدخلية في أكثر العلوم البشرية، إما مباشرة أو بالعرض. وسوف يتضح ذلك زيادة وضوح فيما يأتي.

    ===================================
    منتدى الأصلين


    _________________


    قناتي على موقع يوتيوب :
    https://www.youtube.com/channel/UCm8N-tHwIFM7hPnwtLrBMpg
    مدونتي:
    https://ahmed26413.blogspot.com.eg/

    أحمد
    إدارة ثمار الأوراق
    إدارة ثمار الأوراق

    عدد الرسائل : 16657
    الموقع : القاهرة
    نقاط : 38587
    تاريخ التسجيل : 17/09/2008

    رد: علم الكلام - علم التوحيد

    مُساهمة من طرف أحمد في الإثنين مايو 13, 2013 12:31 am

    علم الكلام وأثره المنهجي في الفكر الإسلامي


    الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على سيدنا محمد أفضل الأنبياءوالمرسلين.

    أولا :تعريف العلم

    عرف العلم بتعريفات عديدة وكل تعريف منها ينبني على نظرة خاصة أو جهة معينة، ولا نريد استقصاء ذكر التعريفات هنا، ولكن نورد بعضها مما يفيدنا في هذا المقام.
    قال شريف الجرجاني في التعريفات:
    العلم هو الاعتقاد الجازم المطابق للواقع.
    وقال الحكماء: هو حصول صورة الشيء في العقل.
    والأول أخص من الثاني.
    وقيل العلم هو إدراك الشيء على ما هو به.
    وقيل: هو مستغن عن التعريف.
    وقيل العلم صفة راسخة يدرك بها الكليات والجزئيات.
    وقيل العلم وصول النفس إلى معنى الشيء.
    وقيل العلم عبارة عن إضافة مخصوصة بين العاقل والمعقول.
    وقال الملا عبدالله في شرحه على تهذيب المنطق للسعد التفتازاني:"العلم هو الصورة الحاصلة من الشيء عند العقل."
    وعلق عليه الميرزا محمد علي:وعرفه بعضهم بقبول النفس تلك الصورة. وبعضهم بحصول صورة الشيء عند العقل"
    ثم علق قائلا:"فعلى الأول من مقولة الكيف، وعلى الثاني من مقولة الانفعال، وعلى الثالث من مقولة الإضافة."
    وقال الأستاذ الشيخ محمد الكرمي:"أنا لم أجد تعريفا للعم أطرى وأحسن وألصق بالنفس من قول العلامة الشيخ عبدالهادي شليلة:
    حقيقة العلم انكشاف الواقع له من المعلوم حكم التابع
    فإن العلم الصادق ليس هو إلا انكشاف الأشياء على ما هي عليه، وكم تعتور النفس صور للأشياء تخال أنها صور واقعية وشعاع ذوات الأشياء بأنفسها، وهي في الواقع خداع وكذب."اهـ

    ويمكن لنا بعد شيء من النظر أن ندرك أن أغلب التعريفات ترجع في حقيقتها الإطلاقات التالية:
    الأول: أن يطلق العلم على المعلوم؛ أي ما نعلمه.
    الثاني: أن يطلق العلم على ما به نعلم وهو النفس أو صفتها.
    الثالث: أن يطلق العلم على الملكة الراسخة الحاصلة بعد العلم بمعلومات عديدة، فلا شك أن هناك صفة راسخة تميز الراسخ في العلوم عمن يبتدئ بطلبها.

    ونحن هنا عندما نتكلم على علم الكلام، فإننا نطلق اسم العلم على المسائل المبحوثة في ذلك العلم، وعلى الملكة الراسخة التي يتصف بها العالم بتلك المسائل، بحيث يستحق بعد ذلك اسم المتكلم. وهذا هو الشأن في سائر العلوم الأخرى.
    ما به تتميز العلوم:

    ما هو الأساس الذي يمكننا بناء عليه أن نعدد العلوم، وأن نصنف المسائل وننسب كل مسألة منها إلى علم معين دون غيره. فنقول مثلا هذه المسألة من علم الفقه، وهذه المسألة من علم الكلام، وهذه المسألة من علم التفسير، وهذه المسألة من علم الحديث، وهذه المسألة من علم الرياضيات، أو الطبيعيات، وهكذا...
    إن علماء الأصول والكلام والمنطق قدموا ثلاث نظريات رئيسية يفسرون بها تمايز العلوم. ولا مانع من أن نشير ههنا إلى أننا نقصد بالعلم :"مجموعة من المسائل تجتمع مع بعضها البعض على نحو من الأنحاء."
    النظرية الأولى: يرجع تمايز العلوم إلى الموضوع، فكل علم يتألف من قضايا ومسائل تكون محمولاتها من الأعراض الذاتية لموضوع العلم، فموضوع العلم هو في الحقيقة موضوع مسائل ذلك العلم. وبالتالي فاجتماع مجموعة من المسائل والقضايا تحت عنوان واحد، ليس راجعا إلى حالة اختيارية أو تعاقدية، وإنما يرجع هذا الاجتماع إلى علاقة تكوينية طبيعية بين محمولات القضايا(المسائل) وبين موضوعاتها، وبالتالي بين محمولات القضايا وموضوع العلم.
    النظرية الثانية: العلوم تتمايز بناء على تمايز أغراضها وغاياتها(أهدافها)، وفي هذه الحالة يكون كل علم عبارة عن مجموعة من المسائل والقضايا ذات الغرض الواحد، واختلاف العلوم باختلاف أغراضها.
    فعلم الأصول مثلا يتكون من مسائل وبحوث تنفع في استنباط الأحكام من مداركها الشرعية.
    النظرية الثالثة: تقوم على أساس مفهوم "المركب الاعتباري"، والمركب الاعتباري هو الذي لا تكون وحدة عناصره المكونة له وحدة حقيقية، وإنما هي وحدة عرضية مجازية. فوحدة الجنس والنوع وحدة حقيقية، وأما وحدة الطلاب في الصف فهي وحدة مجازية تابعة لوحدة اللحاظ أو النظر أو العرضأو ما إلى ذلك من الظروف الطارئة.
    وكل علم حسب هذه النظرية هو في الواقع مركب اعتباري، فالذي يجعل المسائل مجموعة واحدة هو الهدف والغرض الواحد المترتب عليها، ومع هذا فالعلوم تتمايز بهذه المركبات الاعتبارية وليس بأغراضها.
    وكل مركب اعتباري يتمايز عن المركب الاعتباري الآخر بشكل طبيعي، ولو كان المركب الاعتباري لعلم واحد مؤلفا من غرضين، فلا يستلزم ذلك أن يكون هذا العلم علمين اثنين متمايزين، بل يكون علما واحدا، وقد ساعد هذا المركب الاعتباري في اجتماع هذه المسائل على هذا النحو.
    وقد أشار إلى هذه النظريات العلامة الشريف الجرجاني في شرح المواقف، حيث شرح في عبارة رشيقة كيفية نشوء العلوم وتقسيماتها، ويظهر من كلامه أن الأصل في تمايز العلوم إنما هو بالموضوع، ولكنه ذكر تحقيقا في غاية الإفادة، فقال:"وهو أمر استحساني إذ لا مانع عقلا من أن تعد كل مسألة علما برأسه، وتفرد بالتعليم، ولا من أن تعد مسائل كثيرة غير متشاركة في موضوع واحد سواء كانت متناسبة من وجه آخر أو لا علما واحدا، وتفرد بالتدوين.
    واعلم أن الامتياز الحاصل للطالب بالموضوع إنما هو للمعلومات بالأصالة وللعلوم بالتبع، والحاصل بالتعريف على عكس ذلك إن كان تعريفا للعلم، وأما إن كان تعريفا للمعلوم فالفرق أنه قد لا يلاحظ الموضوع في التعريف كما في تعريف الكلام إن جعل تعريفا لمعلومه."اهـ

    ثانياً: التعريف بالدين:

    لقد صاغ العلماء للدين تعريفات عديدة، ولكن أحسن التعريفات التي رأيتها ما اشتهر عند علماء الكلام، وقد ذكره العديد منهم في كتبهم، واعتمدوه، كالإمام ابن الهمام، والشريف الجرجاني، وأكثر المتأخرين ممن هم في طبقة العلامة البيجوري والسنوسي، وكذلك من سبقهم كالكلنبوي والدواني والخواجة زاده، وغيرهم.
    الدين لغة يطلق على العادة والجزاء والمكافآت والقضاء والطاعة.
    وأما اصطلاحا وهو المقصود هنا، فهو كما ذكره صاحب دستور العلماء:"قانون سماوي سائق لذوي العقول إلى الخيرات بالذات."اهـ
    ومثَّل لهذه القوانين بالأحكام الشرعية النازلة على سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم.
    ووضع بعض العلماء المحققين كلمة مساوق بدل كلمة سائق لتدل على أن انسياق العقلاء واستجابتهم للدين إنما هي تابعة لإرادتهم وتعقلهم لأصل الوجود وما يقتضيه نظرهم الصحيح.
    وعرفه الشريف الجرجاني في تعريفاته:"الدين وضع إلهي يدعو أصحاب العقول إلى قبول ما هو عند الرسول صلى الله عليه وسلم."اهـ
    وحاصل هذا التعريف متوافق مع ما قبله.
    ولا شك أن من بديهيات الدين الإسلامي أن الخير ات التي يدل الناسَ عليها لا تتعلق بالآخرة وحدها، بل تتعلق بالدنيا، بل نستطيع أن نقول بكل صراحة أن الدين من حيث هو أوامر ونواهي، وتقييدات وتوجيهات لأفعال الإنسان، إنما يتعلق بالإنسان في حياته الدنيا، لأنه في الآخرة لا يوجد تكاليف شرعية بالوجه الذي نقصده.
    نعم إن غاية الدين في النهاية دلالة الإنسان على خيره في حياته الآخروية. ولكن المقصود أصالة إنما هو دلالته إلى خيره في حياته مطلقا، وحياة الإنسان ليست محدودة كما هو معلوم عندنا في الحياة الدنيوية، ولا بحياته الأخروية، بل إنها تشمل هاتين المرحلتين مع ما يتوسطهما.
    فالخير الذي نزل الدين لدلالة الإنسان عليه يشمل الخير الدنيوي والخير الأخروي.
    والمقصود بالخير بقول كليٍّ: كل ما هو موصل إلى السعادة. وترتبط السعادة بكمال الوجود أو تكميل الوجود، وذلك بأن يكتسب الإنسان كل ما يرفع قدره في رتبة الوجود.
    ولذلك فنحن نعتقد أن العبادات لها آثار حقيقية في الآخرة، وهذه الآثار ليست ذاته لها، بل هي بإرادة الله تعالى، بناء على نفي التحسين والتقبيح العقليين، وهو القول الذي ارتضاه أهل السنة الأشاعرة وغيرهم ممن وافقهم. ونحن وإن لم نعرف بعض العلل والفوائد التي نجتنيها من بعض العبادات، فذلك لا يستلزم عدم وجود فوائد حقيقية لها، تترتب عليها بحسب ما اختاره الله تعالى في خلقه لهذا العالم.

    ==========================
    منتدى الأصلين


    _________________


    قناتي على موقع يوتيوب :
    https://www.youtube.com/channel/UCm8N-tHwIFM7hPnwtLrBMpg
    مدونتي:
    https://ahmed26413.blogspot.com.eg/

    أحمد
    إدارة ثمار الأوراق
    إدارة ثمار الأوراق

    عدد الرسائل : 16657
    الموقع : القاهرة
    نقاط : 38587
    تاريخ التسجيل : 17/09/2008

    رد: علم الكلام - علم التوحيد

    مُساهمة من طرف أحمد في الإثنين مايو 13, 2013 12:32 am

    استمداد علم الكلام:

    واستمداد علم التوحيد من الوجوب والجواز والامتناع، وقال البعض: استمداده من التّفسير والفقه والحديث والإجماع ونظر العقل، ولعلّ الاختلاف إنّما هو في التعبير واللّفظ لا في الحقيقة والمعنى؛ لأنّ الجواز والوجوب والامتناع إنّما تؤخذ من تلك المذكورات، وهذا على مذهب أهل السنّة ؛
    وهو مذهب أهل الحقّ؛ وهم الأشاعرة والماتريديّة، فلا حكم تكليفيا أو تابعا له إلاّ من الشّرع، أو يكون الاختلاف مجرد اعتبار. وأمّا وظيفة العقل، فما هي إلاّ معرفة ماهيّة وصفة الواقع ومعرفة الأمر في نفسه على حسب قدرة البشر، من دون ترتيب حكم تكليفي عليها، فنحن نستخدم العقل عن طريق النّظر في العالم الخارجيّ، للتعرّف على وجود اللـه، أي على أنّ اللـه موجود، ولكنّ وجوب الإيمان باللـه تعالى بحيث يعاقب من لا يؤمن ويثاب من يؤمن هذا إنّما يعرف من الشّرع لا من العقل، على تفصيل لطيف بين الأشاعرة والماتريديّة.
    وبناء على ذلك، نقول إن كل العلوم السابقة والمصادر المعرفية تدل فعلا على العقائد، ولكن هذا لا يستلزم عدم انبنائها على علم التوحيد، فلا يتم التصديق بالحديث إلا إذا أثبت نبوة النبي، وهذا لا يتم إلا بعلم التوحيد، ولكن بعد إثبات ذلك، يدلنا النبي عليه السلام على العقائد فعلا، وكذلك القول في القرآن، فلا يتم إثبات القرآن إلا بإثبات وجود الله تعالى ، لأنه كلامه، فلا يمكن التسليم بأنه كلام الله تعالى إلا بعد إثبات وجود الله تعالى، ومع ذلك فإن القرآن نفسه، يدل بعد ذلك على العقائد والأدلة التي يمكن أن تتبع في علم التوحيد. وكذلك يقال في الفقه.
    ومن هذا الوجه ربما قيل إن علم التوحيد يستمد منها. ولكن الحق أن استمداد علم التوحيد عموما بالفعل لا يكون منها باعتباراتها الخاصة، أي من حيث هي قرآن وسنَّة، وإنما هي بهذه الاعتبارات، منبنية على علم التوحيد.
    وأهل السنة لم يختلفوا في الإقرار بأن العقل يمكنه معرفة بعض الأحكام العقائدية، ولكنهم اتفقوا على أن التكليف بالاعتقاد لا يمكن أن يثبت إلا بالنقل، والدليل الشرعي. ولهذا فأهل السنة يستدلون على العقائد بالدليل العقلي، ومرادهم بذلك إثبات حقيقتها ومطابقتها للواقع، لا إثبات التكليف بها بالعقل. فإثبات التكليف بها يكون بالشرع كما قلنا.
    ومن هذا يعلم أنّ الذي يخوض في علم التوحيد يجب أن يكون متّسع الآفاق ذا مدارك محيطة بشتّى أنواع العلوم كما تقدّم. ومن ذلك يتبيّن لك بطلان كلام من قال: إنّ أهل السّنة لا يعتمدون إلاّ على العقل، فهذا كذب ومحض افتراء عليهم ممّن قالـه، وفي الوقت نفسه يُفْهَمُ ممّا مرّ الردّ على من يقول: لا يجوز استخدام العقل في العقائد، بل الذي يقول بذلك إنّما هو ضعيف العقل؛ فالعقل في الإسلام معتبر ولـه مكانته، والإنسان إذا أريد مدحه يكفي أن يقال: إنّه عاقل؛ فالعقل صفة مدح ولا شكّ في ذلك.
    بل نقول: إنّ للعقل مجالاً في علم التوحيد، ولكنّه محصور في أمور بيّنها أهل السّنة والجماعة كما يفهم من كلام أساطين علمائهم، وهذا الحصر ليس تحكما منهم في العقل ولكنهم لما نظروا في فعل العقل عرفوا أن لـه حدودا وجهات لا يمكنه أن يغوصَ فيها، فجعلوها لـه حدودا لا يتعداها، وهذا التحديد منهم جار على موازين العقل نفسه.
    وأمّا الذين يردّون النّظر العقليّ على اختلاف فرقهم، فأوهموا النّاس أنّ العقل ممنوع استخدامه مطلقا في الدّين، وبذلك صوّروا الدّين بصورة ليست لـه ولا هو لـها، وحقّروا من مقام العقل حتّى أربكوا عموم النّاس، وشكّكوا الذين ينظرون إلى الدّين من خارجه، وأعطوا لـهم نظرة تعيسة عن الدّين، والحقّ الذي عليه أهل السنّة، كما مرّ، هو أنّ العقل معتبر ولكنّه محدود بحدود وجوده وطبيعته، ولا تعارض بين الشّرع والعقل أصلا، ولا يجوز القول بأنّنا نقدّم العقل على النّقل، ولا بأنّنا نقدّم النّقل على العقل، لأنّ كلاّ من القولين إنّما يُبْنَى على تسليم أمر ممنوع، وهو: وجود تعارض بين العقل والنّقل، وهذا باطل قطعا كما يفهمه النّبيه. وإذ لا تعارض فلا تقديم.
    وهذا مدخل من المداخل التي صار المجسّمة يَلِجُونَها في هذه الأزمنة كما في الأزمنة المتقدّمة، فيسألون العاميّ: هل ترجّح العقل على النّقل أم النّقل على العقل؟! ومع بطلان السّؤال أصلا، كما أشرنا، إلاّ أنّ ذا العلم الساذج والعامة ينخدعون بظاهره ويبادرون بالقول: إنّنا نقدّم النقل على العقل! وإذا تمّ للمجسم أخذ هذا الجواب من المسئول، شرع بعد ذلك يدسّ آراءه الفاسدة وأفكاره الكاسدة إلى هذا المسكين بعد أن يخوّفه من عقلـه ويضعه لـه في كيس أسود مخيف، فيلقي لـه ما شاء من نصوص يفسّرها لـه كما يشاء،
    في غفلة من تنبّه ذلك المسكين، وما أن يمضي على هذا فترة من الزّمان حتّى يصبح قد أكل مأكلـهم وشرب مشربهم، فيصبح منهم وهو يعتقد أنّه من أهل الحقّ والـهدى، وبعد هذا يصعب جدّا عليك أن توصل أمرا ما إلى نفس هذا المسكين، لأنّه سلّم عقلـه إلى غيره ليقتلـه لـه، وهو راضٍ يحسب أنه يحسن صنعا، وهو لا يدري في أيّ واد يهيم، ولا في أيّ محيط يغرق. ويصبح كتلة من التعصّب والحمق والجهل والتبجّح وهو ليس ممّن يعلمون. والبعض الآخر من العوام المعتدين بأنفسهم يفضلون الإجابة الثانية فيقولون نحن نقدم العقل على النقل ويسلمون أنفسهم بعد ذلك إلى عقولـهم القاصرة وأحكامهم الجائرة، ومن هنا ينشأ التضليل والافتراق بين الفريقين فيبادر كل منهم إلى تبديع صاحبه والتبري منه.
    وفي المقابل من هؤلاء نرى القائلين بوحدة الوجود وأصحاب العرفان، يفاضلون بين العقل والكشف لا النقل هذه المرة، ويقولون إن من يأخذ علومه من العقل، لا يرتقي إلى من يأخذ علومه ومعارفه من الكشف، ويقصدون بالكشف تلقي المعارف مباشرة من الخالق بطريق الإلهام، والكشف المباشر لهم عنها. فهؤلاء أيضا يحتقرون أصحاب النظر العقلي، ويدعون أن الكشف إذا عارضه قطعي عقلي فإننا نقدم الكشف على العقل. وينشأ عن هذه الطريقة تعصب كبير أيضا، لا من حيث القول بالتجسيم، ولكن من حيث القول بوحدة الوجود ولواحق هذا المذهب. ونرى هؤلاء يتسللون إلى عقول العامة من هذه الطريقة، والعامي إذا فاضل في نفسه بين الذي يتلقى علومه مباشرة من عند الله تعالى وبين من ينظر فيها ويتوصل إليها بعقله، فإنه يرجح جانب الأول، قطعا، ولكنه يغفل عن أنه هل يوجد فعلا من يأخذ علومه ومعارفه من عند الله تعالى مباشرة غير الأنبياء، وهل هؤلاء الذين يَدَّعونَ ذلك لأَنْفُسِهِمْ هُمْ فِعْلاً كذلك؟! والحق أنه لو وجد فإنه يتعذر عليه أن ينقل هذه المعارف التي يدعيها إلا بأن يخبر غيره بما أحس به ووجده في نفسه. فالواسطة بينه وبين من يريد أن يقيم الحجة عليه إذن ليس إلا خبره الذي هو في النهاية خبر آحاد، لا حجة برهانية فيه، خاصة إذا خالف ذلك الخبر ما قامت عليه الأدلة النقلية الظاهرة والعقلية القاطعة.
    وبعد ذلك كله، فيبقى الدليل النقلي الذي يجيز لهؤلاء المعتمدين على المكاشفة والعرفان غير قائم على جواز استدلالهم بما يجدونه على أنفسهم وعلى غيرهم، فحجتهم تبقى إذن قاصرة، هذا إذا سلَّمنا كونه حُجَّةً أَصْلاً. ودوما يتجاهل هؤلاء أننا لم نحتج أصلا بخبر الرسول عليه الصلاة والسلام، إلا لقيام الحجة التي هي المعجزة على كلامه، فأين الدليل القاطع على لزوم إتباع الناس لكلامهم؟!
    فطريقة النظر العقلي التي هي طريقة المتكلمين هي الطريقة الأصوب بلا شك ولا ريب، وهي الطريقة التي بها ينتفي التعصب، وتنعدم الضلالات ولا يركن الناس إلا إلى الأمور الواضحة القطعية، فيسيرون في حياتهم على هدى وعلم قويم. ولا يتركون مجالا لأحد كي يتلاعب بهم بأوهامه التي يحسبها نصوصا شرعية أو كشوفات إلـهية.
    =======================================
    بحوث في العقيدة سعيد فودة 24


    _________________


    قناتي على موقع يوتيوب :
    https://www.youtube.com/channel/UCm8N-tHwIFM7hPnwtLrBMpg
    مدونتي:
    https://ahmed26413.blogspot.com.eg/

    أحمد
    إدارة ثمار الأوراق
    إدارة ثمار الأوراق

    عدد الرسائل : 16657
    الموقع : القاهرة
    نقاط : 38587
    تاريخ التسجيل : 17/09/2008

    رد: علم الكلام - علم التوحيد

    مُساهمة من طرف أحمد في الإثنين مايو 13, 2013 12:32 am

    مسائل علم الكلام:

    ومسائل علم التّوحيد هي القضايا النّظريّة الشّرعيّة الاعتقاديّة. والاحتراز بالقضايا النّظريّة من غيرها ــ المقصود بالنّظريّة التي تحتاج إلى نظر حتّى يصدّق بها ــ وغير النّظريّ وهي البديهيّ لا يكون من المسائل والمطالب العلميّة، بل لا معنى للمسألة إلاّ ما يسأل عنه، ويطلب بالدّليل.
    والفرض البديهيّ معلوم لا يحتاج إلى دليل ولا سؤال. وفي هذا الزّمان صارت كثير من المسائل البديهيّة نظريّة، بل صارت بعض المسائل البديهيّة منكرة ومردودة، ولا ريب أنّه في هذه الحال، يجب البحث في المسائل النظريّة والبديهيّة على حدّ سواء، لأنّه لا معنى لكون المسألة بديهيّة إلاّ أنّها معلومة ومشهورة بين عامّة النّاس، حتّى لا يكون هناك داع للسّؤال عنها، لأنّه يعتبر حينئذ تحصيلا للحاصل. ولكن عندما تنقلب الحقائق فيصبح البديهيّ نظريّا أو مردودا يجب على الدّاعي إلى الدّين والحقّ أن ينـزل للنّاس ويخاطبها على هذا المستوى، وإلاّ لتعذّر نشر حقائق الدّين. فمقياس كون المسألة بديهيّة أوْ لا، هو انتشارها بين عامّة النّاس من المسلمين حتّى يستوي في العلم بها العالم والجاهل العاميّ. ولو فرضنا أنّ مسألة من المسائل كانت في الزّمان الماضي بديهيّة وصارت الآن غير بديهيّة، فإنّه يجب علينا أن نعاملـها ونعطيها حكم هذا الزّمان لا الزّمان الماضي.
    ============================
    بحوث في علم الكلام 22 د سعيد فودة


    _________________


    قناتي على موقع يوتيوب :
    https://www.youtube.com/channel/UCm8N-tHwIFM7hPnwtLrBMpg
    مدونتي:
    https://ahmed26413.blogspot.com.eg/

    أحمد
    إدارة ثمار الأوراق
    إدارة ثمار الأوراق

    عدد الرسائل : 16657
    الموقع : القاهرة
    نقاط : 38587
    تاريخ التسجيل : 17/09/2008

    رد: علم الكلام - علم التوحيد

    مُساهمة من طرف أحمد في الإثنين مايو 13, 2013 12:32 am

    غاية علم الكلام:

    وغاية هذا العلم أن يصير الإيمان والتصديق بالأحكام الشرعيّة مُتْقَناً محكما لا تزلزلـه شبه المبطلين. وذلك لأنّ الأدلّة قامت على أنّ سعادة الإنسان في وجوده الدنيوي والأخروي لا تتمّ إلاّ على أساس هذا الدّين، فصار من الضّروريّ أن تدعم أصول هذا الدّين في نفوس النّاس، ويرد على شبه الكفّار وأعداء هذا الدّين.
    ولا يجوز أن يتوهّم إنسان أنّ الاستدلال على صحّة هذا الدّين إنّما هو من قبيل التعصّب الأعمى، بل هو من قبيل العلم اليقينيّ القطعيّ، ولا يخطر في بال أحد هذا الخاطر إلاّ إذا كان علمه بهذا الدّين ضعيفا متلجلجا؛ وكثير من النّاس في هذه الأيّام لا يثقون بحقيقة الدّين ثقة تامّة، بل هم منتسبون إليه مسايرة لغيرهم، ومراعاة لمجتمعهم، وحقيقة أحوالـهم هي عدم الاهتمام به، لا لأنّهم قد تحقّق لـهم ما يضادّه، بل لأنّهم لا يعلمون شيئا عنه، ولا يخطر ببالـهم البحث فيه لانشغالـهم بأمور دنياهم. وكثير من الناس لو كانوا يعيشون في مجتمعات أخرى كافرة أو نافية للأديان، لسايروا هذه الطريقة ونفوا الأديان أيضا واعتقدوا عقائد هذه المجتمعات.
    منفعة علم الكلام:

    ويفهم النّبيه أنّ منفعة علم التوحيد في الدّنيا يتمثّل في انتظام أمر المعاش، ولا يتم هذا الانتظام إلاّ بالمحافظة على العدل والمعاملة التي يحتاج إليها في بقاء النّوع الإنسانيّ على وجه لا يؤدّي إلى الفساد. وذلك لأنّ الإنسان إذا عرف علم التّوحيد واطمأنّت إليه نفسه، وتكيّفت في صفاتها به، حصّل السعادة الذّاتيّة، وإذا انتشرت أحكام الشّريعة بين النّاس وجعلوها هي الحكم بينهم في معاملاتهم، وهي الميزان الذي يزنون به تصرّفاتهم حصل الانتظام المطلوب. ولا يمكن التمسّك بأحكام الشريعة إلاّ بالإيمان بأصول التوحيد على منهاج أهل الحقّ.
    وهذا الكلام يندفع به قول من يقول إنّ الدّين لا علاقة لـه بأحوال الدّنيا، بل إنّ الدّين هو الذي لـه العلاقة بها، وليس الدّين منحصرا فقط في البحث في أحوال الآخرة كما يتوهّم الجاهلون، بل إنّ الحياة الدّنيا هي في نظر الدّين الجسر الذي يُعْبَرُ به إلى الحياة الآخرة. وإذا أراد الإنسان أن يحصّل خير آخرته فعليه أن يحصّل خير دنياه وهذا لا يتم إلاّ بميزان الشّريعة. فمنفعة هذا العلم في الآخرة هي النّجاة من العذاب المترتّب على الكفر وسوء الاعتقاد.
    وعند التأمل الصّادق في منفعته في الدّنيا كما ذكرناها، نعلم أنّ صلاح النّوع الإنسانيّ لا يتمّ إلاّ على أساس هذا الدّين. فكل الأفكار والنظم التي تدعي أنها هي التي تملك النظرة التي فيها صلاح النوع الإنسانيّ غير الإسلام هي أفكار فاسدة باطلة، وهذا ليس تجنيّا ولا استخفافا بفكر النّاس، بل هو إيمان معقود على سبيل العلم بهذا الدّين وما يحويه من مبادئ. وكلّ هذه المبادئ كالرّأسماليّة و الشّيوعيّة و الاشتراكيّة إنّما هي بهرجات وأفكار جزئيّة صيغت صياغة الأفكار الكليّة، ولـهذا لا نعترف لأيّ منها بالشّموليّة بالفكر وإن ادّعت هي ذلك لنفسها، فنحن بما نملكه من أسلحة فكريّة نستطيع تَعْرِيةَ هذه الأفكار وبيان أنّها نظرات جزئيّة، ثمّ بيان فسادها وعدم مطابقتها لحقيقة الوجود.
    ==================================
    بحوث في علم الكلام د سعيد فودة 21-22


    _________________


    قناتي على موقع يوتيوب :
    https://www.youtube.com/channel/UCm8N-tHwIFM7hPnwtLrBMpg
    مدونتي:
    https://ahmed26413.blogspot.com.eg/

    أحمد
    إدارة ثمار الأوراق
    إدارة ثمار الأوراق

    عدد الرسائل : 16657
    الموقع : القاهرة
    نقاط : 38587
    تاريخ التسجيل : 17/09/2008

    رد: علم الكلام - علم التوحيد

    مُساهمة من طرف أحمد في الإثنين مايو 13, 2013 12:33 am

    موضوع علم الكلام:

    وأمّا موضوع علم التّوحيد فهو: المعلوم من حيث يتعلّق به إثبات العقائد الدّينيّة، إذ موضوع كلّ علم هو ما يُبْحَثُ في ذلك العلم عن عوارضه الذّاتيّة، ولا شكّ أنّه يبحث في هذا العلم عن أحوال الصّانع من القِدَمِ والوَحْدَةِ والقدرة والإرادة وغيرها ممّا هو عقيدةٌ إسلاميّةٌ ليعتقد ثبوتها لـه، وعن أحوال الجسم والعرض من الحدوث والافتقار والتركيب والأجزاء، وقبول الفناء ونحو ذلك ممّا هو وسيلة إلى عقيدة إسلاميّة؛ فإنّ تركيب الجسم وقبولـه للفناء دليل افتقاره إلى الموجِدِ لـه، وكلّ هذا بحثٌ عن أحوال المعلوم لإثبات العقائد الدينيّة.
    وكون موضوعِ علم التوحيد هو المعلومَ من الحيثيّة المذكورة؛ هو التحقيق بلا ريب، فالمسلم عندما يشرع بنشر دعوته والاستدلال عليها فإنّه سوف يكون مضطّرا لاستعمال كلّ ما عنده من العلوم لإثبات عقيدته، وعندما نقول العلوم، نقصد كلّ ما يشمل العقليّات والتجريبيّات والمتواترات وغيرها ممّا يفيد العلم والقطع، بل الأصل في كلّ مبدأ كليّ أن يكون معتمدا على العلوم، بمعنى أن تكون كل العلوم مؤيّدة لـه، لا بمعنى أنّه لا يقوم إلاّ بالعلوم أي بكلّ علم منها، بل يكفي للمبدأ أن يكون قائما على المعقولات وبعض الحسيّات مثلا، ثمّ يشترط فيه بعد ذلك ألاّ يتعارض في كلّ ما يأتي به مع أيّ مصدر من مصادر العلوم.
    ومن ثمّ لا يُمْنَعُ أن يَستَخْدِمَ الإنسانُ أيَّ صنف من العلوم لإثبات عقائد الدّين أو ما يخبر به القرآن، وهذا يحتاج إلى احتياط شديد لخطورته، كما يحتاج إلى علم دقيق بالدّين أوّلا، ثمّ بذلك الصّنف من العلوم ثانيا. ولا بدّ من عدم التّسرع والانجراف وراء الدّعايات التي من شأنها أن تذاع في كلّ عصر من العصور، لأن بعض النظريات قد تعرض على الناس بشكل يتوهمون منه أنها قطعية، فينخدع به الناظر، فلا يجوز الاعتماد اعتمادا مطلقا على مثل تلك النظريات، لأنّ أيّ غلط في أيّ جهة من هذه الجهات فإنّه سوف يوجَّه إلى الدّين بشكل رئيسي، ولن يُقال عند كثير من النّاس: إنّ هذا الناظر أخطأ في فهم وتفسير هذا النّصّ أو ذاك أو في استعمال هذه النظرية أو تلك، بل سوف يشاع من قبل أعداء الدّين والمتشكّكين ممّن ينتمون ظاهرا إليه أنّ هذا الدّين متناقض، وأنّ المبدأ المتناقض لا يصلح أن تقام عليه حياة، ويستغلون ذلك كلـه للـهجوم على المبادئ الحقيقية للدين. فيتبيّن لك من ذلك مدى خطورة الخوض في هذا المجال، بل وفي كلّ مجال من الدّين، ولـهذا كان ذلك الموقع المتين للعلماء والحذاق من بني البشر.
    ولأنّ موضوع علم التوحيد هو المعلوم من حيث كونه موصلا إلى تثبيت العقائد، فلا يجوز لأحد أن يعترض حين يرى علماء التوحيد يخوضون في الطّبيعيّات والرّياضيّات والطب بل والفلسفة وغير ذلك من أنواع الفنون والعلوم، لأنّ هذا من صلب وأساس مهمّتهم، وإذا سمحت لنفسك أن تُجَرِّدَهم من ذلك، فأنت في الحقيقة إنّما تلغي هذا العلم مطلقا. وليس هذا الأسلوب من الخوض في سائر العلوم وإظهار أصالة الدين عليها أمرا مُبْتَدَعاً، بل هو الفهم الصّحيح المستمدّ من القرآن الكريم، فانظر في الكثير من الآيات التي تتكلّم في حقائق الوجود، وحقائق النّفس، وفي الآيات التي تحثّ على النّظر في الكون وفي السماوات والأرض، فإذا لم تكن هذه دليلا على ما نقول فكيف يقام أي دليل على أي أمر بعد ذلك؟!
    ولا تظنَّ أن كون موضوع علم التّوحيد هو المعلومَ، يُخْرِجُ الكتابَ والسنّة من أن يُستخْدَما لإثبات العقائد الدّينيّة، لأنّ الكتاب والسّنّة هما أيضاً من المعلومات التي تدلّ على العقائد الدّينيّة وتثبتها، فيكون استخدامهما لإثبات العقائد متمشيّا مع أصول هذا العلم، ولا تغتـرّ بمن يقول إنّ علماء التّوحيد من أهل السنّة -أي الأشاعرة والماتريديّة- لا يستدلّون بالقرآن ولا بالسنّة، بل يكتفون بالعقل في إثبات العقائد، فإنّ هذا القائل إنّما يدلّ بقولـه هذا على مدى جهلـه وظلمة عقله لا غير، فمن التّفاهة أن يُطلِِقَ القولَ هكذا من دون تقييد، وينسى من الذي حَمَلَ أحاديث الرّسول وأوصلـها إلينا في هذه الأزمان، ومن الذي حفظ علوم القرآن، ومن الذي برع في تفسير القرآن وشرح الحديث، بل من الظّلم الفاحش أن يقال هذا لأنّ كلّ ذرّة من علوم الإسلام تدلّ على خطأ هذا القول، فالمحقّقون من علماء الدّين هم من أهل السّنة، وكذا علوم اللّغة والتّاريخ، وكذلك كانوا في القرون الماضية في سائر العلوم الدّنيويّة، حتّى لا يستطيع أحد أن ينكر هذا إلاّ من على قلبه غشاوة؛ ومن بلغ إلى هذا المستوى، فالأحرى أن لا يناقش لأنّه أصبح كالسوفسطائيّة الذين لا يُناقَشون لاستحالة جدالـهم.
    ثمّ إنّ أهل السّنة عندما يستخدمون العقل لإثبات العقائد فإنّ هذا يدلّ على ثقتهم بالدّين أولا وثقتهم بأنفسهم ثانيا، لأنّهم يكونون جازمين بأنّهم خلال بحثهم العقليّ هذا لن يتوصّلوا إلى شيء يخالف ما أتى به الدّين، بل سيصلون إلى استدلالات تدحض أعمدةَ الكفر وتهدمه، ولما كان الأمر كذلك، فلِمَ يمتنعون من هذا الطريق المستقيم.
    وبناء على هذا، فعلى الذي يرغب بالخوض في هذا العلم أن تتوفّر فيه صفات خاصّة، لأنّ لكلّ علم أهلـه، وذلك حتّى لا يفاجأ عندما يرى المصطلحات العقليّة والعلميّة والأصوليّة كلـها تُتَداوَل في كتب هذا الفن، فعلى مَنْ يريد الخوضَ فيه أن يكون ملمّا بكلّ هذه العلوم.
    و إذا كان من المسلّم به أنّ الدّين إنّما أنزل لـهداية النّاس إلى خير الدّنيا والآخرة، أي لإصلاح حياة الإنسان وآخرته، فعلى الإنسان أن يجزم بلا تردّد أنّه مهما خاض في علوم الدّنيا من الطّبيعيّات وغيرها، فلن يصطدم بأمر يكون خلاف الدّين ونقيضا لـه. ويجب عليه أن يعتقد جازما أنّ توسّعه في علوم الدّنيا ومعرفته لما في الأنفس، وما في الآفاق إنّما يزيد من إيمانه واطمئنانه إلى هذا الدّين، لأنّ هذه المعرفة نفسها سوف تكون أدلّة على ما أخبر به الشّرع، لأنهما من خالق واحد. واطمئنانه هذا لا يدفعه إلى التعنت في النظر والرأي، بل يكون باعثا لـه للتمسك بالقوانين الصحيحة للنظر، ومحاولة تحقيقها في نظره وبحثه، فلا تكون العقيدة أبدا باعثا للتعصب والتعنت.
    وقولنا إنّ موضوع هذا العلم هو المعلوم قد يقصد بالمعلوم هنا الموجود والوجودي، حتى يدخل فيه الاعتباري، إلاّ إنّنا استخدمنا كلمة المعلوم، وقدّمناها على الموجود، ليصحّ التعريف على رأي من لا يقول بالوجود الذهنيّ، ولا يعرّف العلم بحصول الصّورة في العقل، ويرى مباحث المعلوم والحال خارج مباحث هذا العلم. وقد يراد بالمعلوم مطلق ما يصدق عليه ذلك اللفظ، فيدخل فيه حتى المستحيلات والموجودات الحقيقية والاعتبارات الانتزاعية والاختراعية، وتدخل حتى المعدومات التي يمكن أن تعلم. ولا إشكال في ذلك إن أمكن أن يستدلَّ بتلك الأمور على الله تعالى.
    والحاصل أنّ هذا العلم يبحث فيه عن الأحكام الثابتة لذات اللـه تعالى وصفاته وأحوال الممكنات في المبدأ والمعاد على قانون الإسلام، والمقصود بقانون الإسلام هي أسباب المعرفة في الإسلام، إذ معلوم أنّ كلّ مبدأ شامل ونظام كامل لـه مقاييس وموازين يزن بها الأمور، وهذه الموازين هي وسائل المعرفة، ولا بدّ أن تكون المعلومات متماشية مع نظريّة المعرفة الإسلاميّة. وكل وسيلة معرفية ثبت كونها طريقة بالقطع، فإنها طريقة معرفية إسلامية.
    =================
    بحوث في علم الكلام د سعيد فودة 15-20


    _________________


    قناتي على موقع يوتيوب :
    https://www.youtube.com/channel/UCm8N-tHwIFM7hPnwtLrBMpg
    مدونتي:
    https://ahmed26413.blogspot.com.eg/

    أحمد
    إدارة ثمار الأوراق
    إدارة ثمار الأوراق

    عدد الرسائل : 16657
    الموقع : القاهرة
    نقاط : 38587
    تاريخ التسجيل : 17/09/2008

    رد: علم الكلام - علم التوحيد

    مُساهمة من طرف أحمد في الإثنين مايو 13, 2013 12:37 am

    مبادئ علم التوحيد


    من الواجب على كلّ طالب علم أن يتصوّره، ولو برسمه ليكون على بصيرة في طلبه. وأن يعرف موضوعه ليميزه عن غيره. وأن يعرف غايته لئلاّ يكون اشتغالـه به عبثا. وأن يعرف استمداده، ومنفعته، وواضعه.

    تعريف علم الكلام:

    وحدّ الكلام كما قال بعض الشّيوخ: علم يقتدر معه على إثبات العقائد الدينيّة على الغير، وإلزامها إياه؛ بإيراد الحجج وردّ الشّبه قال الإمام العضد في المواقف:"والكلام علمٌ يقتدر معه على إثبات العقائد الدينية بإيراد الحجج ودفع الشبه والمراد بالعقائد ما يقصد به نفس الاعتقاد دون العمل، وبالدينية المنسوبة إلى دين محمد صلى اللـه عليه وسلم"( ). وقال الإمام سعد الدين التفتازاني:"الكلام هو العلم بالعقائد الدينية عن الأدلة اليقينية"( ) وقال ابن الـهمام في المسايرة:"والكلام معرفة النفس ما عليها من العقائد المنسوبة إلى دين الإسلام عن الأدلة علما وظنا في البعض منها"( )
    ومن ذلك يُفهم أنّ هذا العلم يفيد تثبيت العقيدة في النّفس، وفي إفحام المخالف وإلزامه. والإنسان إذا فهم العقيدة الصحيحة، وثبتت في نفسه، فإنّه يحصل على السّعادة المنشودة في الدّنيا والآخرة، لأنّه يكون قد ملك صورة صحيحة للواقع، وكيّف نفسه بحيث يكون متوافقا في وجوده مع أصول الوجود. ومن كان كذلك، كيف لا يصل إلى السّعادة وهي كمال الوجود؟! أو هي عبارة عن الترقّي في الوجود الجائز إلى أعلى درجاته.
    ولا يصل الإنسان إلى ذلك إلاّ بعقيدة الإسلام. فعند ذلك تتكامل علاقته مع الكون ومع الحياة، فيصبح فاهما ومدركا لطبيعتها، وأهدافها، وإلى أيّ الغايات تسير. فينعدم التناقض في حياته، ويطّرد التكامل، ويدرك أيضا علاقته مع غيره من النّاس، فيعاملـهم بكيفيّة هي الحقّ، وهي العدل؛ ويضع كلّ شيء في موضعه اللائق به، وهي هذه حقيقة السعادة والخير.
    ومن المرفوض أن يقال إنّ العلم الذي يوصل إلى هذه الغايات النّبيلة هو علم مرذول، بل من قال بهذا فهو لا يعي ما يقول، لأنّ العلم الذي يوصل إلى ما ذكرنا يجب أن يكون في أعلى مراتب العلوم، وهو كذلك في حقيقته عند كبار العلماء من أهل الحقّ. فلا تغترّ بمن ينفّرك عن هذا العلم بِتَخْيِـيْلـه إليك أنّه من البِدَعِ؛ فهل الوصول إلى الخير من البدع، وهل من البدع التسلّح بأسلحة نقاوم بها الكفر في النّفس، وندرأ بها الكفر عن الغير، ونردّ بها الكفر عن أن يدمّر الخير والحقّ والدّين العظيم!!! وكلّ من لديه أدنى معرفة بهذا العلم، يدرك فعلا كم هي فائدته حقّا في طمأنينة النّفس، وانكشاف الحقيقة لديها، وفي إفحام الخصوم المشكّكين من أهل البدع والكفر. وبدراسة هذا العلم، يتبيّن الإنسان فعلا أنّ الإسلام هو الدّين الحقّ عن دليل وبيّنة، لا عن تقليد وتعصّب أعمى.
    ولذلك كلـه فالمُعْتَبَر في أدلّة هذا العلم هو اليقين فقط( )، واليقين يجب أن يكون هو الأساس في هذا العلم في النفي والإثبات المتعلقين بالأحكام والمفاهيم، فلا عبرة بالظنّ في الاعتقادات، وإن كان لـه اعتبار في العمليّات. فكلّ ما كان النّظر السليم فيه لا يفضي إلى القطع، فلا يجوز اتخاذه دليلاً على مسألة من مسائل الاعتقاد، لأنّ الظنّ يجوز عليه الخطأ، ولا يجوز أن تكون العقيدة مبنيّة على أمر قابل للغلط، وكلّ من يجوّز بناء عقيدته على أمر ظنيّ فهو لا يفهم معنى الاعتقاد.
    فالمسائل العقديّة هي عبارةٌ عن مفاهيمَ كليّةٍ تُبْنَى عليها الحياة، ومن جوّز بناءَ حياته على أمر ظنيّ فهو يعتبر من العابثين بهذه الحياة. والإنسان العاقل، لا يجيز لنفسه أن يكون من العابثين اللاعبين.
    وأمّا الأمور العمليّة فلأنّها أمور جزئيّة شخصيّة، ويستحيل أن تُبْنَى حياةٌ كاملةٌ على أمر شخصيّ جزئيّ، فلا يجوز ذلك عند العاقل، ولذلك فيجوز اتّباع الظنّ في الأمور الجزئية، لأنّ الأصل في الظنّ أن يكون صوابا مطابقا للواقع، مع احتمال الغلط، ولصعوبة التوصّل في الأمور الجزئيّة كلـها إلى اليقين والجزم، فلذلك لو اشترطنا اليقين في كل أمر جزئيٍّ لاستحالت كثير من الأفعال والأعمال المهمة في سيرورة الحياة وتوقفت كثير من نواحي الحياة العملية، فلذلك اكتُفِيَ فيها بالبناء على غلَبَةِ الظنِّ.
    ولمّا كان خبر الآحاد بالنظر لِذاتِهِ ومِنْ دون اعتبار القرائن المحيطة لا يفيد القطع واليقين، لأنّه لا يوجد إنسان معصوم مطلقا، فلا يوجد خبر آحاد مقبول مطلقا، ونقصد بقولنا مطلقا هنا أي إنه يبعد أن يوجد خبرُ آحاد مقبولا في كل مواردِهِ، لأنه لا يكون كذلك إلا إذا كان صادقا في كلِّ موارده، ولكنه وبعد البحث والنظر عُلِمَ أن خبرَ الواحدِ لا يكون غالبا كذلك، فلـهذا لا يكون مقبولا في كلِّ موارده، بل يُقْبَلُ في بعضها ويُرفَضُ في الآخر، وذلك بحسب القرائن والأحوال الخاصة بكل خبرٍ، إلا إذا ثبتت يقينيته من كلِّ جهاته بالاستناد إلى دليل آخر.
    فخبر الآحاد وحده مجردا عن القرائن والأحوال لا يفيد إلاّ الظنّ، وهذا على اعتبار ثقة الرّاوي، وإلاّ فإذا لم يكن ثقة فإنّه لا يفيد حتّى الظنّ، بل يكون مردودا أو مشكوكا فيه أو مكذوبا. لذلك لا يجوز بناء العقيدة على خبر الواحد، ولا تؤخذ العقائد من أخبار الآحاد، بل تؤخذ من الأدلّة القطعيّة، ومنها خبر التواتر، لأنّ التواتر يفيد اليقين. وهذا الكلام يبيّن كيف يؤخذ بالخبر الواحد الصحيح في العمليّات، ولا يؤخذ به في العقائد إلا إذا اعتضد بغيره من الأدلة كما بينه العلماء في الأصول.
    ويفهم من التعريف أنّ العلم بغير الشّرعيّات ليس من العقائد، ولا يجوز اعتباره من العقائد، فلا يجوز اعتبار الطبيعيّات عقائد، ولا الرّياضيّات وغيرها، وكذلك الشّرعيّات الفرعيّة العمليّة لا يجوز اعتبارها من العقائد بل هي من الفقه، ولو اعتبرت الفرعيّات من العقائد للزم تكفير المخالف فيها أو تبديعه على الأقلّ والنّفور منه، وعدم الرّضا عنه، وينشأ عن هذا التقاطع ُ والاختلاف وعدمُ التوافق، ولو كانت الفرعيّات حكمها حكم العقائد، للزم عن ذلك وجوبُ النّفورِ منَ المسْلِمِ المخالفِ لا في العقيدة بل في مسائل الفقه، وهذا ينتج عنه من التفرّق والفساد ما لا يمكن وصفه على وجه الرّضا؛ وبهذا يظهر عدم سدادِ القائلين بأنّ الأحكام الفقهيّة لا تختلف من حيث طريقةُ أخذها عن الأحكام العقائديّة فيشترطون لـها أن تكون مقطوعا بها، أو يعتبرون ما قرروه على أنه من الفقه قطعيا، وهؤلاء يلزم عندهم أن تكون الموالاة والتبري مبنية على الخلاف حتى في مجرد الفقهيات مطلقا، ولو أنهم قيدوها بما قطع فيه من الفقه لكان قريبا، ولكن التعميم غريب، فهؤلاء ليسوا من أهل السّنة والجماعة، ولا من أهل الحقّ في منهجهم الذي يعتمدون، وقد أظهروا بقولـهم هذا مدى ابتعادهم عن النّهج القويم، والمسلك السّليم، وهؤلاء بقولـهم هذا يسبّبون من الفتن والمشاكل بين المسلمين ما يَنْتُجُ عنه تفرُّقُهُمْ وانكسارُهم أمام أعدائهم من الكفّار والمنافقين، ولذلك نرى دائما دولَ الظلمِ والكفرِ تشجّع مثل هؤلاء النّاس بآرائهم الفاسدة هذه، وتتيح لـهم المجال للانتشار وتشويه عقائد النّاس ونفسيّاتهم، وبلبلة فكرهم، وهذا ما يفرح لـه المجرمون لأنّه يسهّل أمامهم السّيطرة على عامّة النّاس وتسييرهم إلى الـهدف الذي يريدون، ويسهّل أمامهم استغلال الدّين لأمورهم ومآربهم الخاصّة، ويضع هذا التصرّف أسلحة عديدة بأيدي أعداء الدّين فَيُمَكِّنهم، إذا أرادوا تحطيم الدّعاة إلى الحقّ والـهدى، أن يشوّهوا صورتهم بكلّ سهولة أمام النّاس لأنّهم هم الذين يملكون وسائل التأثير على عموم الناس، ومن ثمّ إيجاد مبرّر لـهم لضربهم، بل وحتّى إفنائهم عن الوجود.
    وأمّا المقلّد فهل ما يجده في صدره يطلق عليه أنّه علم أم لا؟
    إذا اعتُبِرَ في مفهوم العلم كونه مُسْتَمدَّاً من دليل، فهذا الذي عليه المقلّد ليس علما قطعا، وإلاّ فهو علم، واختار بعض العلماء الثاني، وهذا قد يميل إليه الناظر، لأنّ المطلوب من الدّليل والنّظر هو الوصول إلى المفاهيم الصّحيحة، والتمسّك بها على سبيل الجزم والإذعان لـها والانقياد، والفرْضُ أن قد حصلت هذه الأمور في المقلد، فيصحّ أن يقال لمن ملك الفكرة السليمة، وجزم بها إنّه عالم بها، ولكنّه جاهل بدليلـها، ولا تعارض ولا تناقض بين هذين القولين؛ ويمكن للإنسان أن يقبلـهما بل يقبلـهما قطعا معا. وهذا دليل على أنّ العلم إنّما هو الإدراك الجازم المطابق، وكمال العلم أن يكون عن دليل، لذلك فالمقلّد الصّحيح العقيدة عنده علم كافٍ لتصحيح دخولـه في الإسلام والفوز بالجنّة في الدّار الآخرة بمشيئة اللـه تعالى.
    ويمكن أن يقال، إننا نفرق بين قبول الإيمان، وبين مطلق مفهوم العلم، فقبول الإيمان قد لا يتوقف إلا على مطلق القطع ولو بلا دليل، وأما العلم فإنه القطع بواسطة الدليل. وهذا التفصيل يمكن بناءً عليه قبول إيمان المقلد، وعدم رفع الواجب المتعلق بذمته من العلم بالدليل.
    ولا شكَّ في أنّ رتبة المقلّد الذي لا يعلم الدليل هي أدنى وأقل من رتبة من عرف الدّليل، ثمّ رتبة من عرف الدّليل أصالة بنفسه أعلى وأرفع من رتبة من تعلّمه من غيره. فهي درجات بعضها فوق بعض كالوجود كلـه؛ وهذا ما يتعلق بمطلق الإيمان.
    وجمهور العلماء اختاروا أن العلم لا يكون إلا بموجب، والموجب قد يكون الحسَّ، وقد يكون النظر العقلي أو المعتمد على مقدمات نقلية، أو غير ذلك، كما قرروه في علم المنطق والأصول. وبناء على ذلك فلا يكون مجرد التصور المطابق علما، بل لا بد أن يُسْتَمدَّ من الدليل لكي يكون علما. فالعلم جزء من ماهية العلم. والعلم له ثلاث خصائص، الأولى الجزم، والثانية المطابقة، والثالثة أن يكون لموجب. فالجزم والمطابقة، لازمتان لا بد منهما، ولا يتصور سقوطهما من العلم، وأما كونهما عن موجب ودليل، فقد حصل فيه نزاعٌ من البعض. ومن أدخله جزءا وشرط الاعتقاد بالعلم، فمن لم يعلم الدليل، فاعتقاده باطل، وإن لم يشرط الاعتقاد بالعلم، بل اشترط له فقط التصور المطابق الجازم، فاعتقاد المقلد عنده صحيح، وأما من لم يدخله، وشرط العلم، فهو يصحح اعتقاد المقلد مباشرة، ولا يتصور عدم اشتراط الاعتقاد بالعلم بناء على هذا المذهب.
    وعلى كلٍّ، فأهل السنة، صحَّحَ جمهورهم اعتقاد المقلد، وأوجب عليه الدليل، وحكم بعصيان المقلد إذا لم يعرف الدليل.
    أما ما يتعلق بعلم الكلام فإن الإنسان لا يصبح عالما بعلم التّوحيد وهو علم الأسماء والصّفات إلاّ بعد العلم بالأدلّة. وذلك لأنّ من المقصود بهذا العلم وهو إفحام الخصوم، وتثبيت العقائد في الصّدور وتوضيحها، وهذا لا يتمّ إلاّ بالأدلّة، ولا يجوز الخلط بين هذه المسألة وبين مسألة المقلّد؛ فمسألة المقلّد المبحوث فيها سابقا محلُّ الكلام فيها هو هل المقلّد إيمانه صحيح أم لا، ثمّ هل يسمى ما أدركه علما أم لا. وعلى كلّ الأقوال ينتج أنّ المقلّد ليس من أهل هذا الفنّ، ولا يجوز أن يُمْنَحَـهُ، من حيث ما هو مقلد، ويجوز من حيث ما هو طالب لـهذا العلم، بل ربّما لو عرض هذا الفنّ على المقلّد لنتج عنه من الفتن والمشاكل أمرٌ عظيمٌ، ولذلك يقول كثير من أهل العلم: إنّ علم الكلام وهو علم التوحيد علم خاصّ لا يُبْذَلُ للعامّة، بخلاف علم الفقه؛ ولكن التحقيق أنه حتّى علم الفقه فليس كلّ ما فيه من مسائل يجوز نشرها وبثها للعوام، ويعرِفُ صدقَ هذا الأمر من هو خائض في الفقه ومسائلـه.
    ولـهذا كلـه، يجب أن تُراعى أحوالُ النّاس في تعليمهم العلومَ مطلقا، والعلوم الشّرعيّة خاصّة. ولا يجوز لأحد أن يستغرب منكرا هذا الكلام فيقول: كيف يكون أمرٌ هو من أمور الدّين ويجوز أن لا يُعَلَّم للجميع؟ فيقال لـه على سبيل الإلزام والإفحام: هل تعني أنّ جميع ما يعرفه الرّسول من معارف دينيّة ومن أمور الغيب يَعْلَمُها كل واحد من النّاس، لو قلت نعم لخالفت قول الرّسول صلّى اللـه عليه وسلّم: لو تعلمون ما أعلم لضحكتم قليلا وبكيتم كثيرا. ولخالفت ما صرّح به الإمام عليّ بن أبي طالب كرّم اللـه وجهه حين قال: خاطبوا النّاس بما يعقلون، أتريدون أن يكذّب اللـه ورسولـه. فكثير من المعارف الدّينيّة لا يعلمها إلاّ القليل من النّاس، وهم أهل العلم. ولذلك كان النّاس بعضهم فوق بعض درجات، ولذلك فضّل اللـه أهل العلم على من سواهم، ولذلك أمر اللـه تعالى عامة الناس بسؤال أهل العلم، وحرمت الشريعة سؤال الجاهل عن أمور الدين، وحرَّم على الجاهل الدخولَ في مثل هذه الأمور، ولذلك قرن اللـه تعالى طاعته وطاعة رسولـه الأعظم بطاعة أهل العلم. وأيضا فلا يجوز أن يؤخذ هذا الأمر على أنه إخفاء للأمور التي يجب إظهارها للجميع، بل هو إخفاء للأمور عمن لا يستحق معرفتها، أو عمن لا يجب علينا تعريفه بها، ولا يخفى على العقلاء أن كثيرا من الأمور لا يمكن أن تبينها لكثير من الناس، فليس هذا إذن من باب الإخفاء والتعمية على الناس، بل هو تنزيل للأمور منزلتها اللائقة بها. وفي هذا فليتفكّر العاقلون.
    ===============================
    بحوث في علم الكلام د سعيد سعيد فود 13


    _________________


    قناتي على موقع يوتيوب :
    https://www.youtube.com/channel/UCm8N-tHwIFM7hPnwtLrBMpg
    مدونتي:
    https://ahmed26413.blogspot.com.eg/

    أحمد
    إدارة ثمار الأوراق
    إدارة ثمار الأوراق

    عدد الرسائل : 16657
    الموقع : القاهرة
    نقاط : 38587
    تاريخ التسجيل : 17/09/2008

    رد: علم الكلام - علم التوحيد

    مُساهمة من طرف أحمد في الإثنين مايو 13, 2013 12:39 am

    تعريف علم التوحيد
    وقد عرف العلماء علم التوحيد بعدة تعريفات نذكر منها : ـ

    1ـ علم يبحث فيه عن ذات الله ورسله من حيث ما يجب ، وما يستحيل ، وما يجوز ، وعن الأمور السمعية التي أخبر بها الصادق المصدوق صلى الله عليه وسلم .

    فهو يدرس ما يجب لله تعالى من صفات عليا ، وأسماء حسنى ، وما يستحيل عليه من النقائص ، وما يجوز عليه من الأفعال كالخلق ، والرزق ، والإحياء ، والإماتة .

    وما يجب للرسل من صفات الكمال البشري ، وما يستحيل عليهم مما يتعارض مع مهمتهم المكلفين بها ، وما يجوز عليهم من المعجزات ،وأكل الطعام ، والمشي في الأسواق .

    وبدرس ما أخبر به صلى الله عليه وسلم من السمعيات التي لا يصل العقل البشري إلى معرفتها وحده كعالم البرزخ ، وعالم القيامة ، وسائر الغيبيات .

    2ـ علم يقتدر معه على إثبات العقائد الدينية بإيراد الحجج ودفع الشبه .

    ومن هذا يتضح أن لعلم التوحيد جانبين :

    أ ـ جانب تقريري : فيه تعرض العقائد الدينية مدللا عليها بالأدلة اليقينية من العقل والنقل ( القرآن والسنة ) .

    ب ـ جانب دفاعي : وفيه يرد بالأدلة على المخالفين لأهل السنة في الاعتقاد ، وعلى الطاعنين والمشككين في عقائد الإسلام .

    وقد اصطلح كثير من المؤلفين في علم التوحيد على تقسيم موضوعاته ، وهي أركان الإيمان الستة ( الإيمان بالله ، وملائكته ، وكتبه ، ورسله ، واليوم الآخر ، والقدر ) إلى ثلاثة أقسام :

    1ـ الإلهيات : وتشمل وجود الله تعالى ، وصفاته ، وأسماءه

    2ـ النبوات : وتشمل صفات الرسل ، ومعجزاتهم ، وكرامات الأولياء وما إلى ذلك .

    3ـ السمعيات : وتشمل الأمور التي لا يستق العقل بإدراكها ، إنما نعرفها بالسمع من رسول الله صلى الله عليه وسلم ، كالملائكة ، والجن ، والحساب ، والجنة ، والنار .


    _________________


    قناتي على موقع يوتيوب :
    https://www.youtube.com/channel/UCm8N-tHwIFM7hPnwtLrBMpg
    مدونتي:
    https://ahmed26413.blogspot.com.eg/

    أحمد
    إدارة ثمار الأوراق
    إدارة ثمار الأوراق

    عدد الرسائل : 16657
    الموقع : القاهرة
    نقاط : 38587
    تاريخ التسجيل : 17/09/2008

    رد: علم الكلام - علم التوحيد

    مُساهمة من طرف أحمد في الإثنين مايو 13, 2013 12:39 am

    أسماء علم التوحيد

    الكاتب: د./ محمد ربيع محمد جوهرى
    1ـ يسمى علم التوحيد : لأن أشرف موضوعاته : توحيد الله تعالى

    2ـ ويسمى علم أصول الدين : فمباحثه أصل لسواها من الأحكام الشرعية الفرعية

    3ـ ويسمى علم الفقه الأكبر : في مقابلة علم الفقه الأصغر الذي يدرس العبادات والمعاملات

    4ـ ويسمى علم العقيدة : لأنه يدرس العقيدة التي يجب الإيمان بها واعتقاد صحتها

    5ـ ويسمى علم الكلام : لأن صفة كلام الله تعالى قد طال في تحقيقها الكلام ، واحتدم النزاع ، فيكون من باب تسمية الكل باسم الجزء

    أو سمى بهذا ؛ لأن دارسه يكتسب قدرة على الكلام في تقرير العقائد الإيمانية والرد على الشبه التي تثار حولها .

    أو سمى علم الكلام ؛ لأن المؤلفين الأوائل فيه كانوا يعنونون موضوعاته بقولهم : ( الكلام في علم الله تعالى ) ( الكلام في النبوة ) وهكذا .


    _________________


    قناتي على موقع يوتيوب :
    https://www.youtube.com/channel/UCm8N-tHwIFM7hPnwtLrBMpg
    مدونتي:
    https://ahmed26413.blogspot.com.eg/

    أحمد
    إدارة ثمار الأوراق
    إدارة ثمار الأوراق

    عدد الرسائل : 16657
    الموقع : القاهرة
    نقاط : 38587
    تاريخ التسجيل : 17/09/2008

    رد: علم الكلام - علم التوحيد

    مُساهمة من طرف أحمد في الإثنين مايو 13, 2013 12:40 am

    اهتمام العلماء بعلم التوحيد
    تتضح هذه الأهمية من خلال العناصر التالية:

    1- وجوب النصح للأمة عامة، وللدعاة وطلاب العلم خاصة، فقد ثبت عنه صلى الله عليه وسلم أنه قال:"الدين النصيحة -ثلاثاً- فقال الصحابة: لمن يا رسول الله؟ فقال: "لله ولكتابه ولرسوله ولأئمة المسلمين وعامتهم "


    2- إن الله خلق الخلق وأنـزل الكتب، وأرسل الرسل بالتوحيد "وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْأِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ" (الذريات:56)، أي: يوحدون.


    3- ضعف العناية بالتوحيد، وجعله من الثانويات، والانشغال عنه بغيره مما هو فرع عنه، وإذا نظرنا إلى الدروس والمحاضرات والكتابات الخاصة بالتوحيد وجدناها لا تتناسب مع أهميته.


    4- الخطأ في فهم التوحيد وتجزئته وقصره على بعض أفراده، وسيتضح هذا الأمر من خلال هذه الرسالة.


    5- ضعف أثر التوحيد عند كثير من المسلمين، مع أنهم درسوا التوحيد وتعلموه.


    6- مطالبة أعداء التوحيد بالكف عن الحديث فيه، وتحجيمه، وحذف بعض المناهج الخاصة به.


    7- انتشار البدع، وبعض الشركيات القولية والفعلية.


    8- تحول التوحيد إلى علم نظري معرفي فقط، بل هناك من أدخله تحت مسمى الفلسفة والجدليات.


    9- جهل كثير من المسلمين لأمور هي من أصول العقيدة، كالولاء والبراء، وشرك الأحياء والأموات، ونحو ذلك.


    10- إنه لن يصلح آخر هذه الأمة إلا بما صلح به أولها، وهل صلح إلا بكون (التوحيد أولاً).


    11- إن هناك من يرى أن التركيز على التوحيد والبداءة به قد يكون عائقا أمام وحدة الأمة، وتأليف الشعوب الإسلامية، واجتماع كلمة الدعاة.


    فيتحاشى مناقشة أمور العقيدة خوفاً من الفرقة -كما يتوهم- ويجمع الناس على عمومات لا تثبت عند الملمات، وهو يحسب أنه يحسن صنعاً، وقد أساء فهماً فأساء فعلاً.


    ومما سبق يتضح لنا أهمية دراسة أن "التوحيد أولاً"


    من كتاب التوحيد أولا : للمؤلف
    عبد الله بن عبد الرحمن الجبرين


    _________________


    قناتي على موقع يوتيوب :
    https://www.youtube.com/channel/UCm8N-tHwIFM7hPnwtLrBMpg
    مدونتي:
    https://ahmed26413.blogspot.com.eg/

    أحمد
    إدارة ثمار الأوراق
    إدارة ثمار الأوراق

    عدد الرسائل : 16657
    الموقع : القاهرة
    نقاط : 38587
    تاريخ التسجيل : 17/09/2008

    رد: علم الكلام - علم التوحيد

    مُساهمة من طرف أحمد في الإثنين مايو 13, 2013 12:41 am

    بيان أهمية علم التوحيد وأنه أفضل العلوم
    علم التوحيد هو علم يفيد معرفة الله على ما يليق به ومعرفة رسوله على ما يليق به، وتنزيه الله عما لا ‏‏يجوز عليه، وتبرئة الأنبياء عما لا يليق بهم، أو يقال: هو العلم الذي يعرف به ما يجوز على الله وما ‏يليق ‏به وما لا يجوز عليه وما يجب له من أن ُيعرف في حقه سبحانه وتعالى. قال الإمام الجنيد ‏البغدادي سيد ‏الطائفة الصوفية: التوحيد إفراد القديم من المُحدث " (1).‏

    وقال الشيخ أبو علي الرُّوذباري (2) تلميذ الجنيد:
    " التوحيد استقامة القلب بإثبات مفارقة التعطيل ‏‏وإنكار التشبيه، والتوحيد في كلمة واحدة كل ما صورته الأوهام والأفكار فالله سبحانه بخلافه لقوله ‏‏تعالى: (لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ البَصِيرُ{11}" سورة الشورى "اهـ ‏
    وقال الحافظ ابن حجر العسقلاني في شرحه على صحيح البخاري(3):
    "أهل السنة فسروا التوحيد ‏بنفي ‏التشبيه والتعطيل "اهـ

    واعلم أن شرف هذا العلم على غيره من العلوم لكونه متعلقا بأشرف المعلومات التي هي أصول ‏الدين ‏أي معرفة الله ورسوله صلى الله عليه وسلم. والعلم بالله تعالى وصفاته أجلّ العلوم وأعلاها ‏وأوجبها ‏وأولاها، ويسمى علم الأصول وعلم التوحيد وعلم العقيدة، وقد خصّ النبي صلى الله عليه ‏وسلم. نفسه ‏بالترقي في هذا العلم فقال: " أنا أعلمكم بالله وأخشاكم له " (4) فكان هذا العلم

    ‏‏ أهمّ العلوم تحصيلاً وأحقّها تبجيلاً وتعظيماً قال تعالى: فَاعْلَمْ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَاسْتَغْفِرْ لِذَنبِكَ ‏‏‏{19}: سورة محمد، قدّم الأمر بمعرفة التوحيد على الأمر بالاستغفار لتعلّق التوحيد بعلم ‏الأصول، ‏وتعلق الاستغفار لعلم الفروع.‏

    وروى البخاري في صحيحه (5) عن أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم ‏‏سُئِلَ: أي العمل أفضل؟ قال: إيمان بالله ورسوله".‏

    وصح عن جُندُب بن عبد الله أنه قال:
    كنا مع النبي صلى الله عليه وسلم ونحن فتيان حَزاوِرَة ‏‏(6)، ‏فتعلمنا الإيمان قبل أن نتعلم القرءان ثم تعلمنا القرءان فازددنا به إيمانا، رواه ابن ماجه (7).‏

    فهذا يدل على أهمية علم التوحيد الذي كان لعلماء السلف اهتمام بالغ في تحصيله وتعليمه للناس، ‏‏قال الإمام أبو حنيفة رضي الله عنه في "الفقه الأبسط لما (8): "الفقه في الدين أفضل من الفقه في ‏‏الأحكام، والفقه معرفة النفس ما لها وما عليها" اهـ.‏

    وقال أيضاً (9):
    أصل التوحيد وما يصح الاعتقاد عليه وما يتعلق منها بالاعتقاديات هو الفقه ‏الأكبر" ‏اهـ.‏

    وفي"فتاوى قاضيخان "(10) على مذهب أبي حنيفة رضي الله عنه ما يدلى.

    على أهمية الاعتناء بعلم التوحيد وتعليمه للناس، فقد ورد فيه ما نصه: ‏
    ‏" تعليم صفة الخالق مولانا جل جلاله للناس وبيان خصائص مذهب أهل السنة والجماعة من أهم ‏الأمور، ‏وعلى الذين تصدّوا للوعظ أن يلقنوا الناس في مجالسهم على منابرهم ذلك، قال الله تعالى:

    ( ‏وَذَكِّرْ فَإِنَّ ‏الذِّكْرَى تَنفَعُ الْمُؤْمِنِينَ {55} ) سورة الذاريات.

    وعلى الذين يؤمّون في المساجد أن ‏يعلّوا جماعتهم ‏شرائط الصلاة وشرائع الإسلام وخصائص مذاهب الحق،وإذا علموا في جماعتهم ‏مبتدعاً أرشدوه وإن كان ‏داعياً إلى بدعته منعوه وإن لم يقدروا رفعوا الأمر إلى الحكام حتى يجلوه عن ‏البلدة إن لم يمتنع، وعلى العالم ‏إذا علم من قاض أو من ءاخر يدعو الناس إلى خلاف السنة أو ظن منه ‏ذلك أن يعلم الناس بأنه لا يجوز ‏اتباعه ولا الأخذ عنه فعسى يخلط في أثناء الحق باطلاً يعتقده العوامّ ‏حقّاً ويعسر إزالته! اهـ.‏

    قال الحافظ ابن عساكر (11):
    "أخبرنا الشيخ الإمام أبو نصر عبد الرحيم ابن عبد الكريم بن هوازن ‏‏إجازة قال: سئل أبي الأستاذ أبو القاسم القشيري رحمه الله فقيل له: أرباب التوحيد هل يتفاوتون فيه؟

    ‏‏فقال:
    إن فرقت بين مصل ومصل وعلمت أن هذا يصلي قلبه مشحون بالغفلات وذاك يصلي وقلبه ‏‏حاضر ففرق بين عالم وعالم، هذا لو طرأت عليه مشكلة لم يمكنه الخروج منها وهذا يقاوم كل عدو ‏‏للإسلام ويحل كل معضلة تعز في مقام الخصام، وهذا هو الجهاد الأكبر فإن الجهاد في الظاهر مع أقوام ‏‏معينين وهذا جهاد مع جميع أعداء الدين وهو ءايات بينات في صدور الذين أوتوا العلم، وللخراج في ‏البلد ‏قانون معروف إذا أشكل خراج بقعة رجع الناس إلى ذلك القانون، وقانون العلم بالله قلوب ‏العارفين به، ‏فرواة الأخبار خزان الشرع والقراء من الخواص والفقهاء حفظة الشرع وعلماء الأصول ‏هم الذين يعرفون ‏ما يجب ويستحيل و يجوز في حق الصانع وهم الأقلون اليوم.‏

    رمى الدهر بالفتيان حتى كأنهم ‏ بأكناف أطراف السماء نجوم‏

    وقد كنا نعدهم قليلا ‏ ‏ فقد صاروا أقل من القليل‏

    ‏ قلت:
    عناية الناس بعلم الأصول إذ ليس فيه وقف ورفق يأكلونه فميلهم إلى ما يقربهم من الدنيا ‏ويوليهم الأوقاف ‏والقضاء والطريق أيضاً مشكل فهو علم عزيز والطريق إلى الأعزة عزيز وقد يرى ‏بعض الجواهر أثبت له درة من ‏العز فلا توجد إلا عند الخواص فهو وإن كان حجراً غير مبتذل فما ‏الظن بجوهر المعرفة.‏

    أخبرنا الشريف أبو القاسم علي بن إبراهيم العلوي وأبو الحسن علي ابن أحمد الغساني قالا: ثنا أبو ‏بكر أحمد ‏بن علي بن ثابت الخطيب قال: أنا أبو طالب عمر بن إبراهيم الفقيه الزهري قال: ثنا ‏الحسن بن الحسين ‏الشافعي الهمذاني قال: أنشدني أبو عبد الله بن مجاهد المتكلم لبعضهم:‏

    أيها المقتدي ليطلب علما كل علم عبد لعلم الكلام تطلب الفقه كي تصحح حكماً ثم اغفلت منزل ‏الأحكام " ‏اهـ

    ‏ فظهر من ذلك أن صرف الهمّة لتحصيل هذا العلم وتعليمه للناس مقدم على غيره من العلوم، لأن ‏العبادة لا تصح ‏إلا بعد معرفة المعبود كما قال الغزالي رحمه الله تعالى، وذلك لأنه من يشبّه الله تعالى ‏بشئ ما لم تصح عبادته لأنه ‏يعبد شيئاً تخيّله وتوهمه في مخيلته وأوهامه، قال الله تعالى: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ ‏آمَنُوا قُوا أَنفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَارًا وَقُودُهَا ‏النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ عَلَيْهَا مَلَائِكَةٌ غِلَاظٌ شِدَادٌ لَا يَعْصُونَ اللَّهَ مَا ‏أَمَرَهُمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ {6} ) ( سورة ‏التحريم)" قال سيدنا علي رضي الله عنه في تفسير هذه ‏الآية. "علّموا أنفسكم وأهليكم الخير" رواه الحاكم في ‏‏"المستدرك "(12)، يعني أن حفظ النفس ‏والأهل من النار التي عظَّم الله أمرها يكون بتعلم الأمور.

    الدينية أي معرفة ما فرض الله فعله أو اجتنابه أي الواجبات والمحرمات وذلك كي لا يقع في عبادة ‏فاسدةٍ، ‏وبتعلم ما يجوز اعتقاده وما لا يجوز وذلك كي لا يقع في التشبيه والتمثيل والكفر والضلال.‏

    فلأهمية هذا الأمر العظيم كان لنا الاعتناء الشديد بهذا العلم، وقد ‏لاقينا من ‏جرَّاء ذلك معارضة من الذين لا ينزلون الأمور بمراتبها لا سيما من مشبهة هذا العصر وهم ‏الوهابية الذين ‏ينشرون عقيدة المجسمة التي أخذوها من ابن تيمية ومحمد بن عبد الوهاب ويحاربون ‏عقيدة أهل السنة ‏متسترين بستار السلفية والسلف براء منهم، فنحمد الله تعالى أن جعلنا ممن ينصرون ‏عقيدة أهل الحق ‏المؤيَّدة بالكتاب والسنة والأدلة العقلية، وسبحان الله والحمد لله رب العالمين.‏

    --------------------------------------
    المصادر
    ‏(1) الرسالة القشيرية (ص/ 3).‏
    ‏(2) المصدر السابق (ص/ 5).‏
    ‏(3) فتح الباري (13/ 344).‏
    ‏(4) بوّب البخاري في صحيحه: كتاب الإيمان: باب قول النبي صلى الله عليه وسلم. " أنا أعلمكم ‏بالله "‏
    ‏(5) صحيح البخاري:كتاب الإيمان:باب من قال إن الإيمان هو العمل.‏
    ‏(6) حزاورة: جمع حَزَوَّر وهو الغلام إذا اشتد وقوي.‏
    ‏(7) سنن ابن ماجه: المقدمة.‏
    ‏(8) إشارات المرام (ص/ 28- 29).‏
    ‏(9) المصدر السابق.‏
    ‏(10) فتاوى قاضيخان (مطبوعة بهامش الفتاوى الهندية): الباب الثاني فيما يكون كفراً من المسلم ‏‏وما لا يكون (2/ 320).‏
    ‏(11) تبيين كذب المفتري (ص/ 356- 357).‏
    ‏(12) المستدرك (2/ 494).‏

    ===============
    موقع أهل السنة والجماعة


    _________________


    قناتي على موقع يوتيوب :
    https://www.youtube.com/channel/UCm8N-tHwIFM7hPnwtLrBMpg
    مدونتي:
    https://ahmed26413.blogspot.com.eg/

    أحمد
    إدارة ثمار الأوراق
    إدارة ثمار الأوراق

    عدد الرسائل : 16657
    الموقع : القاهرة
    نقاط : 38587
    تاريخ التسجيل : 17/09/2008

    رد: علم الكلام - علم التوحيد

    مُساهمة من طرف أحمد في الإثنين مايو 13, 2013 12:42 am

    ما يجب من علم التوحيد على كل مكلفٍ وما يجب على بعض المكلفين
    فالأول:
    ويسمى فرضاً عينيّاً وهو الإيمان بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر، والقدر خيره ‏وشره، والجنة ‏والنار، والثواب على الطاعة والعقاب على المعصية وسؤال القبر ونحو ذلك.‏

    والثاني:
    أى الواجب الكفائي معرفة العقائد الإيمانية بدلائلها النقلية الواردة في القرءان والحديث، ‏والأدلة ‏العقلية إلى الحد الكافي لرد الملحدين.‏

    أي يجب أن يكون في المسلمين من يعرف الأدلة الكافية لإبطال تمويهات الملحدين ونحوهم من سائر ‏أعداء ‏الإسلام، والمحرفين للدّين من المنتسبين إليه وهم ليسوا منه كالقاديانية والبهائية وغيرهم.‏

    فلو خلت بلدة من بلاد المسلمين ممن يقوم بالرد عليهم ودحض تشكيكاتهم وتمويهاتهم أثم أهل البلدة ‏‏كلهم.‏

    وكذلك يجب وجود من يقوم بالرد على المبتدعين الذين هم مسلمون عصاة ضلال فساق كالخوارج.‏

    ويقال بعبارة أخرى: الواجب العيني من هذا العلم قسمان:‏

    قسم لا يحصل أصل الإسلام الذي لا يحصل النجاة من الخلود الأبدي في النار إلا به وهو معرفة الله ‏‏ورسوله فلا يحصل النجاة من الخلود الأبدي في النار بدون ذلك. فمن عرف الله ورسوله بلا ارتياب ‏ولم ‏يستحضر ما سوى ذلك من أصول العقيدة ونطق بلا إله إلا الله‎ ‎محمد رسول الله ولو مرة في ‏العمر ولم ‏يؤد الفرائض لكنه لا ينكرها فهو مسلم عاص، ويقال له أيضاً مؤمن مذنب.‏

    وقسم يحصل به أصل الإسلام مع زيادة وهو معرفة جميع الضروريات في الاعتقاد وذلك معرفة ثلاث ‏‏عشرة صفة لله تعالى وهي.‏

    الوجودُ والقدم (أي الأزلية) والبقاءُ والمخالفةُ للحوادث والقيامُ بالنفس ( أي أنه لا يحتاج إلى غيره) ‏‏والوَحدانية والقدرة والإرادة والسمع والبصر والكلام والعلم والحياة، ومعرفة أن للأنبياء صفة الصدق ‏‏والأمانة والتبليغ والفطانة والعصمة وجواز الأعراض البشرية عليهم التي لا تؤدّي إلى الحط من ‏مراتبهم.

    ‏وبقية ما يتبع ذلك من الإيمان بالملائكة وكتب الله ورسله واليوم الآخر والقدر خيره وشره ‏والبعث بعد ‏الموت والثواب والعقاب والجنة والنار والميزان والصراط والحوض وسؤال القبر وغيره ‏كأبدية الجنة والنار ‏ونعيم الجنة وعذاب النار والحساب ونحو ذلك.‏

    قال شمس الدين الرملي الشافعي في شرحه على كتاب الزُّبد (1) ممزوتجا بالمتن:
    " (والعِلْمُ أسْنَى سائِرِ ‏‏الأعمالِ ) أي العلم أرفع وأفضل من سائر الأعمال التي يتقرب بها إلى الله تعالى لأدلة أكثر من أن ‏تحصر ‏وأشهر من أن تذكر كقوله تعالى: ( شَهِدَ اللّهُ أَنَّهُ لاَ إِلَـهَ إِلاَّ هُوَ وَالْمَلاَئِكَةُ وَأُوْلُواْ الْعِلْمِ قَآئِمَاً ‏بِالْقِسْطِ ‏‏{18} سورة ءال عمران، وقوله تعالى: ( إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاء {28}) سورة ‏فاطر، وخبر ‏مسلم (2): "إذا مات " الإنسان" (3) انقطع عمله إلا من ثلاثة " إلا" (4) صدقة- ‏جارية أو علم ينتفع‏ به أو ولد صالح يدعو له "، وخبر ابن حبان (5) والحاكم (6) في صحيحهما: (إن الملائكة لتضع ‏‏أجنحتها لطالب العلم رضى بما يصنع "، وخبر الترمذي (7) وغيره : " فضل العالم على العابد ‏كفضلي ‏على أدناكم " ولأن أعمال الطاعة مفروضة ومندوبة، والمفروض أفضل من المندوب، والعلم ‏منه لأنه إما ‏فرض عين وإما فرض كفاية، قال الشافعي رضي الله تعالى عنه: طلب العلم أفضل من ‏صلاة النافلة.‏

    والألف واللام في "العلم " للاستغراق أو للجنس أو للعهد الذكري أو الذهني أي الشرعي الصادق ‏‏بالتفسير والحديث والفقه (وهو دليل الخير والإفضَال) أي أن العلم دليل الخير أي الفوز بالسعادة ‏‏الأخروية، والإفضال الإنعام، قال صلى الله عليه وسلم : "من سلك طريقاً يطلب فيه علماً سلك الله ‏به ‏طريقا من طرق الجنة" (8).‏

    ثم العلم ينقسم إلى فرض عين وفرض كفاية وقد شرع (9) في ذكرهما مبتدئاً بالأول منهما فقال ‏‏(فَفَرْضُهُ ‏عِلْمُ صِفَاتِ الفَرْدِ) أي أن من فروض العين علم صفات الله تعالى (10) وما يجب له وما ‏يمتنع عليه ككونه ‏موجوداً واحداً قديماً ليس بجسم.

    ولا جوهر ولا عرض ولا مختصّ بجهة ولا مستقرّ ‏على مكان، حيّاً قادراً ‏عليماً مريداً سميعاً بصيراً باقياً متكلماً قديم الصفات خالقاً أفعال العباد منزَّهاً ‏عن حلول الحوادث.

    ولا ‏يعتبر فيها العلم بالدليل بل يكفي فيها الاعتقاد الجازم (مع عِلمِ ما يحتاجهُ ‏المُؤَدّي) أي المكلف بفرائض الله ‏تعالى (مِنْ فَرْضِ دينِ الله في الدوام) أي فرائض الله تعالى مما لا يتأتى ‏فعلها إلا به (كالطُّهْرِ ) عن الحدَث بوضوء أو غسل أو تيمم، والخبث مغلظاً أو متوسطاً أو مخففاً ( ‏والصلاةِ والصيامِ ) فإن من لا يعلم ‏أركان العبادة وشروطها لا يمكنه أداؤها.

    وإنما يتعين تعلم ‏الأحكام الظاهرة دون الدقائق والمسائل التي لا ‏تعم بها البلوى، وخرج بقوله: (في الدوام) ما لا جب ‏في العمر إلا مرة وهو الحج والعمرة وما لا يجب في ‏العام إلا مرة وهو الزكاة فلا يتعين علم ما يحتاج ‏إليه في أدائها إلا على من وجبت عليه، فمن له مال ‏زكوي يلزمه تعلم ظواهر أحكام الزكاة، وإن ‏كان ثم ساع يكفيه الأمر، فقد يجب عليه ما لا يعلمه ‏الساعي.

    وكالفرض فيما ذكره النفل إذا أراد ‏فعله إذا تعاطي العبادة الفاسدة حرام (والبَيْعِ لِلمُحْتَاجِ ‏لِلتَّبايُع ) فيتعين على متعاطي البيع والشراء تعلم ‏أحكامهما، حتى يتعين على الصيرفي أن يعلم عدم جواز ‏بيع الذهَب بالذَّهب والفضة بالفضة إلا مع ‏الحلول والمماثلة والقبض قبل التفرق ولا بيع أحدهما بالآخر ‏إلا مع الحلول والقبض قبل التفرق ‏‏(وظَاهِرِ الأحْكَامِ في الصنَائِعِ ) فيتعين تعلم ظاهر الأحكام الغالبة فيها ‏على من يعانيها دون الفروع ‏النادرة والمسائل الدقيقة حتى يتعين على الخباز أن يعلم أنه لا يجوز بيع خبز ‏البر بالبر ولا بدقيقه، ‏ويتعين علم ما يحتاج إليه في المناكحات ونحوها (وعلم داءٍ للقلوبِ مُفْسدِ ) لها ‏ليحترز عنه وهو علم أمراضها التي تخرجها عن الصحة فيعلم حدها وسببها وعلاجها (كالعُجْبِ ) وهو استعظام ‏‏الآدمي نفسه على غيره والركون إليها مع نسيان إضافتها للمنعم ( والكِبْرِ ) وهو أن يتعدى الشخص ‏‏طوره وقدره وهو خُلُقٌ في النفس وأفعال تصدر من الجوارح ( وَدَءِ الحَسَدِ ) وهو كراهتك نعمة الله ‏على ‏غيرك ومحبتك زوالها عنه وعمل بمقتضاه، ثم ذكر القسم الثاني وهو فرض الكفاية وبه شرع في ‏أصول ‏الفقه فقال (وما سِوى هذا مِنَ الأحْكَامِ ، فَرْضُ كِفَايَةٍ على الأنام ) أي ما سوى فرض العين ‏من علوم ‏أحكام الله كالتوغل في علم الكلام بحيث يتمكن من إقامة الأدلة وإزالة الشبه فرض كفاية ‏على جميع ‏المكلفين الذين يمكن كلا منهم فعله، فكل منهم مخاطب بفعله لكن إذا فعله البعض سقط ‏الحرج عن ‏الباقين، فإن امتنع جميعهم من فعله أثم كل من لا عذر له ممن علم ذلك وأمكنه القيام به أو ‏لم يعلم وهو ‏قريب يمكنه العلم به بحيث ينسب إلى التقصير، ولا إثم على من لم يتمكن لعدم وجوبه ‏عليه " اهـ.‏

    وقد ألف الحافظ البيهقي الشافعي رحمه الله تعالى كتاباً في بيان ما يجب على المكلفين اعتقاده ‏والاعتراف ‏به سماه "الاعتقاد والهداية إلى سبيل الرشاد".‏

    وكذلك السادة الصوفية الصادقون يقدّمون معرفة علم التوحيد على غيره من العلوم أي أول ما ‏يوجبون ‏على المكلف هو الإيمان بالله وهو أصل الواجبات أي الاعتقاد الجازم بوجوده تعالى على ما ‏يليق به وهو ‏إثبات وجوده بلا كيفية ولا كميَّة ولا مكان، والإيمان برسوله محمد صلى الله عليه وسلم ‏وبأن ما جاء به ‏هو الحق المبين.‏

    روى أبو القاسم القشيري في رسالته (11) بإسناده إلى أبي محمد رُوَيْم بن أحمد البغدادي أنه سئل ‏عن أول ‏فرض افترضه الله عز وجل على خلقه ما هو؟ فقال: "المعرفة لقوله جل ذِكْره (وَمَا خَلَقْتُ ‏الْجِنَّ وَالْإِنسَ ‏إِلَّا لِيَعْبُدُونِ{56}) سورة الذاريات) قال ابن عباس: إلا ليعرفون " اهـ.‏

    ثم قال القشيري (12):
    "وقال الجُنَيْد: إن أوّل ما يحتاج إليه العبد معرفة صفة الخالق من المخلوق ‏وصفة ‏القديم مِن المحدَث " اهـ.

    وقال الحافظ ابن حجر العسقلاني في شرح صحيح البخاري (13):
    "قوله عزَّ وجلَّ: ( رَّبِّ زِدْنِي ‏‏عِلْمًا{114}) سورة طه، واضح الدلالة في فضل العلم، لأن الله تعالى لم يأمر نبيه صلى الله عليه ‏وسلم ‏بطلب الازدياد من شئ إلا من العلم، والمراد بالعلم العلم الشرعي الذي يفيد معرفة ما يجب ‏على ‏المكلف من أمر دينه في عباداته ومعاملاته، والعلم بالله وصفاته، وما يجب له من القيام بأمره ‏وتنزيهه عن ‏النقائص " اهـ.‏

    فالحاصل أنه يجب على الأبَوَيْن نحوَ أولادهما تعليم الصبي والصبية ما يجب عليهما بعد البلوغ أي مِن ‏أمور ‏الدين الضرورية التي يشترك في معرفتها الخاصُّ والعامُّ، وهو ما كان من أصول العقيدة مِن ‏وجود الله بلا ‏كَيْف ولا مكان، وَوَحْدَانِيَّتِهِ، قِدَمِه وبقائه، وعدم احتياجه.

    إلى أحد من خلقه، ومخالفته ‏للحوادث في ‏الذات والصفات أي أنه لا يشبه الضَّوءَ ولا الظلامَ ولا الإنسان ولا النبات ولا ‏الجمادات من الكواكب ‏وغيرِها، وأن لله قدرةّ وإرادةّ، وأن إرادته لا تتغير ولا تتبدل، وسمعاً أي ‏يسمع المسموعات كلها بلا أذن، ‏وبَصراً أي يرى من غير أن يكون له حدقة، وعلماً، وحياة أزلية ‏أبدية ليست بروح ولا دم ولا قلب، ‏وكلاماً ليس بحرف ولا صوت ولا لغة.

    وأن محمداً عبد الله ‏ورسوله العربي الذي وُلِد بمكة وبُعثَ بها ‏وهاجر إلى المدينة ودفن فيها، وأنه صادق في جميع ما أَخبر ‏به وبلغه عن الله تعالى سواء كان مِن أخبار مَن ‏قبله من الأمم والأنبياء وبدءِ الخلق، أو من التحليل أو ‏التحريم لبعض أفعال وأقوال العباد، أو مما أَخبر به ‏مما يحدث في المستقبل في الدنيا وفي الآخرة كالإيمان ‏بعذاب القبر ونعيمه وسؤال الملكين منكرٍ ونكيرٍ ‏والبعث والحشر والقيامة والحساب والثواب ‏والعذاب والميزان والنار والصراط والحوض والشفاعة والجنة ‏والرؤية لله تعالى في الآخرة بلا كيف ولا ‏مكان ولا جهة، وأنه خاتم الأنبياء، وأن الله أرسل أنبياء أولهم ‏ءادم وءاخرهم محمد كلهم موصوفون ‏بالصدق والأمانة والذكاء والتبليغ فيستحيل عليهم الخيانة والرذالة ‏والسفاهة والبلادة، وتجب لهم ‏العصمة من الكفر المعاصي الصغيرة التي فيها خسَّة ودناءة، والعصمة من ‏المعاصي الكبيرة أيضاً كالزنى ‏والسرقة وشرب الخمر قبل النبوة وبعدها، وأنه أنزل كُتباً مع الأنبياء، وأن، ‏لله ملائكة ليسوا ذكوراً ‏ولا إناثاً لا يعصون الله ما أمرهم ويفعلون ما يُؤْمرون، وأن الله سيفني الجن ‏والإنس ثم يُعادون إلى ‏الحياة وأنهم يجازَوْن بعد ذلك على حسناتهم بالنعيم المقيم وعلى سيئاتهم بالعذاب ‏الأليم، وأن الله أعدَّ ‏للمؤمنين داراً يتنعمون فيها تُسمّى الجنة وللكافرين داراً تسمى جهنم.‏

    فهذا وما أشبه ذلك يجب على العبد معرفته.‏

    ---------------------------------
    المصادر:
    ‏(1) غاية البيان (ص/ 18- 19- 20).‏
    ‏(2) في الأصل مذكور كلمة "الصحيحين " والصواب كما ذكرناه فوق لأن البخاري لم يخرج هذا ‏‏الحديث في صحيحه وإنما أخرجه مسلم وغيره: ) أنظر صحيح مسلم: كتاب الوصية: باب ما يلحق ‏‏الإنسان من الثواب بعد وفاته.‏
    ‏(3) في الأصل: "ابن ءادم" وما أثبتناه هو لفظ مسلم.‏
    ‏(4) هذه زيادة أضفناها من صحيح مسلم ليست مذكورة في الأصل.‏
    ‏(5) أنظر الإحسان بترتيب صحيح ابن حبان (2/307).‏
    ‏(6) 1 لمستدرك (1/ 100- 101).‏
    ‏(7) سنن الترمذي: كتاب العلم: باب ما جاء في فضل الفقه على العبادة .‏
    ‏(8) سنن أبي داود: كتاب العلم: باب الحث على طلب العلم.‏
    ‏(9) أي ابن رسلان صاحب متن الزُبد.‏
    ‏(10) وهي الصفات الثلاث عشرة التي مرّ ذكرها
    ‏(11) الرسالة القشيرية (ص/ 3).‏
    ‏(12) المصدر السابق (ص/ 4).‏
    ‏(13) فتح الباري (1/ 141).‏

    =============
    موقع أهل السنة والجماعة


    _________________


    قناتي على موقع يوتيوب :
    https://www.youtube.com/channel/UCm8N-tHwIFM7hPnwtLrBMpg
    مدونتي:
    https://ahmed26413.blogspot.com.eg/

      الوقت/التاريخ الآن هو الجمعة ديسمبر 02, 2016 3:16 pm