ثمار الأوراق

ثمار الأوراق

(ثمار الأوراق) : منتدى إسلامي / تعليمي / دعوي على عقيدة (أهل السنة و الجماعة) ، يهتم بنشر العلم الشرعي و العربية و التاريخ الإسلامي و كل ما ينفع المسلم


    جواهر البلاغة في المعاني والبيان والبديع للسيد أحمد الهاشمي

    شاطر

    أحمد
    إدارة ثمار الأوراق
    إدارة ثمار الأوراق

    عدد الرسائل : 16657
    الموقع : القاهرة
    نقاط : 38587
    تاريخ التسجيل : 17/09/2008

    جواهر البلاغة في المعاني والبيان والبديع للسيد أحمد الهاشمي

    مُساهمة من طرف أحمد في السبت أبريل 13, 2013 4:50 am

    جواهر البلاغة
    في المعاني والبيان والبديع


    تأليف
    السيد احمد الهاشمي بك
    مدير مدارس فؤاد الأول ـ ووليّ العهد بشيراً بمصر

    بسم الله الرحمن الرحيم
    حمداً لمن خصَّ سيَّد الرُّسل بكمال الفصاحة بين البَدو والحضَر وانطقهُ بجوامع
    الكلم فأعجزه بُلغاء رَبيعة ومُضر, وانزل عليه الكتاب المُفحِم بتحدَّيه مصاقِع بُلغاء
    الأعراب, وأتاه بحكمته أسرار البلاغة وَفَصلَ الخطاب, ومنحهُ الأسلُوب الحكيم([1]) في
    جوامع كلِمه, وخصَّ «السّعادة الأبدية» لمُقتفِى آثاره وحِكَمِه, صلى الله عليه وعلى آله
    وأصحابه «جواهر البلاغة» الذين نظموا لآلئ البديع في عُقود الإيجاز والإطناب, فَفُهنا
    بعد اللَّكن «بجواهر الإعراب» ونطقنا «بميزان الذهب» وطرزنا سطور الطروس «بجواهر
    الأدب» فصارت«المُفرد العَلم» في باب النّسب (وبعد) فإنَّ العلومَ أَرفعُ المطالب, وأنفع
    المآرب, وعلم البلاغة من بينها أجلُّها شأناً, وأبينها تبيانا, إذ هو الكفيل بإيضاح حقائق
    التنزيل, وإفصاح دقائق التأويل, وإظهار «دلائل الاعجاز» ورفع معالم الإيجاز,
    ولاشتغالي بتدريس البيان بالمدارس الثانوية, كانت البواعث داعية الى تاليف كتاب
    «جواهر البلاغة» جامعاً للمهمات من القواعد والتطبيقات ـ وأسأل المولى جل شأنه أن ينفع بهذا الكتاب, وهو المُوفّق للحق والصّواب.
    المؤلف
    السيد أحمد الهاشمي

    تمهيد
    لما وضع «علم الصرف» للنظر في أبنية الألفاظ
    ووضع علم النحو للنظر في إعراب ما تركب منها
    وضع «البيان([2])» للنظر في أمر هذا التركيب, وهو ثلاثة علوم:
    (العلم الأول) ما يحترز به عن الخطأ في تأديه المعنى الذي يريده المتكلم لإيصاله إلى ذهن السامع, ويسمى «علم المعاني».
    (العلم الثاني) ما يحترز به عن التعقيد المعنوي ـ أي عن أن يكون الكلام غير واضح الدلالة على المعنى المراد, ويسمى «علم البيان» (العلم الثالث) ما يراد به تحسين الكلام ويسمى (علم البديع) فعلم البديع تابع لهما إذ بهما يعرف التحسين الذاتي, وبه يعرف التحسين العرضي.
    والكلام باعتبار «المعاني والبيان» يقال إنه:
    «فصيح» من حيث اللفظ ـ لأن النظر في الفصاحة إلى مجرد اللفظ دون المعنى.
    «وبليغ» من حيث اللفظ والمعنى جميعاً ـ لأن البلاغة ينظر فيها الى الجانبين([3]).
    وأما باعتبار البديع فلا يقال إنه فصيح ولا بليغ, لأن البديع أمر خارجي يراد به تحسين الكلام لا غير.
    إذا تقرر ذلك, وجب على طالب البيان أن يعرف قبل الشروع فيه معرفة معنى «الفصاحة والبلاغة» لأنهما محوره, واليها مرجع أبحاثه.
    فهما الغاية التي يقف عندها المتكلم والكاتب, والضالة التي ينشدانها وما عقد أئمة البيان الفصول. ولا بوبوا الأبواب, إلا بغية أن يوقفوا المسترشد على تحقيقات, وملاحظات, وضوابط, اذا روعيت في خطابه. أو كتابه. بلغت الحد المطلوب من سهولة الفهم, وإيجاد الأثر المقصود في نفس السامع, واتصفت من ثم بصفة الفصاحة([4]) والبلاغة.

    مقدمة([5])
    (في معرفة الفصاحة والبلاغة)
    الفصاحة

    الفصاحة: تطلق في اللغة على معان كثيرة ـ منها البيان والظهور قال الله تعالى: (وأخي هارون هو أفصح مِنِّي لساناً) أي أبين منِّي منطقاً وأظهر منَّي قولاً.
    ويقال: أفصح الصبي في منطقه. إذا بان وظهر كلامه.
    وقالت العرب: أفصح الصبح. إذا أضاء, وفصح أيضا.
    وأفصح الأعجمي: إذا أبان بعد أن لم يكن يُفصح ويُبين.
    وفصح اللحان. إذا عبر عما في نفسه. وأظهره على وجه الصواب دون الخطأ.
    والفصاحة: في اصطلاح أهل المعاني, عبارة عن الألفاظ البينة الظاهرة, المتبادرة الى الفهم, والمأنوسة الاستعمال بين الكتاب والشّعراء لمكان حسنها.
    وهي تقع وصفا للكلمة, والكلام, والمتكلّم, حسبما يعتبر الكاتب اللفظة وحدها. أو مسبوكة مع أخواتها.

    فصاحة الكلمة
    1. خلوصها من تنافر الحروف: لتكون رقيقة عذبة. تخف على اللسان, ولا تثقل على السمع, فلفظ «أسد» أخف من لفظ «فدوكس».
    2. خلوصها من الغرابة, وتكون مألوفة الاستعمال.
    3. خلوصها من مخالفة القياس الصرفي, حتى لا تكون شاذة.
    4. خلوصها من الكراهة في السمع([6]).
    أما «تنافر الحروف»؛ فهو وصف في الكلمة يوجب ثقلها على السمع. وصعوبة أدائها باللسان: بسبب كون حروف الكلمة متقاربة المخارج ـ وهو نوعان:
    1. شديد في الثقل ـ كالظش (للموضع الخشن) ونحو: همخع «لنبت ترعاه الإبل» من قول أعرابي:
    * تركت ناقتي ترعى الهمخع*
    2. وخفيف في الثقل ـ كالنقنقة «لصوت الضفادع» والنقاخ «للماء العذب الصافي» ونحو: مستشزرات «بمعنى مرتفعات» من قول امرئ القيس يصف شعر ابنة عمه:
    غدائره مستشزراتٌ إلى العلا تضل العقاص في مُثنَّى ومرسل([7])
    ولا ضابط لمعرفة الثقل والصعوبة سوى الذوق السليم, والحس الصادق الناجمين عن النظر في كلام البلغاء وممارسة أساليبهم([8])
    واما غرابة الاستعمال, فهي كون الكلمة غير ظاهرة المعنى, ولا مألوفة الاستعمال عند العرب الفصحاء, لان المعول عليه في ذلك استعمالهم.
    والغرابة قسمان:
    القسم الاول: ما يوجب حيرة السامع في فهم المعنى المقصود من الكلمة: لترددها بين معنيين أو أكثر بلا قرينة.
    وذلك في الألفاظ المشتركة «كمسّرج» من قول رؤبة بن العجاج:
    ومقلةً وحاجباً مزججا وفاحماً ومرسنا مسرّجا([9]).
    فلا يعلم ما أراد بقوله «مسرَّجا» حتى اختلف أئمة اللغة في تخريجة.
    فقال«ابن دريد» يريد ان انفه في الاستواء والدقة كالسيف السّريجي.

    وقال «ابن سيده» يريد انه في البريق واللمعان كالسراج([10]).
    فلهذا يحتار السامع في فهم المعنى المقصود لتردد الكلمة بين معنيين بدون «قرينة» تعين المقصود منهما.
    فلأجل هذا التردد, ولأجل أن مادة (فعل) تدل على مجرد نسبة شيء لشيء, لا على النسبة التشبيهية: كانت الكلمة غير ظاهرة الدلالة على المعنى. فصارت غريبة.
    وأما مع القرينة فلا غرابة ـ كلفظة «عزَّر» في قوله تعالى: (فالذين امنوا وعزروه ونصروه) فانها مشتركة بين التعظيم والإهانة.
    ولكن ذكر النصر قرينة على ارادة التعظيم.
    القسم الثاني: ما يعاب استعماله لاحتياج الى تتبع اللغات وكثرة البحث والتفتيش في المعاجم «قواميس متن اللغة المطولة»:
    «أ» فمنه ما يعثر فيها على تفسير بعد كدّ. وبحث ـ نحو: تكأكأتم «بمعنى اجتمعتم» من قول عيسى بن عمرو النَّحوي:
    مالكم تكأكأتم([11]) عليّ, كتكأكئكم على ذي جنة([12]) إفر نقعوا عنّي([13])ـ ونحو (مشمخر) في قول: بشر بن عوانة. يصف الأسد:
    فخر مدرَّجاً بدم كأني هدمت به بناء مشمخرا
    «ب» ومنه ما لم يعثر على تفسيره نحو (جحلنجع) من قول ابي الهميسع

    من طمحة صبيرهاجحلنجع([14]) لم يحضها الجدول بالتنوع
    واما (مخالفة القياس) فهو كون الكلمة شاذَّة غير جارية على القانون الصرفي المستنبط من كلام العرب؛ بأن تكون على خلاف ما ثبت فيها عن العرف العربي الصحيح([15]) مثل (الأجلل) في قول أبي النجم:
    ألحمد لله العلي الأجلل الواحد الفرد القديم الأوَّل
    فإن القياس (الأجل) بالادغام، و لا مسوّغ لفكّه وكقطع همزة وصل «اثنين» في قول جميل:
    ألا لا أرى إثنين أحسن شيمةً على حدثان الدَّهر منَّى ومن جمل([16])
    ويستثنى من ذلك ما ثبت استعماله لدى العرب مخالفاً للقياس ولكنه فصيح.
    لهذا لم يخرج عن الفصاحة لفظتا (المشرق والمغرب) بكسر الراء, والقياس فتحها فيهما, وكذا لفظتا (المُدهُن والمنخُل) والقياس فيهما مِفْعَل بكسر الميم وفتح العين ـ وكذا نحو قولهم (عَوِر) والقياس عارَ: لتحرك الواو وانفتاح ما قبلها.
    واما (الكراهة في السمع) فهو كون الكلمة وحشية, تأنفها الطباع وتمجها الاسماع, وتنبو عنه, كما ينبو عن سماع الأصوات المنكرة.
    (كالجرشى ـ للنفس) في قول أبي الطيب المتنبي يمدح سيف الدولة
    مبارك الإسم أغرُّ اللقب كريم الجرشَّى شريف النَّسب

    وملخَّص القول ـ أن فصاحة الكلمة تكون بسلامتها من تنافر الحروف ومن الغرابة. ومن مخالفة القياس. ومن الابتذال. والضعف.
    فاذا لصق بالكلمة عيب من هذه العيوب السابقة وجب نبذها واطراحها.
    تطبيق (1)
    ما الذي أخل بفصاحة الكلمات فيما يأتي:
    قال يحيى بن يعمر: لرجل حاكمته امراته اليه «أئن سالتك ثمن شكرها وشبرك, اخذت تطلها وتضهلها([17]).
    وقال بعض أمراء العرب, وقد اعتلت أمّه, فكتب رقاعاً وطرحها في المسجد الجامع بمدينة السلام: صين امرؤ وَرَعَا, دعا لامراة انقحلة([18]) مقسئنة([19]) قد منيت بأكل الطرموق([20]) فأصابها من أجله الاستمصال([21]) بأن يمن الله عليها بالاطرعشاش([22]) والابرغشاش أسمع جعجعة([23]) ـ ولا أرى طحنا ـ الاسفنط([24]) ـ حرام ـ وهذا الخنشليل([25]) صقيل, والفدوكس مفترس([26]).
    يوم عصبصب وهلوف, ملأ السجسج طلا ([27]).
    أمنَّا أن تصرّع عن سماحٍ وللآمال في يدك اصطراع([28])
    وقال الفرزدق:
    واذا الرجال رأوا يزيد رأيتهم خُضعَ الرَّقاب نواكس الأبصار([29])
    و قال أبو تمّام:

    قد قلت لمّا اطلخمَّ الأمر وانبعثت عشواء تاليةً غيساً دهاريسا([30])
    وقال شمر:
    واحمق ممن يكرع الماء قال لي دع الخمر واشرب من نقاخ مُبّرد([31])
    يظل بموماة ويمسى بغيرها جحيشا ويعرورى ظهور المسالك([32])
    فلا يبرم الأمر الذي هو حالل ولا يُحللُ الأمر الذي هو يبرم([33])
    مقابل في ذرا الاذواء منصبه عيصاً فعيصاً وقدموساً فقدموسا
    وقال أبو تمام:
    نعم متاع الدنيا حباك به أورع لا جيدر ولا جبس
    وقال امرؤ القيس:
    رب جفنة([34]) مثعنجرة, وطعنة مسحنفرة, وخطبة مستحضرة وقصيدة محبّرة, تبقى


    غداً بأنقرة ـ أكلت العرين, وشربت الصّمادح([35]) إني اذا أنشدت لاحبنطى ([36]) نزل بزيد داهية خنفقيق([37]) وحل به عنقفير. لم يجدمنها مخلصاً. رأيت ماء نقاخا([38]) ينباع([39]) من سفح جبل شامخ. إخال أنك مصوون([40])ـ البعاق([41]) ملأ الجردحل
    فان يك بعض الناس سيفا لدولة ففي الناس بوقاتٌ لها وطبولُ([42])
    نقيُّ تقيُّ لم يكثر غنيمة بنكهة ذي القربى ولا بحقلّد
    إن بني للئام زهده مالي في صدورهم من مودده([43])
    رمتني ميّ بالهوى رمى ممضغ من الوحش لوطٌ لم تعقه الأوالس([44])
    بعينين نجلاوين لم يجر فيهما ضمان وجيدٍ حلى الدرّ شامس([45])
    علمي الى علمك كالقرارة في المثعنجر([46]).
    أنّ بعضاً من القريض هراءٌ ليس شيئا وبعضه إحكام
    فيه ما يجلب البراعة والفهـ م وفيه ما يجلب البرسامُ([47])
    ومن الناس من تجوز عليهم شعراء كأنها الخاز بازُ([48])
    تمرين (1)
    1. فرِّق بين التنافر في الكلمة, وفي الكلام, واذكر السبب؟
    2. اذكر مثالا للتعقيد اللفظي, وبين سبب هذا التعقيد, ثم ازله؟
    3. قد يلازم تنافر الحروف الغرابة, وقد تنفرد الغرابة عن التنافر. وضح ذلك بامثلة مبتكرة؟
    4. كل كلام بليغ يكون فصيحا ولا عكس. اشرح هذه العبارة واستشهد عليها بما يحضرك؟
    تمرين (ب)
    ميِّز الكلام الفصيح من غير الفصيح في كل ما يأتي, وبين السبب:
    (1) كلما قربت النفس من المال شبراً, بعدت عن الفضيلة ميلا.
    (2) شكت امرأة صمعمعة الرأس([49]), متعثكلة الشعر, درد بيساحلَّت بها.
    (3) نم وإن لم أنم كراى كراكا شاهدت الدمع, ان ذاك كذاكا
    (4) فأصبحت بعد خطِّ بهجتها كاز قفراً رسومها ([50]) قلما.
    (5) وازورَّ([51]) مَن كان لهُ زائراً وعاف عافى العُرف عرِفانَه.

    (6) وأكرمُ من غَمام عند مَحل فتىً يَحيِى بمدحته الكراما. ([52])
    (7) أشكوك كُوكك، كي ينفكَّ عن كنفي ولا ينيخ على الركَّاب كَلكله. ([53])
    (8) سأل كوفيٌّ خياطاً عن فرس ومُهر فقدَهُما فقال:
    «يا ذا النِّصاح ([54])– وذات السَّمِّ الطاعن بها في غير وغى لنير عِداً:
    هل رأيت الخيفانة القبَّاء، يتبعها الحسن المُرهف.
    (9) كتب أحدهم لصديقه يقول:
    «يا أحبَّ صواحبي وأعزَزهم علىّ، يؤلمني أن أُصبح مقَصوباً عنك هذا الإقصاي، وانت، منِِّى بمنزلة الروح من الجسد».
    تمرين
    (1) أيّ أجزاء هذين البيتين غير فصيح:
    (أ) أصبحتُ كالثوب اللّبيس قد أخلقت جدَّاتُه منه فعاد مذالا.
    (ب) رمتني ميّ بالهوى رمىَ مَمضغ من الوحش أو لوطٍ لم تعقهُ الأوالس.
    تطبيق
    ما الذي أخلّ بفصاحة الكلمات فيما يلي:
    وكل إثنين إلى افتراق
    لأنت أسودُ في عيني منَ الظُّلم([55])
    إتسعَ الفتقُّ على الرَّافِع([56])
    غداتئذٍ أو هالك في الهوالك([57])
    أنّى أجودُ لأقوامِ وان ضنُنوا
    من طول إملالٍ وظهرٍ مُملِلٍ([58])



    يا نفسُ صبراً كل حيٍ لاق
    أبعد بعدتَ بياضاً لا بياض له
    لا نَسبَ اليومَ ولاَ خُلَّة
    فأيقنتَ أنّى عند ذلك ثائِر
    مهلاً أعَازلَ قد جَرَّبتِ من خَلقي
    تشكو الوَجى من أظلَلٍ وأظلّل


    (1) وقال ابن جحدر:
    هَمَرجَلةٌ خُلُقها شَبـظَمُ([59])
    بها مِن وَحَى الجِنِّ زيز يزَم


    حلَفتُ بما أرفلت حَوله
    وما شَبرقَت من تَنُو فِيَّةٍ

    (2) وقال ذو الرُّمة:
    وهُن لا مُؤيِسٌ نأياً ولا كتَبُ([60])


    حتى اذا الهَبقُ أمسى شامَ أفرُخَهُ

    وقال أبو نواس:
    نَسيتَ أهلا وسَهلا


    يا مَن جَفاني وملأَّ

    تدريب (1)
    ما الذي أخلَّ بفصاحة الكلمات فيما يلي؟
    (1) قال النّابغة الذُّبياني:
    بُنِيَت بآجرٍ يُشادُ بقَرمَد([61])ِ


    أودُميَةٍ في مَرمَرٍ مَرفُوعة

    (2) وقال أبو تّمَّام:
    أجَأَ اُذا ثَقُلَت وكان خفيفا
    خُلُقَ الزَّمَان الفَدمِ عَاد ظَريفا([62])


    لكَ هَضبةُ الحِلم التي لو وَازَنَت
    وحلاوة الشّيم التي لو مَازَجَت

    (3) وقال المُتنبي:
    طِلاّبُ الطّالبِين لا الانتِظارُ


    يُوَسِّطه المَفاوزَ كلَّ يوم

    تدريب (2)
    ما الذي اخلِّ بفصاحة الكلمات فيما يأتي؟
    يخشى الحوادِث حازم مُستَعدد([63])
    على سَرَوات البَيت قُطن مُندفِ ([64])
    غدَاتئذٍ أو هالِكٌ في الهوَالك ([65])
    يَصيح الحصا فيها صِياح اللقائِقِ ([66])
    نُزول اليماني ذو العياب المُحمل([67])
    ولا القُنُوع بضنكِ العيشِ من شيمي([68])
    ى القنوعو

    (1) لم يَلقَهَا إى بشكَّه باسِلٍ
    (2) وأصبح مَبيضَّ الضَّريب كأنه
    (3) فأيقَنتُ أنِّى عند ذلك ثائرٌ
    (4) ومَلمُومَةٍ سيَفيَّةٍ رَبعيَّةٍ
    (5) والقىَ بصحراء الغبِيط بَعاعَهُ
    (6) ليس التَّعَللُ بالآمالِ من أربى


    فصاحة الكلام
    فصاحة الكلام: سلامته بعد فصاحة مفُرداته ممَّا يُبهم معناه ويحول دون المراد منه ([69]) – وتتحقَّق فصاحته بخلُوه من ستة عيوب (1) تنافر الكلمات مجتمعة (2) ضعف التأليف (3) التعقيد اللفظي (4) التعقيد المعنوي (5) كثرة التكرار([70]) (6) تتابُع الإضافات.
    الأول - «تنافُر الكلمات مُجتمعة» أن تكون الكلمات ثقيلة على السمع من تركيبها مع بعضها، عَسرة النّطق بها مُجتمعةً على اللّسان (وإن كان كل جزء منه على انفراده فصيحاً) والتنافر يَحصُل: إمِّا بتجاوُز كلمات متقاربة الحروف وإمّا بتكرير كلمة واحدة.
    (1) ومنه شديد الثِّقل: كالشطر الثاني في قوله:
    وَقبرُ حرب بمكان قفرٌ وَليس قَرب قبر حربٍ قبرُ([71])
    (ب) ومنه خفيف الثِّقل كالشطر الأول في قلو أبي تمَّام:
    كريم ٌ متى أمدَحهُ والورى معي: وإذا ما لمته لمته وحدي([72])
    الثاني - «ضعف التأليف» أن يكون الكلام جارياً على خلاف ما اشُتهر من قوانين النحو المعتبرة عند جُمهور العلماء – كوصل الضميرين، وتقديم غير الأعراف منهما على الأعرف- مع أنه يجب الفصل في تلك الحالة – كقول المتنبي:
    خَلتِ البلادُ من الغزالةِ ليلَهَا فأعاضهَاكَ اللهُ كي لا تحزنا
    وكالإضمار قبل ذكر مرجعه لفظا وَرتُبة وحكما في غير أبوابه ([73])نحو
    ولو أن مَجداً أخلدَ الدهرَ واحداً من الناس أبقى مجده الدهر (مطعما) ([74]).
    الثالث - «التعقيد اللفظي» هو كون الكلام خفيّ الدّلالة على المعنى المراد به – بحيث تكون الألفاظ غير مُرتبة على وفق ترتيب المعاني.
    (وينشأ ذلك التّعقيد من تقديم أو تأخير أو فصل بأجنبي بين الكلمات التي يجب أن تتجاور ويتصل بعضها ببعض) ([75]) وهو مذموم: لأنه يُوجب اختلال المعنى واضطرابه، من وضع ألفاظه في غير المواضع اللّائقة بها – كقول المتنبي
    جفخت وهم لا يجفخونَ بهابهم شيمٌ على الحسَب الأغر دلائل ([76])
    أصله – جفخت (افتخرت) بهم شيمَ دلائل على الحسب الأغر هم لا يجفخون بها.
    الرابع - «التعقيد المعنوي» كون التركيب خفىّ الدَّلالة على المعنى المراد ([77]) – بحيث لا يفهم معناه إلاّ بعد عناء وتفكير طويل.
    وذلك لخلل في انتقال الذهن من المعنى الأصلي إلى المعنى المقصود بسبب إيراد اللوازم البعيدة، المفتقرة إلى وسائط كثيرة، مع عدم ظهور القرائن الدّالة على المقصود «بأن يكون فهمُ المعنى الثاني من الأول بعيداً عن الفهم عُرفا ([78])» كما في قول عبّاس بن الأحنَف.
    سأصلبُ بُعد الدار عنكم لتقرُبوا وتسكبُ عيناي الدُّموع لتجـمُدا ([79])
    جعلَ سكبَ الدُموع كناية عمّا يلزم في فراق الأحبَّة من الحزن والكمد: فأحسن وأصابَ في ذلك، ولكنَّه أخطأ في جعل جمود العين كنايةً عمَّا يوجبه التَّلاقى من الفرح والسُرُور بقُرب أحبتّه، وهو خفىّ وبعيدٌ - ([80]) إذ لم يعرف في كلام العرب عند الدُّعاء لشخص بالسرور (أن يقال له جُمدت عينك) أو لا زالت عينك جامدةً، بل المعروف عندهم أنّ جمود العين إنّما يكنى به عن عدم البكاء حالة الحزن، كما في قول الخنساء.
    أعيني جودا ولا تجمُدا ألا تبكيانِ لصَخر النَّدى
    وكما في قول أبي عطاء يرثى ابن هُبيرة:
    ألا إنَّ عيناً لم تجدُ يومَ واسط عليك: بحارى دمعها لجمود ([81])
    وهكذا كل الكنايات التي تستعملها العرب لأَغراض ويُغَيرها المتكلمُ، ويريد بها أغراضاً أخرى تعتبر خروجاً عن سُنن العرب في استعمالاتهم – ويُعدّ ذلك تعقيداً في المعنى: حيث لا يكون المراد بها واضحاً.
    الخامس – «كثرة التكرار» ([82]):كون اللفظ الواحد: اسماً – كان أو فعلاً – أو حرفاً.
    وسواء أكان الاسم: ظاهراً – أو ضميراً، تعدّد مرَّة بعد أخرى بغير فائدة – كقوله:
    إنّي وأسطارٍ سُطرنَ سَطراً لَقائلٌ يا نصرُّ نصرُ نصراَ
    وكقول المتنبي:
    أقِل أنل اقطع اجمل علَّ سل أعد زد هشَّ بش تفضَّلُ أدِنِ سُرَّصل
    وكقول أبي تمَّام في المديح:
    كأنَّه في اجتماع الرُّوح فيه لَهُ في كلِّ جارحةٍ من جسمِهِ رُوحُ
    السادس - «تتابعُ الإضَافات» كون الاسم مضافا إضافةً مُتداخلة غالباً، كقول ابن بابك:
    حمامَةَ جَرعا حَومةِ الجَندَلِ لسجَعِي فأنتِ بمراى من سُعادَ ومَسمع ([83])
    وملخص القول: إنَّ فصاحة الكلام تكون بخُلوَّه من تنافر كلماته ومن ضعف تأليفه، وتعقيد معناه، ومن وضع ألفاظه في غير المواضع اللائقة بها.
    تطبيق
    بين العيوب التي أخلَّت بفصاحة الكلام فيما يأتي؟
    وغيري بغير اللازقيَّة لاحق
    وعافَ عافى العُرف عِرفانُه([84])
    وأبوكَ والثَّقَلاَنِ أنتَ محمدُ ([85])
    ويَجهل عِلمي أنه بيَ جاهل
    قَلاَقلَ همّ كلَّهنَّ قَلاَقلُ
    أبو أمّهِ حتى أبوه يقاربُه ([86])
    أبوه ولا كانت كُلَيبٌ تُصاهره ([87])
    سيَفهُ دُونَ عَرضِه مسلولُ ([88])
    ورقَّى نداهُ ذا النَّدَى في ذُرا المجد([89])
    في القول حتَّى يَفعل الشعراءُ ([90])
    وحُسن فعلٍ كما يُجزَى سِنمَّارُ ([91])
    به نَبتغى منهم عَديلاً نُبادِلهُ ([92])
    وكاد لو ساعدَ المقَدورُ ينتَصرُ


    لك الخيرُ غيري رَامَ من غيرك الغنى
    وازورَّ مَن كانَ له زائراً
    أنَّى يكونُ أبا البرايا آدمٌ
    ومن جاهل بي وهُوَ يجهَلُ جهلة
    وقَلقلت بالهمَّ الذي قَلقَلَ الحَشا
    وما مِثلهُ في النَّاس إلا مُمَلَّكاً
    إلى مَلك ما أمُّه من مُحَارب
    ليسَ إلاكَ يا عليُّ هُمامٌ
    كَسا حلمهُ ذا الحلم أثوابُ سُؤدُد
    من يهتدي في الفعل ما لا يهتدى
    جزَى بنوه أبا الغَيلاَن عن كِبر
    وما من فتىً كنَّا من النَّاس واحداً
    لمَا راى طالبوه مُصعباً ذُعِرُوا

    نشر الملك ألسنته في المدينة... مُريداً جواسيسه.
    أي – والصوَّاب «نشر الملك عيونه» ([93])
    كنَّا وكنتَ ولكن ذَاكَ لم يكن
    زُهيراً على ما جَرَّ من كلِّ جانِب
    أغرّ حلو مُمر ليّن شَرِس ([94])


    لو كنت كنت كتمت السَّر كنت كما
    ألاَ لَيتَ شِعري هل يَلومنَّ قومهُ
    دانٍ بعيدٍ مُحبّ مبغض بَهجٍ

    لأنت أسودُ في عيني من الظُّلم ([95])
    سبوحٌ لها منها عليها شواهد ([96])
    بها أسدِ اذ كَان سيفاً أميرها([97])
    تبكى عليك نُجومَ الليل والقمر ([98])
    لو كان مثلك في سِواها يوجَدُ
    يَرضى المعاشر منك إلاَّ بالرِّضا


    وتُسُعدني في غَمرَة بعدَ غمرَة
    ولبست خراسانُ التي كان خالدٌ
    والشمسُ طالعة ليست بكاسِفةٍ
    أرضٌ لها شَرَفٌ سوَاها مثلها
    والمجدُ لا يرضى بأن ترضى بأن

    في رفع عَرش الشَّر ع مثلك يَشرعُ
    يُهَدَّم ومن لم يظلم الناس يُظلِم ([99])
    ممَّا يَرى أون ناظرٌ متأمِّلُ ([100])
    كأنَّ قفراً رسومها قلَما ([101])
    اذا انتبهت توهَّمه ابتِشاكا ([102])


    ومن لم يذُد عن حوضه بسلاحه
    مُتحَيرين فباهِتٌ مُتعَجِّبٌ
    فأصبحت بعد خطِّ بهجتها
    وما أرضَى لمُقلتِهِ بحلم

    فصاحة المتكلم
    فصاحة المتُكلِّم: عبارةٌ عن المَلكة ([103]) التي يقتدر بها صاحبها على التعبير عن المقصود بكلام فصيح في أيِّ غرضٍ كان.
    فيكون قادراً بصفة الفصاحة الثابتة في نفسه على صياغة الكلام مُتمكّناً من التّصرف في ضُروبه بصيراً بالخوض في جهاته ومَنَاحِيه.
    أسئلة على الفصاحة يطلب أجوبتها
    ما هي الفصاحة لغة واصطلاحا؟ ما الذي يوصف بالفصاحة
    ما الذي يخرج الكلمة عن كونها فصيحة؟
    ما هي فصاحة المفرد؟ ما هو تنافر الحروف، وإلى كم ينقسم ؟..
    ما هي الغرابة وما موجبها ؟ ما هي مخالفة القياس؟ ما هي الكراهة في السمع؟
    ما هي فصاحة الكلام – وبما تتحقق ؟ ما هو تنافر الكلمات، وما موجبه وإلى كم يتنوَّع، ما هو ضعف التأليف ؟ ما هو التعقيد ؟ وإلى كم ينقسم ؟
    ما هو كثرة التكرار؟ ما هو تتابع الاضافات ؟ ما هي فصاحة المتكلم ؟
    البلاغة
    البلاغة في اللغة (الوُصول والأنتِهاء) يقال بلغ فلان مراده – إذا وصل اليه، وبلغ الركب المدينة – اذا انتهى اليها([104]) وَمبلغ الشيء منتهاه
    وبلغ الرجل بلاغة – فهو بليغ: اذا أحسَن التّعبير عمَّا في نفسه وتقع البلاغة في الاصطلاح: وصفا للكلام، والمتكلّم فقط ولا توصف «الكلمة» بالبلاغة، لقصورها عن الرسول بالمُتكلَّم إلى غرضه، ولعدم السّماع بذلك.
    بلاغة الكلام
    البلاغة في الكلام: مطابقته لما يقتضيه حال الخطاب ([105]) – مع فصاحة ألفاظه «مفردها ومركبها».
    والكلام البليغ: هو الذي يُصورَّه المتُكلِّم بصورة تناسبُ أحوال المخاطبين.
    وحال الخطاب «ويسمى بالمقام» هو الأمر الحامل للمتكلم على أن يُوردَ عبارته على صورة مخصوصة دون أخرى.
    والمُقتضَى - «ويسمى الاعتبار المُناسب» هو الصورة المخصوصة التي تُورَدُ عليها العبارة.
    مثلاً – المدح – حال يدعو لا يراد العبارة على صورة الإطناب وذكاء المخاطب – حال يدعو لإيرادها على صورة الإيجاز فكلٌ من المدح والذكاء «حال ومقام» وكلٌّ من الإطناب والإيجاز «مُقتضَى»، وإيراد الكلام على صورة الاطناب([106]) أو لايجاز «مُطابقة للمقُتضَى» وليست البلاغة([107]) إذاً مُنحصرة في إيجاد معان جليلة، ولا في اختيار ألفاظ واضحة جزيلة، بل هي تتناول مع هذين الأمرين أمراً ثالثاً (هو إيجاد أساليب مُناسبة للتأليف بين تلك المعاني والألفاظ) مما يُكسبها قوَّة وجمالا وملخص القول – إنَّ الأمر الذي يَحملُ المُتكلّم على إيراد كلامه في صورة دون أخرى: يُسمى «حالا» وإلقاء الكلام على هذه الصُّورة التي اقتضاها الحال يُسمى «مُقتضَى» والبلاغة هي مُطابقة الكلام الفصيح لما يقتضيه الحال.
    بلاغة المتكلم
    بلاغة المتكلم: هي مَلَكة في النَّفس([108]) يقتَدرُ بِهَا صاحبها علىتأليف كلام بليغ: مُطابق لمقتَضَى الحال، مع فصاحته في أيّ معنى قَصَده وتلك غاية لن يَصِل إليها إلاَّ من أحاط بأساليب العرب خُبرا وعرف سُنن تخاطُبهم في مُنافراتهم، ومفاخراتهم، ومديحهم، وَهجائهم وَشكرهم، واعتذارهم، لِيلَبس لكل حالة لبُوسها «ولكلِّ مقام مَقال».
    أقوال ذوي النبوغ والعبقرية في البلاغة
    (1) قال قُدامَة: البلاغة ثلاثة مذاهبَ:
    المُساواة: وهي مُطابقة اللَّفظ المعني: لا زائداً ولا ناقصاً.
    والإشارة: وهي أن يكون اللفظ كاللَّمحة الدَّالة.
    والتَّذييلُ: وهو إعادة الألفاظ المُترادفة على المعنى الواحد، ليظهر لمن لم يفهمه، ويتأكد عند من فهمه([109]).
    أولاً – من التفكير في المعاني التي تجيش في نفسه، وهذه يجب أن تكون صادقة ذات قيمة، وقوة يظهر فيها أثر الابتكار وسلامة النظر وذوق تنسيق المعاني وحسن ترتيبها، فاذا تم له ذلك عمد إلى الالفاظ الواضحة المؤثرة الملائمة، فألف بينها تاليفاً يكسبها جمالا وقوة.
    فالبلاغة ليست في اللفظ وحده، وليست في المعنى وحده، ولكنها أثر لازم لسلامة تألف هذين وحسن انسجامهما، وقد علم أن البلاغة أخص والفصاحة أعم لانها مأخوذة في تعريف البلاغة – وان البلاغة يتوقف حصولها على أمرين – الأول: الاحتراز عن الخطأ في تأدية المعنى المقصود، والثاني: تمييز الكلام الفصيح من غيره- لهذا كان للبلاغة درجات متفاوتة تعلو و تسفل في الكلام بنسبة ما تراعى فيه مقتضيات الحال – وعلى مقدار جودة ما يستعمل فيه من الأساليب في التعبير والصور البيانية والمحسنات البديعية، وأعلى تلك الدرجات ما يقرب من حد الاعجاز، واسفلها ما إذا غير الكلام عنه إلى ما هو دونه التحق عند البلغاء باصوات الحيوانات العجم وان كان صحيح الاعراب: وبين هذين الطريفين مراتب عديدة.
    (2) وقيل لجعفر بن يحيى: ما البيان؟ فقال: أن يكون اللفظ محيطاً بمعناك، كاشفاً عن مغزاك، وتخرجه من الشركةِ، ولا تستعين عليه بطول الفكرة› ويكون سالماً من التكلّف، بعيداً من سوء الصِّنعة، بريئاً من التعقيد، غنياً عن التأمل ([110]).
    (3) ومما قيل في وصف البلاغة: لا يكون الكلام يستحقّ اسم البلاغة حتى يُسابِقَ معناهُ لَفظَهُ معناه، فلا يكون لَفظه إلى سمعك أسبقَ من معناه إلى قلبك ([111])
    (4) وسأل معاوية صُحَاراً العَبديَّ: ما البلاغة ؟ قال: أن تُجيب فلا تُبطىء، وتُصيبَ فلا تُخطىء([112]).
    (5) وقال الفضل: قلت لأعرابي ما البلاغة ؟ قال: الايجازُ في غير عَجز، والاطناب في غير خَطَلٍ([113]).
    (6) وسُئل ابن المُقفع: ما البلاغة؟ فقال: البلاغة اسمٌ جَامِعٌ لمعانٍ تجري في وجوه كثيرة: فمنها ما يكون في السكوت، ومنها ما يكون في الاستماع، ومنها ما يكون في الاشارة، ومنها ما يكون في الحديث، ومنها ما يكون في الاحتجاج، ومنها ما يكون سَجعاً وخُطباً، ومنها ما يكون رَسَائلَ، فعامَّةُ ما يكون من هذه الأبواب – الوحيُ فيها، والاشارة إلى المعنى، والإيجاز، هو البلاغة.
    فأمَّا الخُطبُ بين السِّماطينِ، وفي إصلاح ذاتِ البَينِ، فالإكثار في غير خَطلٍ، والاطَالَةَ في غير إملالٍ، وليَكن في صَدرِ كلامك دليلٌ على حاجتك، فقيل له: فإن مَلَّ المُستمعُ الاطالَة التي ذَكرتَ أنَّها حَقٌّ ذلك الموقف؟ قال: إذا أعطيتَ كل َّ مقام حَقَّهُ، وقَمتَ بالذي يجبُ من سياسة ذلك المقام، وأرضيتَ مَن يَعرفَ حقوقَ الكلام – فلا تهتم لما فاتك من رضا الحاسد والعدوّ، فإنه لا يُرضيهمَا شيء، وأما الجاهلُ فَلَستَ منه، وليس منك، وقد كان يقال: (رِضاء الناس شيء لا يُنال([114]))
    (7) ولابنِ المُعتّزّ: أبلغُ الكلام: ما حَسُنَ إيجازُهُ، وَقلَّ مَجَازُه، وكَثُر إعجازُه، وتناسَبت صُدُوره وأعجَازُه([115]).
    (8) وسمع خالدُ بنُ صَفوَان رجلاً يتكلّم، ويكثرُ الكلام، فقال: اعلم (رحمك الله) أن البلاغة ليست بخفَّة اللّسان، وكثرة الهذيان، ولكنها بإصابة المعنى، والقصد إلى الحُجّة ([116])
    (9) ولبشرِ بن المعُتمرِ: فيما يجب أن يكون عليه الخطيب والكاتب رسالة من أنفس الرسائل الأدبية البليغة، جمعت حدود البلاغة وصوّرتها أحسَنَ تصوير، وسنذكر مع شيء من الإيجاز ما يتصل منها بموضوعنا – قال:
    خُذ من نفسك سَاعةَ نشاطك، وفراغِ بالكَ، وإجابتها إيَّاك ؛ فانّ قليلَ تلك الساعة أكرَمُ جَوهَراً، واشرفُ حسباً، وأحسّنُ في الأسماع، وأحلى في الصُّدُور، واسلمُ من فاحش الخطأ، وأجلَبُ لكل عَينٍ وغُرَّة: من لفظ شريف، ومعنى بديع.
    واعلم أن ذلك أجدَى عليك: مما يعطيك يَومُكَ الأطولُ بالكَد والمُطاوَلة والمجاهدة، وبالتكلُّفِ والمعاودة.
    وإيَّاك والتّوعُرَ؛ فإنّ التّوعر يُسلِمُك إلى التّعقيد، والتعقيد هو الذي يستهلك معانيكَ، ويشين ألفاظَك، ومن اراد معنى كريماً فَليَلتمس له لفظاً كريماً، فإن حقَّ المعنى الشريف اللفظُ الشريف، ومن حقِهِّما أن تصونهما عما يفسدهما ويهُجِّنهما....
    وكن في ثلاث منازل: فان أولى الثلاث ان يكون لفظكَ رشيقاً عذباً، وفَخماً سهلاً، ويكونَ معناك ظاهراً مكشوفاً، وقريباً معروفاً، إمَّا عند الخاصة: إن كنت للخاصة قَصَدت، وإمَّا عند العامة: إن كنت للعامة أرَدت، والمعنى ليس يشرُف بأن يكون من معاني الخاصة، وكذلك ليس يَتَّضِعُ بان يكون من معاني العامة، وإنما مدار الشرف على الصواب، وإحراز المنفعة، مع موافقة الحال، وما يجب لكل مقام من المقال، وكذلك اللفظُ العامِّي والخاصِّي، فان أمكنك أن تبلغ من بيان لسانك، وبلاغة قلمك، ولطف مَدَاخلك، واقتدارك على نفسك.
    على أن تفهم العامة معاني الخاصة، وتكسوها الألفاظ الواسِعةَ التي لا تلطفُ عن الدّهمَاءن ولا تجفُو عن الأكفاء، فأنت البليغ التام.
    فان كانت المنزلة الأولى لا تُواتيك ولا تَعتَريك، ولا تسنح لك عند أوّل نظرِك، وفي أوّل تكلّفك، وتجد اللفظة لم تقع مَوقِعها ن ولم تصل إلى قرارها وإلى حقَّها: من أماكنها المقسومة لها، والقافية لم تحُلَّ في مركزها وفي نصابها، ولم تصل بشكلها، وكانت قلقة في مكانها، نافرة من موضعها، فلا تُكرهها على اغتصاب الأماكن، والنّزول في غير أوطانها، فانك إذا لم تتعاط قرضَ الشعر الموزون، ولم تتكلّف أختيار الكلام المنثور، لم يَعبكَ بترك ذلك أحد، وإن انت تكلَّفته، ولم تكن حاذقاً مطبوعاً، ولا مُحكماً لسانك، بصيراً بما عليك أو مَالَك – عابك من أنت أقَلُّ عيباً منه، ورأى من هو دونَكَ أنهُ فوقك.
    فإن ابتليتَ بان تتكلّفَ القول، وتتعاطى الصّنعة، ولم تسمح لك الطباع في أول وَهلة، وتَعصى عليك بعد إحالة الفِكرة – فلا تَعجَل ولا تضجَر، ودَعهُ بياض يومك، أو سوادَ ليلك، وعاودهُ عند نشاطك وفراغ بالك، فإنك لا تعدَمُ الإجابة وَالمُواتاة، إن كانت هناك طبيعة، أو جَرَيتَ من الصناعة على عِرق.
    فإن تَمنَّع عليك بعد ذلك من غير حادث شُغلٍ عَرضَ، ومن غير طول إهمال – فالمنزلة الثالثة أن تتحوّل من هذه الصناعة إلى أشهى الصناعات إليك، وأخفّها عليك... ؛ لأن النفوس لا تجود بمكنونها مع الرغبَة، ولا تسمح بمخزونها مع الرَّهبَة، كما تجُودُ به مع المحبّة والشّهوة. فهكذا هذا.
    وينبغي للمتكلم: أن يعرف أقدار المعاني، ويوازن بينها وبين أقدار المستمعين، وبين اقدار الحالات؛ فيجعل لكل طبقة من ذلك كلامان ولكل حالة من ذلك مقامان حتى يقسِّم أقدار الكلام على أقدار المعاني، ويقسِّم أقدار المعاني على أقدار المقامات، واقدار المستمعين على أقدار تلك الحالات.
    وبعدُ، فاَنت ترى فيما قالوه: أن حدّ البلاغة – هو أن تجعل لكل مقام مقالا؛ فتوجز: حيث يحسن الإيجاز، وتطنب: حيث يجمل الاطناب، وتؤكد: في موضع التوكيد، وتقدم أو تؤخر: إذا رأيت ذلك أنسبَ لقولك، وأوفى بغرضك، وتخاطب الذكي بغير ما تخاطب به الغبي، وتجعل لكل حال ما يناسبها من القول، في عبارة فصيحة، ومعنى مختار.
    ومن هنا عَرَّفَ العلماء «البلاغة» بأَنها: مطابقة الكلام لمقتضَى الحال مع فصاحة عباراته.
    واعلم: أنَّ الفرق بين الفصاحة والبلاغة: أن الفصاحةَ مقصورةٌ على وصف الألفاظ، والبلاغةَ لا تكون إلا وصفاً للألفاظ مع المعاني ؛ وأن الفصاحةَ تكون وصفاً للكلمة والكلام، والبلاغةَ لا تكون وصفاً للكلمة، بل تكون وصفاً للكلام، وأن فصاحة الكلام شرط في بلاغته ؛
    فكل كلام بليغ: فصيحٌ، وليس كل فصيح بليغاً، كالذي يقع فيه الإسهاب حين يجب الإيجاز.

    تمرين
    بيَّن الحال ومقتضاه فيما يلي:
    (1) هنَاء محَا ذاك العزاء المُقدما فما عبس المحزونُ حتى تبسَّما ([117])
    (2) تقول للرّاضي عن إثارة الحروب (إن الحرب مُتلفةٌ للعباد، ذهَّابَةٌ ([118]) بالطّارف والتَّلاد)
    (3) يقول الناس إذا رأوا لِصَّا. أو حريقاً: لصٌّ – حريقٌ ([119]).
    (4) قال تعالى (وَإنَا لاَ نَدرِي أَشَرٌّ أُريدَ ([120]) بمن في الأرض، أم أرَادَ بِهم رَبُّهُم رَشَدا)
    (5) يقول راثى البرَامِكة ([121])..
    أُصِبتُ بسَادةٍ كانوا عيوناً بهم نسقى إذا انقطعَ الغَمامُ
    ملاحظات
    (1) التّنافر – يُعرف (بالذوق) السلَّيم؛ والحِسِّ الصَّادق ([122]).
    (2) مخالفة القياس: تُعرف (بعلم الصرَّف).
    (3) ضعف التَّأليف والتَّعقيد اللَّفظي: يُعرفان (بعلم النحو).
    (4) الغرَابة: تُعرف بكثرة (الاطّلاع) على كلام العرب، والإحاطة بالمفردات المأنوسة.
    (5) التَّعقيد المعنوي: يُعرف (بعلم البيان).
    (6) الأحوال ومقتضياتها: تُعرف (بعلم المعاني).
    (7) خَلوُّ الكلام من أوجه التَّحسين التي تكسوه رِقة ولَطافةً بعدَ رِعَايَة مُطابقته: تعرف (بعلم البديع).
    فاذاً وجَب عَلَى طالب البلاغة معرفةُ: اللغة والصَّرف، والنَّحو، والمعاني والبيان، والبديع – مع كونه سليمَ الذَّوق، كثير الاطّلاع على كلام العرب، وصاحبَ خبرة وافرةٍ بكُتُب الأدب، ودِرَية، تامَّة بعاداتهم وأحوالهم، واستظهار للجيد الفاخرِ مِن نَثرهم ونظمهم، وعلم كامل بالنَّابغين من شعراء، وخطباء، وكُتاب – ممَّن لَهم الأثر البيّن في اللُّغة والفضلُ الأكبرُ على اللّسان العربي المبين.
    أسباب ونتائج
    يحسُن أيضاً بطالب البلاغة أن يعرف شيئاً عن (الأسلوب) الذي هو المعنى المَصُوغُ في الفاظ مؤلَّفة على صورة تكون أقربَ لنيل الغرض المقصود من الكلام، وأفعلَ في نفوس سامعيه.
    وأنواع الأساليب ثلاثة:
    (1) «الاسلوب العلمي» وهو أهدَأُ الأساليب، وأكثرها احتياجاً إلى المنطق السَّليم، والفكر المُستقيم، وأبعدُها على الخيال الشَّعري، لأنه يخاطب العقل، ويُناجي الفكر، ويَشرَحُ الحقائق العلمية التي، لا تخلو من غموض وخفاء، و أظهَرُ ميزات هذا الأسلوب «الوُضُوح»، ولا بدَّ أن يبدوَ فيه أثر القوة والجمال، وقوَّته في سطوع بيانه، ورصانةِ حُججه ؛ وجَماَله في سُهُولةِ عباراتهن وسلامة الذّوق في اختيار كلماته، وحسن تقريره المعنى في الأفهام، من أقرب وجوه الكلام.
    فيجب أن يُعنَى فيه باختيار الألفاظ الواضحة الصريحة في معناها الخالية من الاشتراك، وان تُؤَلَّف هذه الألفاظ في سُهولة وجلاء، حتى تكون ثَوباً شفَّافاً للمعنى المقصود، وحتى لا تصبح مَثاراً للظّنون، ومجالا للتوجيه والتأويل.
    ويحسًن التَّنحي عن المجاز، ومُحَسنِّنات البديع في هذا الأسلوب، إلاّ ما يجيء من ذلك عفواً، من غير أن يمس أصلا من أصوله، أو ميزة من ميزاته.
    أمّا التَّشبيه الذي يُقصد به تقريب الحقائق إلى الأفهام، وتوضيحها بذكر مماثلها، فهو في هذا الاسلوب حسن مقبول.
    (2) «الاسلوب الأدبي» والجمال أبرزُ صفاته، وأظهر مُمَيزاته، ومنشَأ جماله، لما فيه من خيال رائع، وتصوير دقيق، وتلَمُّس لوجوه الشّبه البعيدة بين الاشياء، وإلباس المعنوي ثوبَ المحسوس، وإظهار المحسوس في صورة المعنويِّ.
    هَذَا – ومن السهَّل عليك: أن تَعرِف أنَّ الشعر والنثر الفَنِّي هما مَوطِنا هذا الأسلوب، ففيهما يَزدهر، وفيهما يبلغ قنَّة الفنّ والجمال.
    (3) «الاسلوب الخطابي» هنا تبرُزُ قوَّة المعاني والألفاظ، وقوة الحجّة والبرهان، وقوة العقل الخصيب، وهنا يتحدِّث الخطيب إلى إرادة سامعيه لإثارة عزائمهم، واستنهاض هممهم، ولجمال هذا الاسلوب ووضوحه، شأنٌ كبير في تأثيره، ووصوله إلى قرارة النفوس، ومَّما يزيد في تأثير هذا الأسلوب، منزلة الخطيب في نفوس سامعيه، وقوةُ عارضته، وسطوعُ حُجِّته، ونبَراتُ صوته، وحسنُ إلقائه، ومُحكَمُ إشاراته.
    ومن أظهر مُميزات هذا الأسلوب إ التَّكرارُ «واستعمال المُترادفات وضربُ الأمثال، واختيار الكلمات الجزلة ذات الرَّنين.
    وَيحسن فيه أن تتعاقب ضروب التَّعبير – من إخبار، إلى استفهام، الى تعجب، الى استنكار، وأن تكون مواطن الوقف كافية شافية، ثم واضحاً قَويَّا ويظنّ النّاشئون في صناعة الأدب: أنه كلّما كثُر المجاز، وكثُرت التَّشبيهات، والأخيلة، في هذا الأسلوب – زاد حُسنه.
    وهذا خطأ بيِّن، فإنه لا يذهب بجمال هذا الأسلوب أكثر من التَّكلُّف، ولا يفسده شَرٌ من تَعمَُّدِ الصنّاعة.


    _________________


    قناتي على موقع يوتيوب :
    https://www.youtube.com/channel/UCm8N-tHwIFM7hPnwtLrBMpg
    مدونتي:
    https://ahmed26413.blogspot.com.eg/

    أحمد
    إدارة ثمار الأوراق
    إدارة ثمار الأوراق

    عدد الرسائل : 16657
    الموقع : القاهرة
    نقاط : 38587
    تاريخ التسجيل : 17/09/2008

    رد: جواهر البلاغة في المعاني والبيان والبديع للسيد أحمد الهاشمي

    مُساهمة من طرف أحمد في السبت أبريل 13, 2013 5:25 am

    علم المعاني
    إنَّ الكلام البليغ: هو الذي يُصورِّه المتكلِّم بصورة تناسب أحوال المخاطبين، وإذاً لابُدّ لطالب البلاغة أن يدرس هذه الأحوال، ويَعرف ما يجب أن يُصَوَّر به كلامه في كل حالة، فيجعل لكل مقام مقَالا.
    وقد اتفق رجال البيان على تسمية العلم الذي تُعرف به أحوال اللّفظ العربي التي بها يُطابقُ اقتضاء الحال: باسم «علم المعاني ([123])» .
    تعريف علم المعاني، وموضوع، وواضعه
    (1) علم المعاني أصولٌ وقوَاعِد يُعرف بها أحوال الكلام العربي التي يكون بها مُطابقاً لِمقتضى الحال ([124]).بحيث يكون وفق الغَرَضِ الذيِ سيقَ له.
    فذكاء المُخاطب: حال تَقتضي إيجاز القول، فاذا أوَجزتَ في خطابه كان كلامك مطابقاً لمقتضى الحال، وغباوته حال تقتضي الإطناب والإطالة – فاذا جاء كلامك في مخاطبته مطنباً: فهو مطابق لمُقتضَى الحال، ويكون كلامك في الحالين بليغان وَلو أنك عكست لانتفت من كلامك صفة البلاغة.
    (2) وَموضوعه – اللَّفظُ العربي، من حيثُ إفادتُه المعاني الثَّواني ([125]). التي هي الأغراض المقصودةُ للمتكلّم، من جعل الكلام مشتملا على تلك اللَّطائف والخصوصيّات، التي بها يُطابقُ مُقتضى الحال.
    (3) وفائدته: 1- معرفة إعجاز القرآن الكريم، من جهة ماخصِّة الله به من جودة السبَّك، وحُسن الوصف، وبَراعة التَّراكيب ن ولُطف الإيجاز وما اشتمل عليه من سُهولة الترَّكيب، وجزالة كلماتهن وعُذوبِة ألفاظه وسلامتها – إلى غير ذلك من محاسنه التي اقعدت العرب عن مناهضته، وحارتَ عقولهُم أمام فصاحته وبلاغته.
    (ب) والوقوف على أسرار البلاغة والفصاحة: في مَنثور كلام العرب ومنظومه كي تحتذىَ حذوه، وتَنسُجَ على منواله، وتَفرقَ بين جَيِّد الكلام وَردِيئه.
    (4) وواضعه – الشيخ (عبد القاهر الجُرجاني) المُتوفي سنة 471 هـ ([126]).
    (5) واستمداده – من الكتاب الشَّريف، والحديث النَّبوي وكلام العرب.
    واعلم: أنَّ المعاني جمعُ معنىً ؛ وهو في اللغة: المقصود وفي اصطلاح البيانيين – هو التِّعبير باللفظ عمَّا يتَصوَّره الذَهن أو هو الصورة الذهنية، من حيثُ تقصدُ من اللفظ واعلم انَّ لكل جملة رُكنينِ مسنداً – ويسمى محكوماً به – أو مُخبراً به ومُسنداً إليه، ويسمى محكوماً عليه – أو مُخبرا عنه وامّا النسية التي بينهما فتُدعى «إسناداً» وما زاد على المسند والمسند إليه من مفعول وحال، وتمييز، ونحوها – فهو قيد زائد على تكوينها – إلاّ صِلَة الموصول، والمضاف إليه ([127])
    «والإسناد» انضمامَ كلمةِ ([128]) «المُسند» إلى أخرى ([129]) «المسند» إليه» على وَجهٍ يُفيد الحكم باحداهما على الأخرى: ثُبوتاً – أو نفياً نحو: الله واحدٌ لا شريك له.
    ومواضع المسند ثمانية:
    (1) خبر المبتدأ – نحو «قادرٌ» من قولك – الله قادرٌ.
    (2) والفعل التام – نحو «حضر» من قولك – حضر الأمير.
    (3) واسم الفعل – نحو «هيهات – وَوَى – وآمينَ.
    (4) والمبتدأ الوصفُ المُستغنى عن الخبر بمرفوعه – نحو «عارف» من قولك – أعارفٌ أخوك قدرَ الإنصاف.
    (5) وَأخبار النَّواسخ «كان ونَظَائرُها – وإنَّ ونظائرُها»
    (6) والمفعول الثاني – لظنّ وأخواتها.
    (7) والمفعول الثالث – لأرَى وأخواتها.
    (8) والمصدر النّائب عن فعل الأمر – نحو «سعياً في الخير»
    وَمواضع المسند إليه ستة:
    (1) الفاعلُ «للفعل التّام أو شبهه» نحو «فؤاد – وأبوه» من قولك حضر فؤادٌ العالم ابوه.
    (2) واسماء النَّواسخ: كان وأخواتها، وإنّ وَأخواتها – نحو «المطرُ» من قولك – كان المطر غزيراً، ونحو: إنّ المطرَ غزير
    (3) والمبتدأ الذي له خبر – نحو «العلم» من قولك: العلم نافع.
    (4) والمفعول الأول – لظنّ وأخواتها.
    (5) والمفعول الثاني – لأرَى واخواتها.
    (6) ونائب الفاعل – كقوله تعالى (ووضع الكتاب)
    ثم إن المسند والمسند إليه يتنوعان إلى أربعة أقسام:
    (1) إما ان يكونا كلمتين حقيقة – كما ترى في الأمثلة السالفة.
    (2) وإما ان يكونا كلمتين حُكما – نحو «لا إله إلا الله ينجو قائلها من النار» أي «توحيدُ الاله نجاة من النار».
    (3) وإما أن يكون المسند إليه كلمة حكما، والمسند كلمة حقيقة نحو «تسمع بالمعيدي خيرٌ من أن تراه» أي «سماعك بالمعيدي خير من رؤيته».
    (4) وإمّا بالعكس – نحو «الأمير قرُب قدومه» ([130]) أي «الأمير قريب قدومه»
    ويُسمى المسند – والمسند إليه: ركنى الجملة.
    وكل ما عداهما يعتبر قيداً زائداً عليها – كما سبق الكلام عليه وينحصر (علم المعاني) في ثمانية أبواب – وخاتمة.


    _________________


    قناتي على موقع يوتيوب :
    https://www.youtube.com/channel/UCm8N-tHwIFM7hPnwtLrBMpg
    مدونتي:
    https://ahmed26413.blogspot.com.eg/

    أحمد
    إدارة ثمار الأوراق
    إدارة ثمار الأوراق

    عدد الرسائل : 16657
    الموقع : القاهرة
    نقاط : 38587
    تاريخ التسجيل : 17/09/2008

    رد: جواهر البلاغة في المعاني والبيان والبديع للسيد أحمد الهاشمي

    مُساهمة من طرف أحمد في السبت أبريل 13, 2013 5:26 am


    الباب الأول
    في التشبيه
    تمهيد
    للتّشبيه: روعة وجمال، وموقع حسنٌ في البلاغة: وذلك لإخراجه الخفي إلى الجلي، وإدنائه البعيد من القريب، يزيد المعاني رفعة ووضوحاً ويكسبُها جمالا وفضلا، ويكسوها شرفا ونُبلا، فهو فن واسع النطاق، فسيح الخطو، ممتدُ الحواشي مُتَشعب الأطراف مُتوعر المسلك، غامض المدرك، دقيق المجرى غزير الجدَوى.
    ومن أساليب البيان : أنك إذا أردت إثبات صفة لموصوف، مع التوضيح، او وجهٍ من المبالغة، عمدت إلى شيء آخر، تكون هذه الصفة واضحة فيه، وعقدت بين الاثنين مماثلة، تجعلها وسيلة لتوضيح الصفة، أو المبالغة في اثباتها _ لهذا كان التشبيه أول طريقة تدل عليه الطبيعة لبيان المعنى.
    تعريف التشبيه وبيان أركانه الأربعة
    التشبيه: لغة التمثيل ُ – قال: هذا شبه هذا: ومثيله
    والتشبيه: إصطلاحاً – عقد مماثلة بين أمرين، أو: أكثر، قصد اشتراكهما في صفة: أو: أكثر، بأداة: لغرض يقصد المتكلم للعلم) المفهومة من تلك الجملة مطابقةً للنسبة الخارجيّة – أي موافقة لما في الخارج والواقع «فصدقٌ» وإلا «فكذب» نحو «الجهل نافع» فنسبته الكلامية ليست مطابقة وموافقة للنسبة الخارجية([131])
    المقاصد والأغراض التي من أجلها يُلقى الخبر
    ألأصلُ في الخبر أن يلقى لأحد غرضين
    (أ) إما إفادة المخاطب الحكم الذي تضمنته الجملة، اذا كان جاهلا له، ويسمى هذا النوع «فائدة الخبر» نحو «الدين المعاملة».
    (ب) وإما إفادة المخاطب أن المتكلم عالم أيضا بأنه يعلم الخبر كما تقولُ: لتلميذ أخفى عليك نجاحه في الامتحان – وعلمته من طريق آخر: أنت نجحت في الامتحان، ويسمى هذا النوع.
    «لازمَ الفائدة» لأن يلزم في كل خبر أن يكون المخبر به عنده علمٌ أو ظَن به.
    وقد يخرج الخبر عن الغرضين السابقين إلى أغراض أخرى تستفاد بالقرائن، ومن سياق الكلام: أهمها:
    (1) الاسترحام والاستعطاف، نحو إني فقير إلى عفو ربي ([132])
    (2) وتحريكُ الهمة إلى ما يلزم تحصيله، نحو: ليس سواء عالم وجهول.
    (3) وإظهار الضعف والخشوع، نحو (ربّْ إني وَهنَ العظم منيّْ).
    (4) وإظهار التحسر على شيء محبوب نحو (رب إني وضعتها أنثى).
    (5) وإظهار الفرح بمقبل – والشماتة بمدبر، نحو(جاء الحق وزهق الباطل).
    (6) والتوبيخ كقولِ: للعاثر: (الشمس طالعةٌ)
    (7) التَّذكير بما بين المراتب من التَّفاوت – نحو: (لا يستوي كسلان ونشيط).
    (8) التحذير – نحو (أبغضُ الحلال إلى الله الطلاق).
    (9) الفخر نحو: إن الله اصطفاني من قريش
    (10) المدح كقوله:
    فإنك شمس والملوك كواكب إذا طلعت لم يبدُ منهنَّ كوكب
    وقد يجيء لأغراض أخرى – والمرجع في معرفة ذلك إلى الذوق والعقل السليم.
    تمرين
    عين الأغراض المستفادة من الخبر في الأمثلة الآتية:
    (1) قال تعال: «لله ما في السموات وما في الأرض، وإن تبدوا ما في أنفسكم أو تخفوه يحاسبكم به الله ؛ فيغفر لمن يشاء، ويعذبُ من يشاء، والله على كل شيء قدير».
    (2) وقال تعالى: «عبس وتولى أن جاءه الأعمى، وما يدريك لعله يزكَّى، أو يذكر فتنفعه الذكرى، أما من استغنى فأنت له تصدى، وما عليك ألاَّ يزَّكى ! وأما من جاءك يسعى وهو يخشى، فأنت عنه تلهى».
    (3) وقال صلى الله عليه وسلم: «عدل ساعة في حكومة خير من عبادة ستين سنة».
    (4) وقال: إن أشد الناس عذابا يوم القيامة رجل أشركه الله في حكمه، فأدخل عليه الجور في عدله.
    (5) ومن خطبة له عليه السلام بمكة حين دعا قومه إلى الاسلام: إن الرائد لا يكذب أهله، والله لو كذبت الناس ما كذبتكم ولو غررت الناس ما غررتكم، والله الذي لا إله إلا هو إني رسول الله إليكم حقاً، وإلى الناس كافة.
    (6) وقال الشريف الرضي:
    للنائبات ولا صديق يُشققُ
    عمداً فأولى بالوداد الأحمق


    جار الزمان فلا جوادٌ يرتجى
    وإذا الحليم رمى بسر صديقه

    (7) وقال المعري:
    فنقدٌ، وأما خيره فوعود


    عرفت سجايا الدهر، أما شروره

    (8) وقال:
    إذا لم يفد ربحا فلستُ بخاسر


    رأيت سكوتي متجراً فلزمته

    (9) وقال أيضاً:
    لقد سعد الذي أمسى عقيما
    وإما أن يُخلفه يتيما


    أرى ولد الفتى عبئاً عليه
    فإما أن يربيهُ عدوا

    (10) قال ابن حيوس مادحاً:
    وأحييتم من أم معروفكم قصدا
    فذلَ وقد كان الجماح له وكدا
    بأذيالها لابيضَّ منهن ما أسودا


    بني صالح أفسدتم من رميتم
    وذللتم صعب الزمان لأهله
    مناقب لو أن الليالي توشَحت

    (11) وقال أبو فراس.
    كثير العدا فيها قليل المُساعد
    وقلَّدت أهلي غر هذي القلائد


    صبرت على اللاواه صبر ابن حُرَّة
    منعت حمى قومي وسدت عشيرتي




    المبحث الثاني
    في كيفية إلقاء المتكلم الخبر للمخاطب
    حيث كان الغرض من الكلام الإفصاح والإظهار، يجب أن يكون المتكلم مع المخاطب كالطبيب مع المريض، يشخص حالته، ويعطيه ما يناسبها.
    فحق الكلام: أن يكون بقدر الحاجة، لا زائداً عنها، لئلا يكون عبثاً، ولا ناقصاً عنها، لئلا يخل بالغرض، وهو (الإفصاح والبيان) ([133])
    لهذا – تختلف صور الخبر في اساليب اللغة باختلاف أحوال المخاطب الذي يعتريه ثلاث أحوال:
    أولا – أن يكون المخاطب خالي الذهن من الخبر، غير متردد فيه.
    ولا منكر له – وفي هذه الحال لا يؤكد له الكلام، لعدم الحاجة إلى التوكيد نحو قوله تعالى – «المال والبنون زينة الحياة الدنيا».
    ويسمى هذا الضرب من الخبر (ابتدائياً) ويستعمل هذا الضرب حين يكون المخاطب خالي الذهن من مدلول الخبر فيتمكن فيه لمصادفته اياه خاليا ([134])
    ثانياً – أن يكون المخاطب متردداً في الخبر، طالباً الوصول لمعرفته، والوقوف على حقيقته فيستحسن تأكيد ([135]) الكلام المُلقى إليه تقوية للحكم، ليتمكن من نفسه، ويطرح الخلاف وراء ظهره، نحو – إن الأمير منتصرٌ.
    ويسمى هذا الضرب من الخبر (طلبياً) ويؤتى بالخبر من هذا الضرب حين يكون المخاطب شاكَّا في مدلول الخبر، طالباً التثبت من صدقه.
    ثالثاً – أن يكون المخاطب منكراً للخبر الذي يراد إلقاؤه إليه، معتقداً خلافه فيجب تأكيد الكلام له بمؤكد أو مؤكدين أو أكثرَ، على حسب حاله من الانكار، قوة – وضعفاً نحو: إن أخاك قادمٌ – أو إنه لقادم – أو والله إنه لقادم أو لعمري: إن الحق يعلو ولا يُعلى عليه.
    ويسمى هذا الضرب من الخبر (إنكارياً) ويؤتى بالخبر من هذا الضرب حين يكون المخاطب مُنكرا، واعلم أنه كما يكون التأكيد في الاثبات، يكون في النفي أيضاً، نحو: ما المقتصد بمفتقر، ونحو: والله ما المُستشير بنادم.

    تنبيهات
    الأول: لتوكيد الخبر أدوات كثيرة، وأشهرها إن، وأن، ولام الابتداء، وأحرف التنبيه، والقسم، ونونا التوكيد، والحروف الزائدة (كتفعل واستفعل) والتكرار، وقد، وأما الشرطية، وإنما وإسمية الجملة، وضمير الفصل، وتقديم الفاعل المعنوي.
    الثاني: يسمى إخراج الكلام على الأضرب الثلاثة السابقة إخراجاً على مقتضى ظاهر الحال([136])
    وقد تقتضى الأحوال العدول عن مقتضى الظاهر، ويورد الكلام على خلافه لاعتبارات يلحظها المتكلم (وسلوك هذه الطريقة شعبة من البلاغة).
    (1) منها: تنزيل العالم بفائدة الخبر، أو لازمها، وبهما معاً – منزلة الجاهلِ بذلك، لعدم جريه على موجب علمه، فيلقى اليه الخبر كما يلقى الى الجاهل به، كقولك: لمن يعلم وجوب الصلاة، وهو لا يصلي «الصلاة واجبة» توبيخاً له على عدم عمله بمقتضى علمه وكقولك لمن يؤذي أباه – هذا أبوك.
    (2) ومنها: تنزيل خالي الذهن منزلة السائل المتردد، إذا تقدم في الكلام ما يشير إلى حكم الخبر كقوله تعالى (وما ابرىء نفسي إن النفس لأمارة بالسوء) فمدخول إن مؤكد لمضمون ما تقدمه، لإشعاره بالتردد، فيما تضمنه مدخولها– وكقوله تعالى «ولا تخاطبني في الذين ظلموا إنهم مغرقون»
    لما أمر المولى «نوحاً» أوّلا بصنع الفلك، ونهاه ثانيا عن مخاطبته بالشفاعة فيهم، صار مع كونه غير َ سائل في مقام السائل المتردد([137]).
    هل حكم الله عليهم بالاغراق فأجيب بقوله «إنهم مغرقون»
    (3) ومنها: تنزيل غير المنُكر منزلة المنكر: إذا ظهر عليه شيء من أمارات الإنكار، كقول حَجَل بن نضلَة القيسي «من أولاد عَمّ شقيق»
    جاء شَقيقٌ عارضاً رُمَحهُ إنَّ بني عَمك فيهم رماحُ
    (فشقيقٌ) رَجلٌ لا يُنكر رماحَ بني عمّه، ولكن مجيئه على صورة المعجب بشجاعته، واضعاً رُمحَه على فخذيه بالعرض وهو راكب أو حَاملا له عرضاً على كتفه في جهة العدُو بدون اكتراثه به، بمنزلة انكاره أنَّ لبني عمّه رماحا، ولن يجد منهم مُقاوماً له كأنهم كلهم في نظره عُزلٌ، ليس مع أحد منهم رمحٌ.
    فأكَد له الكلامُ استهزاء به، وخُوطبَ خطاب التفات بعد غيبةٍ تهكما به، ورمياً له بالنزق وخرق الرَّأي.
    (4) ومنها تنزيل المتردد([138]) منزلة الخالي، كقولك للمُتردد في قدوم مسافر مع شهرته (قدم الأمير)
    (5) ومنها تنزيل المتُردد منزلة المنكر، كقولك للسائل المستبعد لحصول الفرج (إنَّ الفرج لقريب).
    (6) ومنها تنزيل المنكر منزلة الخالي، اذا كان لديه دلائل وشواهد لو تأملها لارتدع وزال إنكاره، كقوله تعالى (وإلهكم إله واحد) وكقولك لمن ينكر منفعة الطب (الطب نافع).
    (7) ومنها تنزيل المنكر منزلة المُتردد، كقولك لمن ينكر (شرف الأدب) إنكاراً ضعيفا «إن الجاه بالمال: انما يصحبك ما صحبك المال
    وامَّا الجاه بالأدب فأنه غير زائل عنك».
    الثالث: قد يؤكد الخبر لشرف الحكم وتقويته، مع أنه ليس فيه تردد ولا إنكار، كقولك في افتتاح كلام (إنّ أفضل ما نطق به اللسان كذا) ([139]).
    تدريب
    بين أغراض الخبر والمقاصد منه فيما يأتي:
    فإذا رميتُ يُصيبني سهمي([140])
    ويدي إذا اشتد الزمان وساعدي([141])
    وآمل عزاً يخضب البيض بالدِّم([142])
    لولا مُخاطبتي إياكَ لم ترني([143])
    وليسَ له أم سواك ولا أب([144])
    وبقيتُ في خلفٍ كجلد الأجرب([145])
    فبمن يلوذ ويستجير المُجرم
    فَإذا ردَدت يدي فمن ذا يرحم
    وضِعتُ وفي يدي الكنزُ الثمين


    (1) قومي هُمُو قتلوا أميمَ أخي
    (2) قد كنت عدَّتي التي أسطوبها
    (3) أباالمسك أرجو منك نصراً على العدى
    (4) كفى بجسمي نُحولا أنني رجل
    (5) وأنت الذي ربيّت ذا الملك مرضعا
    (6) ذهب الذين يُعاش في أكنافهم
    ان كان لا يرجوك إلاّ محسن
    أدعوك ربي كما أمرت تضرعا
    ظمئتُ وفي فمي الأدبُ المُصفّى

    نموذج في بيان مقاصد وأغراض الأخبار
    (1) كَان معاويةُ رَضي الله عنه حسن السياسة والتدبير يحلم في مواضع الحلم ويشتد في مواضع الشدة. ([146])
    (2)لقد أدبت بنيك باللين والرفق، لا بالقسوة والعقاب ([147])
    أجاب الأسى طوعاً ولم يجب الصبر
    سَيبقى عليك الحُزنُ ما بقى الدهر


    ولما دعوت الصبر بعدك والأسى
    فإن ينقطع منك الرجاء فإنّه

    (3) توفى عمر بن الخطاب رضي الله عنه سنة ثلاث وعشرين من الهجرة([148]).
    (4) قال أبو فراس الحمداني: ([149])
    وَمكارمي عدد النجوم ومنزلي مأوى الكرام ومنزلُ الأضياف
    (5) وقال أبو الطيب: ([150])
    وما كل هاو للجميل بفاعل وَلا كل فعالٍ له بمتمّمِ
    (6) وقال أيضاً يرثي أخت سيف الدولة: ([151])
    غدرت يا موت كم أفنيت من عدد
    بمن أصبت وكم أسكت من لجبِ
    (7) وقال أبو العتاهية يرثي ولده عليا: ([152])
    فما أغنى البُكاءُ عليك شيا
    وانت اليوم أوعظ منك حيّا


    بكيتك يا علي بدمعِ عيني
    وكانت في حياتك لي عظات

    (8) إنَّ الثمانينَ وبُلغّتها قد أحوجت سمعي الى ترجمان([153])
    (9) قال أبو العلاء المعري:
    ولي منطق لم يرض لي كنه منزلي على أنني بين السماكين نازلُ([154])
    (10) قال إبراهيم بن المهدي يخاطب المأمون:
    وأنتَ للعفوِ أهلً
    وإن قتلتَ فعدلُ


    أتيتُ جُرماً شنيعاً
    فَإن عفوتَ فمن

    تطبيق (1) ([155])
    أحص المؤكدات في العبارات التالية، وبيّن ضروب الخبر الثلاثة:
    عفافٌ وإقدامُ وحزمٌ ونائل
    إلى منهلٍ من ورده لقريب
    متبسِّماً عن باطن مُتجهم


    (1)ألا في سبيل المجد ما أنا فاعل
    (2) وأنّ امرءا قد سار خمسين حجة
    (3) ليس الصديق بمن يعيرك ظاهراً

    (4) قال تعال: «لئن أنجيتنا من هذه لنكونن من الشاكرين».
    (5) قال تعالى: «وجعلنا نومكم سباتا وجعلنا الليل لباسا وجعلنا النهار معاشا»
    (6) أمّا الفراق فانه ما أعهدُ هو توءمي، لو أنَّ بيتاً يُولد
    (7) إنَّ الذي بيني وبين بني أبي وبين بني عمي لمختلف جدا
    (8) انا إليكم مُرسلون
    (1) وإني لصبّار على ما ينو بني وحَسبك أن الله أثنى على الصبر
    (2) وإني لقوال لذي البث مرحباً وأهلا إذا ما جاء من غير مرصد
    وإني لحلوُ تعتريني مرارة وإني لترّاك لِما لم أعوّد
    (3) ولقد نصحتك إن قبلت نصيحتي والنصح أغلى ما يباع ويوهب
    (4) إنَ الغنىَّ من الرجال مُكرَّمٌ وتراه يُرجى ما لدَيه ويرغبُ
    (5) فما الحدَاثة عن حلمٍ بمانعةٍ قد يوجد الحلِم في الشبان والشيب
    (8) لما روى القرآن قصة رسل عيسى الذين أرسلهم إلى قومه فانكروا رسالتهم قال لهم الرسل إنا «إليكم مرسلون» فالقوا اليهم الكلام مؤكداً بمؤكدين – فكذبوا فقالوا لهم «إنا اليكم لمرسلون» مؤكدين لهم القول بمؤكد ثالث – فجحدوا – فقالوا لهم «ربنا يعلم إنا اليكم لمرسلون» فزادوا مؤكداً رابعاً وهو القسم.
    ضروب الخبر
    المؤكدات
    الجملة
    الرقم
    إنكاري
    إنكاري
    =
    =
    =
    ابتدائي
    ان ولام الابتداء
    ان ولام الابتداء
    = =
    = =
    القسم وقد
    الجملة الاسمية
    وانى لصبار
    وانى لقوال
    وانى لحلو
    واني لتراك
    ولقد نصحتك
    والنصح أغلى
    1
    2
    3
    طلبي
    ابتدائي
    طلبي
    طلبي
    إن – والجملة الاسمية

    الباء الزائدة «بمانعة»
    قد
    ان الغنى
    وتراه يرجى
    فما الحداثة الخ

    قد يوجد الحلم
    4

    5


    تمرين
    اذكر أضرب الخبر وأدوات التوكيد:
    (1) قال تعالى: «وفي السماء رزقكم وما توعدون، فورب السماء والأرض إنه لحق مثلَ ما أنكم تنطقون».
    (2) وقال تعالى: «يا أيها النَّاس إنا خلقناكم من ذكر وانثى، وجعلناكم شعوباً وقبائل لتعارفوا، إن أكرمكم عند الله أتقاكم إن الله عليمٌ خبير».
    (3) وقال صلى الله عليه وسلم: «شر الناس الذين يكرمون إتقاء السنتهم».
    (4) وقال علي كرم الله وجهه: مارستُ كل شيءٍ فغلبته، ومارسني الفقر فغلبني، إن سترتهُه أهلكني، وإن أذعته فضحني».
    (5) وقال النبي عليه السلام يصف الأنصار: «إنكم لتقلون عند الطمع، وتكثرون عند الفزع».
    (6) وقال بشار بن بُرد:
    خليلي إن المالَ ليس بنافع إذا لم ينل منه أخٌ وصديق
    (7) وقال أبو العتاهية:
    قد يُدركُ الراقد الهادي برقدته وقد يخيب أخو الروحات والدّلج ([156])
    (8) وقال:
    إن البخيل وإن أفاد غنى لترى عليه مخايل الفقر
    ما فاتني خير امرىء وضعت عني يداهُ مثوبة الشكر
    (9) وقال آخر:
    وما لُب اللبيب بغير حظ بأغنى في المعيشة من فتيل
    (10) وقال آخر:
    وللحلم خير فاعلمنَّ مغتبةً من الجهل إلا أن تشمس من ظُلم
    (11) وقال حسان بن ثابت:
    أصون عرضي بمالي لا أدنسه لا بارك الله بعد العرض في المال
    أحتالُ للمال إن أودي فأكسبه ولستُ للعرض إن أودى بمحتال
    (12) وقال الشاعر:
    ولم أر كالمعروف: أمّا مذاقه فحلو، وأما وجههُ فجميلُ
    (13) وقال صرّدُر:
    تذل الرجال لأطماعها كذُل العبيد لأربابها
    وأعلمُ أن ثياب العفاف أجملُ زيِ لمجتابها ([157])
    (14) وقال آخر:
    لعمرك ما يدري أمرؤ كيف يتقي إذا هو لم يجعل له الله واقيا
    (15) وقال سعيد بن حميد في العتاب:
    والدهر يعدل تارةً ويميلُ
    يوماً ستصدع بيننا وتحُول
    وليكثرن على منك عويل
    من لا يشاكلُهُ لدى خليل
    وليفقدنَّ جمالها المأهول


    أقلل عتابكَ فالبقاءُ قليلُ
    ولعل أحداثَ المنية والردى
    فلئن سبقت لتبكين بحسرةٍ
    ولئن سبقت – ولا سبقت – ليمضين
    وليذهبن بهاء كل مروءة

    (16) إنّ الحياة لثوبٌ سوف نخلعهُ وكل ثوبٍ اذا ما رث ينخلع
    (17) ثم إنكم بعد ذلك لميتون.
    تطبيق
    اذكر اضرب الخبر وبين المؤكدات فيما يأتي:

    (1) وعاد في طلب المتروك تاركه إنا لنغفل والأيام في الطلب

    ضروب الخبر
    المؤكدات
    الجملة
    الرقم
    إنكاري
    ابتدائي
    إنكاري
    ابتدائي
    إنكاري
    أن ولام الابتداء
    أمارات الانكار
    ان ولام الابتداء

    ان الحياة لثوب
    وكل ثوب الخ
    غفلتهم عن الموت تعد من
    وعاد في طلب المتروك
    انا لنغفل
    16
    17

    1

    (2) وجعلنا نومكم سباتاً، وجعلنا الليل لباساً، وجعلنا النهار معاشا
    (3) اما دون مصر للغنى متطلب بلى – إن أسباب الغنى لكثير
    (4) فيومٌ لنا ويم علينا ويومٌ نساءُ ويومٌ نُسر
    (5) إن من البيان لسحراً وإن من الشعر لحكمةً.
    (6) قد يدرك الشرف الفتى ورداؤه خلقٌ.
    المبحث الثالث
    في تقسيم الخبر الى جملة فعلية وجملة اسمية
    (أ) الجملة الفعلية: ما تركبت من فعل وفاعل» أو من فعل ونائب فاعل: وهي – موضوعة لأفادة التّجدد والحدوث في زمن معين مع الاختصار ([158]) نحو: يعيش البخيل عيشة الفقراء، ويحاسب في الآخرة حساب الأغنياء.
    ضروب الخبر
    المؤكدات
    الجملة
    الرقم
    طلبي
    تكرير جعل
    وجعلنا نومكم الخ
    2
    طلبي
    انكاري
    حرف التنبيه (أما)
    ان ولام الابتداء
    أما دون مصر
    أن أسباب الغنى لكثير
    3
    طلبي
    التكرير
    يوم لنا ويوم علينا
    4
    انكاري
    انكاري
    ان ولام الابتداء
    ان ولام الابتداء
    ان من البيان لسحرا
    ان من الشعر لحكمة
    5
    طلبي
    قد
    قد يدرك
    6
    ونحو: أشرقت الشمس وقد ولَّى الظلامُ هارباً
    فلا يستفاد من ذلك إلا ثبوتُ الاشراق للشمس، وذهاب الظلام في الزمان الماضي.
    وقد تفيد الجملة الفعلية الاستمرار التجدّدي شيئاً فشيئاً بحسب المقام، وبمعونة القرائن، لا بحسب الوضع ([159]) – بشرط أن يكونَ الفعلُ مضارعاً، نحو قول المُتنبي:
    تُدبر شرقَ الأرض والغرب كفه وليسَ لها يوما عن المجد شاغلُ
    فقرينة المدح تدلّ على أن تدبير الممالك ديدنُه، وشأنه المستمر الذي لا يحيد عنه، ويتجدّد آناً – فآناً.
    (ب) والجملة الاسمية: هي ما تركبت من مبتدأ وخبر، وهي تفيد بأصل وضعها ثبوت شيء لشيء ([160]) ليس غيرُ – بدون نظر الى تجدّد ولا استمرار – نحو الأرض متحركة – فلا يستفاد منها سوى ثبوت الحركة للأرض، بدون نظر الى تجدّد ذلك ولا حُدُوثه.
    وقد تخرج الجملة الإسمية عن هذا الأصل، وتفيد الدوام والاستمرار بحسب القرائن: إذا لم يكن في خبرها فعل مضارع: وذلك بأن يكون الحديث في مقام المدح، أو في معرض الذم كقوله تعالى (وإنكَ لعلى خلق عظيم) فسياق الكلام في معرض المدح دال على إرادة الاستمرار مع الثبوت – ومنه قول النضر بن جؤبة يتمدَّح بالغنى والكرم:
    لا يألف الدِّرهمُ المضروب صرَّتنا لكن يَمرّ عليها «وهو منطلق»
    يُريد أن دراهمه لا ثباتَ لها في الصرة ولا بقاء، فهي دائما تنطلق منها، وتمرق مُرق السِّهام من قِسيّها، لتوَزّعَ على المعوزينَ وأرباب الحاجات.
    وأعلم أنَّ الجُملة الإسمية ى تُفيد الثُبوت بأصلَ وضعها، ولا الاستمرار بالقرائن، إلا إذا كان خبرها مفرداً نحو: الوطنُ عزيز، أو كان خبرها جملة إسمية نحو: الوطن هو سعادتي.
    اما إذا كان خبرها فعلا فانها تكون كالجملة الفعلية في إفادة التجدد والحدوث في زمن مخصوص، نحو: الوطن يسعد بأبنائه – ونحو:
    تعيبُ الغانياتُ على شيبي ومن لي أن أمتع بالمشيب
    وكقول الآخر:
    نروح ونغدو لحاجاتِنا وحاجة من عاش لا تنقضى
    أسئلة يطلب أجوبتها
    ما هو علم المعاني ؟ ما هو الاسناد؟ ما هي مواضع المسند والمسند اليه؟ ما المراد بصدق الخبر وكذبه؟ مالفرق بين النسبة الكلامية والنسبة الخارجية؟ ما هو الأصل في إلقاء الخبر؟ ما هي الأغراض الأخرى التي يلقى إليها الخبر؟ ما هي أضرب الخبر؟ ما هي أدوات التوكيد؟ لماذا يعدل عن مقتضى الظاهر؟ الى كم ينقسم الخبر؟ لأي شيء وضعت الجملة الاسمية والفعلية؟ هل تفيد الجملة الفعلية والاسمية غير ما وضعتا لأجله؟
    تدريب
    بين فائدة التعبير بالجملة الاسمية أو الفعلية في التراكيب الآتية:
    (1) قال تعالى «يمحو الله ما يشاءُ ويثبت وعندهُ أم الكتاب»
    (2) نروح ونغدو لحاجاتنا وحاجة من عاش لا تنقضى
    (3) وعلى إثرهم تساقطُ نفسي حَسراتٍ وذكرهُم لي سقام

    الايضاح
    ما تفيده
    نوعها
    الجملة

    الرقم
    محو بعض الخلائق وافناؤها واثبات البعض الآخر مستمر على جهة التجدد.
    أم الكتاب اللوح المحفوظ
    والقرينة الاسناد الى الله
    القرينة قوله وحاجة من عاش
    القرينة حاية وهي الحزن والاسى
    الاستمرار التجددي



    الدوام
    الاستمرار التجددي
    الاستمرار التجددي
    الاستمرار والدوام
    مضارعية



    اسمية
    مضارعية
    مضارعية
    اسمية
    يمحو الله
    وعنده أم الكتاب


    نروح، ونغدو تساقط
    تساقط
    وذكرهم لي سقام
    (1)



    (2)

    (3)
    يأتي على الناس زمان لا يُبالي المرء ما أخذ منه – أمن الحلال أم من الحرام.
    (2) أو كلما وَردت عكاظ قبيلةٌ بعثوا إلى عريفهم يتوسم
    الايضاح
    ما تفيده
    نوعها
    الجملة
    الرقم

    التجدد
    مضارعية
    يأتي
    (1)
    (2) يريد أن كل قبيلة ترد سوق عكاظ تبعث عريفها ورئيسها ليتفرس في وجوه القوم مرة بعد أخرى، لعله يهتدي إلى معرفتي، لتأخذ بثأرها منى، وتنكل بي لأني طالما أوقعت بها، وأذقتها صنوف المذلة والهوان.
    وعكاظ: سوق للعرب كانت تجتمع فيها للتفاخر والتنافر ليلا، ولتصريف المتاجر نهارا.
    الباب الثاني
    في حقيقة الانشاء وتقسيمه
    الإنشاء لغة: الإيجاد، واصطلاحاً: كلامٌ لا يحتمل صدقاً ولا كذباً لذاته ([161]) نحو اغفر – وارحم، فلا ينسب إلى قائله صدق – أو كذب وإن شئت فقل في تعريف الإنشاء «وهو ما لا يحصل مضمونه ولا يتحقق إلا تلفظت به» فطلب الفعل في «افعل» وطلب الكف في «لا تفعل» و طلب المحبوب في «التمني» وطلب الفهم في «الاستفهام» وطلب الاقبال في «النداء» كل ذلك ما حصل إلا بنفس الصيغ المتلفظ بها.
    وينقسم الانشاء إلى نوعين: انشاء طلبي – وانشاء غير طلبي، «فالانشاء غير الطلبي» ما لا يستدعي مطلوبا غير حاصل وقت الطلب- ويكون: بصيغ المدح، والذم، وصيغ العقود، والقسم، و التعجب والرجاء، وكذا يكون بربَّ ولعلَّ، وكم الخبرية.([162])
    (1) أما المدح والذم فيكونان: بنعم وبئس – وما جرى مجراهما نحو حبذا، والأفعال المحوّلة إلى فعل نحو طاب عليٌّ نفساً، وخبث بكر أصلاً.
    (2) وأما العقود: فتكون بالماضي كثيراً، نحو بعتُ واشتريتُ ووهبتُ – وأعتقتُ – وبغيره قليلا – نحو أنا بائع، وعبدي حرٌ لوجه الله تعالى.
    (3) وأما القسم: فيكون: بالواو – والباء – والتاء – وبغيرها نحو: لعمرك ما فعلت كذا.
    (4) وأما التّعجب: فيكون قياساً بصيغتين، ما أفعله – وأفعل به وسماعاً بغيرهما، نحو: لله دره عالما – كيف تكفرون بالله وكنتم أمواتاً فأحياكم.
    (5) وأما الرجاء: فيكون: بعسى – وحرى – واخلولق، نحو: عسى الله أن يأتي بالفتح.
    واعلم أن الانشاء غير الطلبي لا تبحث عند علماء البلاغة، لأن أكثر صيغه في الاصل أخبارٌ نقلت إلى الإنشاء.
    واُنما المبحوث عنه في علم المعاني هو (الإنشاء الطلبي) لما يمتاز به من لطائف بلاغية.
    «فالإنشاء الطلبي» هو الذي يسيدعى مطلوباً ([163]) غير حاصلٍ ([164]) في اعتقاد المتكلم وقت الطلب.
    وأنواعه خمسة، الأمر، والنهي، والاستفهام، والتمني، والنداء ([165])وفي هذا الباب خمسة مباحث:
    المبحث الأول في الأمر
    ألأمر: هو طلب حصول الفعل من المخاطب: على وجه الاستعلاء ([166])
    مع الالزام – وله أربع صيغ
    (1) فعل الأمر – كقوله تعالى «يا يحيى خذ الكتاب بقوة»
    (2) والمضارع المجزوم بلام الأمر – كقوله تعالى «لينفق ذو سعة من سعته»
    (3) واسم فعل الأمر – نحو «عليكم أنفسكم لا يضركم من ضل إذا اهتديتم».
    (4) والمصدر النائب على فعل الأمر – نحو سعياً في سبيل الخير وقد تخرج صيغ الأمر عن معناه الأصلي وهو (الإيجاب والالزام) الى معان أخرى: تستفاد من سياق الكلام، وقرائن الاحوال.
    (1) كالدعاء في قوله تعالى «رب أوزعني أن اشكر نعمتك»([167])
    (2) والالتماس كقولك لمن يساويك – أعطني القلم أيها الأخ.
    (3) والارشاد – كقوله تعالى «إذا تداينتم بدينٍ إلى أجلٍ مسمى فاكتبوه، وليكتب بينكم كاتبٌ بالعدل».
    (4) والتهديد – كقوله تعالى «اعملوا ما شئتم، إنه بما تعملون بصير»
    (5) والتعجيز – كقوله تعالى «فأتوا بسورة من مثله»
    (6) والإباحة – كقوله تعالى «وكلوا واشربوا حتى يتبين لكم الخيط الأبيض من الخيط الأسود من الفجر»
    ونحو: اجلس كما تشاء
    (7) والتسوية – نحو قوله تعالى «وإصبروا أو لا تصبروا»
    (8) والاكرام – كقوله تعالى «ادخلوها بسلامٍ آمنين»
    (9) والامتنان – نحو قوله تعالى «فكلوا مما رزقكم الله»
    (10) والإهانة – كقوله تعالى «كونوا حجارةٍ أو حديداً»
    (11) والدوام – كقوله تعالى «إهدنا الصراط المستقيم»
    (12) والتمني – كقول امرىء القيس
    ألاَ أيها الليل الطويل ألا انجلي بصبح وما الاصباح منك بأمثل
    (13) والاعتبار – كقوله تعالى «أنظروا إلى ثمره إذا أثمر»
    (14) والأذن – كقولك: لمن طرق الباب «ادخل»
    (15) والتكوين – كقوله تعالى «كن فيكون»
    (16) والتخيير –نحو: تزوج هنداً أو أختها
    (17) والتأديب – نحو: كل مما يليك
    (18) والتعجب – كقوله تعالى «أنظر كيف ضربوا لك الأمثال»
    تمرين
    بيِّن ما يراد من صيغ الأمر في التراكيب الآتية:
    فصبراً في مجال الموت صبراً فما نيلُ الخلود بمُستاع
    فغض الطرف إنك من نُمير فلا كعبا بلغت ولا كلابا
    فيا موتُ زر إن الحياة ذميمة ويا نفسُ جدي إن دهرك هازل
    (1) خذ العفو، وأمر بالعرف، وأعرض عن الجاهلين
    (2) اسيئى بنا أو أحسني لا ملومة لدينا ولا مقلية إن تقلت
    (3) يا ليلُ طل يا نوم زل يا صبح قف لا تطلع
    (4) عش ما بدا لك سالماً في ظل شاهقة القصور
    (5) واسروا قولكم او اجهروا به إنه عليم بذات الصدور
    (6) ترفق أيها المولى عليهم فإن الرفق بالجاني عتابُ
    (7) ارى العنقاء تكبر أن تصادا فعاند من تطيق له عنادا
    (8) خليلي هبا طالما قد رقدتما أجد كما لا تقضيان كرا كما
    (9) أريني جواداً مات هز لا لعلني أرى ما ترين أو بخيلا مخلدا
    (10) قال تعالى «قل هاتوا بُرهانكم إن كنتم صادقين»
    (11) قد رشحوكَ لأمرٍ إن فطنت له فاربأ بنفسك أن ترعى مع الهمل
    (12) رب اشرح لي صدري ويسر لي أمري
    (13) ليسَ هذا بعشك فادرجي
    (14) اعمل لدنياك كانك تعيش أبداً، واعمل لآخرتك كأنك تموت غدا
    (15) فمن شاء فليبخل ومن شاء فليجد كفاني نداكم عن جميع المطالب
    ياربِّ لا تسلبني حبها أبداً ويرحم الله عبداً قال آمينا
    (16) أولئك آبائي فجئى بمثلهم إذا جمعتنا يا جرير المجامعُ
    أروني بخيلا طال عمراً ببخله وهاتوا كريماً مات من كثرة البذل
    وحسن ظنك بالأيام معجزة فظن شرا وكن منها على حذر
    نموذج
    بين نوع الإنشاء وصيغته في الأمثلة الآتية
    (1) يأيها المتحلى غير شيمته ومن شمائله التبديل والملق
    إرجع إلى خلقك المعروف ديدنه إن التخلق يأتي دونه الخلق
    (2) يا أبني إن أردت آية حسن وجمالاً يزين جسما وعقلا

    الغرض منها
    صيغة الأمر
    الرقم
    الغرض منها
    صيغة الأمر

    الرقم
    الاهانة
    عاند
    (7)
    الارشاد
    خذ العفو
    (1)
    الالتماس
    هبا
    (8)
    التسوية
    اسيئى بنا
    (2)
    التعجيز
    أريني جوادا
    (9)
    التمنى
    طل – زل
    (3)
    =
    هاتو برهانكم
    (10)
    الدعاء
    عش سالما
    (4)
    الارشاد
    فاربأ بنفسك
    (11)
    التسوية
    أسروا قولكم
    (5)
    الدعاء
    اشرح لي صدري
    (12)
    الدعاء
    ترفق
    (6)
    التخيير
    فليبخل
    (15)
    الاهانة
    أدرجي
    (13)
    التعجيز
    جئنى
    (16)
    الارشاد
    اعمل لدنياك
    (14)

    طريقته
    نوعه
    صيغة الانشاء

    رقم المثال
    النداء
    الأمر

    النداء
    الأمر
    طلبي
    طلبي

    =
    =
    يأيها المتحلى غير شيمته الخ ارجع إلى خلقك المعروف
    يا ابنتي ان أردت آية حسن فانبذي عادة التبرج
    1


    2
    فانبذى عادةَ التبرج نبذا فجمال النفوس أسمى وأعلا
    يصنع الصانعون ورداً ولكن وردةُ الروض لا تضارعُ شكلاً
    (3) ياليت من يمنعُ المعروف بمنعه حتى يذوق رجالٌ غب ما صنعوا
    (4) لعمرك ما بالعقل يكتسب الغنى ولا باكتساب المال يكتسب العقل
    اسئلة على الانشاء يطلب أجوبتها
    ما هو الانشاء لغة واصطلاحاً؟ إلى كم ينقسم الانشاء؟ ما هو الانشاء الغير الطلبي ؟ كم أقسام الانشاء الطلبي ؟ ما هو الأمر؟ كم صيغة للأمر ؟ ما هي المعاني التي تخرج اليها صيغ الأمر عن أصل معناها.


    _________________


    قناتي على موقع يوتيوب :
    https://www.youtube.com/channel/UCm8N-tHwIFM7hPnwtLrBMpg
    مدونتي:
    https://ahmed26413.blogspot.com.eg/

    أحمد
    إدارة ثمار الأوراق
    إدارة ثمار الأوراق

    عدد الرسائل : 16657
    الموقع : القاهرة
    نقاط : 38587
    تاريخ التسجيل : 17/09/2008

    رد: جواهر البلاغة في المعاني والبيان والبديع للسيد أحمد الهاشمي

    مُساهمة من طرف أحمد في السبت أبريل 13, 2013 5:26 am

    المبحث الثاني
    في النهي
    النهي – هو طلب الكف عن الشيء على وجه الاستعلاء ([168]) مع الإلزام، وله صيغة واحدة، وهي المضارع المقرون بلا الناهية: كقوله تعالى «ولا تفسدوا في الأرض بعد إصلاحها ولا تجسسوا ولا يغتب بعضكم بعضاً» وقد تخرج هذه الصيغة عن أصل معناها إلى معانٍ أخر، تستفاد من سياق الكلام وقرائن الأحوال.
    (1) كالدُّعاء – نحو قوله تعالى «ربنا لا تؤاخذنا إن نسينا أو أخطأنا»
    (2) والالتماس – كقولك لمن يُساويك – أيها الأخ لا تتوان.
    (3) والارشاد – كقوله تعالى «لا تسالوا عن أشياء إن تبد لكم تسؤكم»
    (4) والدوام – كقوله تعالى «ولا تحسبن الله غافلا عما يعمل الظالمون»
    (5) وبيان العاقبة – نحو قوله تعالى «ولا تحسبن الذين قتلوا في سبيل الله أمواتاً بل أحياء».
    والتيئيس – نحو قوله تعالى «لا تعتذروا قد كفرتم بعد إيمانكم»
    (7) والتمنى – نحو يا ليلة الأنس لا تنقضي
    وكقوله – يا ليلُ طل يا نومُ زلُ يا صبح قف لا تطلع
    (8) والتهديد – كقولك لخادمك – لا تطع أمري
    (9) والكراهة – نحو لا تلتفت وأنت في الصلاة.
    (10) والتوبيخ – نحو لا تنه عن خلق وتأتى مثله
    (11) والائتناس – نحو «لا تحزن إن الله معنا»
    (12) والتحقير – كقوله:
    لا تطلب المجد إن المجد سلمه صعب، وعش مستريحاً ناعم البال
    وكقوله:
    دع المكارم لا ترحل لبغيها واقعد فإنك أنت الطاعم الكاسي
    تطبيق
    أذكر ما يُراد من صيغ النهى الآتية:
    (1) ولا تلبسوا الحق بالباطل وتكتموا الحق وأنتم تعلمون
    (2) فلا تُلزمن الناس غير طباعهم فتتعب من طول العتاب ويتعبوا
    ولا تغتر رمنهم بحسن بشاشة فأكثر إيماض البوارق خلب
    (3) فلا تهج إن كنت ذا إربة حرب أخي التجربة العاقل
    (4) لا تعتذروا اليومَ

    الغرض
    الغرض
    (3) الارشاد والنصح
    (4) التوبيخ والتفريع
    (1) التوبيخ لهم على خلطهم الحق الباطل
    (2) الارشاد إلى حسن الخلق
    (5) لا تحسب المجد ثمراً أنت آكله لن تبلغ المجدَ حتى تعلق الصبرا
    (6) لا تحتجب عن العيون أيها القمر
    (7) لا تعرضن لجعفر متشبها بندي يديه فلست من أنداده
    (8) لا تيأسوا أن تستردوا مجدكم فلرب مغلوبٍ هوى ثم ارتقى
    ولا تجلس إلى أهل الدنايا فانّ خلائق السفهاء تعدى
    المبحث الثالث
    في الاستفهام
    الاستفهام: هو طلب العلم بشيء لم يكن معلوماً من قبل وذلك بأداة من إحدى أدواته الآتية – وهي:
    الهمزة، وهل، وما، ومتى، وأيان، وكيف، وأين، وأنى، وكم، وأي،
    وتقسم بحسب الطلب إلى ثلاثة أقسام:
    (أ) ما يطلب به التصور تارة، والتصديق تارة أخرى، وهو – الهمزة.
    (ب) وما يطلب به التصديق فقط، وهو – هل.
    (جـ) وما يطلب به التصور فقط، وهو بقية الفاظ الاستفهام الآتية:


    الغرض
    الغرض
    (7) التوبيخ والتأنيب
    (8) استنهاض الهمة بالنصح
    (5) التوبيخ والتعنيف
    (6) التمنى
    1- الهمزة
    يطلب بالهمزة أحد أمرين: تصور، أو تصديق
    (1) فالتصور: هو إدراك المفرد ([169]) نحو أعليّ مسافر أم سعيد، تعتقد أن السفر حصل من أحدهما، ولكن تطلب تعيينه، ولذا يجاب فيه بالتعيين ويقال سعيد مثلاً وحكم الهمزة التي لطلب التصور، أن يليها المسؤل عنه بها، سواء – أكان:
    (1) مسنداً إليه نحو أأنت فعلت هذا أم يوسف.
    (2) أم مسنداً – نحو: أراغبٌ انت عن الأمر أم راغب فيه
    (3) أم مفعولا – نحو: إياي تقصد أم سعيداً.
    (4) أم حالا – نحو: أرا كباً حضرت أم ماشيا.
    (5) أم ظرفا – نحو: أيومَ الخميس قدمت أم يوم الجمعة، ويذكر المسئول عنه في التصور بعد الهمزة، ويكون له معادل يذكر بعد أم غالباً: وتسمى متصلة.
    وقد يستغنى عن ذكر المعادل: نحو: أأنت فعلت هذا بآلهتنا يا إبراهيم
    (ب) والتصديق «هو إدراك وقوع نسبة تامة بين المسند والمسند اليه – أو عدم وقوعها» ([170]) بحيث يكون المتكلم خالي الذهن مما استفهم عنه في جملته، مصدقا للجواب – إثباتاً «بنعم» - أو نفياً «بلا» وهمزة الاستفهام تدل على التصديق إذا أريد بها النسبة ويكثر التصديق في الجمل الفعلية – كقولك: أحضر الأمير ([171]).
    تستفهم عن ثبوت النسبة ونفيها – وفي هذه الحالة يجاب بلفظة: نعم – أو – لا.
    ويقل التصديق في الجمل الاسمية – نحو: أعليّ مسافر.
    ويمتنع أن يذكر مع همزة التصديق معادلٌ – كما مثل فإن جاءت «أم» بعدها: قدرت منقطعة ([172]) وتكون بمعنى (بل) فتدل على استئناف الكلام بعدها – كقوله:
    ولستُ أبالي بعد فقدي مالكا أموتي ناءٍ أم هو الآن واقع
    ونحو:
    هل يسمعن النَّضر إن ناديته أم كيف يسمع ميتٌ لا ينطق
    هل
    يطلب بها التصديق فقط – أي معرفة وقوع النسبة، أو عدم وقوعها لا غير – نحو هل حافظ المصريون على مجد أسلافهم.
    ولأجل اختصاصها بطلب التصديق لا يذكر معها المعادل بعد أم المتصلة – فلذا.
    (1) امتنع – هل سعد قام أم سعيد: لأن وقوع المفرد وهو سعيد بعد «أم» الواقعة في حيز الاستفهام دليل على أن أم متصلة، وهي لطلب تعيين أحد الأمرين – ولابدَّ حينئذ أن يعلم بها أولا أصل الحكم.
    (وهل) لا يناسبها ذلك – لأنها لطلب الحكم فقط، فالحكم فيها غير معلوم، وإلاّ لم يُستفهم عنه بها، وحينئذ يؤدي الجمع بين (هل – وأم) إلى التناقض.
    لأن (هل) تفيد أن السائل جاهل بالحكم لأنها لطلبه «وأم» المتصلة: تفيد أن السائل عالم به، وإنما يطلب تعيين أحد الأمرين – فإن جاءت أم كذلك، كانت منقطعة بمعنى بل التي تفيد الاضراب نحو: هل جاء صديقك أم عدوك.
    (ب) وقبح استعمال «هل» في تركيب هو مظنة للعلم بحصول أصل النسبة، وهو ما يتقدم فيه المعمول على الفعل، نحو هل خليلا أكرمت فتقديم المعمول على الفعل، يقتضى غالباًً حصول العلم للمتكلم وتكون هل لطلب حصول الحاصل وهو عبثٌ.
    تنبيهات
    الأول – هل – كالسين وسوف تُخلّص المضارع للاستقبال، فلا يقال: هل تصديق ؟ جواباً لمن قال أحبك الآن، بل تقول له، أتصدق؟ ولأجل اختصاصها بالتصديق، وتخليصها المضارع للاستقبال قوى اتصالها بالفعل لفظاً أو تقديراً نحو هل يجيء عليّ – أو هل عليّ يجيء؟ فإن عدل عن الفعل إلى الاسم لابراز ما يحصل في صورة الحاصل دلالة على كمال العناية بحصوله كان هذا العدول أبلغ في إفادة المقصود كقوله تعالى «فهل أنتم شاكرون» فهذا التركيب أدل على طلب الشكر من قولك، هل تشكرون – وذلك لأن الفعل لازم بعد هل والعدول عنه يدل على قوة الداعي لذلك، لما ذكر
    الثاني – هل نوعان: بسيطة – ومركبة
    (أ) فالبسيطة هي التي يستفهم بها عن وجود شيء في نفسه، أو عدم وجوده، نحو هل العنقاء([173]) موجودة – ونحو: هل الخلّ الوفي موجود.(ب) والمركبة – هي التي يستفهم بها عن وجود شيء لشيء وعدم وجوده له – نحو هل المريخ مسكون ؟ - هل النبات حساس ؟
    الثالث (هل) لا تدخل على:
    فلا يقال هل لم يفهم علي
    = = = تحتقر علياً وهو شجاع
    = = = ان الأمير مسافر
    هل إذا زرتُك تكرمني
    هل فيتقدَّم أو هل ثم يتقدم
    هل بشراً مِنا واحداً نتبعه
    (1) المنفى ([174])
    (2) ولا على المضارع هو للحال
    (3) ولا على إن
    (4) ولا على الشرط
    (5) ولا على حرف العطف([175])
    (6) ولا على بعده فعل
    بخلاف الهمزة فانها تدخل على جميع ما ذكر
    واعلم: أن الهمزة – وهل – يُسأل بهما عما بعدهما – لأنهما حرفان ليس لهما معنى مُستقلا.
    الرابع – بقية ادوات الاستفهام موضوعة (للتصور) فقط – فيُسأل بها عن معناها – وهي:
    ما، ومن، ومتى، وايان، وكيف، وأينَ، وانّى، وكَم، وأي، ولهذا يكون الجوابُ معها بتعيين المسئُول عنه.
    ما – ومن
    ما – موضوعةٌ للاستفهام عن أفراد غير العُقلاء – ويُطلب بها:
    (أ) إيضاح الاسم: نحو ما العسجد؟ فيقال في الجواب إنه ذهبٌ.
    (ب) أو يُطلبُ بها بيان حقيقة المسمَّى: نحو: ما الشمس؟
    فيجاب بأنه كوكبٌ نهاريّ
    (ج) أو يُطلبُ بها بيان الصفة نحو: ما خليلٌ؟ - وجوابه طويل أو قصير: مثلا
    وتقع هل البسيطةُ في الترتيب العقلي ([176]) بين «ما» التي لشرح الاسم، و «ما» التي للحقيقة
    فَمن يجهلُ معنى البشر مثلا يسأل أولاً «بما» عن شرحه: فيجاب بانسان، ثم «بهل» البسيطة عن وجوده، فيجاب بنعم
    ثم «بما» عن حقيقته، فيجاب بحيوان ناطق.
    ومَن – موضوعة للاستفهام – ويطلبُ بها تعيين أفراد العقلاء – نحو: من فتحَ مصر؟ ونحو: من شيد الهرم الأكبر؟ ونحو: من شيد القناطر الخيرية ؟
    متى – وأيَّان
    متى – موضوعة للاستفهام، ويطلبُ بها تَعيينُ الزَّمان، سواء أكان ماضيا أو مستقبلا – نحو متى تولَّى الخلافة عمرُ ؟ ومتَى نحظَى بالحرية.
    وأيَّان – موضوعة للاستفهام، ويطلبُ بها تعيينُ الزَّمان المُستقبل خاصة وتكون في موضع (التهويل والتفخيم) دون غيره كقوله تعالى (يسالُ أيّان يوم القيامة ([177])).
    كيف – وأين – وأنى – وكم – وأي
    كيف: موضوعة للاستفهام – ويطلبُ بها تعيينُ الحالُ: كقوله تعالى «فكيف إذا جئنا من كل أمةٍ بشهيد» وكقوله:
    وكيف أخاف الفقر أو أحرمُ الغنى ورأى أمير المؤمنين جميل
    وأين موضوعة للاستفهام ويطلبُ بها تعيينُ المكان نحو: أين شركاؤكم وأنى: موضوعة للاستفهام – وتأتى لمعان كثيرة
    (1) فتكون بمعنى كيفَ – كقوله تعالى «أنَّى يُحيِي هذهِ اللهُ بعد موتها».
    (2) وتكون بمعنى مِن أين – كقوله تعالى (يا مريمُ أنى لكِ هذا)
    (3) وتكون بمعنى متى – كقولك – زُرني أنى شِئتَ
    وكم – موضوعة للاستفهام: ويُطلب بها تعيين عَددٍ مُبهمٍ كقوله تعالى (كم لبثتم)
    وأيّ – موضوعة للاستفهام: ويُطلب بها تمييزُ أحد المُتشاركين في أمرٍ يعمهما: كقوله تعالى (أي الفَريقين خيرٌ مَقَاما) ويُسأل بها عن الزمان والمكان، والحال، والعدد، والعاقل، وغيره – على حسب ما تُضاف إليه «أي»، ولذا تأخذ «أي» معناها ممّا تُضاف إليه، فان اضيفت إلى ما تفده (ما) أخذت حكمها، وإن أضيفت إلى ما تفيده «متى – أو كيف» أو غيرها من الأدوات السابقة أخذت معناها، وقد تخرج ألفاظ الاستفهام عن معناها الأصلي (وهو طلب العلم بمجهول) فيستفهم بها عن الشّىء مع (العلم به) – لأغراض أخرى: تُفهَم من سِياق الكلام ودلالته – ومن أهمّ ذلك.
    (1) الأمر – كقوله تعالى (فَهَل أنت مُنتَهُون) أي – انتهو.
    (2) والنَّهي – كقوله تعالى(أتخشَونهُم ([178]) فاللهُ أحقُ أن تخشوهُ)
    (3) والتسوية – كقوله تعالى (سَوَاء عليهم أأنذَرتَهُم أم لم تنُذرهم لا يؤمنون)
    (4) والنفي – كقوله تعالى (هل جزاء الإحسان إلا الإحسان) ([179])
    (5) والإنكار - ([180])كقوله تعالى (أغيرَ اللهِ تَدعون)
    (6) والتشويق – كقوله تعالى (هل أدُلكم على تجارةٍ تنجيكم من عذاب أليم).
    (7) والاستئناس – كقوله تعالى (وما تلك بيمينك يا مُوسى)
    (8) والتَّقرير([181]) – كقوله تعالى (ألم نشرح لك صدرك)
    (9) والتَّهويل – كقوله تعالى (الحاقَّةُ ما الحاقَّةُ وما أدرا:َ ماالحاقَّة)
    (10) والاستبعاد – كقوله تعالى (أنَّى لهم الذِّكرى وقد جاءهم رسول مبين) – ونحو: قول الشاعر:
    مَن لي بإِنسانٍ إذا أغضبتهُ وجَهِلتُ كان الحلمُ رَدَّ جوابه
    (11) والتعظيم – كقوله تعالى «من ذا الذي يشفع عنده إلا بإذنه»
    (12) والتحقير – نحو: أهذا الذي مدحته كثيراً ؟ ؟
    (13) والتَّعجُّب – كقوله تعالى – (مالهذاَ الرسول ياكل الطَّعامَ ويَمشي في الأسواق) – وكقول الشاعر:
    خليليّ فيما عشتما هل رأيتما قتيلا بكى من حب قاتله قبلي
    (14) والتهكم – نحو: أعقلك يُسوغُ لك أن تفعل كذا
    (15) والوعيد – نحو: (ألم تَر كيفَ فعل ربّك بعادٍ)
    (16) والاستنباط – كقوله تعالى (متى نصرُ الله) ونحو: كم دعوتك.
    (17) والتَّنبيه على الخطأ – كقوله تعالى (أتستبدلون الذي هو أدنى بالذي هُوَ خيرٌ)
    (18) والتَّنبيه على الباطل – كقوله تعالى (أفأنت تُسمِع الصُّم أو تهدى العُمى)
    (19) والتَّحسُّر – كقول شمس الدين الكوفي
    ما للمنازل أصبحتُ لا أهلُها أهلي، ولا جيرانُها جيراني
    (20) والتَّنبيه على ضلال الطّريق – كقوله تعالى (فأين تذهبون) والتَّكثير – كقول أبي العَلاء المعرِّي:
    صاح – هذه قبورُنا تملأ الرحبَ فأين القبور من عَهد عَاد؟؟ واعلم أن كل ما وضع من الأخبار في صورة الاستفهام في الأمثلة السابقة والآتية تجددت له مزية بلاغية، زادت المعنى روعة وجمالا.
    إذا عرفت هذا – فاعرف أيضاً أنّه يستعمل كل من (الأمر، والنهي، والاستفهام) في أغراض أخرى، يُرجع في إدراكها إلى الذوق الأدبي، ولا يكون استعمالها في غير ما وضعت له، إلا لطريفة أدبية، تجعل لهذا الاستعمال مزية، يترقى بها الكلام في درجات البلاغة ؟؟
    تطبيق
    ماذا يراد بالاستفهام فيما يلي ؟؟
    (1) ألستُم مَن رَكب المطايا وأندَى العالمينَ بُطول راحٍ ([182])
    (2) أنلُهو وأيّامنا تذهبُ ونلعبُ والموتُ لا يلعَبُ([183])
    (3) متى يبلغ البنيان يوماً تمامَه إذا كنت تبنيه وغيرُك يهدمُ([184])
    (4) فعلام يلتمس العدوّ مساءتي مِن بعد ما عرفَ الخلائقُ شاني([185])
    (5) وكيف أخافُ الفقر أو أحرم الغنى ورأى أمير المؤمنين جميل([186])
    (6) وهل نافعي أن تُرفع الحُجبُ بيننا ودُون الذي أمّلتُ منكَ حِجاب([187])
    (7) أضاعوني وأي فتى أضاعوا ليوم كريهة وسداد ثغر ([188])
    (8) ومَن مثلُ كافور إذا الخيل أحجمت وكان قليلا من يقول لها اقدمى([189])
    (9) أفي الحق أن يُعطى ثلاثون شاعرا ويُحرمُ ما دون الرّضا شاعرٌ مثلي([190])
    (10) أعندي وقد ما رستُ كل خفية يصدَّق واش أو يخيب سائل([191])
    (11) فدع الوعيد فما وعيدك ضائري أطنينُ أجنحة الذَّباب يضيرُ([192])
    (12) ومن ذا الذي يدلى بعذرِ وحجَّة وسيف المنايا بين عينيه مُصلتُ([193])
    (13) إذا محاسني اللاتي أتيت بها عُدَّت ذنوبا فقل لي كيف أعتذر([194])
    (14) إلاَمَ وفيمَ تنقلنا ركابٌ ونأمل أن يكون لنا أوان([195])
    فهل لي ان أراك قبيلَ موتي وَلو في النوم يا بنت الكرام
    أسئلة على الاستفهام يطلب أجوبتها
    ما هو الاستفهام؟ ما هي أدواته ؟ ما الذي يُطلب بالهمزة ؟ ما هو التصور ؟ ما هو التصديق؟ ما الفرق بين همزة التصور ؟ وهمزة التصديق – وهل ؟ ماذا يطلب بأدوات الاستفهام غير الهمزة وهل؟ ماالذي يطلب بمن؟ ما الذي يطلب بما ؟ ما الذي يطلب بمتى؟ ماالذي يطلب بكيف؟ ما الذي يطلب بكم ؟ ما الذي يطلب بأيان؟ ما الذي يطلب بأنّى ؟ ما الذي يطلب بأيّ؟
    ما هي المعاني التي تخرج اليها أدوات الاستفهام عن معانيها الأصلية.
    تمرين
    ما هي المعاني التي استعمل فيها الاستفهام في الأمثلة الآتية:
    قال تعالى:
    (1) «قل هل يستوي الأعمى والبصير أم هل تستوي الظلمات والنور».
    (2) «هل مِن خالقٍ غيرُ الله يرزُقكُم»
    (3) «أفبالباطِل يؤمنون، وبنعمة االله عهم يكفرون»
    (4) «ألا تُقاتلون قوماً نكثوا أيمانهم، وهموا بإخراج الرسول، وهَم بدءوكم أوَّل مرةٍ، أتخشونَهُم فالله أحقُّ أن تَخشوه إن كنتم مؤمنين»
    (5) «أفتطمعُون أن يُؤمنوا لكم وقد كان فريقٌ مِنهم يسمعون كلام الله، ثم يحرفونهُ مِن بعد ما عقلوهُ وهُم يَعلمُون».
    (6) «أفَغَير دين الله يبغونَ ولَه أسلم من في السموات والأرض طوعاً وكَرهاً وَإليه يُرجعونَ»
    (7) «إن الذين كفروا سواءٌ عليهم أأنذرتَهم أم لم تُنذرهم لا يؤمنون»
    (8) «افَأصفاكُم ربكم بالبنين، واتخذ من الملائكة إناثاً إنكم لتقولُون قولا عظيماً».
    (9) «وماذا عليهم لو آمنوا بِاللهِ واليومِ الآخر، وأنفقوا ممَّا رزقهُمُ اللهُ، وكان اللهُ بهم عليماً»
    (10) «مَن ذا الذي يقرض الله قرضاً حسناً فيضاعِفه له وله أجرٌ كريمٌ»
    (11) أفمن يمشي مكبا على وَجههِ أهدى، أم من يمشي سويَّا على صراط مستقيم»
    (12) «ألم يجدك يتيما فآوى، وَوَجَدكَ ضَالاً فهَدى، وَوَجَدَكَ عائلا فأغنى».
    (13) قال أبو نواس:
    أنا في ذمة الخصيبِ مقيمٌ حيث لا تَهتدِي صُروف الزمان
    كيف أخشى عليَّ غولَ الليالي ومكاني من الخصيب مكاني
    (14) وقال أبو تمام يمدح عبد الله بن طاهر:
    يقول في قومس قومي وقد أخذت منا السري وخطى المهرية القود
    أمَطلعَ الشمس تبغي ان تؤمّ بنا فقلت كلاَّ، ولكن مطلع الجود
    (15) وقال يفخر بقومه:
    مضوا: وكانَّ المكرمات لَدَيهمُ لكثرةِ ما أوصوا بهن شرائعُ
    فأيُّ يدٍ في المَحل مُدَّت فلم تكن لها راحةٌ من جودهم وأصابعُ
    (16) وقال رجل من الخوراج كان الحجاج قد عفا عنه:
    أو قاتل الحجَّاج عن سُلطانِهِ بيدٍ تُقرُّ بانها مولاتهُ
    (17) وقال أبو تمام:
    أإلى بني عبد الكريم تشَاوَست عيناكَ (ويحك) خلف من تتفوَّقُ
    ما انشئت للمكرمات سحابةٌ إلا ومن أيديهم تتَدفَّقُ
    (18) وقال المرحوم أحمد شوقي:
    إلامَ الخلفُ بينكم إلاما وهذي الضَّجة الكبرى علاما
    وفيم يكيدُ بعضكم لبعض وتُبدُون العداوة والخِصاما
    (19) وقال ابن الرومي:
    ما كان في فضلاء الناس لي أملٌ فكيف أمَّلتُ خيراً في المجانين
    (20) وقال العباس بن الأحنف:
    قلبي إلى ما ضرني داعي يُكثرُ أسقامي وأوجاعي
    كيف احتراسي من عدُوَّي إذا كان عدوِّي بين أضلاعي
    (21) وقال زُفر بن الحارث:
    أيذهب يومٌ واحدٌ اُن أسأته بصالح أيامي وحُسن بلائيا
    (22) وقال زياد الأعجم:
    فمن أنتم إنا نسينا من أنتم وريحكم من أي ريح الأعاصر
    (23) وقال إبراهيم الموصلي:
    وآمرةٍ بالبخل قلت لها اقصري فليس إلى ما تأمرين سبيلُ
    وكيف أخافُ الفقر أو أحرمُ الغنى وَرَأىُ أمير المؤمنين جميلُ
    (24) وقال جميل بن معمر:
    ألا ليت شعري هل أبيتن ليلةً بوادي القرى إني إذاً لسعيد
    وهل ألقيَن سعُدى من الدهر مرة وما رثَّ من حبلِ الصفاء جديدُ
    (25) وقال شمس الدين الكوفي:
    ما لي وللأيام شتَّتَ خطبُها شملي وخلاَّني بلا خُلاَّن
    تمرين
    وضِّح الأغراض التي خرج إليها – الأمر – والنهي – والاستفهام في الأمثلة الآتية:
    (1) قال ابو الطيب يعاتب رجلاً ظن أنه هجاه، وكان غيره هو الذي هجاه:
    وتحسبُ ماء غيري من إنائي
    بانك خيرُ من تحت السماء
    أيعمى العالمون عن الضياء


    أتنكرُ يابن إسحقٍ إخائي
    أأنطقُ فيك هُجراً بعد علمي
    وهبني قلت هذا الصبحُ ليلٌ

    (2) وقال يخاطب سيف الدولة:
    بشعري أتاكَ المادحون مُردَّدا
    أنا الصائح المحكيُّ والآخر الصَّدَى


    أجزنى إذا أنشدتُ شعراُ فإنما
    وَدَع كلَّ صوتٍ غير صوتي فإنني

    (3)وقال:
    بين طعنِ القنا وخفق البنود
    لَّ ولو كان في جنان الخلود


    عش عزيزاً أو مُت وأنت كريم
    واطلب العزّ في لظىً وذر الذ

    (4) وقال:
    لمَن تطلُب الدنيا إذا لم ترد بها سرورَ محبٍ أو إساءة مجرم
    (5) وقال أبو فراس:
    ومن أين للحُر الكريمِ صحاب
    ذئاباً على أجسادهن ثياب
    جججج


    بمن يثقُ الانسانُ فيما ينوبهُ
    وقد صار هذا الناسُ إلا أقَلَّهُم

    (6) وقال أبو العتاهية في عبد الله بن معن بن زائدة:
    به سيفك خَلخَالاَ
    إذا لم تكُ قتّالا


    فَصُغ ما كنتَ حَلَّيتَ
    وما تَصنَعُ بالسيف

    (7) ولابن رشيق
    ليس للعين راحةٌ في الصَّباح
    بان عنّى نورُ الوجوه الملاحِ

    أيها الليل طل بغير جُناح
    كيف لا أبغضُ الصباح وفيه

    (8) وقال كثير:
    لَدَينا وَلا مَقليةً إن تقلَّتِ
    بعاقبة اسبابُهُ قد توَلَّتِ


    أسيئى بنا أو أحسنى لا مَلُومةً
    فلا يبعدن وصلٌ لعزة أصبحت

    (9) وقال البحتري:
    اسلم أبا الصقر للمعروف تصنعهُ والمجدِ تبنيه في ذُهل بن شيبان
    (10) وقال الفرزدق:
    أترجو ربيعٌ أن يجيء صغارُها بخيرٍ وقد أعيا ربيعاً كبارُها
    (11) وقال جرير
    قل للجبان إذا تأخّر سرجُهُ هل أنت من شرك المنية ناجي
    (12) وقال المعرَّي:
    إفهَم عن الأيام فهي نواطقٌ ما زال يَضربُ صَرفُها الأمثالا
    لم يمضِ في دنياك أمر مُعجبٌ إلاَّ أرتكَ لما مضى تمثالا
    (13) وقال:
    ما افتخارُ الفتى بثوب جديد وهو من تحته بعرضٍ لبيس
    والفتى ليس باللحين وبالتبر ولكن بعزةٍ في النفوسِ
    (14) وقال المرحوم إسماعيل صبري باشا يرثي طفلا صغيراً:
    والبيتِ أنساً، تمهَل أيها القمرُ
    والزم مكانَكَ لا يحلُل به الكدر


    يا مالىء العين نوراً والفؤادِ هوى
    لا تخُل أفقَكَ يخلقك الظلامُ به



    المبحث الرابع
    في التمني
    التمني هو طلب الشيء المحبوب الذي لا يُرجى، ولا يتوقَّع حصوله
    (1) إما لكونه مستحيلا – كقوله:
    ألا ليتَ الشبّابَ يعودُ يوما فأخبَره بما فعلَ المشيبُ
    (2) وإمّا لكونه ممكناً غير مطموعٍ في نيله – كقوله تعالى (ياليت لنا مثل ما أوتي قارون)
    وإذا كان الأمرُ المحبوبُ ممّا يرجى حصوله كان طلبه ترجياً
    وبعبر فيه «بعسى، ولعل» كقوله تعالى «لعل الله يُحدثُ بعدَ ذلك أمراً» و «عسى الله أن يأتي بالفتح»
    وقد تستعل في الترجي «ليت» لغرض بلاغي ([196])
    وللتمني أربع أدوات واحدةٌ أصلية – وهي «ليتَ» وثلاث عيرُ اصلية نائبة عنها – ويتمنى بها لغرض بلاغي: وهي
    (1) هل -([197]) كقوله تعالى (فهل لنا من شفعاء فيشفعوا لنا) ([198])
    (2) ولو([199]) – كقوله تعالى (فلو أن لنا كرةً فنكون من المؤمنين)
    (3) ولعلَّ([200]) – كقوله:
    اسربَ القَطا هل من يعير جناحهُ؟ لعلّي إلى من قد هويت أطيرُ
    ولأجل استعمال هذه الأدوات في التمنّي ينُصبُ المضارع الواقع في جوابها.
    تمرين
    بين المعاني المستفادة من صيغ التمنَّي فيما يأتي
    قال تعالى: (فهل إلى خروجِ من سبيل)
    علَّ الليالي التي أضننت بفرقتنا جسمي ستحمى يوماً وتَجمعه
    لو ياتينا فيُحدِّثنا – لعِّلي احجُّ فأزورك - ياليتني اتخذتُ مع الرسول سبيلا – هل إلى مرَدٍ من سبيل، يا ليت لنا مثل ما أوتي قارون – لعلّي ابلغُ الأسباب – لو تتلوا الآيات فتشقَّ سمعي –
    كل من في الكون يشكوُ دهرهُ ليتَ شعري هذه الدنيا لِمَن؟؟
    فليت الليلَ فيه كان شهراً ومرَّ نهارهُ مرَّ السحاب
    فليت هوى الأحبة كان عدلا فحمل كل قلبٍ ما أطاقا
    المبحث الخامس
    في النداء
    النِّداء – هو طلبُ المتكَلم إقبال المخاطب عليه بحرف نائب مناب «أنادي» المنقول من الخبر إلى الانشاء – وأدواته ثمان الهمزة، وايّ، ويا، وآي، وأيَا وَهيا، ووا([201])
    وهي في كيفية الاستعمال نوعان
    (1) الهمزة وأيّ: لنداء القريب
    (2) وباقي الأدوات لنداء البعيد.
    وقد يُنزلُ البعيد منزلة القريب – فينادي بالهمزة وايّ، إشارةً إلى أنه لشدة استحضاره في ذهن المتكلّم صار كالحاضر معه، لا يغيب عن القلب، وكأنه ماثلٌ أمامَ العين – كقول الشاعر:
    أسُكانَ نعمانِ الأراكِ تيقَّنوا بأنكُم في ربع قلبي سُكانُ
    وقد يُنزل القريب منزلة البعيد – فينادَى بغير «الهمزة، واي»
    «أ» إشارة إلى عُلُوّ مرتبته، فيجعلُ بعدُ المنزلة كأنه بُعد في المكان كقوله «أيا مولاي» وانت معه للدلالةِ على ان المُنادي عظيمُ القدر، رفيعُ الشأن.
    «ب» أو إشارة إلى انحطاط منزلته ودرجته – كقولك «اياهذا» لمن هو معك.
    «جـ» أو إشارة إلى انّ السامعَ لغفلته وشُرود ذهنه كأنّه غير حاضر كقولك للساهي – أيا فلانُ – وكقول البارودي:
    يأيُّها السادر المزور من صلفٍ مَهلاً، فإِنك بالأيّام مُنخَدع([202])
    وقد تخرج ألفاظ النّداء عن معناه الأصلي إلى معان أخرى، تفهم من السِّياق بمعونة القرائن ومن أهمّ ذلك
    (1) الإغراء – نحو قولك لمن أقبل يتظَّلم: يا مظلومُ.
    (2) والاستغاثة – نحو، يالله للمؤمنين.
    (3) والندبة – نحو قول الشاعر
    فواعجباً كم يدَّعي الفضلَ ناقصٌ وَوَا أسفاً كم يظهر النقص فاضل
    (4) والتّعجب – كقول الشاعر
    يا لك من قُبُّرة بمعمرِ خلاَ لكِ الجوُّ فبيضى واصفرى
    (5) والزجر – كقول الشاعر:
    أفؤادي متى المتابُ ألَّما تصـحُ والشَيبُ فوق راسي المَّا
    (6) والتحسُّر والتَّوجُّع – كقوله تعالى «يا ليتني كنتُ تراباً»
    وكقول الشاعر:
    أيا قبرَ مَعن كيف واريت جودَهُ وقد كانَ منه البرُّ وَالبحر مُترعاً
    (7) والتَّذكر كقوله:
    أيا منزلي سلمى سلامٌ عليكما هل الأزمٌن اللاتي مضينَ رواجع
    (8) والتحيرُّ والتضجُّر – نحو قول الشاعر:
    ايا مَنازلَ سلمى أين سلماك من أجل هذا بكيناهاَ بكيناك
    ويكثر هذا في نداء الأطلال والمطايا: ونحوها
    (9) والاختصاص([203]) – هو ذكر اسم ظاهر بعد ضمير لأجل بيانه.
    نحو قوله تعالى: «رحمةُ الله وبركاته عليكم أهل البيت إنه حميدٌ مجيد» ونحو: نحن العلماءَ ورثة الأنبياء:
    «أ» إمَّا للتَّفاخر – نحو: أنا أكرمُ الضيف أيها الرجل.
    «ب» وإما للتَّواضُع – نحو: أنا الفقيرُ المسكين ُ أيّها الرجل ونحو: اللهم اغفر لنا أيَّتها العصابَة ([204]).
    تمرين
    بين المعاني الحقيقيَّة المستفادة من صيغ النداء – والمعاني المجازية المستفادة من القرائن.
    ت فنسيانُهُ ضلالٌ مُبين
    لأُناسٍ عُتوُّهم في ازدياد
    لا يبرحُ السّفهُ المردي لهم دينا
    فإلامَ الوَلُوع بالشهَواتِ
    كأنكَ لم تجزَع على ابنِ طَريفٍ
    الظلم مَردُودٌ على من ظَلم
    ألاليت شعري هل تغيرت من بعدي
    إلى سليمان فنستريحا
    قلتُ يا ريحُ بلِّغيه السلاما
    تحملني الذَّلفاء حولاَ أكتعا
    كأنَّ كلّ سرور حاضرٌ فيها
    وكذاك في التشبيه منظرها
    والشمس أنهاها وآمُرها
    ريح الشِّمال تنفَّست سحرا
    سحر العقول به وما سحرا
    لمّا ارتميتَ ولا اتقيت ملاما
    فيك الخصام وانت الخَصم والحكم
    وجَاورِيناا فدتك النفس من جار


    صاح شمّر ولا تزَل ذاكرَ المو
    يا لقومي ويا لأمثال قومي
    يا للرِّجال ذوي الألباب من نفرٍ
    ايها القلبُ قد قضَيتَ مَرَاماً
    أيا شجر الخابور مَالَك مُورقاً
    يا أيها الظالم في فعله
    أريحانة العينين والأنف والحشا
    يا ناقُ سيرى عنقاً فسيحاً
    حجبوه عن الرّياح لأني
    يا ليتني كنتُ صبيَّا مُرضعا
    يا ليلة لستُ أنسى طيبها أبداً
    يا ليلة كالمسك مَخبرُها
    أحييتها والبدرُ يخدُمني
    يا من تذكَرني شمائله
    وإذا امتطى قلمٌ أناملَه
    يا قلب ويحك ما سمعت لنا صحِ
    يا أعدل الناس إلا في معاملتي
    يارحمةَ الله حلّى في منازلنا

    تنبيهات
    الأول – يُوضع الخبرُ موضعَ الإنشاء لأغراضٍ كثيرة، أهمها:
    (1) التفاؤل – نحو هداك الله لصالح الأعمال:
    كأنَّ الهدايةَ حصلت بالفعل فاخبرَ عنها – ونحو: وفقك الله.
    (2) والاحتراز عن صورة الأمر تأدّباً واحتراماً، نحو: رحم الله فلانا ونحو: ينظر مولايَ في أمري ويقضي حاجتي.
    (3) والتنبيه على تيسير المطلوبِ لقوة الأسباب كقول الأمير لجنده «تأخذون بنواصيهم وتنزلونهم من صيَاصيهم».
    (4) والمبالغة في الطلب للتنبيه على سرعة الامتثال.
    نحو (وإذ أخذنا ميثاقكم لا تسفكون دماءكم) لم يقل لا تسفكوا، قصداً للمُبالغة في النَّهي، حتى كأنهم نهو فامتثلوا ثم أخبر عنهم بالامتثال..
    (5) إظهار الرَّغبة – نحو قولك في غائب: رَزَقني الله لقاءهُ.
    الثاني – يُوضع الانشاء موضع الخبر لأغراض كثيرة
    «أ» منها: إظهار العناية بالشيء: والاهتمام بشأنه – كقوله تعالى (قل أمر ربي بالقسط واقيموا وجُوهكم عند كل مسجد)
    لم يقل: وإقامة وجوهكم، إشعاراً بالعناية بأمر الصلاة، لعظيم خَطرها، وجليل قدرها في الدين.
    «ب» ومنها: التحاشي والاحتراز عن مُساواة الَّلاحق بالسّابق. كقوله تعالى (قال إني أشهدُ اللهَ، واشهدوا أنى بريء ممَّا تُشرِكونَ من دونه) لم يقُل وأُشهدكم تَحاشياً وفراراً مِن مُساواة شهادتهم بشهادة الله تعالى.
    الثالث – الانشاء كالخبر في كثيرٍ ممّا ذكر فيه، ومما سُيذكر في الأبواب التالية – من الذكر والحذف وغيرهما، إن شاء الله تعالى.
    الثالث – الانشاء كالخبر في كثير ممّا ذُكر فيه، ومما سُيذكر في الأبواب.التالية – من الذكرى والحذف وغيرهما، إن شاء الله تعالى.
    الرابع – يُستعمل كل من (الأمر والنهي والاستفهام) في أغراض أخر يرجع في إدراكها إلى الذوق الأدبي، ولا يكون استعمالٌها في غير ما وُضعت له إلا لطريقة أدبية تجعل لهذا الاستعمال مزية يترقى بها الكلام في درجات البلاغة، كما سبق القول.
    تطبيق
    بين المعاني المستفادة من النِّداء، وسبب استعمال أداةٍ دون غيرها فيما يلي:
    (1) أيا مَنازلَ سامي أين سلماك مِن أجل هذا بكيناها بكيناك ([205])
    (2) صادحَ الشرق قد سكتَّ طويلا وعزيزٌ علينا ألاّ تقولا ([206])
    (3) أيا قبر معنٍ كيف واريت جوده وقد كان منه البرُ والبحر مُترعا([207])
    (4) يا دُرةً نزعت من تاج والدها فأصبحت حليةً في تارج رضوان
    (5) فيا لائمي دعني أغالي بقيمتي فقيمةُ كلّ الناسِ ماَ يحسنونه

    تطبيق آخر
    وضح الاعتبار الدّاعي لوضع كل من الخبر والإنشاء موضع الآخر:
    سبب إيثار الأداة
    المعنى المستفاد
    الأداة
    الرقم
    تنزيل المنازل المخاطبة منزلة البعيد لعظم شأنها لديه كون المنادي بعيد المرتبة حقيقة
    تنزيل المخاطب منزلة البعيد إشعاراً برفعة شأنه
    تنزيل المنادى منزلة البعيد تنويها بعظم الأمر ورفعة القدر
    للاشارة إلى أن المخاطب منحط الدرجة.
    التضجر والتحير معاً
    = = =
    التحسر

    التحسر

    الطلب

    أيا
    يا الملحوظة
    أيا

    أيا

    الطلب

    1
    2
    3

    4


    تطبيق آخر
    وصح الاعتبار الدَّاعي لوضع كل من الخبر والانشاء موضع الآخر.
    (1) قال تعالى (وقضى ربُّك ان لا تعبدوا إلا إياه وبالوالدين إحساناً.
    الاعتبار
    البيان
    نوع الكلام
    الرقم
    الاهتمام وإظهار العناية
    إظهار الحرص على وقوعه
    التفاؤل بالدعاء
    لأظهار الحرص على قوعه
    اذا التقدير أحسنوا بالوالدين والمقام للأخبار
    إذ المعنى ليأمن من دخله
    المقام للإنشاء إذ الغرض الدعاء له
    المقام للطلب
    الانشاء
    الخبر
    =
    =
    1
    2
    3
    4
    (2) وقال تعال (ومن دخلهُ كانَ آمنا) وقال الشاعر:
    (3) أتاني أبيت اللَّعن أنك لمُتنِي وتِلك التي أهتمُّ منها وأنصَبُ ([208])
    (4) إذاً فَعاقبى رَّبي مُعاقبة قرَّت بها عينُ مَن يأتيك بالحسد
    تدريب
    بيِّن فيما يلي الغرضَ من وضع الإنشاء موضعَ الخبر وبالعكس.
    (1) كل خليلِ كنتُ خاللتُه لا ترك اللهُ له واضحَه
    (2) قال الله تعالى (وقالَ اركبوا فيها بسمِ الله مجريها)
    (3) تقول لصديقك، رزقني الله لقاءك – ويقول الشاعر
    (4) ولأئمة لامتك يا فضل في النَّدى فقلت لها هل أثَّر اللَّومُ في البحر
    أتنهَينَ فضلاَ عن عطاياه للورى ومَن ذا الذي يَنهىَ الغَمام عن القَطر


    تمرين
    عين الجمل الخرية والإنشائية فيما يأتي: قال الله تعالى:
    (1) «آمنَ الرسولُ بما أنزلَ إليه من ربِّهِ، والمؤمنون كلّ آمنَ بالله وملائكته وكُتبه ورسُلُه».
    (2) «يَمحقُ اللهُ الرِّبا وَيُربي الصدَّقات، والله لا يحبُّ كل كفَّار أثيم».
    (3) «يأيها الذين آمنوا، أطيعوا الله وأطيعوا الرسول وأُولي الأمر منكم»
    (4) قال الرسول صلى اللهُ عليه وسلم:
    استعينوا على قضاء حوائجكم بالكتمان فانَّ كل ذي نعمة محسودٌ.
    (5) ومن وصية عبد المَلك بن مروان لأولاده:
    «يا بني، كُفُّوا أذاكُم، وابذُلوا معروفكم، واعفوا إذا قدرتم ولا تبخلوا إذا سئلتم، ولا تُلحِفوا إذا سألتم، فان من ضيَّق ضيَّق الله عليه، ومن أعطى أخلف الله له».
    (6) وقال أبو العلاء المعري:
    لا تحلفنَّ على صدق ولا كذب فما يفيدكَ إلا المأثم الحلف
    (7) وقال:
    وإذا سبقت فعن قليل تُسبق
    للفضل مهلكة وخطبٌ مُوبقُ


    لا تفرحن بما بلغتَ من العلا
    وَليحذر الدَّعوى اللبيبُ فإنها

    (8) وقال أبو العتاهية:
    فلم يُغن البكاءُ ولا النحيبُ
    فأخبرهُ بما فعلَ المَشيب


    بكيتُ على الشباب بدمع عيني
    ألا ليتَ الشبابَ يَعُودُ يوماً

    (9) وقال:
    يا صاحبَ الدنيا المحبَّ لها أنت الذي لا ينقضى تعبُهُ
    (10) وقال:
    إذا أطاع اللهَ مَن نَالها
    عَرَّضَ للإدبار إقبالها


    ما أحسن الدنيا وإقبالَها
    من لم يُؤاس الناسَ من فَضلها
    (11) وقال الشاعر:
    وَلم يرزقِ الله ذاكَ البخيلا
    يمُنُ كثيراً ويُعطي قليلا


    أراك تؤمّل حسن الثناء
    وكيف يسودُ أخو فطنةٍ

    (12) وقال سعيدُ بن حميد.
    صافٍ عليه من الوفاء دليل
    فعلام يكثر عتبنا ويطول


    وأراك تكلف بالعتاب وودنا
    ولعل أيام الحياة قصيرة

    أسئلة يطلب أجوبتها
    (1) عرّف التَّمني، واذكر ألفاظه
    (2) بين الفرق بين التمنِّي والترجي، واذكر ألفاظ ثانيهما
    (3) بيّن النّداء، واذكر أدواته: وقسِّمها من حيث الاستعمال
    (4) متى يُنزًَّل القريب منزلة البعيد، وبالعكس
    (5) بين المعاني المجازية التي تُستفاد من ألفاظ النداء.
    (6) بيّن الأغراض الداعية لإيثار الخبر في مقام الانشاء.
    (7) لِمَ يُوضع الانشاءُ موضع الخبر ؟؟
    تطبيق عام على الباب الثاني
    انا الذائد الحامي الذمار وإنما يدافع عن أحسابهم انا أو مثلي
    الجملة الأولى – خبرية اسمية من الضرب الابتدائي، والمراد بها الفخر وإظهار الشجاعة- المسند اليه (أنا)، والمسند (الذائد)، والجملة الثانية خبرية فعلية من الضرب الثالث لما فيها من التوكيد بإنما، والمراد بها الفخر وإظهار الشجاعة أيضا، المسند (يدافع) والمسند اليه (أنا).
    (وما ربك بظلام للعبيد) – جملة خبرية اسمية من الضرب الثالث – والمراد بها التوبيخ – المسند اليه (رب)، والمسند (ظلام).
    أنت خرجت عن حدك – جملة خبرية اسمية من الضرب الثالث – والمراد بها التوبيخ – المسند إليه (أنت)، والمسند جملة (خرجت).
    رب إن قومي كذبون – جملة (رب) انشائية ندائية، والمراد بها الدعاء، المسند والمسند إليه محذوفان نابت عنهما ياء النداء المحذوفة – وجملة إن قومي كذبون، خبرية اسمية من الضرب الثالث، والمراد إظهار التحسر، المسند إليه قومي، والمسند جملة كذبون.
    زارنا الغيث – جملة خبرية فعلية من الضرب الابتدائي، والمراد بها إظهار الفرح – المسند اليه: الغيث، والمسند: زار، واتى بها فعلية لافادة الحدوث في الزمن الماضي مع الاختصار.
    ذهب عنا الحزن – جملة خبرية فعلية من الضرب الابتدائي، والمراد بها إظهار الشماتة بمدبر – المسند (ذهب) والمسند اليه (الحزن) – واتى بها فعلية لافادة الحدوث في الزمن الماضي مع الاختصار.
    قابلت الأمير – جملة خبرية فعلية من الضرب الابتدائي، والمرادبها إظهار السرور، المسند قابل، والمسند اليه التاء.
    أنا ممتثل لأمرك – جملة خبرية اسمية من الضرب الابتدائي والمراد بها إظهار التواضع – المسند اليه أنا، والمسند ممتثل، واتى بها اسمية مجرد ثبوت المسند للمسند اليه (إن الله لا يظلم الناس شيئاً) – جملة خبرية اسمية من الضرب الثالث، والمراد بها التوبيخ للناس، والمسند إليه لفظ الجلالة، والمسند جملة (لا يظلم).
    وأتى: بالمسند جملة لتقوية الحكم بتكرار الاسناد، والجملة الاسمية مفيدة للاستمرار الآن بقرينة الاسناد إلى الله تعالى.
    ما جاءنا من أحد – جملة خبرية فعلية من الضرب الثالث والمراد بها فائدة الخبر، المسند جاء، والمسند إليه أحد، وأتى بها فعلية لما تقدم.
    أنت نجحت – جملة خبرية اسمية من الضرب الثالث لما فيها من تقوية الحكم بتكرار الإسناد والمراد بها لازم الفائدة، المسند اليه أنت والمسند جملة نجحت.
    حضر الأمير: جملة خبرية فعلية من الضرب الابتدائي، والمراد بها أصل الفائدة، المسند اليه الأمير.
    سيحرم المقصر: خبرية فعلية من الضرب الابتدائي، والمراد بها الذم، المسند سيحرم، والمسند اليه المقصر، وهي تفيد الاستمرار التجددي بقرينة الذم.
    ما برح المقصر نادما – جملة خبرية اسمية من الضرب الابتدائي – والمراد بها الذم، المسند اليه المقصر، والمسند نادما، وهي مفيدة للاستمرار بقرينة (ما برح) كلما جئتني أكرمتك: جملة أكرمتك خبرية فعلية من الضرب الابتدائي، وهي الجملة، وما قبلها قيد لها، لأن الشرطية لا تعتبر إلا بجوابها، المسند أكرم، والمسند اليه التاء، وهي مفيدة للاستمرار التجددي: بقرينة كلما
    ما مجتهد صاحباك – جملة خبرية فعلية من الضرب الابتدائي، ولا يقال اسمية لأن الاسم حل محل الفعل – ولذلك رفع ما بعده على أنه فاعله، والمراد بها الاستمرار بقرينة الذم، والمسند مجتهد، والمسند إليه صاحباك، وقس عليها.
    نحو ما مبغوض أنت، وما حسن فعل أعدائك، وأقائم أخواك، وهل منصف أصحابك كلما ذاكر المجتهد استفاد – جملة استفاد: فعلية خبرية من الضرب الابتدائي المسند الشمس طالعة – تقولها للعاثر – جملة خبرية اسمية من الضرب الابتدائي المسند اليه الشمس – والمسند طالعة، والمراد بها التوبيخ.
    الكريم محبوب – جملة خبرية اسمية من الضرب الابتدائي، المسند اليه الكريم والمسند محبوب، والمراد بها الاستمرار بقرينة المدح. من يسافر؟ جملة انشائية استفهامية، المسند إليه من والمسند جملة يسافر التفتوا – جملة انشائية أمرية، المسند التفت، والمسند إليه الواو. لا تتركوا المذاكرة: جملة انشائية نهيية المسند تترك، والمسند إليه الواو. ليت البخيل يجود: جملة إنشائية تمنية إسمية، المسند إليه البخيل والمسند جملة يجود. هل فهمتم؟ جملة إنشائية استفهامية، المسند فهم، والمسند إليه التاء. يا تلاميذ: جملة انشائية ندائية، المسند والمسند إليه محذوفان تقديرهما: ادعو نابت عنها (يا)
    (قل أغير الله أبغي رباً وهو رب كل شيء) – الهمزة الداخلة على لفظ (أغير) ليست للاستفهام الحقيقي، بل هي للانكار الذي لم يقع على أنه يبغي رباً، ولكنه وقع على أن يكون المبغى ربا غير الله.


    _________________


    قناتي على موقع يوتيوب :
    https://www.youtube.com/channel/UCm8N-tHwIFM7hPnwtLrBMpg
    مدونتي:
    https://ahmed26413.blogspot.com.eg/

    أحمد
    إدارة ثمار الأوراق
    إدارة ثمار الأوراق

    عدد الرسائل : 16657
    الموقع : القاهرة
    نقاط : 38587
    تاريخ التسجيل : 17/09/2008

    رد: جواهر البلاغة في المعاني والبيان والبديع للسيد أحمد الهاشمي

    مُساهمة من طرف أحمد في السبت أبريل 13, 2013 5:27 am

    وضاع ذلك الرَّونق ([213])
    ومن دواعي الحذف: إذا دلت عليه قرينة، وتعلق بتركه غرض من الأغراض الآتية:
    (1) ظهوره بدلالة القرائن عليه – نحو: فصكت وجهها وقالت عجوز عقيم «أي أنا عجوز».
    (2) إخفاءُ الأمر عن غير المخاطب – نحو أقبل «تُريد عليا مثلا».
    (3) تيسر الانكار إن مسَّت اليه الحاجة – نحو (لئيم خسيس) بعد ذكر شخص لا تذكر اسمه ليتأتَّى لك عند الحاجة أن تقول ما أردته ولا قصدته.
    (4) الحذر من فوات فرصة سانحة – كقول منبه الصياد:
    غزالٌ «أي هذا غزال»
    (5) اختبار تنبه السامع له عند القرينة – أو مقدار تنبهه – نحو نوره مستفادٌ من نور الشمس – أو هو واسطة عقد الكواكب «أي القمر» في كلّ من المثالين
    (6) ضيق المقام عن إطالة الكلام بسبب تضجر وتوجع – كقوله:
    قال لي كيف أنت قلت عليلٌ سهرٌ دائمٌ وحُزنٌ طويل ([214])
    (7) المحافظة على السجع – نحو
    من طابت سريرته، حمدت سيرتُهُ([215])
    (8) المحافظة على قافية كقوله:
    وما المالُ والأهلون إلا ودائع ولابُدَّ يوماً أن تردَّ الودائعُ([216])
    (9) المُحافظة على وزن – كقوله:
    على أنني راضٍ بان أحملَ الهوى وأخلص منه لا عليَّ ولاَ ليا([217])
    (10) كون المسند إليه معيناً معلوماً «حقيقة» نحو: (عالم الغيب والشهادة) «أي – الله» - أو معلوماً «ادعاء» نحو وهَّابُ الألوف «أي فلان».
    (11) إتباع الاستعمال الوارد على تركه ([218]) – نحو: رميةٌ من غير رام «أي هذه رمية» ونحو: نعم الزعيم سعدٌ: أي هو سعدٌ.
    (12) إشعار أنّ في تركه تطهيراً له عن لسانك، أو تطهيراً للسانك عنه، مثال الأول (مُقررٌ للشرائع، موضحٌ للدّلائل) تريد صاحب الشريعة ومثال الثاني (صمٌ بُكمٌ عُميٌ)
    (13) تكثيرُ الفائدة – نحو: فصبرٌ جميل «أي فأمري صبر جميل».
    (14) تعيُّنه بالعهدّية – نحو: (واستوت على الجودي([219])) أي السفينة ونحو «حتى توارت بالحجاب» أي الشمس
    ومرجع ذلك إلى الذوق الأدبي فهو الذي يُوحى إليك بما في القول من بلاغة وحسن بيان

    تدريب
    بين أسباب ذكر وحذف المسند إليه في الأمثلة الآتية:
    وإنَّا لا ندري أشرٌ أريدَ بمن في الأرض أم أراد بهم ربهم رشداً الرئيس كلمني في أمرك – والرئيس أمرني بمُقابلتك ([220]) – الأمير نشر المعارف، وأمن المخاوف ([221])، مُحتالٌ مُراوغٌ([222])، منضجةٌ للزَّرع، مُصلحة للهواء ([223]).
    فعباس يصُدُّ الخطب عنّا وعباس يجير من استجارا
    خلقَ فسوَّى، مقرّر للشرائع، موضح للدلائل ن ولو شاء لهداكُم أجمعين([224]).
    إذا مات منهم سيّدٌ قام صاحبه
    بين المحاضر والنوادي
    في كل ملحمة ونادي
    أو حل في عرب ففيها تُبعُ
    منوّعة الأجناس موطنها القلبُ


    وإني من القوم الذين همُ همُ
    أنا مصدرُ الكلمِ البوادي
    أنا فارسٌ أنا شاعرٌ
    إن حلَّ في رومٍ ففيها قيصرٌ
    تُسائلني ما الحبُّ قلت عواطفٌ



    تطبيق
    وضح دواعي الحذف في التراكيب الآتية:

    أحكَّم في أموالهم وأقربُ
    أماتَ وأحيا والذي أمرهُ أمرُ
    قلما شأى الخطباء والكتاباَ([225])
    شديدُ السكر من غير المُدامَ
    منايا بكف الله حيثُ تراها([226])
    وليس لما في بيته بُمضيعِ
    فأكرمَتُ نفسي أن يُقال بخيل


    ملوكٌ وإخوانٌ إذا ما مدحتهم
    أما والذي أبكى واضحَكَ والذي
    (1) لسنٌ إذا صعدَ المنابر أو نضا
    (2) عليلُ الجسم ممتنعُ القيام
    (3) أحجاجُ لا يفلل سلاحُك إنما الـ
    (4) حريصٌ على الدنيا مضيعُ لدينه
    (5) وإني رايت البُخل يُزري بأهله





    السبب
    المحذوف

    الرقم
    ادعاء العلم به في مقام المدح
    ضيق المقام من التوجع
    العلم به
    ادعاء العلم به في مقام الذم
    العلم به
    المسند إليه
    المسند إليه
    =
    المسند إليه
    =
    1
    2
    3
    4
    5
    كَرَماً ولم تهدم مآثر خالد
    فلقد تضرُّ إذا تشاءُ وتنفعُ
    بدا كوكبٌ تأوى اُليه الكواكب
    إذا قببٌ بأبطحها بنينا
    وأنا المُهلكون إذا ابتُلينا
    وانَّا النازلون بحيثُ شينا
    وأنّا الآخذون إذا رضينا

    (6) لو شئت لم تفسد سماحة حاتمٍ
    (7) برد حشاي ([227]) إن استطعت بلفظة
    (8) نجومُ ([228]) سماءِ كلما غارَ كوكبٌ
    وقد علم القبائل من معدّ
    بأنّا المطعمونَ إذا قدرنا
    وأنَّا المانعونَ لما اردنا
    وانَّا التاركون إذا سخطنا

    أنا النبي لا كذب، أنا ابن عبد المطلب، أنا سيد ولد آدم يوم القيامة ولا فخر – خلاَّق لما يشاء – الحمد لله الحميدُ – لا تخاطب السَّفيه اللئيمُ، وأحسن إلى الفقير المسكينُ.
    حيوا العروبة في عليا مراتبها وخيرِ فرسانها شيباً وشبّانَا




    السبب
    المحذوف

    الرقم
    البيان بعد الابهام
    عدم تعلق الغرض به
    تنزيل المعتدى منزلة اللازم
    ادعاء تعيينه في مقام المدح
    المفعول
    المفعول

    المسند إليه
    6
    7

    8

    المبحث الثالث
    في تعريف المسند اليه
    حقُ المسند اليه: أن يكون معرفة، لأنه المحكوم عليه الذي ينبغي أن يكون معلوماً، ليكونَ الحكم مفيداً.
    وتعريفه([229]) إمّا: بالإضمار، وإمّا بالعلمية، وإما بالاشارة، وإمّا بالموصولية، وإمّا بأل، وإمّا بالإضافة، وإمّا بالنداء.
    المبحث الرابع
    في تعريف المسند اليه بالإضمار
    يُؤتى بالمسند اليه ضميرا – لأغراض:
    (1) لكون الحديث في مقام «التكلُّم» كقوله عليه الصلاة والسلام
    (انا النبيّ لا كذب، أنا ابنُ عبد المطَّلب)
    (2) أو لكون الحديث في مقام «الخطاب» كقول الشاعر:
    وانتَ الذي أخلفتني ما وعدتني وأشمت بي من كان فيك يَلومُ
    (3) أو لكون الحديث في مقام «الغيبة» لكون المسند إليه مذكورا – او في حكم المذكور لقرينة – نحو: هو اللهُ تبارك وتعالى ولابدَّ من تقدّم ذكره.
    «أ» إمَّا لفظاً – كقوله تعالى «واصبر حتى يحكُم الله بيننا وهوَ خيرُ الحاكمين».
    «ب» وإما معنى – نحو «وإن قيل لكمُ ارجعُوا فارجِعوا هو أزكى لكُم» «أي» «الرجوع».
    ونحو «اعدلوا هو أقربُ للتقوى» - أي العدل:
    «جـ» أو دلت عليه قرينة حال – كقوله تعالى «فلهُنَّ ثُلثُا مَا تَرَكَ» «أي الميت».
    تنبيهات
    الأول: - الأصل في الخطاب أن يكون لمشاهدٍ مُعين.
    نحو أنت استرققتني بإحسانك. وقد يُخاطب:
    «أ» غيرُ المشاهد إذا كان مُستحضراً في القلب نحو «لا إله إلا أنت» - ونحو:
    جودى بقربك أبلغ كل أمنيتي أنت الحياة وانتِ الكون أجمعهُ
    «ب» وغير المعُين: إذا قُصد تعميمُ الخطاب لكلِّ من يمكن خطابه على سبيل البدل – لا التناول دفعة واحدة – كقول المتنبي:
    إذ أنت أكرمت الكريم ملكته وإن أنت أكرمت اللئيم تمردا
    الثاني: الأصلُ في وضع الضمير عدم ذكره إلا بعد تقدم ما يفسره وقد يعدل عن هذا الأصل: فيقدم الضمير على مرجعه لأغراض كثيرة.
    «أ» منها تمكين ما بعد الضمير في نفس السامع لتشوقه اليه كقوله: «هي النفس ما حملتها تتحملُ».
    فأنها لا تعمى الأبصار – ونعم رجلا عليٌ – فالفاعل ضمير يفسره التمييز، ويطَّرد ذلك في بابى نعم وبئس، وفي باب ضمير الشأن – نحو قوله تعالى: «هو الله أحد».
    «ب» ومنها ادعاء أن مرجع الضمير دائم الحضور في الذهن، نحو: أقبل وعليه الهيبة والوقار.. ونحو قول الشاعر:
    أبت الوصال مخافة الرقباء وأتتكَ تحتَ مدارع الظلماء
    ويسمى هذا العدول بالاضمار في مقام الاظهار
    الثالث: يوضع الظاهر (سواء أكان علما، أو صفة، أو اسم اشارة)
    موضع الضمير، لأغراض كثيرة:
    (1) منها إلقاء المهابة في نفس السامع – كقول الخليفة: أمير المؤمنين يأمر بكذا.
    (2) وتمكين المعنى في نفس المخاطب – نحو: الله ربي ولا أشرك بربي أحداً.
    (3) ومنا التلذذ كقول الشاعر:
    سقى الله نجداً والسلام على نجد ويا حبذا نجدٌ على القُرب والبعد
    (4) ومنها الاستعطاف – نحو اللهم عبدك يسألك المغفرة (أي أنا أسألك) ويسمى هذا المدلول بالإظهار في مقام الإضمار.
    المبحث الخامس
    في تعريف المسند اليه بالعلميَّة
    يُوتى بالمسند إليه علماً: لإحضار معناه في ذهن السامع، ابتداء باسمه الخاص ليمتاز عمّا عداه – كقوله تعالى «وإذ يرفَعُ إبراهيم القواعد من البيت وإسماعيل».
    وقد يقصد به مع هذا أغراضٌ أخرى تناسب المقام؟
    (1) كالمدح في الألقاب التي تشعر بذلك – نحو: جاء نصر – وحضر صلاح الدين.
    (2) والذَّم والإهانة – نحو: جاء صخر – وذهب تأبط شرّا.
    (3) والتَّفاؤل – نحو جاء سُرور.
    (4) والتشاؤم – نحو: حرب في البلد.
    (5) والتبرُّك – نحو: اللهُ أكرمني، في جواب: هل أكرمك الله ؟
    (6) والتَّلذُذ – كقول الشاعر:
    بالله يا ظبيات القاعِ قُلن لنا ليلاي منكنَّ أم ليلى من البشر.
    (7) والكناية عن معنى يصلح العلم لذلك المعنى: بحسب معناه الأصلي قبل العلمية – نحو: أبو لهب فعل كذا.. كناية عن كونه جهنميا لان اللهب الحقيقي هو لهبُ جهنم _ فيصحّ أن يُلاحظ فيه ذلك
    المبحث السادس
    في تعريف المسند اليه بالإشارة
    يؤتى بالمسند اليه اسم إشارة: إذا تعين طريقاً لأحضار المشار اليه في ذهن السَّامع، بأن يكون حاضراً محسوساً، ولا يَعرفُ المتكلم والسَّامع اسمه الخاص، ولا مُعيِّناً آخر، كقولك أتبيع لي هذا – مُشيراً إلى شيء لا تعرف له اسما – ولا وصفاً.
    أمّا إذا لم يتعين طريقاً لذلك، فيكون لأغراض أخرى
    «أ» بيان حاله في القُرب – نحو: هذه بضاعتنا
    «ب» بيان حاله في التَّوسط – نحو: ذاك ولدي
    «جـ» بيان حاله في البُعد – نحو: ذلك يوم الوعيد.
    (1) تعظيم درجته بالقُرب، نحو: (إنَّ هذا القرآن يهدي للتي هي أقوم). أو تعظيم درجته بالبعبد، كقوله تعالى (ذلك الكتاب لا ريب فيه).
    (2) أو التحقير بالقُرب – نحو: (هل هذا إلا بشرِ مثلُكم)؟
    أو التَّحقير بالبُعد – كقوله تعالى «فذلك الذي يدُعُّ اليتيم»
    (3) وإظهار الاستغراب – كقول الشاعر:
    كـم عـاقلٍ أعيت مذاهبهُ وجاهـلٍ تلقـاهُ مرزوقا
    هذا الذي ترك الأوهام حائرة وصيَّر العالم النحرير زنديقا
    (4) وكمال العناية وتمييزه أكمل تمييز – كقول الفرزدق:
    هذا الذي تعرفُ البطحاء وَطأته والبيتُ يعرفهُ والحلَ والحَرم
    ونحو قوله: هذا أبو الصقر فَرداً في محاسنه.
    (5) والتَّعريض بغباوة المخاطب، حتى كأنه لا يفهم غير المحسوس، نحو:
    أولئك آبائي فجئني بمثلهم إذا جمعتنا يا جريرُ المجامع
    (6) والتنبيه على أن المشار اليه المعقب بأوصاف، جديرٌ لأجل تلك الأوصاف بما يُذكر بعد اسم الإشارة – كقوله تعالى «أولئك على هدى من ربهم وأولئك هم المفلحون» ([230])
    وكثيراً: ما يُشار إلى القريب غير المُشاهد باشارة البعيد، تنزيلاً للبُعد عن العيان، منزلة البعد عن المكان نحو: (ذلك تأويل ما لم تستطع عليه صبراً)
    المبحث السابع
    في تعريف المسند اليه بالموصولية
    يُؤتى بالمسند اليه اسمُ موصول: إذا تَعيَّنَ طريقاً لاحضار معناه كقولك – الذي كان معنا أمس سافر، إذا لم تكن تعرف اسمه أمَّا إذا لم يتعين طريقاً لذلك: فيكون لأغراض أخرى.
    (1) منها التَّشويق – وذلك فيما إذا كان مضمون الصّلة حُكماً غريباً – كقوله:
    والذي حارَت البريَّة فيه حيَوانٌ مستحدثٌ من جَماد ([231])
    (2) ومنها إخفاء الأمر عن غير المخاطب – كقول الشاعر:
    وأخذتُ ما جاد الأميرُ به وقضيتُ حاجاتي كما أهوى
    (3) ومنها التَّنبيه على خطأ المخاطب، نحو: (إنّ الذين تَدعونَ من دون الله عبادٌ أمثالكم) – وكقول الشاعر:
    إنَّ الذين تُرَونهم إخوانَكم يَشفى غليل صُدورهم أن تُصرَعوا([232])
    (4) ومنها التَّنبيه على خطأ غير المُخاطب – كقوله:
    إنَّ التي زعمت فؤادك مَلّها خلعت هواك كما خلعت هوى لها
    (5) ومنها تعظيم شأن المحكوم به – كقول الشاعر:
    إنَّ الذي سمك السَّماء بني لنا بيتاً دعائمهُ أعزُّ وأطولُ ([233])
    (6) ومنها التَّهويل: تعظيماً – أو تحقيراً – نحو: فَغشيَهُم من أليم ما غشيهم) ([234]).
    ونحو: - من لم يدرِ حقيقة الحال قال ما قال.
    (7) ومنها استهجان التصريح بالاسم – نحو الذي ربّاني أبى ([235])
    (8) ومنها الإشارة إلى الوجه الذي يُبنى عليه الخبر من ثواب أو عقاب كقوله تعالى (الذين آمنوا وعملُوا الصالحات لهم مغفرةٌ ورزقٌ كريم)
    (9) ومنها التَّوبيخ – نحو: الذي أحسن اليك قد أسأت اليه.
    (10) ومنها الاستغراق – نحو: الذين يأتونك أكرمهم.
    (11) ومنها الإبهام – نحو: لكلّ نفس ما قدَّمت
    واعلم انَّ التعريف بالموصوليَّة مبحث دقيق المسلك، غريب النَّزعة يُوقفكَ على دقائق من البلاغة، تؤنسُك إذا انتَ نظرتَ اليها بثاقب فكرك، وتثلجُ صدرك إذا تأمَّلتَها بصادق رأيك، فأسرارُ ولطائف التَعريف بالموصوليّة لا يمكن ضبطها ن واعتبر في كل مقام ما تراه مناسباً.

    المبحث الثامن
    في تعريف المسند اليه بأل
    يؤتى بالمُسند اليه مُعرّفا (بأل العهدية) أو (أل الجنسية) لأغراض آتية.
    أل العهدية
    أل العهدية – تدخل على المُسند اليه للإشارة ىلى فرد معهود خارجاً بين المُتخاطبين – وعهده يكون:
    «أ» إما بتقدم ذكره «صريحاً» كقوله تعالى «كما أرسلنا إلى فرعون رسولاً فعصى فرعون الرَّسولَ» - ويُسمَّى عهداً صريحياً.
    «ب» وإمَّا بتقدم ذكره «تلويحاً» - كقوله تعالى «وليس الذكر كالأنثى» (فالذَّكر) وإن لم يكن مسبوقاً صريحاً، إلا أنه اشارة إلى «ما» في الآية قبله (ربِّ نذَرتُ لك «ما» في بطني مُحرَّراً)([236])
    فانهم كانوا لا يُحررون لخدمة بيت المقدس إلا الذكور، وهو المعنى «بما» ويسمى» عهدا كنائياً»
    «جـ» وإما بحضوره بذاته نحو: (اليوم أكملتُ لكن دينكم) أو بمعرفة السامع له – نحو: هل انعقد المجلس – ويُسمى (عهداً حُضورياً).
    أل الجنسية
    أل الجنسية: وتسمى (لام الحقيقة) تدخل على المسند اليه لأغراض أربعة:
    (1) للاشارة الى الحقيقة: من حيث هي – بقطع النَّظر عن عمومها وخصوصها، نحو: الإنسان حيوانٌ ناطق.
    وتسمى (لام الجنس) لأن الإشارة فيه إلى نفس الجنس، بقطع النظر عن الأفراد – نحو: الذهب أثمن من الفضة.
    (2) أو للإشارة الى الحقيقة في ضمن فرد مُبهم، اذا قامت القرينة على ذلك، كقوله تعالى «وأخاف أن يأكله الذئب»
    ومدخولها في المعنى (كالنكرة) فيُعامل مُعاملتها
    وتسمى «لام العهد الذهني».
    (3) أو للإشارة إلى كلِّ الأفراد التي يتناولها اللفظ بحسب اللغة.
    «أ» بمعونة قرينة «حالية» نحو: «عالم الغيب والشهادة» أي كل غائب وشاهد.
    «ب» أو بمعونة قرينة «لفظية» نحو: «إن الانسان لفي خُسر» أي كل انسان – بدليل الاستثناء بعده.
    ويُسمى «استغراقاً حقيقياً».
    (4) أو للاشارة إلى كلّ الأفراد مقيَّداً – نحو: جمع الأمير التُّجار والقى عليهم نصائحه – أي جمع الأمير «تجَّار مملكته» لا تجَّار العالم أجمعَ.
    ويسمى «استغراقاً عرفياً»
    تنبيهات
    التنبيه الأول – علم مما تقدم أن أل التعريفية قسمان
    القسم الأول – لام العهد الخارجي، وتحته أنواع ثلاثة: صريحي – وكنائي وحضوري.
    والقسم الثاني – لام الجنس: وتحته أنواع أربعة: لام الحقيقة من حيث هي – ولام الحقيقة في ضمن فرد مبهم – ولام الاستغراق الحقيقي – ولام الاستغراق العرفي.
    التنبيه الثاني – (استغراق المفرد أشمل) من استغراق المثنى، والجمع، واسم الجمع لأن المفرد: يتناول كل واحد واحد من الأفراد، والمثنى إنما يتناول كل اثنين اثنين، والجمع إنما يتناول كل جماعة جماعة – بدليل صحة (لا رجال في الدار) إذا كان فيها رجل أو رجلان – بخلاف قولك (لا رجل): فانه لا يصح إذا كان فيها رجل أو رجلان وهذه القضية ليست بصحيحة على عمومها، وانما تصح في النكرة المنفية، دون الجمع المعروف باللام – لأن المعروف بلام الاستغراق يتناول كل واحد من الأفراد نحو «الرجال قوامون على النساء» بل هو في المفرد أقوى، كما دل عليه الاستقراء وصرح به (أئمة اللغة وعلماء التفسير) في كل ما وقع في القرآن العزيز – نحو (أعلم غيب السموات والأرض) – (والله يحب المحسنين) – (وعلم آدم الأسماء كلها) – إلى غير ذلك من آي الذكر الحكيم – كما في المطولات.


    المبحث التاسع
    في تعريف المسند اليه بالإضافة
    يؤتى بالمسند اليه معرَّفا بالاضافة إلى شيء من المعارف السَّابقة لأغراض كثيرة.
    (1) منها أنها أخصر طريق الى إحضاره في ذهن السامع – نحو: جاء غلامي – فا،ه أخصر من قولك: جاء الغلام الذي لي.
    (2) ومنها تعذر التعدد: أو تعسره – نحو: أجمع أهل الحق على كذا – وأهل مصر كرامٌ.
    (3) ومنها الخروج من تبعة تقديم البعض على البعض – نحو: حضر امراء الجند.
    (4) ومنها التعظيم للمضاف نحو: كتاب السلطان حضر او التعظيم للمضاف اليه – نحو: الأمير تلميذي – أو غيرهما: نحو: أخو الوزير عندي.
    (5) ومنها التحقير للمضاف – نحو: ولدُ اللص قادم
    أو التحقير للمضاف اليه – نحو: رفيق زيد لصٌ – أو غيرهما: نحو: أخو اللصّ عند عمرو
    (6) ومنها الاختصار لضيق المقام: لفرط الضَّجر والسآمة – كقول جعفر بن علبة «وهو في السجن بمكة»
    التنبيه الثالث – قد يعرف الخبر بلام الجنس لتخصيص المسند اليه بالمسند المعرف وعكسه «حقيقة» نحو: هو الغفور الودود، ونحو – وتزودوا فان خير الزاد التقوى أو «ادعاء» للتنبيه على كمال ذلك الجنس في المسند اليه نحو: محمد العالم – أي الكامل في العلم – أو كماله في المسند – نحو الكرم التقوى (أي لا كرم إلا هي)
    هواي مع الرّكب اليمانين مُصعد جنيبٌ وجثماني بمكة مُوثقُ ([237])
    واعلم أن هيئة التركيب الاضافي: موضوعة للاختصاص المصحّح لأن يقال «المضاف للمضاف اليه، فاذا استعملت في غير ذلك كانت مجازاً كما في الاضافة لأدنى ملابسة – نحو: (مكرُ الليل) – وكقوله:
    إذا كوكبُ الخرقاء لاحَ بسحرهِ «سُهيلٌ» أذاعت غزلها في القرائب([238])
    المبحث العاشر
    في تعريف المسند اليه بالنّداء ([239])
    يُؤتى بالمسند إليه معرفاً بالنداء: لأغراض كثيرة
    (1) منها إذا لم يُعرف للمُخاطب عنوان خاص – نحو – يارجل
    (2) ومنها الإشارة إلى علّة ما يُطلب منه – نحو: يا تلميذ أكتب الدَّرس
    المبحث الحادي عشر
    في تنكير المسند إليه
    يؤتى بالمسند إليه نكرة: لعدم علم المتكلم بجهة من جهات التعريف حقيقةً – أو ادعاءً، كقولك – جاء هنا رجل يسأل عنك، إذا لم تَعرف ما يعينه من علم أو صلة او نحوهما، وقد يكون لأغراض أخرى.
    (1) كالتَّكثير ([240]) نحو:وإن يكذبوك فقد كذبت رسلٌ من قبلك (أي رسلٌ كثيرة)
    (2) والتقليل – نحو: لو كان لنا من الأمر شيء، ونحو: ورضوان من الله أكبر.
    (3) والتّعظيم والتَّحقير – كقول ابن أبي السمط
    له حاجبٌ عن كل أمرٍ يشينهُ وليس له عن طالب العرف حاجب
    أي له مانع عظيم، وكثيرٌ عن كل عيب – وليس له مانع قليل – أو حقير عن طالب الإحسان([241]) فيحتمل التّعظيم والتّكثير والتّقليل والتَّحقير.
    (4) وإخفاء الأمر – نحو: قال رجل إنك انحرفت عن الصَّواب تخفى اسمه، حتى لا يلحقه أذىً
    (5) وقصد الإفراد – نحو: ويلٌ أهونُ من ويلين.
    «أي ويل واحد أهون من ويلين»
    (6) وقصد النوعية – نحو: لكل داءٍ دواءٌ
    (أي لكلّ نوع من الدَّاء نوع من الدواء)
    المبحث الثاني عشر
    في تقديم المسند اليه ([242])
    مرتبة المُسند اليه: «التقديم» وذلك لأنَّ مدلوله هو الذي يخطر أولاً في الذهن، لأنه المحكوم عليه، والمحكوم عليه سابق للحكم طبعاً فاستحق التقديم وضعاً، ولتقديمه دواع شتَّى
    (1) منها تعجيل المسرَّة – نحو: العفو عنك صدر به الأمر.
    (2) ومنها تعجيلُ المساءة – نحو: القصاصُ حكم به القاضي.
    (3) ومنها التشويق الى المتأخر – اذا كان المتقدِّم مشعراً بغرابة.
    كقول ابي العلاء المعري
    والذي حارت البرية فيه حيوان مستحدثٌ من جماد ([243])
    (4) ومنها التَّلذُّذ – نحو: ليلى وصلت – وسلمى هجرت
    (5) ومنها التَّبرك – نحو: اسمُ الله اهتديتُ به.
    (6) ومنها النَّص على عموم السلب – أو النص على سلب العموم «فعمومُ السلب» يكون بتقديم اداة العموم([244]) ككلّ – وجميع على أداة النفى – نحو: كل ظالم لا يُفلح – المعنى: لا يفلح أحد من الظلمة ونحو: كل ذلك لم يكن: أي لم يقع هذا – ولا – ذاك ونحو: كل تلميذ لم يقصر في واجبه - «ويسمى شمول النفي» - واعلم: أن (عُموم السلب) يكون النفي فيه لكل فرد وتوضيح ذلك: أنك إذا بدأت بلفظة «كل» كنتَ قد سلَّطت الكلية على النفي، وأعملتها فيه – وذلك يقتضي ألا يشذَّ عنه شيء و (سلب العموم) يكون بتقديم أداة النفي على أداة العموم نحو: لم يكن كلّ ذلك، أي لم يقع المجموع، فيحتمل ثبوت البعض ويحتمل نفي كل فرد، لأنَّ النفَّي يوجه الى الشمول خاصة، دون أصل الفعل ويُسمى «نفى الشّمول»
    واعلم: أن (سلب العُموم) يكون النَّفي فيه للمجموع غالباً كقول المتنبي.
    ما كل رأي الفتى يدعو إلى رشدٍ
    وقد جاء لعموم النفي قليلا: قوله تعالى (إن الله لا يحب كل مختال فخور) – ودليل ذلك: الذوق والاستعمال
    (7) ومنها إفادة التَخصيص – قطعاً ([245]) اذا كان المسند اليه مسبوقاً بنفي والمسند فعلا – نحو: ما أنا قلت هذا ولا غيري – أي: لم أقله: وهو مقول لغيري، ولذا: لا يصحّ أن يقال: ما أنا قلت هذا ولا غيري، لأن مفهوم (ما أنا قلت) أنّه مقول للغير، ومنطوق (ولا غيري) كونه غير مقول للغير (فيحصل التناقض سلباً وإيجاباً)
    وإذا لم يسبق المسند اليه نفي – كان تقديمه محتملا ([246]) لتخصيص الحكم به أو تقويته، اذا كان المسند فعلا ([247]) نحو: أنتَ لا تبخل
    ونحو: هو يهبُ الألوف، فاُنَّ فيه الإسناد مرتين، إسناد الفعل إلى ضمير المخاطب: في المثال الأول، وإسناد الجملة إلى ضمير الغائب: في المثال الثاني.
    (8) ومنها كون المتقدم محطّ الانكار والغرابة – كقوله:
    أبعدَ المشيب المُنقضى في الذَّوائب تُحاول وصل الغانيات الكواعب
    (9) ومنها سُلوك سبيل الرُّقى – نحو: هذا الكلام صحيح، فَصيح، بلَيغ – فاذا قلت «فصيح» بليغ، لا يحتاج إلى ذكر صحيح، وإذا قلت «بليغ» لا يحتاج الى ذكر فصيح.
    (10) ومنها مُراعاة الترتيب الوُجودي – نحو (لا تأخذُهُ سنةٌ ولا نوم)
    تمرين
    ما نوع المقدّم، وما فائدة التقديم في الأمثلة الآتية:
    (1) قال الله تعالى: «لله الأمرُ من قبلُ ومن بعدُ»
    (2) وقال تعالى: «ممّا خطيئاتهم أغرقوا فأدخلُوا ناراً»
    (3) وقال أبو فراس:
    إلى الله أشكو انَّنا بمنازل تحكم في آسادهنَّ كلاب
    (4) وقال ابن نباته يخاطب الحسن بن محمد المهلّبي:
    ولى همةٌ لا تطلبُ المالَ للغنى ولكنها منك المودة تطُلبُ
    (5) وقال أبو نواس:
    إني انتجعتُ العبَّاس ممتدحاً وسيلتي جُوُدُه وأشعاري
    عن خبرةٍ جثتُ لا مُخاطرة وبالدَّلالات يهتدى السَّارى
    (6) وقال الأبيوردي:
    ومن نكدِ الأيام أن يبلغ المُنى أخوُ اللوم فيها والكَريم يخيبُ
    (7) وقال أبو الطيب المتنبي يهجو كافوراً:
    من أية الطرقِ يأتي مثلَك الكرَمُ اينَ المحاجمُ يا كافورُ والجَلمُ
    (8) وقال المعري:
    أعندي وقد مارستُ كل خفية يُصدقُ واش أو يُخيَّبُ سائلُ
    (9) وقال أيضاً:
    إلى الله أشكو أنني كل ليلةٍ إذا نمتُ لم أعدم خوَاطرَ أوهام
    فإن كانَ شراَ فهو لا شكَّ واقعٌ وإن كانَ خيراً فهو أضغاثُ أحلام
    (10) وقال أيضاً:
    وكالنّار الحياةُ فمن رماد أواخرُها وأوَّلها دُخان
    (11) وقال بعض الشعراء في الحث على المعروف:
    يد المعروف غنمٌ حيثُ كانت تحمَّلها شكورٌ أو كفور
    ففي شكرِ الشَّكور لها جزاء وعندَ الله ما جحد الكفُور
    (12) وقال الآخر:
    أنلهُو وايامُنا تذهبُ ونلعبُ والدّهرُ لا يلعبُ
    (13) وقال محمد بن وهيب يمدح الخليفة المعتصم (وكنيته أبو إسحق):
    ثلاثة تشرقُ الدُّنيا ببهجتها شمسُ الضّحى وأبو إسحق والقمر
    (14) وقال آخر:
    ثلاثة يجهلُ مقدارها الأمنُ والصّحةُ والقوتُ
    فلا تثق بالمال من غيرها لو أنَّه دُرٌّ وياقوتُ
    (15) وقال آخر يهجو بخيلا:
    أأنت تجودُ إنّ الجودَ طبعٌ ومالك منهُ يا هذا نصيبُ
    (16) وقال آخر يستنكر أن يشرب الخمر حين دُعى لشربها:
    أبعدَ ستينَ قد ناهزتُها حججاً أحكمُ الرَّاح في عقلي وجُسماني
    (17) وقال الآخر:
    غافلٌ أنتَ والليالي حَبَالَى بصُنوف الرّدى تَروحُ وتغدُو
    (18) وقال ابن المعُتزّ:
    ومن عجب الأيام بغى معاشرٍ غضابٍ على سبقي إذا أنا جاريتُ
    يغيظهم فضلي عليهم ونقصهم كانّى قسَّمتُ الخظوظ فحابيت

    المبحث الثالث عشر
    في تأخير المسند اليه
    يؤخر المسند اليه: إن اقتضى المقامُ تقديم المسند – كما سيجيء ولا نلتمس دواعي للتقديم والتأخير إلا اذا كان الاستعمال يبيح كليهما.
    تطبيق عام على أحوال المسند اليه وما قبله
    أمير المؤمنين يأمرك بكذا – جملة خبرية اسمية من الضرب الثالث، المراد بالخبر بيان سبب داعي الامتثال، المسند اليه أمير المؤمنين، ذكر للتعظيم، وقدم لذلك والمسند جملة يأمر، ذكر لأن الأصل فيه ذلك، وأخر لاقتضاء المقام تقديم المسند إليه وأتى به جملة لتقوية الحكم بتكرار الاسناد (والتعظيم وتقوية الحكم وكون ذكر المسند هو الأصل ولا مقتضى للعدول عنه واقتضاء المقام تقديم المسند اليه) «أحوال» والذكر والتقديم والتأخير «مقتضيات» - والاتيان بهذه الجملة على هذا الوجه «مطابقة لمقتضى الحال»
    أنت الذي أعانني – وانت الذي سرني – ذكر (أنت) ثانيا لزيادة التقرير والايضاح فزيادة التقرير والايضاح (حال) – والتكرير (مقتضى) – والاتيان بالجملة على هذا الوجه (مطابقة لمقتضى الحال)
    سعيد يقتحم الاخطار، بعد مدحه، ذكر سعيد للتعظيم والتعجب، فالتعظيم والتعجب حال – والذكر مقتضى، والاتيان بالجملة على هذا الوجه: مطابقة لمقتضى الحال.
    حضر الكريم سعد «بعد: أحضر سعد» ذكر الكريم لتعظيم سعد ومدحه فالتعظيم حال، والذكر مقتضى والاتيان بالجملة على هذا الوجه: مطابقة لمقتضى الحال علي كتب الدرس «جواب – ما الذي عمل علي، - ذكر علي للتعريض بغباوة السامع، وقدم لتقوية الحكم لكون الخبر فعلا، فالتعريض والتقوية حالان والذكر والتقديم مقتضيان، والاتيان بالجملة على هذا الوجه: مطابقة لمقتضى الحالين محمود نعم التلميذ «بعد مدح كثير له» - ذكر محمود لقلة الثقة بالقرينة.
    وقدم لتقوية الحكم
    «ولئن سألتهم من خلقهم ليقولن الله» – حذف المسند وهو (خلقنا) – للعلم به خلق الانسان من عجل – حذف المسند اليه وهو الله تعالى للعلم به.
    معطى الوسامات والرتب- حذف المسند اليه للتنبيه على تعيين المحذوف ادعا (كالسلطان مثلا).
    (ألم يجدك يتيما فآوى) – حذف مفعول آوى للمحافظة على الفاصلة
    صاحبك يدعو إلى وليمة العرس – حذف مفعول يدعو للتعميم باختصار.
    لا يعطى ولا يمنع إلا الله تعالى – حذف المفعولان لعدم تعلق الغرض بهما.
    أهين الأمير – حذف الفاعل للخوف عليه.
    (لسان الفتى نصف، ونصف فؤاده): قدم نصف الثاني للمحافظة على الوزن.
    (ما كل ما يتمنى المرء يدركه): قدمت أداة النفي على أداة العموم لافادة سلب العموم ونفي الشمول.
    جميع العقلاء لا يسعون في الشر – قدمت أداة العموم على أداة النفي لافادة عموم السلب وشمول النفي
    «وعلى الله فليتوكل المؤمنون» – قدم الجار والمجرور للتخصيص
    ونحن التاركون لما سخطنا ونحن الآخذون لما رضينا
    الجملة الأولى خبرية اسمية، من الضرب الابتدائي – والمراد بالخبر إظهار الفخر والشجاعة، المسند اليه نحن، ذكر لأن ذكره الأصل، وقدم للتعظيم، وعرف بالاضمار، لكون المقام للتكلم مع الاختصار، والمسند التاركون، ذكر وأخر لأن الأصل ذلك.
    وأنت الذي أخلفتنيِ ما وعدتني وأشمت بي من كان فيك يلوم
    جملة خبرية اسمية من الضرب الابتدائي، والمراد بالخبر التوبيخ، المسند اليه أنت. ذكر وقدم لأن الأصل فيه ذلك، وعرف بالاضمار لكون المقام للخطاب مع الاختصار، والمسند لفظة الذي، وقد ذكر وأخر لأن الأصل فيه ذلك، وعرف بالموصولية للتعليل؛ يعني أن إخلاف وعده كان سبب الشماتة واللوم، وأما جملة أشمت فمعطوفة على جملة أخلفت ووصلت بها لما تقدم، وعرف المسند اليه وهو الفاعل في يلوم بالاضمار لكون المقام للغيبة مع الاختصار.
    ابو لهب فعل كذا – جملة خبرية اسمية من الضرب الثالث لما فيها من تقوية الحكم بتكرار الاسناد، والمراد بالخبر أصل الفائدة لمن يجهل ذلك، المسند اليه أبو لهب، ذكر وقدم لأن الأصل فيه ذلك، وعرف بالعلمية للكناية عن كونه جهنميا.
    أسئلة على أحوال المسند اليه يطلب اجوبتها
    ما هو المسند اليه ؟ - ما هي أحواله؟ - متى يجب ذكره ؟ ما هي الوجوه التي ترجّح ذكره عند وجود القرينة، متى يحذف؟ ما الفرق بين المعرفة والنكرة ؟ لم يُعرف المسند اليه بالاضمار؟ - ما هو الأصل في الخطاب؟ - ما الأصل في وضع الضمير؟ - هل يقدم الضمير على مرجعه؟ هل الظاهر يوضع موضع الضمير؟ - لم يعرّف المسند اليه بالعلمية؟ - لم يعرف بالاشارة ؟ لم يُعرف بالموصولية ؟ لم يُعرف بأل..؟ الى كم تنقسم أل ؟ - لم يعرّف بالاضافة ؟، لم يعرَّف بالنداء؟ لأي شيء ينكر المسند اليه ؟ لم يقدّم المسند اليه؟ ما الفرق بين عموم السلب وسلب العموم، لِم يؤخرّ المسند اليه ؟؟


    _________________


    قناتي على موقع يوتيوب :
    https://www.youtube.com/channel/UCm8N-tHwIFM7hPnwtLrBMpg
    مدونتي:
    https://ahmed26413.blogspot.com.eg/

    أحمد
    إدارة ثمار الأوراق
    إدارة ثمار الأوراق

    عدد الرسائل : 16657
    الموقع : القاهرة
    نقاط : 38587
    تاريخ التسجيل : 17/09/2008

    رد: جواهر البلاغة في المعاني والبيان والبديع للسيد أحمد الهاشمي

    مُساهمة من طرف أحمد في السبت أبريل 13, 2013 5:28 am

    الباب الرابع
    في المسند وأحواله ([248])
    المُسند: هو الخبر، والفعل التام، واسم الفعل، والمبتدأ الوصف المستغنى بمرفوعه عن الخبر، وأخبار النَّواسخ، والمصدر النائب عن الفعل وأحواله: هي – الذكر، والحذف، والتّعريف، والتّنكير، والتقديم والتأخير، وغيرها – وفي هذا الباب ثلاثة مباحث.
    المبحث الأول
    في ذكر المسند أو حذفه
    يُذكر المُسند للأغراض التي سبقت في ذكر المسند اليه- وذلك
    (1) ككون ذكره هو الأصل ولا مُقتضى للعُدول عنه
    نحو العلم خيرٌ من المال
    (2) وكضعف التّعويل على دلالة القرينة – نحو حالي مستقيم ورزقي ميسور «إذ لو حُذف ميسور – لا يدلُّ عليه المذكور»
    (3) وكضعف تنبه السّامع، نحو (أصلُها ثابتٌ وفرعُها ثابتٌ) (إذ لو حُذف (ثابت) رُبما لا يتنبَّه السامع لضعف فهمه)
    (4) وكالرَّد على المخاطب – نحو (قل يُحييها الذي أنشأها أوّل مرَّة) جواباً لقوله تعالى (من يُحيي العظام وهي رميمٌ)؟؟
    وكافادة أنه «فعلٌ» فيفيد التجدد والحدوث، ومقيَّداً بأحد الأزمنة الثلاثة بطريق الاختصار أو كإفادة أنه «اسم» فيفيد الثبوتَ مطلقاً، نحو (يُخادعون الله وهو خادعهم)، فإن (يخادعون) تفيد التجدد مرَّة بعد أخرى، مقيداً بالزمان من غير افتقار الى قرينة تدل عليه – كذكر (الآن – أو الغد).
    وقوله (وهو خادعهم) – تفيد الثّبوت مطلقاً من غير نظر الى زمان ويُحذف المسند: لأغراض كثيرة.
    (1) منها – اذا دلت عليه «قرينة» وتعلّق بتركه غرض ممّا مرَ في حذف المسند اليه.
    والقرينة «أ» إمّا مذكورة – كقوله تعالى (ولئن سألتهم من خَلَق السَّموات وَالأرض ليقُولُنَّ الله) أي: خلقهنَّ الله.
    «ب» وإمَّا مقدّرة – كقوله تعالى (يُسِّبحُ لهُ فيها بالغدوّ والآصالِ رجالٌ) أي: يسبحهُ رجالٌ – كأنَّه قيل: من يُسبِّحُه؟
    (2) ومنها الاحتراز عن العبث – نحو (إن الله برىءٌ من المشركين ورسولُه – أي: ورسوله برىءٌ منهم أيضاً.
    فلو ذكر هذا المحذوف لكان ذكره عبثاً لعدم الحاجة اليه
    (3) ومنها ضيق المقام عن إطالة الكلام: كقول الشاعر:
    نحنُ بما عندنا وأنت بما عندك راض والرأيُ مختلف
    «أي: نحن بما عندنا راضُون – فحذف لضيق المقام»
    (4) ومنها اتّباع ومجاراة ما جاء في استعمالاتهم (الواردة عن العرب) نحو: لولا أنتم لكنا مؤمنين)
    «أي: لولا أنتم موجودون» وقولهم في المثل «رمية من غير رامٍ» (أي هذه رمية)
    تمرين
    عيّن أسباب الحذف ونوع المحذوف في الأمثلة الآتية:
    (1) نحو: «ذلكم أزكى لكم واطهر والله يعلمُ وأنتم لا تعلمون»
    (2) وقال صلى الله عليه وسلم: علامة المؤمِن ثلاثٌ: إذا حدَّث صدق، وإذا وعدَ وفى، وإذا اؤتمن لم يخن
    (3) وقال: يقول ابن آدم: مالي مالي، وإنما لك من مالك ما أكلت فأفنيت، أو لبست فأبليت، او تصدّقت فأبقيت.
    (4) وقال: إن أحبّكم إليَّ وأقربكم مني مجالس يوم القيامة، أحاسنكم أخلاقاً، الموطئون أكنافاً، الذين يألفون ويُؤلفونَ.
    (5) وقال أبو العتاهية:
    جزى اللهُ عني صالحاً بوفائــــه وأضعف أضعافاً لُه في جزائــه
    صديقٌ إذا ما جئتُ أبغيه حاجة رجعتُ بما أبغي، ووَجهي بمائه
    (6) وقال ابو نواس:
    إذا لم تزر أرض الخصيب ركابُنا فأيَّ فتىً بعد الخصيبِ تزُورُ
    فتى يشتري حسن الثناء بمالـــه ويعلمُ أنّ الدائراتِ تـُــدورُ
    فإن تولني منك الجميل فأهلــه وإلا فإني عاذرٌ وشــــكورُ
    (7) وقال البُحتري يمدح الفتح بن خاقان:
    رزينٌ إذا ما القوم خفت حُلومُهُـم وقورٌ إذا ما حادث الدهر أجلباَ
    فتى لم يضيع وجه حزمٍ ولم يبت يلا حظ أعجاز الأمور تعقبــــا
    (8) وقال الشاعر:
    من قاس جدواك يوماً بالسُّحب أخطأ مدحك
    السُّحبُ تُعطى وتبكي وأنت تعطي وتضحك
    (9) وقال المتنبي:
    وَلمّا صارودُّ الناس خبَّــا جزيتُ على ابتسام يابتسام
    وصرتُ أشكُ فيمن أصطفيه لعلمي أنَّه بعضُ الانــــام
    (10) وقال:
    لولا المشقةُ سادَ الناسُ كلّهُمُ الجودُ يفقرُ والإقدامُ قتَّالُ
    (11) وقال أبو فراس:
    لا تطلُبنّ دُنوَ دا رٍ من خليلٍ أو معاشر
    أبقى لأسباب المودّ ة أن تزُورَ ولا تُعاشر
    تدريب
    عيّن أسباب الذكر في الأمثلة الآتية:
    (1) قال الله تعالى: «فويلٌ للذين يكتبونَ الكتاب بأيديهم ثم يقولون هذا من عند الله ليشتروا به ثمناً قليلاً، فويلٌ لهم مما كتبت أيديهم، وويلٌ لهم مما يكسبون»
    (2) وقال مروان بن أبي حفصة يمدح معن بن زائدة:
    بنو مطر يوم اللقاء كأنهم أُسودٌ لها في بطن خفَّان أشبلُ
    هم يمنعون الجار حتى كأنما لجارهم بين السِّماكين منزلُ
    (3) وقال السَّموءلُ بن عاديا:
    إذا المرءُ لم يدنس من اللؤم عرضُهُ فكل رداءٍ يرتديه جميلُ
    وإن هو لم يحمل على النفس ضيمها فليس إلى حُسن الثناء سبيل
    (4) وقال أبو العتاهية:
    إذا أنت لم تشرب مراراً على القذى ظمئت وأيُّ الناس تصفو مشاربهُ
    (5) وقال الشاعر:
    الجدّ يُدني كلَ أمر شاسعٍ والجدّ يفتحُ كل باب مُغلقِ
    تمرين
    (1) قال الله تعالى: «وأنّا لا ندري أشرٌ أريد بمن في الأرض أم أراد بهم ربُّهمُ رشداً».
    (2) وقال: «ألم يجدك يتيماً فآوى، ووَجدكَ ضالاً فهدى، ووجدك عائلا فأغنى».
    (3) وقال: «فأما من أعطى واتَّقى وصدَّق بالحُسنى فسنيسرِّهُ لليُسرى»
    (9) وقال تعالى: «إن الله يأمرُ بالعدل والإحسان وإيتاء ذي القربى وينهى عن الفحشاء والمنكر والبغي يعظكم لعلكمَّ تذكَّرون»
    المبحث الثاني
    في تعريف المسند: أو تنكيره
    يُعرَّف المسند
    (1) لإفادة السامع حُكماً على أمر معلوم عنده بأمر آخر مثله: بإحدى طرق التعريف – نحو هذا الخطيب، وذاك نقيب الأشراف.
    (2) ولافادة قصره على المسند اليه «حقيقة» نحو (سعد الزعيم) إذا لم يكن زعيم سواه – أو «ادعاءً» مبالغة لكمال معناه في المسند اليه، نحو: (سعدٌ الوطني) أي الكامل الوطنية، فيخرج الكلام في صورة توهم أن الوطنية لم توجد إلا فيه، لعدم الاعتداد بوطنية غيره.
    وذلك: إذا كان المسند (معرفاً بلام الجنس) ([249])
    وينكَّرُ المسند: لعدم الموجب لتعريفه – وذلك
    (1) لقصد إرادة العهد – أو الحصر – نحو أنت أميرٌ – وهو وزير
    (2) ولاتباع المسند اليه في التنكير – نحو: تلميذ واقف بالباب.
    (3) ولافادة التفخيم – نحو: (هُدّى للمتقين)
    (4) ولقصد التحقير – نحو: ما خالد رجلا يُذكر.

    المبحث الثالث
    في تقديم المسند: أو تأخيره
    يقدّم المسند: اذا وجد باعث على تقديمه كأن يكون عاملاً نحو قام علي أو ممّا له الصدارة في الكلام، نحو: أين الطريق؟؟
    أو إذا أريد به غرض من الأغراض الآتية:
    (1) منها التّخصيص بالمسند اليه – نحو (لله مُلكُ السموات والأرض).
    (2) ومنها التنبيه من أوّل الأمر على أنه خبرٌ لا نعتٌ – كقوله:
    له هممٌ لا مُنتهى لكبارها وهمَّته الصغرى أجلُ من الدّهر
    له راحة لو أنَّ معشار جودها على البرِّ كان البرُّ أندى من البحر
    فلو قيل «همم له» لتُوهّم ابتداءً كون «له» صفة لما قبله
    (3) ومنها التشويق للمتأخر، اذا كان في المتقدِّم ما يُشوِّق لذكره كتقديم المسند في قوله تعالى (إن في خلق السموات والأرض واختلاف الليل والنهار لآيات لأولي الألباب) – وكقوله:
    خيرُ الصنائع في الأنام صنيعةٌ تنبو بحاملها عن الإذلال
    (4) ومنها التفاؤل: كما تقول للمريض (في عافية) أنتَ) وكقوله:
    سعدت بُغرَّة وجهك الأيام وتزينت بلقائك الأعوامُ
    (5) ومنها – إفادة قصر المسند اليه على المسند، نحو (لكم دينكم ولي دين) «أي – دينكم مقصورٌ عليكم، وَديني مقصور عليَّ»
    (6) ومنها – المساءة نكايةً بالمُخاطب: كقول المتنبي:
    ومن نكد الدنيا على الحُرّ أن يرى عدُوّا له ما من صداقته بُدُّ
    (7) ومنها – تعجيل المسرّة للمخاطب، أو التعجّب، أو التّعظيم، أو المدح، أو الذم، أو الترحم، أو الدعاء.
    نحو: لله درّك، وعظيمٌ أنت يا الله. ونعم الزعيم سعدٌ – وهلُمّ جرَّا
    وبئس الرجل خليل، وفقير أبوك، ومبارك وصولك بالسلامة.
    ويؤخر المسند لأن تأخيره هو الأصل، وتقديم المسند اليه أهم نحو: الوطن عزيز.
    وينقسم المسند من حيث الأفراد وعدمه إلى قسمين – مفرد وجملة.
    فالمسند (المفرد) قسمان – فعل: نحو قدم سعدٌ – واسم: نحو سعدٌ قادم.
    والمسند (الجملة) ثلاثة أنواع:
    (1) أن يكون سببيا نحو خليل أبوه مُنتصر – أو أبوه انتصر – أو انتصر أبوه.
    (2) وان يُقصد تخصيص الحكم بالمسند اليه – نحو أنا سَعيت في حاجتك (أي السّاعي فيها أنا لا غيري)
    (3) وأن يُقصد تأكيد الحكم – نحو: سعد حضر.
    وذلك: لما في الجملة: من تكرار الاسناد مرّتين.
    ويؤتى بالمسند: ظرفا للاختصار – نحو خليل عندك.
    وجاراً ومجروراً – نحو: محمود في المدرسة

    تمرين
    بين أسباب التقديم والتأخير فيما يأتي:
    (1) ما كل ما فوق البسطية كافيـــاً فاذا قنعت فبعض شيء كافــي([250])
    (2) وما أنا وحدي قلت ذا الشعر كلـّه ولكن شعري فيه من نفسه شعر([251])
    (3) إذا شئت يوما أن تسود عشــيرة فبالحلم سُد لا بالتَّسرع والشـتَّم([252])
    (4) ثلاثة تُشرق الدنيا ببهجتهــــا شمس الضحى وأبو اسحاق والقمر([253])
    (5) أفي الحق أن يُعطى ثلاثون شاعرا ويُحرم مادون الرّضا شاعرٌ مثلي([254])
    (6) فكيف وكلٌّ ليس يعدو حمامــه وما لامرىء عمّا قضى الله مرحل ([255])
    (7) وقال الله تعالى «بل الله فاعبُد، وكُن من الشاكرين»([256])
    (8) بك اقتدتِ الأيام في حسناتها وشيمتها لولاكَ هَمٌّ وتكريبُ([257])
    تطبيق عام على أحوال المسند
    لما صدأت مرآة الجنان، قصدت لجلائها بعض الجنان – الجملة الشرطية لا تعتبر إلا بجوابها وهو (قصدت). وهي خبرية فعلية من الضرب الابتدائي – والمراد بها أصل الفائدة المسند قصد. ذكر: لأن ذكره الأصل، وقدم لافادة الحدوث في الزمن الماضي مع الاختصار، والمسند اليه التاء – ذكر لأن الأصل فيه ذلك – وأخر لاقتضاء المقام تقديم المسند، وعرف بالاضمار لكون المقام للتكلم مع الاختصار كأنه الكوثر الفياض – جملة خبرية أسمية من الضرب الابتدائي – والمراد بها المدح، فهي تفيد الاستمرار بقرينة المدح، والمسند اليه الهاء. ذكر وقدم لأن الأصل فيه ذلك، وعرف بالاضمار لكون المقام للغيبة مع الاختصار. والمسند الكوثر ذكر وأخر لأن الأصل فيه ذلك – وعرف بأل للعهد الذهني.
    كتاب في صحائفه حكم – التنكير في هذه الجملة للتعظيم
    ما هذا الرجل انسانا – نكر المسند «إنسانا» للتحقير
    له همم لا منتهى لكبارها – المسند له – قدم لافادة أنه خبر من أول الأمر لانه لو تأخر لتوهم أنه صفة للمسند اليه لانه نكرة
    «ولم يكن له كفواً أحد»، قدم المسند «كفوا» على المسند إليه «أحد» للمحافظة على الفاصلة – على رأى بعضهم، والمنصوص عليه في كتب التفسير المعتبرة أن التقديم للمبادرة إلى نفي المثل.
    زهرة العلم أنضر من زهرة الروضة – جملة خبرية اسمية من الضرب الابتدائي والمراد بها الاستمرار بقرينة المدح، المسند اليه زهرة العلم، ذكر وقدم لأن الأصل فيه ذلك، وعرف بالاضافة إلى العلم لتعظيمه.
    والمسند أنضر ذكر وأخر لان الاصل فيه ذلك، ونكر لتعظيمه.
    غلامي سافر، أخي ذهبت جاريته، أنا أحب المطالعة – الحق ظهر، الغضب آخره ندم – أتى بالمسند في هذه المثل جملة لتقوية الحكم لما فيها من تكرار الاسناد
    أسئلة على أحوال المسند يطلب أجوبتها
    ما هو المسند؟ - ماهي أحواله ؟ - لأي شيء يذكر المسند ؟ - لأيّ شيء يحذف ؟ لِمَ يقدم ؟ - لِمَ يؤخر؟ - لِمَ يُعرَّف؟ - لم ينكّر؟ - لم يؤتى به جملة؟.

    الباب الخامس
    في الاطلاق([258]) والتقييد
    إذا اقتصر في الجملة على ذكر جُزأيها «المسند اليه والمسند» فالحكم (مطلقٌ) وذلك: حين لا يتعلق الغرض بتقييد الحكم بوجه من الوجوه ليذهب السامع فيه كل مذهب ممكن.
    وإذا زيدَ عليهما شيء ممّا يتعلق بهما – أو بأحدهما، فالحكم (مقيد) وذلك: حيث يُراد زيادة الفائدة وتقويتها عند السامع، لما هو معروف من أن الحكم كلما كثرت قيوده ازداد إيضاحا وتخصيصا، فتكون فائدته أتّم وأكمل، ولو حُذف القيد لكان الكلام كذباً – أو غير مقصود نحو: قوله تعالى (وما خَلَقنَا السَّموات والأرضَ وما بينهُما لاعِبيِن).
    فلو حُذف الحال وهو (لاعبين) لكان الكلام كذباً، بدليل المشاهدة والواقع.
    ونحو: قوله تعالى (يكاد زيتها يضيء) إذ لو حذُف (يكاد) لفات الغرض المقصود، وهو إفادة المقاربة.
    واعلم: أن معرفة خواص التراكيب وأسرار الأساليب وما فيها من دقيق الوضع، وباهر الصّنع، ولطائف المزايا، يسترعى لُبك، إلى أن التقييد بأحد الأنواع الآتية: يكون لزيادة الفائدة، وتقويتها عند السامع لما هو معروف من أن الحكم كلما ازدادت قيوده ازداد إيضاحاً وتخصيصاً.
    والتقييد: يكون، بالتَّوابع، وضمير الفصل والنَّواسخ وأدوات الشرط والنفي والمفاعيل الخمسة، والحال والتمييز – وفي هذا الباب جملة مباحث ([259])
    المبحث الأول
    في التقييد بالنَّعت
    أما النَّعت: فيؤتى به للمقاصد والأغراض التي يدلّ عليها
    (أ) منها – تخصيص المنعوت بصفة تُميزه إن كان نكرة – نحو: جاءني رجل تاجر.
    (ب) ومنها – توضيح المنعوت إذا كان معرفة – لغرض
    (1) الكشف عن حقيقته، نحو: الجسم الطويل، العريض، يُشغل حيزاً من الفراغ.
    (2) أو التأكيد – نحو: تلك عشرة كاملة، وأمس الدابُر كان يوماً عظيماً.
    (3) أو المدح – نحو: حضر سعد المنصور.
    (4) أو الذّم – نحو: (وأمرأتهُ حمَّالة الحطب).
    (5) أو الترحم – نحو: قدم زيد المسكينُ
    المبحث الثاني
    في التَّقييد بالتوكيد
    أمّا التوكيد: فيوُتى به للأغراض التي يدُلّ عليها، فيكون.
    (1) لمُجرّد التقرير، وتحقيق المفهوم عند الإحساس بغفلة السّامع نحو جاء الأمير الأميرُ.
    (2) وللتقرير مع دفع توهُّم خلاف الظاهر – نحو جاءني الأمِيرُ نفسه.
    (3) وللتقرير مع دفع توهم عدم الشمول نحو (فَسَجدَ الملائكةُ كُلهم أجَمُعون)
    (4) ولإرادة انتقاش معناه في ذهن السّامع نحو (أُسكن أنتَ وَزَوجكَ الجنَّةَ)

    المبحث الثالث
    في التقييد بعطف البيان
    أمّا عطف البيان: فيؤتى به للمقاصد والأغراض التي يدلّ عليها – فيكون
    «أ» لمجرَّد التَّوضيح للمتبوع باسم مُختصّ به ([260]) نحو أقسم بالله أبو حفص عُمر.
    «ب» وللمدح: كقوله تعالى (جَعَلَ اللهُ الكعبَةَ البيتَ الحَرامَ قِياماً للناس) – فالبيت الحرامَ، عطف بيان: للمدح.

    المبحث الرابع
    في التَّقييد بعطف النَّسَق
    أمّا عطف النسق: فيؤتى به للأغراض الآتية:
    (1) لتفصيل المسند اليه باختصار، نحو: جاء سعد وسعيد، فانه أخصر من: جاء سعد، وجاء سعيد، ولا يُعلم منه تفصيلُ المسند لأن الواوَ لمطلق الجمع.
    (2) ولتفصيل المسند مع الاختصار أيضاً، نحو – جاء نصرٌ فمنصورٌ ([261]) أو ثم منصور، أو جاء الأميرُ حتى الجُند، لأنّ هذه الأحرف الثلاثة مشتركة في تفصيل المسند – إلا أنّ (الأول) يفيد الترتيب مع التعقيب (والثاني) يفيد الترتيب مع التراخي – و(الثالث) يفيد ترتيب أجزاء ما قبله، ذاهباً من الأقوى الى الأضعف، أو بالعكس – نحو مات الناس حتّى الأنبياء.
    (3) ولردّ السامع الى الصواب مع الاختصار – نحو جاء نصر – لا منصور – أو: لكن منصور.
    (4) ولصرف الحكم الى آخر - نحو ما جاء منصور، بل نصر.
    (5) وللشكّ من المتُكلم – أو التَّشكيك للسّامع، أو للابهام نحو قوله تعالى: (و إنا أو إياكم لعلى هُدىً أو في ضلالٍ مُبين)
    (6) وللاباحة: أو التّخيير –
    مثال الأول: تعلّم نحواً أو صرفاً. أو نحو: تعلّم إمَّا صرفاً وإمّا نحواً، ومثال الثاني: تزوج هنداً أو أختها أو نحو: تزوج إمَّا هنداً وإمَّا أختها
    المبحث الخامس
    في التَّقييد بالبدل
    أمَّا البدل: فيؤتى به للمقاصد والأغراض التي يَدُلّ عليها ويكون: لزيادة التقرير والإيضاح، لأن البدل مقصودٌ بالحكم بعد إبهام نحو حضر ابني عليّ، في (بدل الكل) ونحو: سافر الجندُ أغلبُه في (بدل البعض)
    ونحو: نفعني الاستاذ علمُه (في بدل الاشتمال)
    ونحو: وجهك بدرٌ شمسٌ – في (بدل الغَلَط) ([262])
    وذلك: لإفادة المبالغة التي يقتضيها الحال.
    المبحث السادس
    في التقييد بضمير الفصل
    يؤتى بضمير الفصل: لأغراض كثيرة
    (1)منها التخصيص، نحو (ألم يعلموا أن الله هو يقبلُ التَوبةَ عن عبادِهِ)
    (2) ومنها تأكيد التَّخصيص إذا كان في التركيب مُخصِّصٌ آخرُ كقوله تعالى (إن اللهَ هو التواب الرحيم)
    (3) ومنها – تمييز الخبر عن الصفة، نحو: العاِلم هو العاملُ بعلمه
    المبحث السابع
    في التقييد بالنّواسخ
    التقييد بها: يكون للأغراض التي تـؤديِّيها معاني ألفاظ النّواسخ كالاستمرار – أو لحكاية الحال الماضية: في «كان»([263])
    وكالتوقيت بزمن مُعين في «ظلّ، وبات، وأصبح، وأمسى، وأضحى»
    وكالمُقاربة: في «كاد، وكرب، وأوشك»
    وكالتأكيد: في «إن وأنّ» - وكالّتشبيه: في «كأنَّ»
    وكالاستدراك: في «لكن» - وكالرَّجاء: في «لعلَّ» -
    وكالتمنّي: في «ليت» وكاليقين: في «وجد، وألفى، ودَرى، وعلم» وكالظنِّ: في خالَ، وزعِم، وحسِب، وكالتَّحول: في اتخذ، وجعل وصيَّر.
    المبحث الثامن
    في التّقييد بالشرط
    التقييد به: يكون للأغراض التي تؤديها معاني أدوات الشرط: كالزمان في «متى وأيّان» والمكان: في أين، وأنَّى، وحينما – والحال: في «كيفما» واستيفاء ذلك: وتحقيق الفرق بين تلك الأدوات يُذكر في علم النحو وإنما يفرّق هنا بين (إن وإذا ولو) لاختصاصها بمزايا تُعد من وجوه البلاغة.
    الفرق بين إن – وإذا – ولو
    الأصل عدم جزم وقطع المتكلم بوقوع الشَّرط في المستقبل مع «إن» ومن ثم كثر أن تستعمل «إن» في الأحوال التي يندُر وقوعها ووجب أن يتلوها لفظ (المضارع) لاحتمال الشك في وقوعه([264])
    بخلاف «اذا» فتُستعمل بحسب أصلها في كل ما يقطعُ المتكلمُ بوقوعه في المستقبل – ومن أجل هذا لا تُستعمل «إذا» إلاّ في الأحوال الكثيرة الوقوع، ويتلوها (الماضي) لدلالته على الوقوع والحصول قطعاً –
    كقوله تعالى (فإذا جاءتهمُ الحسنةُ قالوا لنا هذه، وإن تُصبهم سيئةٌ يطيَّروا بموسى ومنْ معهُ)
    فلكون مجيء الحسنة منه تعالى مُحقَّقاً – ذكر هو والماضي مع (إذا) وإنما كان ما ذُكر محققاً – لأن المراد بها مُطلقُ الحسنة الشامل لأنواع كثيرة – من خَصب،ورخاء، وكثرة أولاد، كما يفهم من التّعريف بأل الجنسية في لفظة «الحسنة»
    ولكون مجىء السَّيئة نادراً، ذكر هو والمضارع مع (أن) وإنما كان ما ذكر نادراً لأن المراد بها نوعٌ قليل: وهو جدب وبلاء كما يُفهم من التّنكير في لفظ «سيئة» الدال على التقليل
    ولو: للشرط في الماضي مع الجزم والقطع بانتفائه، فيلزم انتفاء الجزاء على معنى أنّ الجزاء كان يمكن أن يقع، لو وجد الشرط.
    ويجب كون جملتيها فعليتّين ماضويتين، نحو: لو أتقنت عملك لبلغت أملك.
    وتسمى «لو» حرف امتناع لامتناع – كقوله تعالى (لو كان فيهما آلهةٌ إلا الله لفسدتا) ونحو: (ولو شاءَ لهَداكم أجمعين) أي انتفت هدايته إيّاكم، بسبب انتفاء مشيئته لها.

    تنبيهات
    الأول – عُلم مما تقدم: أن المقصود بالذّات من الجملة الشرطية هو الجواب: فاذا قلت إن اجتهد فريد كافأته، كنت مخبراً بأنك ستكافئه، ولكن في حال حصول الاجتهاد، لا في عموم الأحوال([265])
    ويتفرع على هذا: أنها تُعد خبرية أو إنشائية باعتبار جوابها
    الثاني – ما تقدَّم من الفرق بين «إن» و «إذا» هو مقتضى الظاهر وقد يخرجُ الكلام على خلافه، فتستعملُ «إن» في الشرط المقطوع بثبوته أو نفيه – لأغراض كثيرة
    «أ» كالتجاهل – نحو قول المعُتذر – إن كُنتُ فعلتُ هذا فعن خطأ.
    «ب» وكتنزيل المخاطب العالم منزلة الجاهل: لمخالفته مقتضى علمه
    كقولك للمتكبر توبيخاً له - إن كنتَ من تراب فلا تفتخر
    «جـ» وكتغليب غير المُتَّصف بالشرط على المتَّصف به: كما إذا كان السفر قطعي الحصول لسعيد، غير قطعي لخليل، فتقول ان سافرتما كان كذا ([266]) وقد تستعمل (إذا) في الشرط المشكوك في ثبوته أو نفيه، لأغراض.
    (أ) منها – الإشعار بأن الشك في ذلك الشرط لا ينبغي أن يكون مشكوكا فيه بل لا ينبغي ألاّ يكون مجزوماً به – نحو اذا كثر المطر في هذا العام أخصب الناس
    (ب) ومنها – تغليب المتصف بالشرط على غير المتصف به – نحو اذا لم تسافر كان كذا – وهلم جرَّا من عكس الأغراض التي سبقت
    الثالث – لما كانت (إن) و(إذا) لتعليق الجزاء على حصول الشرط في المستقبل وجب أن يكون شرطُ وجزاء كل منهما جملةً فعلية استقبالية لفظاً ومعنى، كقوله تعالى (وإن يستغيثوا يُغاثوا بماءٍ كالمُهلِ)
    ونحو: والنَّفس راغبة إذا رغبَّتها وإذا تُرد إلى قليلٍ تَقَنعُ
    ولا يُعدلُ عن استقبالية الجملة لفظاً، ومعنى الى استقباليتها معنى فقط – إلاَّ لدواع غالباً.
    «أ» منها – التفاؤل – نحو – إن عشتُ فعلتُ الخير ([267])
    «ب» ومنها – تخّيل إظهار غير الحاصل «وهو الاستقبال» في صورة الحاصل «وهو الماضي» - نحو – إن متُّ كان ميراثي للفقراء.
    الرَّابع – عُلم مما تقدم من كون «لو» للشَّرط في الماضي: لزومُ كون جملتي شرطها وجزائها فعليتّين ماضويتين وعدم ثبوتهما.
    وهذا هو مقتضى الظاهر – وقد يخرج الكلام على خلافه
    فتُستعمل «لو» في المضارع لدواعٍ اقتضاها المقامُ – وذلك
    «أ» كالاشارة إلى أن المضارع الذي دخلت عليه يقصد استمرارهُ فيما مضى: وقتاً بعد وقت، وحصوله مرة بعد أخرى –
    كقوله تعالى (لو يُطيعكم في كثيرٍ من الأمرِ لعنتُّم)([268])
    «ب» وكتنزيل المضارع منزلة الماضي (لصدوره عمّن المُستقبلُ عنده)
    في تحقق الوقوعِ، ولا تخلّف في أخباره: كقوله تعالى (ولو تَرَى إذِ المجرمُونَ ناكسُوا رُؤسهم عندَ ربِّهم)([269])
    المبحث التاسع
    في التقييد بالنفي
    التقييد بالنفي: يكون لسلب النسبة على وجه مخصوص، ممّا تفيده أحرف النفي السبعة – وهي – لا، وما، ولات، وإن، ولن، ولم، ولمّا.
    (فلا) للنفي مطلقاً – و (مَا، وإن، ولاَتَ) لنفي الحال، إن دخلت على المضارع و(لن) لنفي الاستقبال و(لم – ولما) لنفي المُضيّ – الا أنه (بلمّا) ينسحبُ الى ما بعد زمن التكلم: ويختصّ بالمتوقّع – وعلى هذا: فلا يقال ما يقم خليلٌ ثم قام، ولا: لمّا يجتمع النقيضان – كما يقال لم يقم عليٌّ ثم قام ولم يجتمع الضدان، فلمّا في النفي تقابل (قد) في الاثبات، وحينئذ يكون منفيُّها قريباً من الحال – فلا يصح لمّا يجيءُ خليل في العام الماضي.
    المبحث العاشر
    في التقييد بالمفاعيل الخمسة ونحوها
    التقييدُ بها: يكون لبيان نوع الفعل، أو ما وقع عليه أو فيه، أو لأجله أو بمقارنته، ويقيد بالحال لبيان هيئة صاحبها وتقييد عاملها، ويقيَّد بالتمييز لبيان ما خفى من ذات – أو نسبة، فتكون القيودُ هي محظ الفائدة والكلام بدونها كاذبٌ – أو غير مقصود بالذات – كقوله تعالى (وما خلقنا السموات والأرض وما بينهما لاعبين) وقد سبق القولُ في أول الباب مفصلاً، فارجع إليه إن شئتَ
    تنبيهات
    الأول – عُلم ممّا تقدَّم أن التقييد بالمفاعيل الخمسة ونحوها للأغراض التي سبقت – وتقييدها اذا كانت (مذكورة)
    أمّا إذا كانت محذوفة فتُفيد أغراضاً أخرى
    (1) منها – التعميم باختصار كقوله تعالى (والله يدعو إلى دار السلام)
    (أي جميع عباده) لأن حذف المعمول يؤذن بالعموم ([270]) (ولو ذكر لفات غرض الاختصار المناسب لمقتضى الحال)
    (2) ومنها – الاعتماد على تقدم ذكره – كقوله تعالى (يَمحُو اللهُ ما يشاءُ ويُثبتُ) – أي ويثبتُ ما يشاءُ
    (3) ومنها – طلب الاختصار – نحو (يغفرُ لمن يشاءُ) أي يغفر الذنوب.
    (4) ومنها – استهجان التصريح به نحو: (ما رأيتُ منه ولا رأى منِّي) أي العورة
    (5) ومنها – البيانُ بعد الابهام – كما في حذف مفعول فعل المشيئة ([271])
    ونحوها ([272]) إذا وقع ذلك الفعل شرطاً فإنّ الجواب يدل عليه، ويبينُه بعد إبهامه، فيكون أوقع في النفس، ويقدر المفعول مصدرا من فعل الجواب، نحو: (فمن شاء فليؤمن) – أي فمن شاء الإيمان
    (6) ومنها – المحافظة على سجع – أو: وزن
    فالأول – كقوله تعالى (سيذكَّرُ من يخشى)
    إذ لو قيل: يخشى الله – لم يكن على سننن رؤوس الآي السابقة
    والثاني – كقول المتنبي:
    بناها فأعلى والقنا يقرع القَنا ومَوجُ المناياَ حولها مُتلاطمُ
    أي: فأعلاها
    (7) ومنها – تعيُّن المفعول – نحو رعت الماشية (أي نباتاً)
    ومنها – تنزيل المتعدِّي منزلة اللازم لعدم تعلق الغرض بالمعمول، بل يجعل المفعول منسياً، بحيث لا يكون ملحوظاً مقدّرا
    كما لا يلاحظ تعلق الفعل به أصلا – كقوله تعالى (هَلْ يستوي الذينَ يعلمون والذينَ لا يعلمون)([273])
    الثاني – الأصل في العامل أن يًُقدَّم على المعمول
    وقد يُعكس: فيقدّم المعمول على العامل لأغراض شتَّى
    (1) ومنها – التخصيص – نحو (إياك نعبدُ، واُيّاك نستعين) ([274])
    (2) ومنها – ردُّ المخاطب إلى الصّواب عند خطئه في تعيين المفعول نحو: نصراً رأيت – رداً لمن اعتقد أنك رأيت غيره.
    (3) ومنها – كون المتقدم محطّ الأنكار مع التَّعجب نحو: أبعدَ طول التجربة تنخدع بهذه الزَّخارف.
    (4) ومنها – رعاية مُوازاة رؤوس الآي نحو: (خُذُوهُ فغُلوهُ، ثمّ الجحيم صلُوهُ) – وهلمّ جرا من بقية الأغراض التي سبقت.
    تطبيق عام على الاطلاق والتقييد
    إذا كنت في نعمة فارعها فان المعاصي تزيل النعم
    جملة فارعها: انشائية أمرية، والأمر مستعمل في أصل معناه، المسند إليه أنت وهي مقيدة بالمفعول به لبيان ما وقع عليه الفعل، ومقيدة بالشرط للتعليق، وكانت أداة الشرط (إذا) لتحقق الحصول «فان المعاصي تزيل النعم» جملة خبرية اسمية من الضرب الثالث، والمراد بالخبر التحذير من المعاصي.
    المسند إليه (المعاصي) والمسند جملة: تزيل، وأتى به جملة لتقوية الحكم بتكرار الاسناد، وقيد بالمفعول به «النعم» لبيان ما وقع عليه الفعل، والحكم مقيد بأن للتوكيد.
    إن اجتهد خليل أكرمته- الجملة «اكرمته» وهي جملة خبرية فعلية من الضرب الابتدائي، المسند أكرم، والمسند إليه التاء، وهي مقيدة بالمفعول به لبيان ما وقع عليه الفعل، وبالشرط للتعليق، وكانت أداة الشرط «إن» لعدم الجزم بوقوع الفعل.
    وأصابت تلك الربى عين شمس أورثتها من لونها اصفرارا
    كلما جال طرفها تركت النا س سكارى وما هم بسكارى
    (2) أي فيكون التقديم: للتبرك والتلذد وموافقة كلام السامع والاهتمام وضرورة الشعر وغير ذلك – واعلم أن اختلاف الترتيب بين المعمولات.
    إما لأمر معنوي: نحو «وجاء من أقصى المدينة رجل يسعى» فلو أخر المجرور لتوهم أنه من صلة الفاعل، والمراد كونه من صلة فعله.
    وإما لأمر لفظي: نحو ولقد جاءهم من ربهم الهدى – فلو قدم الفاعل لاختلفت الفواصل لأنها مبنية على الألف – وقد يتقدم بعض المفاعيل على بعض – إما لاصالة في التقدم لفظا: نحو حسبت زيداً كريما، فإن زيداً وإن كان مفعولا في الحال لكنه مبتدأ في الأصل – أو معنى: نحو أعطى زيد عمراً درهماً، وإن كان مفعولاً بالنسبة إلى زيد لكنه لا يخلو من معنى الفاعلية بالنسبة إلى الدرهم، والدرهم مأخوذ.
    «وأصابت تلك الربى» جملة خبرية فعلية من الضرب الابتدائي، والمراد بالخبر اصل الفائدة – المسند أصاب، ذكر – لأن الأصل فيه ذلك، وقدم لافادة الحدوث في الزمن الماضي مع الاختصار، والمسند إليه عين شمس، وذكر: لأن الأصل فيه ذلك وأخر: لاقتضاء المقام تقديم المسند وخصص بالاضافة لتعينها طريقا لاحضار معناه في ذهن السامع، والمضاف إليه (شمس) قيد بالصفة «أورنتها من لونها» لأنها في محل جر صفة شمس للتخصيص، وقيد الحكم بالمفعول به «تلك» لبيان ما وقع عليه الفعل، وعرف المفعول به بالاشارة لبيان حاله في البعد، وقيد المفعول بالبدل «الربي» لتقرير حاله في نفس السامع «تركت الناس سكارى» هي الجملة الرئيسية، لأن الشرطية لا تعتبر إلا بجوابها، وهي جملة خبرية اسمية من الضرب الابتدائي، والمراد بالخبر التفخيم، المسند اليه الناس، ذكر وقدم لأن الأصل فيه ذلك، وعرف بآل للعهد الذهني، لان المراد بالناس الدين نظروا اليها، والمسند سكارى، ذكر وآخر لان الاصل فيه ذلك، ونكر للتهويل، والحكم مقيد (بترك) لافادة التحويل، وبالشرط للتعليق وكانت أداة الشرط (كلما) لافادة التكرار «وما هم بسكارى» جملة خبرية اسمية من الضرب الثالث، والمراد بالخبر أصل الفائدة، والمسند اليه هم، والمسند سكارى والحكم مقيد بما لنفي الحال.
    لا تيأسن وكن بالصبر معتصما لن تبلغ المجد حتى تلعق الصبرا
    «لا تيأسن» جملة انشائية نهييه، والمراد بالنهي الارشاد، المسند لا تيأس والمسند اليه انت، و «كن بالصبر معتصما» أصلها: أنت معتصم بالصبر، وهي جملة انشائية أمرية، والمراد بالأمر الارشاد ايضاً، المسند اليه الضمير المستتر في كن والمسند معتصما، والحكم مقيد «بالصبر» لبيان ما وقع عليه الفعل، وبالأمر «كن» لافادة التوقيت بالاستقبال.
    «لن تبلغ المجد حتى تلعق الصبرا» أصلها لن تبلغ المجد حتى تلعق الصبر – وهي جملة خبرية فعلية من الضرب الابتدائي، والمراد بالخبر الحث على الصبر، المسند تبلغ، والمسند اليه أنت، والحكم مقيد بلن للنفي في المستقبل، وبالجار والمجرور لبيان غاية الفعل.
    عسى الكرب الذي أمسيت فيه يكون وراءه فرج قريب
    في البيت جملة إنشائية، غير طلبية، وهي إسمية من الضرب الثالث، لما فيها من تقوية الحكم بتكرار الاسناد – المسند اليه «الكرب» ذكر وقدم لأن الاصل فيه ذلك وعرف بال للعهد الذهني، وقيد بالنعت «الذي أمسيت فيه» لتوضيحه، والمسند يكون الخ، والحكم مقيد بعسى لافادة الرجاء – وأما جملة النعت «الذي أمسيت فيه» فهي جملة خبرية اسمية من الضرب الابتدائي: المسند اليه فيها التاء – والمسند الجار والمجرور والحكم مقيد بأمسى لافادة المساء، وجملة الخبر (يكون وراءه فرج قريب) جملة خبرية إسمية من الضرب الابتدائي، المسند اليه فيها (فرج) ذكر لأن الأصل فيه ذلك، وآخر لضرورة النظم، وقيد بالنعت (قريب) لافادة القرب، والمسند وراءه – ذكر لأن الاصل فيه ذلك، وقدم للضرورة، والحكم مقيد بالناسخ (يكون) لافادة الاستقبال
    يوشك من فر من منيته في بعض غرائه يوافقها
    أصل الجملة: يوشك من فر من منيته يوافقها في بعض غرّاته – وهي جملة خبرية اسمية من الضرب الثالث، والمراد بها التيئيس من الخلود في هذه الدنيا، والمسند اليه (من) ذكر وقدم لأن الأصل فيه ذلك، وعرف بالموصولية لعدم العلم بما يخصه غير الصلة والمسند جملة يوافقها، ذكر لأن الأصل فيه ذلك، واتى به جملة لتقوية الحكم وقيد بالجار والمجرور لبيان زمنه، والحكم مقيد بالناسخ (يوشك) لافادة المقاربة
    إن الثمانين وبلغتها قد أحوجت سمعي إلى ترجمان
    إن الثماينن قد أحوجت، جملة خبرية اسمية من الضرب الثالث، والمراد بها اظهار الضعف – المسند إليه (الثمانين) ذكر وقدم لأن الأصل فيه ذلك، وعرف بال للعهد الذهني – والمسند (قد أحوجت) ذكر وأخر لأن الأصل فيه ذلك، وأتى به جملة لتقوية الحكم – والحكم مقيد بأن، وقد للتوكيد، وأما قوله وبلغتها فهي جملة معترضة للدعاء، وهي جملة خبرية فعلية من الضرب الابتدائي، المسند اليه التاء، والمسند بلغ والحكم مقيد بالمفعول به، لبيان ما وقع عليه الفعل.
    أسئلة على الاطلاق والتقييد يطلب اجوبتها
    ما هو الاطلاق ؟ ما هو التقييد؟ متى يكون الاطلاق؟ متى يكون التقييد؟ لماذا يقيّد بالنعت؟ لماذا يقيد بالتوكيد؟ لماذا يقيد بعطف النسق؟ لماذا يقيد بالبدل؟ لماذا يقيد بالمفاعيل الخمسة؟ لماذا يقيد بالحال؟ لماذا يقيد بالتمييز؟ لماذا يقيد بالنواسخ؟ لماذا يقيد بضمير الفصل؟ لماذا يقيد بالشرط؟ ماالفرق بين إن – وإذا – ولو ؟ ما المقصود من الجملة الشرطية ؟ هل يمكن ان تستعمل (إن) في مقام الجزم بوقوع الشرط؟ هل يمكن ان تستعمل (إذا) في مقام الشك؟ هل يمكن أن تستعمل (لو) مع المضارع؟ لماذا يقيد بالنفي.
    الباب السادس
    في أحوال متعلقات الفعل
    متعلقات الفعل كثيرة منها:
    المفعول، والحال، والظرف، والجار والمجرور، وهذه (المتعلقات) أقل في الأهمية من (ركني الجملة) ومع ذلك فقد تتقدم عليها – أو على أحدهما: فيقدم المفعول لأغراض – أهمها:
    (1) تخصيصه بالفعل (2) مُوافقة المخاطب: أو تخطئته
    (3) الاهتمام بالفعل (4) التبَّرّك به (5) التَّلذذّ به
    ويتقدّم كل من الحال، والظرف، والجار والمجرور، لأغراض كثيرة
    (1) منها: تخصيصها بالفعل
    (2) ومنها: كونها موضع الانكار
    (3) ومنها: مراعاة الفاصلة: أو الوزن
    والأصل في المفعول: أن يُؤخر عن الفعل، ولا يُقدّمُ عليه إلاَّ لاغراضٍ كثيرة.
    (1) منها – لتخصيص – نحو: (إيَّاك نعبد) رداً على من قال: أعتقد غير ذلك
    (2) ومنها – رعاية الفاصلة – نحو: (ثم الجحيم صلُّوّهُ)
    (3) ومنها - التّبرك – نحو: قُرآنا كريماً تلوتُ.
    (4) ومنها – التلذذ – نحو: الحبيب قابلتُ
    والأصل في العامل: أن يقدَّم على المعمول، كما أن الأصل في المعمول أن تُقدَّم عمدته على فضلته – فيحفظ هذا الأصل بين الفعل والفاعل.
    أمّا بين الفعل والمفعول ونحوه: كالظرف، والجار والمجرور، فيختلف الترتيب – للأسباب الآتية:
    (أ) إمَّا لأمر معنوي – نحو: (وجَاءَ مِنْ أقصى المدينةِ رجلٌ يسعى) (فلو أخِّر المجرور لتوُهمِّ أنه من صلة الفاعل، وهو خلاف الواقع لأنه صلةٌ لفعله)
    (ب) وإمّا لأمر لفظي – نحو: (ولقد جاءهُمُ من ربهم الهُدى)
    فلو قُدم الفاعل لاختلفت الفواصلُ، لأنها مبنية على الألف
    (جـ) وإما للأهمية – نحو: قُتل الخارجيُّ فلانٌ
    وأما تقديم الفضلات على بعض: فقد يكون
    (1) للأصالة في التقدم لفظاً – نحو: حسبت الهلال طالعاً، فانّ الهلال وإن كان مفعولاً في الحال، لكنه مبتدأ في الأصل أو للأصالة في التقدُّم معنى – وذلك كالمفعول الأول في نحو: أعطى الأمير الوزير جائزة، فإن الوزير: وإن كان مفعولا بالنسبة إلى الأمير، لكنه فاعل في المعنى بالنسبة إلى الجائزة ([275])
    (2) أو لإخلال في تأخيره – نحو: مررت راكباً بفلان – فلو أخرت الحال لتُوهّم أنها حال من المجرور، وهو خلاف الواقع، فانها حال من الفاعل والأصل في المفعول ذكره، ولا يحذف إلا لأغراض تقدم ذكرها.
    تمرين
    لبيان المتقدّم من ركني الجملة، ومتعلقات الفعل، وسبب تقدمه
    1- قال الله تعالى: (فلله الآخرة والأولى).
    2- وكتب ابن المعتز لأحد خُلاَّنه: -
    قلبي نجىُّ ذكرك، ولساني خادمُ شُكرك.
    3- وقال الله تعالى: (الله يبسط الرزق لمن يشاء ويقدر).
    4- كل حيّ وإن أقام كنوحٍ في أمانٍ من الرَّدى سوف يَفنَى
    5- أنشا يمزق أثوابي يؤدّبني أبعد شيبي يبغي عندي الأدبا
    6- منهومان لا يشبعان: طالب علم، وطالبُ مال.
    7- عباس مولاي أهداني مظلته يظلّل الله عبَّاساً ويَرعاه




    سبب تقدمه
    نوع المتقدم
    الجملة
    تخصيص الخبر بالمبتدأ
    أنه الأصل
    تخصيصه الخبر
    إفادة التعميم
    موضع الانكار
    التشويق إلى المبتدأ
    التعظيم
    خبر
    مبتدأ
    مبتدأ
    مبتدأ
    ظرف
    مبتدأ
    مبتدأ
    1- لله الآخرة والأولى
    2- قلبي. ولساني
    3- الله يبسط الرزق
    4- كل حي وان أقام
    5-أبعد شيبي يبغى
    6- منهومان لا يشبعان
    7- عباس مولاي

    8 - أنا أكرمتك، وفي منزلي آويتكَ
    9- لك عندي وعند صحبي أيادٍ سوف تبقى وكل شيء سَيفْنى
    10 – ما كل ما يتمنَّى المرءُ يدركه تأتي الرياح بما لا تشتهي السّفنَ
    وقال المرحوم حافظ إبراهيم بك في وصف الشمس: -
    11- إنما الشمسُ وما في آيها من معان لمَعت للعارفين
    حكمةٌ بالغةٌ قد مثَّلت قُدرة الله لقومٍ غافلين
    12- فمثل عُلاك لم أر في المعالي ولا تاجاً كتاجك في الجلال
    تمرين آخر
    1- لشرح معنى التخصيص: واذكر مواضعه في باب التقديم.
    2- أيّ أجزاء الجملة يفيد تقديمه، التبرك، أو التلذذ، أو التعظيم؟ ومتى يفيد ذلك؟
    3- ما هي متعلقات الفعل؟ وما أسباب تقديمها عليه؟

    4- كيف تشَوّق كلٍ من المبتدأ والخبر؟ ومتى يفيد المبتدأ التعميم
    سبب تقدمه
    نوع المتقدم
    الجملة
    تخصيصه بالخبر الفعلي
    تخصيصه بالفعل
    موضع العناية والاهتمام
    تعجيل المسرة
    التنبيه على أنه خبر لا صفة
    للتنبيه على أنه خبر لا صفة
    افادة التعميم
    نفي العموم
    الشويق للخبر
    تخصيص المفعول بالفعل
    مبتدأ
    جار ومجرور
    حال
    مبتدأ
    خبر
    مبتدأ
    مبتدأ
    مبتدأ
    مفعول
    8- أنا أكرمتك
    وفي منزلي آويتك
    ومطمئنا قلت لك
    نجاتك تحققت
    لك جرائم
    9- لك عندي
    كل شيء سيفنى
    10- ما كل ما يتمنى المرء يدركه
    11- الشمس وما في آيها حكمة
    12- مثل علاك لم أر
    إذا قدمتهُ ؟ ومتى يدل على التخصيص بالخبر؟
    5- ميّز المبتدأ الذي جرى في التقديم على أصله من الذي تقدم زائداً ؟؟
    تدريب
    العبارات الآتية تقدم فيها بعض أجزاء الكلام على بعض
    أذكر المتقدم – وبين نوعه في كل عبارة:
    1- إثنان لا يستغنى عنهما إنسان: العلم والمال.
    2- قال صلى الله عليه وسلم: إخوانكم خولُكم، جعلهم الله تحت أيديكم.
    3- إليك على بعد المزار وصعبه توازع شوقٍ ما تردُّ عوازبُه.
    4- قال تعالى: «فويلٌ لهم مما كتبت أيديهم وويلٌ لهم مما يكسبون»
    5- قبيح أن يحتاج الحارسُ إلى من يحرُسه.
    6- وقال تعالى «كانوا قليلاً من الليل ما يهجعون، وبالأسحار هم يستغفرون».
    7- إلى الله كل الأمر في الخلق كلهم وليس إلى المخلوق شيء من الأمر
    تمرين
    عيّن المتقدم من ركني الجملة أو من متعلقات الفعل، واذكر سبب تقدمه
    1- قال الله تعالى: «وما ظلمونا ولكن كانوا أنفسهم يظلمون».
    2- الدُّنيا دارُ عناء ليس لأحد فيها البقاء، وغدا تسرّ أو تُساء
    3- ألقت مقاليدها الدنيا إلى رجل ما زال وقفاً عليه الجودُ والكرم
    4- وقال الله تعالى: «وله من في السموات والأرض، كلُّ له قانتون».
    5- وقال الله تعالى: «قالوا الآن جئت بالحق».
    6- بأيّ لفظٍ تقول الشعر زعنفةٌ بحوزُ عندك لاعُربٌ ولا عجم.
    7- ولأحمد بن يوسف: بالأقلام تساسُ الأقاليم
    8- أسعد الناس بشفاعتي يوم القيامة: من قال لا إله إلا الله بقلبه خالصاً.
    9- قال الله تعالى: «إنا نحنُ نحيي ونميت وإلينا المصير».
    10 – رأى الرسول رجلا نذر أن يمشي فقال: إن الله عن تعذيب هذا نفسَه لَغنىّ
    11- يساورني طول الدجى وأساوره ملالٌ وطرفي ساهدُ الليل ساهرُه
    إختبار للذاكراة
    كون أربع جمل: تقدَّم في أولاها (الخبر) ليفيد التشويق إلى المبتدأ.
    وتقدم (المبتدأ) في الثانية لتعجيل المسرة، وتقدم في الثالثة (الحال) لأنه موضع الانكار، وتقدم (الظرف) في الرابعة لأنه موضع العناية.


    _________________


    قناتي على موقع يوتيوب :
    https://www.youtube.com/channel/UCm8N-tHwIFM7hPnwtLrBMpg
    مدونتي:
    https://ahmed26413.blogspot.com.eg/

    أحمد
    إدارة ثمار الأوراق
    إدارة ثمار الأوراق

    عدد الرسائل : 16657
    الموقع : القاهرة
    نقاط : 38587
    تاريخ التسجيل : 17/09/2008

    رد: جواهر البلاغة في المعاني والبيان والبديع للسيد أحمد الهاشمي

    مُساهمة من طرف أحمد في السبت أبريل 13, 2013 5:30 am

    الباب السابع
    في تعريف القصر
    القصر: لغة الحبس – قال الله تعالى (حور مقصورات في الخيام) واصطلاحاً: هو تخصيص شيء بشيء بطريق مخصوص.
    والشيء الأول: هو المقصور، والشيء الثاني: هو المقصور عليه.
    والطريق المخصوص لذلك التخصيص يكون بالطرق والأدوات الآتية:
    نحو: ما شوقي إلا شاعر، فمعناه تخصيص (شوقي بالشعر) وقصره عليه، ونفى صفة (الكتابة) عنه – (ردَّا على من ظن أنَّه شاعر: وكاتب) والذي دلَّ على هذا التخصيص هو النفي بكلمة (ما) المتقدمة، والاستثناء بكلمة (إلا) التي قبل الخبر.
    فما قبل «إلا» وهو «شوقي» يُسمى مقصوراً عليه، وما بعدها وهو (شاعر) يسمى مقصوراً – (وما – وإلاّ) طريق القصر وادواته.
    ولو قلت (شوقي شاعرٌ) بدون (نفي واستثناء) ما فُهم هذا التخصيص ولهذا: يكون لكل قصر طرفان «مقصور، ومقصور عليه» ويُعرف (المقصور) بأنّه هو الذي يُؤلف مع (المقصور عليه) الجملة الأصلية في الكلام ومن هذا تعلم أن القصر: هو تخصيص الحكم بالمذكور في الكلام ونفيه عن سواه بطريق من الطرق الآتية:
    وفي هذا الباب أربعة مباحث

    المبحث الأول
    في طرق القصر
    للقصر طُرُق كثيرة – وأشهرها في الاستعمال أربعة([276]) وهي:
    أولاً: يكون القصر (بالنفي والاستثناء) ([277])، نحو: ما شوقي إلا شاعر أو: ما شاعر إلاَّ شوقي.
    ثانياً: يكون القصر (بإنَّما) – نحو: «إنّما يخشى الله من عباده العلماء»
    وكقوله: إنما يشتري المحامدَ حُرٌّ طاب نفساً لهُنّ بالأثمانِ
    ثالثاً: يكون القصر (بالعطف بلا – وبل – ولكن) – نحو: الأرض متحركة لا ثابتة، وكقول الشاعر:
    عُمرُ الفتى ذكرُه لا طولُ مدته وموتُهُ خزيه لا يومُهُ الدَّاني
    وكقوله: ما نال في دُنياهُ وان بُغيةً لكن أخو حزم يَجدّ ويَعمَل
    رابعاً: يكون القصر (بتقديم ما حقّه التأخير) نحو: إيّاك نعبدُ وإيّاك نستعين – (أي: نخصك بالعبادة والاستعانة)
    فالمقصور عليه «في النفي والاستثناء» هو المذكور بعد أداة الاستثناء – نحو: وما توفيقي إلا بالله.
    2- والمقصور عليه: مع (إنَّما) هو المذكور بعدها، ويكون مؤخرا في الجملة وجوباً، نحو: إنما الدنيا غُرور.
    3- والمقصور عليه: مع (لا) العاطفة: هو المذكور قبلها والمُقابَل لما بعدها، نحو: الفخر بالعلم لا بالمال.
    4- والمقصور عليه مع (بَلْ) أو (لكنْ) العاطفتين: هو المذكور ما بعدهما، نحو: ما الفخر بالمال بل بالعلم – ونحو: ما الفخر بالنسَّب لكن بالتقوى.
    5- والمقصور عليه: في (تقديم ماحقُّه التأخير) هو المذكور المتقدّم نحو: على الله توكلنا – وكقول المُتنبِّي:
    ومن البليَّة عذل من لا يرعوي عن غَيِّه وخطاب من لا يفهم
    ملاحظات
    أوّلا – يشترط في كلٍّ من «بل – ولكن» أن تُسبق بنفي، أو: نهي وأن يكون المعطوف بهما مفرداً، وألاَّ تقترن (لكن) بالواو.
    ثانياً – يشترط في «لا» إفراد معطوفها، وان تُسبق بإثبات، وألاّ يكون ما بعدها داخلا في عموم ما قبلها.
    ثالثاً – يكون للقصر (بإنما) مزيَّة على العطف، لأنها تفيد الاثبات للشيء، والنفي عن غيره دفعة واحدة، بخلاف العطف، فانه يفهم منه الاثبات أوّلا، ثم النفي ثانياً – أو عكسه.
    رابعاً – التقديم: يَدُلّ على القصر بطريق الذَّوق السليم، والفكر الصائب، بخلاف الثلاثة الباقية فتدل على القصر بالوضع اللغوي (الأدوات).
    خامساً – الأصلُ أن يتأخر المعمول عن عامله إلا لضرورة ومَن يتتبع أساليب البلغاء في تقديم ما حقُّه التأخير: يجد أنهم يريدون بذلك: التخصيص.
    المبحث الثاني
    في تقسيم القصر باعتبار الحقيقة والواقع إلى قسمين
    (أ) قصر حقيقي([278]) – وهو أن يختصَّ المقصورُ بالمقصور عليه بحسب الحقيقة والواقع، بألا يتعدَّاه إلى غيره أصلا – نحو لا إآـه إلاَّ اللهُ.
    (ب) وقصر إضافي – وهو أن يختص المقصور بالمقصور عليه بحسب الإضافة والنسبة إلى شيء آخر معين، لا لجميع ما عداه، نحو: ما خليل إلا مسافر: فانك تقصد قصر السفر عليه بالنسبة لشخص غيره، كمحمود مثلا وليس قصدك أنه لا يوجد مُسافر سواه، إذ الواقع يشهد ببطلانه.
    الرابع – الأصل في (إنما) أن تجيء لامر من شأنه ألا بجهله المخاطب، ولا
    تنبيهات
    الأول – الاصل في العطف أن ينص فيه على المثبت له الحكم، والمنفي عنه الا اذا خيف التطويل – وفي الثلاثة الباقية ينص على المثبت فقط.
    الثاني – النفي بلا العاطفة – لا يجتمع مع (النفي والاستثناء) فلا تقول ما محمد الا ذكي لاغبي، لان شرط جواز النفي (بلا) أن يكون ما قبلها منفيا بغيرها.
    ويجتمع النفي بلا العاطفة مع كل من (انما – والتقديم)، فتقول: انما محمد ذكي لا غبي وبالذكاء يتقدم محمد لا بالغباوة
    والأصل في العطف (بلا) أن يتقدم عليه مثبت، ويتأخر منفي بعده، وقد يترك ايضاحه اختصاراً، مثل: علي يجيد السباحة لا غير، أي لا المصارعة – ولا الملاكمة ولا غير ذلك من الصفات.
    الثالث – الأصل في (النفي والاستثناء) أن يجيء لأمر ينكره المخاطب – أو يشك فيه – أو لما هو منزل هذه المنزلة: ومن الاخير قوله تعالى: (وما أنت بمسمع من في القبور، إن أنت إلا نذير)
    ينكره، وإنما يراد تنبيه فقط، أو لما هو منزل هذه المنزلة، فمن الأول قوله تعالى: (إنما يستجيب الذين يسمعون) وقوله تعالى (إنما عليك البلاغ وعلينا الحساب) ومن الثاني قوله تعالى حكاية عن اليهود (إنما نحن مصلحون) فهم قد ادعوا أن إصلاحهم أمر جلي لا شك فيه – وقال الشاعر:
    أنا الزائد الحامي الذمار وإنما يدافع عن أحسابهم أنا أو مثلي
    أسباب ونتائج
    الغاية من القصر: تمكين الكلام وتقريره في الذهن – كقول الشاعر
    وما المرء إلا كالهلال وضوئه يوافي تمام الشهر ثم يغيب
    ونحو: وما لامرىء طول الخلود وإنما يخلده طول الثناء فيخلد
    وقد يراد بالقصر بالمبالغة في المعنى – كقول الشاعر:
    وما المرء إلا الأصغر ان لسانه ومعقوله والجسم خلق مصور
    وكقوله: لا سيف إلا ذو الفقار ولا فتى إلا على
    و (ذو الفقار) لقب سيف الامام علي (كرم الله وجهه)، وسيف العاص بن منبه والقصر: قد ينحو فيه الأديب مناحي شيء، كان يتجه إلى القصر الاضافي، رغبة في المبالغة – كقوله:
    وما الدنيا سوى حلم لذيذ تنبهه تباشير الصباح
    وقد يكون من مرامي القصر التعريض – كقوله تعالى (إنما يتذكر أولوا الألباب) اذ ليس الغرض من الآية الكريمة أن يعلم السامعون ظاهر معناها، ولكنها تعريض بالمشركين الذين في حكم من لا عقل له.

    المبحث الثالث
    في تقسيم القصر باعتبار طرفيه
    ينقسم القصر باعتبار طرفيه (المقصُور والمقصور عليه)
    سواء أكان القصر حقيقياً أم إضافياً إلى نوعين:
    (أ) قصر صفة على موصوف: هو أن تحبس الصفة على موصوفها وتختص به، فلا يتَّصف بها غيره، وقد يتَّصف هذا الموصوف بغيرها من الصفات.
    مثاله من الحقيقي (لا رازق إلا الله)
    ومثاله من الإضافي، نحو: لا زعيم إلا سعد
    «ب» قصر موصوف على صفة، هو أن يحبس الموصوف على الصفة ويختصّ بها، دون غيرها، وقد يشاركه غيره فيها.
    مثاله من الحقيقي، نحو: ما الله إلا خالق كلّ شيءٍ ([279])
    ومثاله من الإضافي، قوله تعالى (وما محمدٌ إلا رسولٌ ([280]) قد خلت من قبله الرسل، أَفإن مات أو قُتل انقلبتم على أعقابكم، ومن ينقلب على عقبيه فلن يُضرَّ الله شيئا).
    المبحث الرابع
    في تقسيم القصر الإضافي
    ينقسم القصر الإضافي بنوعيه السابقين([281]) على حسب حال المخاطب إلى ثلاثة أنواع.
    (أ) قصر إفراد – إذا اعتقد المخاطب الشركة، نحو: إنَّما الله إله واحدٌ رداً على من اعتقد أنَّ الله ثالث ثلاثةٍ
    (ب) قصر قَلب – إذا اعتقد المخاطب عكس الحكم الذي تثبته نحو: ما سافر إلا عليّ «رداً على من اعتقد ان المسافر خليل لا علىٌ»
    فقد قلبتَ وعكست عليه اعتقاده.
    (جـ) قصر تعيين – إذا كان المخاطب يتردّد في الحكم: كما إذا كان متردّدا في كون الأرض متحركةً أو ثابتة، فتقول له: الأرض متحركة لا ثابتة «ردا على من شكّ وتردد في ذلك الحُكم»
    وأعلم أنّ القصر بنوعيه يقع بين المبتدأ والخبر، وبين الفعل والفاعل وبين الفاعل والمفعول، وبين الحال وصاحبها – وغير ذلك من المتعلقات، ولا يقعُ القصرُ مع المفعول معه.
    والقصر من ضروب الايجاز الذي هو أعظم ركن من أركان البلاغة، إذ أن جملة القصر في مقام جملتين، فقولك (ما كامل إلا الله) تعادل قولك: الكمال لله، وليس كاملا غيره.
    وأيضاً: القصرُ يحدد المعاني تحديداً كاملاً، ويكثر ذلك في المسائل العلمية: وما يماثلها.
    تطبيق (1)
    وضِّح فيما يلي نوع القصر وطريقه
    (1) ما الدهرُ عندك إلا روضةٌ أنُفُ يا من شمائلُهُ في دهره زهـر ([282])
    (2) ليس عارٌ بأن يقال فقيـــرٌ إنما العار أن يُقال بخيــلُ
    (3) وإنما الأمم الأخلاق ما بقيـت فإن هموُ اذهبت أخلاقهم ذهبوا
    (4) فلمّا أبى إلا البكاء رفدتُـــه بعينين كانا للدّموع على قـدر ([283])
    (5) ما لنا في مديحه غيرُ نظـــم للمساعي التي سعاها ووصـــفُ


    طريقه
    نوعه باعتبار الواقع
    نوعه باعتبار المقصور
    الجملة

    الرقم
    النفي والاستثناء
    إنما
    النفي الاستثناء
    = =
    إضافي
    =
    حقيقي - ادعائي
    إضافي
    =
    موصوف على صفة
    موصوف على صفة
    موصوف على صفة
    صفة على موصوف
    = = =
    ما الدهر...
    انما العار..
    انما الأمم
    فلما أبى...
    مالنا...
    1
    2
    3
    4
    5
    (6) بك اجتمع المُلك المُبدَّدُ شملهُ وصمت قواصٍ منه بعد قواصي ([284])
    (7) سيذكرني قومي إذا جدّ جدهم وفي الليلة الظلماء يفتقد البدر ([285])
    (8) ما افترقنا في مديحه بل وصفنا بعض أخلاقه وذلك يكفٍـــي
    وقال عليه الصلاة والسلام (ليس لك من مالك إلا ما أكلت فأفنيت، أو لبست فأبليت، أو تصدِّقت فأبقيت)
    تطبيق (2)
    (1) قال الله تعالى (إنما اللهُ إلهٌ واحدٌ)
    (2) قال تعالى (إن حسابُهم إلاَّ على ربِّي لو تشعُرُونَ) ([286])
    (3) قال تعالى (لله ما في السموات وما في الأرض)

    طريقه
    نوعه باعتبار الواقع
    نوعه باعتبار المقصور
    الجملة
    الرقم
    تقديم الجاروالمجرور
    = = =
    بل
    إضافي
    =
    اضافي
    صفة على موصوف
    موصوف على صفة
    = = =
    بك اجتمع
    وفي الليلة
    ما افترقنا

    6
    7
    8

    طريقه
    باعتبار المخاطب
    باعتبار المقصور
    نوعه باعتبار الواقع
    الجملة
    الرقم
    إنما
    النفي والاستثناء
    التقديم
    افراد
    =

    موصوف على صفة
    = = =
    صفة على موصوف
    إضافي
    =
    حقيقي
    إنما الله........
    إن حسابهم....
    لله ما في السموات
    1
    2
    3
    (1) المبدد المفرق، القواصي جمع قاصية، وهي الناحية البعيدة.
    (4) قال الله تعالى (إن أنتُم إلا تكذبُون)
    (5) فإن كان في لبس الفتى شرَف له فما السيف إلا غمده والحمائل ([287])
    (6) ليس اليتيمُ الذي قد مات والده بل اليتيم يتيم العلم والأدب
    (7) وما شاب رأسي من سنين تتابعَت علىَّ ولكن شيبتني الوقائع
    (8) إن الجديدَين في طول اختلافهما لا يفسُدان ولكن يفسد الناس
    (9) لا يألف العلم إلا ذكى – ولا يجفوه إلا غبيّ
    (10) قد علمت سلمى وجاراتُها ما قطَّر الفارس إلا أنا
    (11) إنما الدنيا هباتٌ وعوارٍ مُستردَّه
    شدَّةٌ بعد رخاءِ ورخاء بعد شدَّه
    (12) على الله توكلنا – إنما الأعمال بالنِّيات، وإنما لكل امرىء ما نوى
    طريقه
    باعتبار المخاطب
    باعتبار المقصور
    نوعه باعتبار الواقع
    الجملة
    الرقم
    النفي والاستثناء
    = =
    العطف ببل
    بلكن
    =
    إفراد
    محتمل
    =
    =
    =
    موصوف على صفة
    = =
    صفة على موصوف
    = = =
    = = =
    إضافي
    =
    =
    =
    =
    إن أنتم...
    فما السيف....
    ليس اليتيم...
    وما شاب
    لا يفسدان
    4
    5
    6
    7
    8

    طريقه
    باعتبارالواقع
    نوعه باعتبار المقصور
    الجملة
    الرقم
    النفي والاستثناء
    = =
    إنما
    التقديم
    حقيقي
    =
    إضافي
    =
    قصر صفة على موصوف
    =
    قصر موصوف على صفة
    قصر صفة على موصوف

    لا يألف العلم الا ذكى
    ما قطر الفارس الا أنا
    انما الدنيا هبات
    على الله توكلنا
    9
    10
    11
    12
    (1) محاسنُ أوصاف المغنين جمَّة وما قصباتُ السبق إلا لمعبد
    (2) إلى الله أشكو أنَّ في النفس حاجةً تمُر بها الأيام وهي كما هيَا
    (3) عند الامتحان يُكرمُ المرءُ أو يُهان.
    اختبار للذاكرة
    (1) هات جملة تفيد نجاح سعد – وعدم نجاح سعيد – بواسطة إنما
    (2) رد بطريق القصر بأنما على من ظن أن المطر يكثر شتاء في السودان
    (أ) من تخاطب بالجملة الآتية ؟؟ فيكون القصر (قصر قلب)
    (3): (ب) من تخاطب بالجملة الآتية؟؟ فيكون القصر (قصر إفراد)
    (ج) مَن تُخاطب بالجملة الآتية؟؟ فيكون القصر (قصر تعيين)
    وهي (ما أدَّيتُ الاَ الواجبَ علىَّ)
    (4) غيّر الجملة الاتية يحيث تفيد القصر بالعطف.
    «بالاختراعات الحديثة ارتقت الامم الغربية»
    طريقه
    باعتبار الواقع
    باعتبار المقصور
    الجملة
    الرقم
    النفي والاستثناء
    التقديم
    التقديم

    إضافي
    حقيقي
    اضافي
    قصر صفة على موصوف
    =
    قصر صفة على موصوف

    ما قصبات السبق الخ.
    إلى الله أشكو
    عند الامتحان يكرم الخ
    1
    2
    3
    (1) إنما نجح سعد لا سعيد
    (2) إنما يكثر المطر في السودان ربيعاً لا شتاء
    (أ) إذا كان المخاطب يعتقد أنك أديت غير الواجب عليك
    (ب) إذا كان المخاطب يعتقد أنك أديت الواجب وغيره.
    (جـ) إذا كان المخاطب متردداً في تأدية الواجب وغيره
    (4) ارتقت الأمم الغربية بالاختراعات الحديثة لا بغيرها.

    تطبيق عملي
    (1) لم يبقَ سواك نلُوذ به مما نخشاه من المحن ([288])
    (2) إنما يشتري المحامد حُرّ طاب نفساً لهُن بالأثمان([289])
    (3) إنَّما الدُّنيا متاعٌ زائل فاقتصد فيه وخذ منه ودع ([290])
    (4) عُمرُ الفتى ذكرُه لا طول مدته وموتهُ خزيهُ لا يومُه الداني([291])
    (5) ما نال في دُنياه وان بغيةً لكن أخو حزمٍ يجد ويعملُ ([292])
    (6) ومن البلية عذل من لا يرعوي عن غيه وخطاب من لا يفهم ([293])
    بالعلم والمال يبني الناسُ مُلكهمُ لم يبن ملكٌ على جهل وإقلال ([294])
    تمرين آخر
    عيّن المقصور، والمقصور عليه، ونوع القصر وطريقته، فيما يأتي:
    (1) قال الله تعالى: «فذكر إنما أنت مُذكرٌ لست عليهم بمسيطر»
    (2) وقال الله تعالى: «قل إنما أنا بشرٌ مثلكم يُوحى إلىَّ أنَّما إلهكم إلهٌ واحدٌ»
    (3) وقال تعالى «إنما يفتري الكذب الذين لا يؤمنون بآيات الله وأُولئك هم الكاذبون»
    (4) قال ابن الرومي:
    غلطَ الطبيبُ على غلطةُ مورد عجزت مواردُهُ عن الإصدار
    والناسُ يلحون الطبيب وإنما غلطُ الطبيب إصابةُ الأقدار
    (5) قال المتنبي:
    والظلم من شيم النفوس فإن تجد ذا عفةٍ فلعلّة لا يظلمُ
    (6) قال الطَّرمَّاحُ بنُ حَكيمٍ:
    وما مُنعت دار ولا عزَّ أهلُها مِن الناس إلا بالقنا والقنابِلِ
    (7) قال حطَّان بن المعلَّى:
    وإنما أولادنا بيننا أكبادُنا تَمشي على الأرض
    (8) وقال رجل من بني أسد:
    ألا إن خيرَ الود وُدٌ تطوعت به النفسُ، لا ودٌ أتى وهو متعب
    (9) قال ابو تمام:
    شاب رأسي وما رايت مشيب الرأس إلا من فضل شيب الفؤاد
    وكذاك القلوب في كل بُؤس ونعيم طلائع الأجساد
    (10) قال المتنبي:
    وما أنا إلا سَمهَريٌّ حملته فَزينَ معروضاً وراع مُسدّدا
    وما الدهر إلا من رُواه قصائدي إذا قلت شعراً أصبح الدهر منشدا
    (11) وقال ايضا:
    وما الخوفُ إلا ما تخوَّفه الفتى ولا الأمن إلا ما رآه الفتى أمنا
    (12) وقال أبو فراس الحمداني:
    إذا الحل لم بهجرك إلا ملالة فليس له إلا الفراق عتاب
    (13) وقال ابو العتاهية:
    عَلّل النفس بالكفاف وإلاَّ طَلبَت منك فوق ما يكفيها
    إنما انت طولَ عمركَ ما عُمّرتَ في الساعة التي أنت فيها
    (14) قال مهيار:
    وما الحرصُ إلا فضلةٌ لو نبذتها لما فاتَك الرزق الذي أنت آكله
    (15) قال الطغرائي:
    وإنما رجل الدنيا وواحدُها من لا يُعولُ في الدنيا على رجل
    (16) قال الغزِّي:
    ليس التَّغرب أن تشكو نوى سفرٍ وإنما ذاك فقدُ العزِّ في الوَطن
    (17) وقال أيضاً:
    إنما هذه الحياة متاعٌ والسفيهُ الغبيُّ من يصطفيها
    ما مضى فات، والمؤمَّلُ غيب ولك الساعة التي أنت فيها
    (18) وقال الأرجاني:
    تطلَّعت في يومي رخاء وشدةٍ وناديتُ في الأحياء هل من مساعد
    فلم أر فيما ساءني غير شامتٍ ولم أرّ فيما سرني غير حاسد
    (19) وقال الأبيوَردِيّ:
    ومن نَكد الأيام أن يبلُغَ المنى أخو اللوم فيها والكريم يخيب
    (20) وقال أيضاً:
    ولا تصطَنع إلا الكرامَ فإنهم يجازُونَ بالنَّعماءِ من كان منعما
    أسئلة على القصر وأنواعه تطلب أجوبتها
    ما هو القصر لغة واصطلاحاً؟؟ كم قسما للقصر؟؟ ما هو القصر الحقيقي، ما هو القصر الإضافي؟ - كم قسما للقصر الحقيقي؟ - كم قسما للقصر الاضافي، ما مثال قصر الصفة على الموصوف من الحقيقي؟ - ما مثال قصر الصفة على الموصوف من الأضافي ؟ ما مثال قصر الموصوف على الصفة من الحقيقي؟ ما مثال قصر الموصوف على الصفة من الإضافي؟ - كم قسما للاضافي بقسميه؟ على من يُرد بقصر الأفراد؟ - على من يرد بقصر القلب؟ على من يُرد بقصر التعيين؟ - ما هي طرق القصر المصطلح عليها في هذا الباب ؟ ما أقواها
    أيمكن وقوع القصر بين الفعل والفاعل؟ أيمكن وقوع القصر بين الفاعل والمفعول أيمكن وقوع القصر بين الفعل ومعمولاته؟ - أيمكن وقوع القصر بين المفعولين ؟ - متى يجب تأخير المقصور عليه؟ ومتى يكثر تأخير المقصور عليه؟ - لماذا يجب تأخير المقصور مع انما ؟ ويكثر مع النفي والاستثناء؟!

    تطبيق عام على القصر وأنواعه والأبواب السابقة
    لا حول ولا قوة إلا بالله – جملتان خبريتان اسميتان من الضرب الثالث لما فيهما من التوكيد بالقصر الذي هو أقوى طرق التوكيد – المسند اليه (حول وقوة) والمسند الجار والمجرور، ولا نظر لتقديم الخبر لأن ذلك مراعاة لقاعدة نحوية لا يعتبريها أهل المعاني ولا يعدون حذفه ايجازاً، والحكمان مقيدان بالنفي والاستثناء لافادة القصر – ففيهما (قصر صفة) وهو التحول عن المعاصي، والقوة على الطاعة على (موصوف) وهو الذات الأقدس، وهو قصر اضافي طريقه النفي والاستثناء، ثم ان كان للرد على من يعتقد أن التحول عن المعاصي والقوة على الطاعة بغير الله تعالى فهو قصر قلب، أو على من يعتقد الشركة فهو إفراد، أو على من يتردد فهو تعيين.
    إياك نعبد وإياك نستعين – جملتان خبريتان فعليتان من الضرب الثالث – المسند نعبد ونستعين، والمسند إليه الضمير المستتر فيهما – وهما مقيدتان بالمفعولين إياك وقدم المفعولين لافادة القصر – ففيهما قصر (صفة) وهو العبادة والاستعانة على (موصوف) وهو الذات الأقدس، طريقة تقديم ما حقه التاخير – وهو إضافي، ثم إن كان للرد على من يعتقد أن المعبود غير الله تعالى – فهو قلب – أو على من يعتقد الشركة فهو إفراد او على من يتردد فهو – تعيين.
    إنما شوقي شاعر – فيه قصر موصوف وهو شوقي على صفة وهو الشعر – وطريقه إنما – وهو قلب – وإفراد – أو تعيين – على حسب حال المخاطب.
    الله الغفور الرحميم – فيه قصر الصفة وهو المغفرة والرحمة – على موصوف وهو الله تعالى – طريقه تعريف المسند بأل.
    وهو: قلب – أو إفراد – أو تعيين – علىحسب حال المردود عليه إنما الشجاع عليّ – فيه قصر صفة وهو الشجاعة – على موصوف وهو عليّ وطريقه إنما.
    المرء بآدابه لا بثيابه – فيه قصر الموصوف على الصفة، قصر قلب بين المسند إليه والمسند. طريقه العطف بلا.
    إنما الآله واحد – فيه قصر الموصوف على الصفة، قصراً حقيقياً – طريقه إنما، وهو واقع بين المسند إليه والمسند.


    _________________


    قناتي على موقع يوتيوب :
    https://www.youtube.com/channel/UCm8N-tHwIFM7hPnwtLrBMpg
    مدونتي:
    https://ahmed26413.blogspot.com.eg/

    أحمد
    إدارة ثمار الأوراق
    إدارة ثمار الأوراق

    عدد الرسائل : 16657
    الموقع : القاهرة
    نقاط : 38587
    تاريخ التسجيل : 17/09/2008

    رد: جواهر البلاغة في المعاني والبيان والبديع للسيد أحمد الهاشمي

    مُساهمة من طرف أحمد في السبت أبريل 13, 2013 5:31 am

    الباب الثامن
    في الوصل والفصل
    تمهيد
    العلمُ بمواقع الجمل، والوقوف على ما ينبغي أن يُصنع فيها من العطف والاستئناف، والتهدي إلى كيفية إيقاع حروف العطف في مواقعها
    أو تركها عند عدم الحاجة اليها صعب المسلك، لا يُوفّق للصواب فيه إلاّ من أوتى قسطاً موفوراً من البلاغة، وطبع على إدراك محاسنها، ورُزق حظا من المعرفة في ذوق الكلام، وذلك لغموض هذا الباب، ودقة مسلكه، وَعظيم خطره؟ وكثير فائدته: يدل لهذا، أنهم جعلوه حدَّا للبلاغة فقد سئل عنها بعض البُلغاء، فقال: هي «معرفة الفصل والوصل»
    تعريف الوصل والفصل في حدود البلاغة
    الوصل عطف جملة على أخرى بالواو – والفصل ترك هذا العطف ([295])
    بين الجملتين، والمجىء بها منثورة، تستأنف واحدة منها بعد الأخرى
    فالجملة الثانية: تأتي في الاساليب البليغة مفصولة أحياناً، وموصولة أحياناً فمن الفصل، قوله تعالى «ولا تستوي الحسنة ولا السيئةُ إدفع بالتي هي أحسنُ» فجملة (ادفع) مفصولة عمّا قبلها، ولو قيل: وادفع بالتي هي أحسن، لما كان بليغاً.
    ومن الوصل قوله تعالى «يأيُها الذين آمنوا اتقوا الله وكونوا مع الصادقين» عطف جملة: وكونوا على ما قبلها
    ولو قلت: اتقوا الله كونوا مع الصادقين، لما كان بليغاً
    فكلّ من الفصل والوصل يجىء لأسباب بلاغيَّة.
    ومن هذا يُعلم أنّ الوصل جمع وربط بين جُملتين (بالواو خاصة) لصلة بينهما في الصورة والمعنى: أو لدفع اللَّبس
    والفصل: ترك الربط بين الجُملتين، إمَّا لأنهما مُتحدتان صورة ومعنى، أو بمنزلة المتحدتين، وإمَّا لأنه لا صلة بينهما في الصورة أو في المعنى
    بلاغة الوصل
    وبلاغة الوصل: لا تتحقق إلا (بالواو) العاطفة فقط دون بقية حروف العطف – لأن (الواو) هي الأداة التي تخفى الحاجة اليها، ويحتاج العطف بها إلى لُطف في الفهم، ودِقة في الإدراك، إذ لا تفيد إلاَّ مُجردَ الربط، وتَشريكَ ما بعدها لما قبلها في الحكم نحو: مضى وقت الكسل وجاء زمن العمل، وقُم واسعَ في الخير.
    بخلاف العطف بغير (الواو) فيفيد مع التشريك معاني أخرى – كالترتيب مع التعقيب في (الفاء) وكالترتيب مع التراخي في (ثُمَّ) وهكذا باقي حروف العطف التي إذا عطف بواحد منها ظهرت الفائدة، ولا يقع اشتباه في استعماله.
    وشرط العطف (بالواو) أن يكون بين الجملتين (جامع) كالموافقة: في نحو: يقرا ويكتبُ، وكالمُضادّة: في نحو: يضحك ويبكي وإنما كانت المضادّة في حكم المُوافقة، لأنَّ الذّهن يتصورّ أحد الضدين عند تصور الآخر، (فالعلم) يخطر على الباب عند ذكر (الجهل) كما تخطر (الكتابة) عند ذكر (القراءة).
    (والجامع) يجب أن يكون باعتبار المسند اليه والمسند جميعاً فلا يقال: خليل قادم، والبعير ذاهب، لعدم الجامع بين المسند اليهما كما لا يقال: سعيد عالم، وخليل قصير، لعدم الجامع بين المسندين وفي هذا الباب مبحثان.

    المبحث الأول
    في اجمال مواضع الوصل
    الوصلُ: عطف جملة على أخرى (بالواو) – ويقع في ثلاثة مواضع ([296])
    الأول – إذا إتحدت الجملتان في الخبرية والإنشائية لفظاً ومعنى أو معنى فقط ([297]) ولم يكن هناك سببٌ يقتضي الفصل بينهما وكانت بينهما مناسبة تامة في المعنى – فمثال الخبريتين قوله تعالى (إنَّ الأبرار لفي نعيم([298])، وإن الفجار لفي جحيم) ومثال الانشائيتين قوله تعالى (فادعُ واستقم كما أمرت) وقوله تعالى (واعبدوا الله ولا تشركوا به شيئا)، وصل جملة «ولا تشركوا» بجملة «واعبدوا» لاتحادهما في الانشاء، ولأن المطلوب بهما مما يجبُ على الانسان أن يؤدِّيه لخالقه، ويختصَّه به ومن هذا النوع قول المرحوم شوقي بك:
    عالجوا الحِكمة واستشفوا بها وانشدوا ما حلّ منها في السِّير
    فقد وصل بين ثلاث جمل، تتناسب في أنها مما يتعلق بأمر (الحكمة) وبواجب (الشباب) في طلبها، والانتفاع بها.
    ومثال المختلفين، قوله تعالى (إني أشهدُ اللهَ، واشهدوا أنى برىءٌ ممّا تشركون)
    أي: إني اشهدُ اللهَ وأشهدُكُم([299])، فتكون الجملة الثانية في هذه الآية: إنشائية لفظاً، ولكنّها خبرية في المعنى([300])
    ونحو: إذهب إلى فلان، وتقول له كذا، فتكون الجملة الثانية من هذا المثال خبرية لفظاً، ولكنها إنشائية معنى «أي: وقل له»
    فالاختلاف في اللفظ، لا في المعنى المعُول عليه، ولهذا (وجب الوصل) وعطف الجملة الثانية على الأولى لوجود الجامع بينهما، ولم يكن هناك سبب يقتضي الفصل بينهما، وكل من الجملتين لا موضع له من الإعراب.
    الثاني – دفع توهم غير المراد، وذلك اذا اختلفت الجملتان في الخبرية والإنشائية، وكان الفصل يُوهم خلاف المقصود ([301]) كما تقول مجيباً لشخص بالنفي «لا – شفاه الله ([302])
    لمن يسألك: هل برىء عليٌّ من المرض ؟؟ «فترك الواو يُوهم السَّامع
    الدُّعاء عليه، وهو خلاف المقصود، لأن الغرض الدعاء له» ([303])
    ولهذا (وجب أيضاً الوصلُ)
    وعطف (الجملة الثانية) الدُعائية الإنشائية على (الجملة الأولى) الخبرية المصوَّرة بلفظ «لا» لدفع الإيهام، وكل من الجملتين لا محل له من الاعراب
    الثالث – إذا كان (للجملة الأولى) محلٌ من الاعراب، وقصد تشريك (الجملة الثانية) لها في الاعراب حيث لا مانعَ، نحو: عليّ يقول، ويفعل([304])
    تمرين
    وضّح أسباب الوصل في الجمل الآتية:
    (1) قال الله تعالى «ولا تجعل يدك مغلولةً إلى عنقك ولا تبسطها كل البسط فتقعد ملوماً محسوراً»
    (2) وقال تعالى «ولقد آتينا موسى الكتاب وجعلنا معه أخاه هارون وزيراً»
    (3) وقال تعالى «قل يأيها الناس إنما أنا لكم نذير مُبين، فالذين آمنوا وعملُوا الصالحات لهم مغفرةٌ ورزقٌ كريمٌ، والذين سعوا في آياتنا معاجزين أولئك أصحاب الجحيم»
    (4) وقال صلى الله عليه وسلم: «اتَّق الله حيثما كُنت، واتبع السيئةَ الحسنةَ تمحُها، وخالق الناس بخلُق حسن»
    (5) قال ابو العتاهية:
    تأتي المكاره حين تأتي جُملةً وأرَى السرور يجىء في الفلتات
    (6) وقال المتنبي:
    وكل امرىء يُولي الجميلَ مُحببٌ وكلُّ مكان يُنبتُ العزَّ طيّب
    (7) وقال المعري:
    اضرب وليدك وادلُله على رشدٍ ولا تقل هو طفلٌ غيرُ مُحتلم
    فربَّ شقٍ براس جرِّ منفعةً وقس على نفع شق الرأس في القلم
    (8) وقال:
    يصونُ الكريمُ العرضَ بالمال جاهداً وذو اللؤم للأموال بالعِرض صائنُ
    (9) وقال مسلم بن الوليد:
    يجودُ بالنفس إن ضنّ الجوادُ بها والجودُ بالنفس أقصى غاية الجود
    (10) وقال أبو نواس:
    نسيببك: من ناسبتَ بالودّ قلبه وجارُك من صافيت لا من تصاقب
    (11) وقال الغزى:
    إنما هذه الحياة متاعٌ والسفيه الغني منَ يصطفيها
    ما مضى فات، والمؤملُ غيب ولكَ الساعة التي أنتَ فيها
    تمرين آخر
    بين أسباب الفصل في الأمثلة الآتية:
    قال الله تعالى:
    (1) «وضرب لنا مثلا ونسي خلقهُ، قال من يُحيي العظام وهي رميم، قل يُحييها الذي أنشاها أول مرةٍ»
    (2) وقال تعالى «فإن مع العُسر يُسراً، إن مع العُسر يُسرا»
    (3) وقال تعالى «إنَّ فرعون علا في الأرض وجعل أهلها شيعاً يستضعف طائفة منهم يُذبحُ أبناءهم ويستحي نساءهم إنه كان من المفسدين»
    (4) وقال تعالى «إنَّ الذين كفروا سواءٌ عليهم أأنذرتهُم ام لم تنذرهم لا يؤمنون، ختم الله على قلوبهم وعلى سمعهم وعلى أبصارهم غشاوة»
    (5) وقال تعالى «وإذا تتلى عليه آياتنا ولى مستكبراً كأن لم يسمعها كأن في أذنية وقراً»
    (6) وقال تعالى «ونبئهم عن ضيف إبراهيم، إذ دخلوا عليه فقالوا سلاماً، قال إنا منكم وجلون، قالوا لا توجل إنا نبشرك بغلام عليم، قال أبشرتموني على أن مسني الكبرُ فبم تبشرون، قالوا بشرناك بالحقِ فلا تكن من القانطين»
    (7) قال أبو العتاهية:
    الصمتُ أجملُ بالفتى من منطقٍ في غير حينه
    لا خير في حشو الكلام إذا اهتديت إلى عيوبه
    كلُ أمرىء في نفسه أعلى وأشرف من قرينه
    (8) قال أبو تمام:
    ليس الكريم الذي يُعطي عطيتهُ عن الثناء وإن أغلى به الثمنا
    إن الكريم الذي يعطى عطيته لعير شيء سوى استحسانه الحسنا
    لا يستثيب ببذل العُرف محمدة ولا يمن إذا ما قلد المننا
    (9) وقال المتنبي:
    لولا المشقة سادَ الناسُ كلهم الجودُ يفقر والإقدامُ قتالُ
    (10) وقال الشريف الرضي:
    لا تأمنن عدوا لان جانبه خشونة الصل عقبى ذلك اللين
    (11) وقال المعري:
    لا يعجبنك إقبال يريك سناً إن الخمودَ لعمري غايةُ الضرَّم
    (12) وقال الخفاجي:
    الناس شتى وإن عمّتهم صور هي التناسب بين الماء والآل
    (13) وقال أبو فراس:
    لا تطلبنَّ دُنُوَّ دار من خليل أو معاشر
    أبقى لأسباب المودة أن تزور ولا تجاور
    (14) وقال الحُطيئة:
    من يفعل الخيرَ لا يعدم جوازيه لا يذهب العرف بين الله والناس
    (15) وقال أعرابي قتل أخوه ابناً له:
    أقول للنفس تأساءً وتعزيةً إحدى يدي أصابتني ولم تُرد
    كلاهما خلفٌ من فقد صاحبه هذا أخي حين أدعوه وذا ولدي
    (16) وقال الغزي:
    من أغفل الشعرَ لم تعرَف مناقبِهُ لا يجتني ثمر من غير أغصان
    (17) وقال ابن شرف:
    لا تسأل الناسَ والأيام عن خبرٍ هما يبثانكَ الأخبار تفصيلا
    (18) ولكل حسن آفة موجودة إن السراج على سناه يُدخن
    (19) بالعلم والمال يبني الناس ملكُهم لم يبن ملك على جهل وإقلال
    المبحث الثاني
    في مجمل مواضع الفصل ([305])
    من حق الجُمل: اذا ترادفت ووقع بعضها إثر بعض: أن تُربط بالواو لتكون على نسق واحد – ولكن قد يعرض لها ما يُوجب ترك الواو فيها: ويسمى هذا فصلا – ويقع في خمسة مواضع.
    الأول – أن يكون بين الجملتين اتحادٌ تام: وامتزاج معنوي، حتى كأنهما أفرغا في قالب واحد، ويسمى ذلك «كمال الاتصال»
    الثاني – أن يكون بين الجملتين تباينٌ تامٌ: بدون إبهام خلاف المراد ويُسمى ذلك «كمال الانقطاع»
    الثالث – أن يكون بين الجملتين رابطة قوية، ويُسمى ذلك «شبه كمال الاتصال»
    الرابع – أن يكون بين الجملة الأولى والثاني (جملةٌ أخرى ثالثة متوسطة) حائلة بينهما
    فلو عُطفت الثالثة على «الأولى المناسبة لها» لتوهم أنها معطوفة على «المتوسطة» فُيترك العطف، ويسمى ذلك «شبه كمال الانقطاع»
    الخامس – أن يكون بين الجملتين تناسب وارتباط، لكن يمنع من عطفهما مانع: وهو عدم قصد اشتراكهما في الحكم، ويسمى ذلك «التوسط بين الكمالين»

    المبحث الثالث
    في تفصيل مواضع الفصل الخمسة السابقة
    أحياناً: تتقاربُ الجُملُ في معناها تقارباً تاما، حتى تكون الجملة الثانية كانها الجملة الأولى، وقد تنقطع الصَّلة بينهما
    إمَّا: لاختلافهما في الصورة، كأن تكون إحدى الجملتين إنشائية والأخرى خبرية.
    وإمّا لتباعد معناهما، بحيث لا يكون بين المعنيين مُناسبة، وفي هذه الأحوال يجب الفصلُ في كل موضع من المواضع الخمسة الآتية – وهي:
    الموضع الأول - «كمال الاتصال» وهو اتحادُ الجملتين اتحاداً تاماً: وامتزاجاً معنوياً – بحيث تُنزَّل الثانية من الأولى منزلةَ نفسها.
    «أ» بأن تكون الجملة الثانية بمنزلة البدل من الجملة الأولى، نحو: (واتقوا الذي أمدكم بما تعلمون أمدكم بأنعام وبنين)([306])
    «ب» أو: بأن تكون الجملة الثانية بيانا لإبهام في الجملة الأولى كقوله تعالى (فَوَسوسَ إليه الشيطانُ قال يا آدم هل أدلك على شجرة الخلد) فجملة (قال يا آدم): بيان لما وسوس به الشيطان اليه.
    «جـ» أو: بأن تكون الجملة الثانية مؤكدة للجملة الأولى (بما يشبه أن يكون توكيدا لفظياً أو معنوياً) كقوله تعالى (فمهل الكافرين أمهلهم رويدا) وكقوله تعالى (ومن الناس من يقول آمنا بالله وباليوم الآخر وما هم بمؤمنين يخادعون الله والذين آمنوا) فالمانع من العطف في هذا الموضع اتحادالجملتين اتحاداً تاماً يمنع عطف الشيء على نفسه «ويوجب الفصل».
    الموضع الثاني - «كمال الانقطاع» وهو اختلاف الجملتيت اختلافاً تاماً.
    «أ» بأن يختلفا خبراً وإنشاء: لفظاً ومعناً، أو معنى فقط، نحو: حضر الأمير حفظه الله، ونحو: تكلم إني مصغ اليك – وكقول الشاعر:
    وقال رائدهم أرسوا نزاولها فحتفُ كل امرىء يجري بمقدار([307])
    «ب» أو: بألا تكون بين الجملتين مناسبة في المعنى ولا ارتباط، بل كل منهما مستقل بنفسه – كقولك: عليّ كاتب – الحمام طائر، فاُنه لا مناسبة بين كتابة عليّ وطيران الحمام.
    وكقوله: إنّما المرء بأصغريهِ كل امرىء رهنٌ بما لديه
    فالمانع من العطف في هذا الموضع «أمر ذاتي» لا يمكن دفعه أصلا وهو التباين بين الجملتين، ولهذا وجب الفصل، وترك العطف.
    لأنَّ العطف يكون للربط، ولا ربط بين جملتين في شدَّة التباعد وكمال الانقطاع.
    الموضع الثالث - «شبه كمال الاتصال» وهو كون الجملة الثانية قوية الارتباط
    بالأولى، لوقوعها جواباً عن سؤال يفهم من الجملة الأولى فتُفصلُ عنها، كما يفصل الجواب عن السؤال – كقوله تعالى:
    (وما أبرىءُ نفسي إن النفس لأمارة بالسوء)([308]) – ونحو: قول الشاعر
    زعم العوازل أنني في غمرة صدقوا، ولكن غمرتي لا تنجلي
    «ط» كأنه سئل: أصدقوا في زعمهم أم كذبوا ؟؟ فاجاب: صدقوا» ([309])
    ونحو: السيف اصدق أنباء من الكتب في حدّه الحدّ بين الجدّ واللعبِ
    فكأنه استفَهم، وقال: لمَ كان السيف أصدق؟؟: فأجاب بقوله: في حده: الخ فالمانع من العطف في هذا الموضع وجود الرابطة القوية بين الجملتين فأشبهت حالة اتحاد الجملتين – ولهذا (وجب أيضاً الفصل)
    الموضع الرابع «شبه كمال الانقطاع» وهو أن تُسبق جملة بجملتين يصحُ عطفها على الأولى لوجود المناسبة، ولكن في عطفها على الثانية فساد في المعنى، فيُترك العطف بالمرَّة: دفعاً لتوهّم أنه معطوف على الثانية – نحو
    وتظُن سلمى أنَّني أبغى بها بدلاً أراها في الضلال تَهيمُ
    فجملة «أُراها» يصحّ عطفها على جملة «تظنُ» لكن يمنع من هذا توهّم العطف على جملة «أبغي بها» فتكون الجملة الثالثة من مظنونات سلمى مع أنه غير المقصود – ولهذا امتنع العطف بتاتاً (ووجب أيضاً الفصل).
    والمانع من العطف في هذا الموضع «أمر خارجي احتمالي» يمكن دفعه بمعونة قرينة» - ومن هذا: وممّا سبق، يُفهم الفرق بين كل من «كمال الانقطاع – وشبه كمال الانقطاع»
    «الموضع الخامس – التَّوسط بين الكمالين مع قيام المانع» وهو كون الجملتين مُتناسبتين: وبينهما رابطة قوية – لكن يمنع من العطف مانع، وهو عدم قصد التشريك في الحُكم – كقوله تعالى (وَاذا خَلَوا إلى شياطينهم قالوا إنّا معَكم إنّما نحنُ مُستهزئون الله يستهزىء بهم»
    فجملة «الله يستهزىء بهم» لا يصح عطفها على جملة إنّا معكم» لاقتضائه أنه من مقول المنافقين : والحال أنه من مقولة تعالى «دعاء عليهم» ولا على جملة «قالوا» لئلا يُتوهم مشاركته له في التقييد بالظرف – وأن استهزاء الله بهم مقيد بحال خُلوّهم إلى شياطينهم «والواقع أن استهزاء الله بالمنافقين غيرُ مقيد بحال من الأحوال – ولهذا (وجب أيضاً الفصل)
    تنبيهان
    الأول – لمّا كانت الحال تجىء جملة، وقد تقترن بالواو، وقد لا تقترن فأشبهت الوصل والفصل، ولهذا يجب وصل الجملة الحالية بما قبلها بالواو إذا خلت من ضمير صاحبتها – نحو جاء فؤاد والشمس طالعة([310])
    ويجب فصلها في ثلاثة مواضع
    (1) إذا كان فعلها ماضياً تالياً «إلا» - أو وقع ذلك الماضي قبل «أو» التي للتسوية – نحو ما تكلّم فؤاد إلا قال خيراً – وكقول الشاعر
    كُن للخليل نَصيراً جارَ أو عدلا ولا تَشحّ عليه جاد أو بخلا
    (2) اذا كان فعلها مضارعا مُثباً أو منفياً «بما – أو – لا» نحو: (وجاءوا أباهم عشاء يبكون) ونحو: (وَما لنا لا نؤمن بالله) ونحو:
    عهدتُ: ما تصبو وفيك شبيةٌ فما لكَ بعد الشيب صبَّا مُتيَّما
    (3) إذا كانت جملة اسمية واقعة بعد حرف عطف – أو كانت اسمية مؤكدة لمضمون ما قبلها – كقوله تعالى (فجاءها بأسنا بياتاً أو هم قائلون) وكقوله تعالى (ذلك الكتاب لا ريب فيه هدى للمتقين) ([311])
    الثاني – علم مما تقدّم أن من مواضع الوصل اتفاق الجملتين في الخبرية والانشائية – ولابد مع اتفاقهما من (جهة) بها يتجاذبان، وأمر (جامع) به يتآخذان، وذلك (الجامع): إما – عقلي ([312]) – أو: وهمي ([313]) - أو: خيالي ([314])
    تمرين آخر
    عين أسباب الوصل والفصل في الأمثلة الآتية:
    قال الله تعالى:
    1- «ما اتخذ الله من ولدٍ، وَمَا كان معه من إله، إذا لذهب كل آلة بما خلقَ، ولعلا بعضهم على بعضٍ، سبحان الله عما يصفون».
    2- وقال الله تعالى «قل للمؤمنين يغضوا من أبصارهم، ويحفظوا فروجهم، ذلك أزكى لهم، إن الله خبيرٌ بما يصنعون».
    3- وقال تعالى «له مقاليد السموات والأرض، يبسط الرزق لمن يشاء ويقدرُ، إنه بكل شيء عليم»
    4- وقال تعالى «يسبح لله ما في السموات وما في الأرض، له الملك وله الحمد، وهو على كل شيء قدير» هو الذي خلقكم فمنكم كافرٌ ومنكم مؤمن، والله بما تعملون بصير، خلق السموات والأرض بالحق وصوّركم فأحسن صوركم وإليه المصير، يعلم ما في السموات والأرض، ويعلم ما تسرون وما تعلنون، والله عليم بذات الصدور».
    5- قال أبو العتاهية:
    وإذا ابتليت ببذل وجهك سائلا فابذله للمتكرِّم المفضال
    ما أعتاض باذل وَجهِهِِ بسؤاله عوضا ولو نال الغنى بسؤالِ
    6- وقال:
    من عرف الناسَ في تصرَفهم لم يتتبع من صاحب زللا
    إن أنت كافأتَ من أساء فقد صرتَ إلى مثل سوء ما فعلا
    7- قال أبو تمام:
    أولى البرية حقا أن تُراعيهُ عند السرور الذي آساكَ في الحَزنِ
    إن الكرام إذا ما أيسروا ذكروا من كان يألفهم في المنزل الخشن
    8- وقال المتنبي:
    ذلّ من يغبط الذليل بعيش رب عيش أخفّ منه الحمام
    من يهن يسهل الهوانُ عليه ما لجُرحٍ بميت إيلام
    9- وقال:
    أفاضلُ الناس أغراض لذا الزمن يخلو من الهم أخلاهم من الفطَن
    10- وقال أيضاً:
    إذا نحن شبهناك َ بالبدر طالعاًَ بخسناك حقا أنت أبهى وأجمل
    11- وقال بشار:
    الشيب كُرهٌ وكرهٌ أن يفارقني إعجب لشيء على البغضاء مودودُ
    12- وقال ابو نواس:
    عليك باليأس من الناسِ إن غنَى نفسك في اليأسِ
    وقال المعري:
    إن الشبيبة نارٌ إن أردتَ بها أمراً فبادر انّ الدهر مطفيها
    وقال الطغرائي:
    جامل عدوك ما استطعت َ فانّه بالرفق يُطمعُ في صلاح الفاسد
    وَاحذرِ حسودك ما استطعت فانه إن نمتَ عنه فليس عنك براقد
    اسئلة على الوصل والفصل يطلب اجوبتها
    ما هو الوصل ؟ - ما هو الفصل؟ - كم موضعاً للوصل؟ - كم موضعاً للفصل؟ - ما هو الجامع العقلي؟ - ما هو الجامع الوهمي؟ ما هو الجامع الخيالي ؟ - متى يجب وصل الجملة الحالية بما قبلها ؟ - في كم موضع يجب فصل الجملة الحالية.
    تطبيق عام على الوصل والفصل
    جربت دهري وأهليه فما تركت لي التجارب في ود امرىء غرضاً
    فصلت الثانية، لشبه كما الاتصال، فانها جواب سؤال
    (يسبح له فيها بالغدو والآصال رجال لا تلهيهم تجارة ولا بيع عن ذكر الله).
    فصلت الثانية لشبه كمال الاتصال، فانها جواب سؤال ناشىء مما قبلها.
    فليضحكوا قليلا وليبكوا كثيرا – عطف الجملة الثانية على الأولى لاتفاقهما في الانشاء، مع المناسبة التامة بين المفردات، فان المسند اليه فيهما متحد، والمسند وقيدهما متقابلان.
    (إن الأبرار لفي نعيم وإن الفجار لفي جحيم) – عطف الجملة الثانية على الأولى لاتفاقهما خبراً، لفظاً ومعنى، مع المناسبة التامة بين مفرداتها – فان المسندين المقدرين فيهما متحدان، والمسندان اليهما متقابلان، وقيدهما الأول متحد، والثاني متقابل.
    أشكر الله على السراء بنجيك من الضراء – لم تعطف الثانية على الأولى لكمال الانقطاع، فان الأولى انشائية لفظا ومعنى – والثانية عكسها.
    اصبر على كيد الحسود لا تضجر من مكائده – لم تعطف الثانية على الأولى لكمال الاتصال، فانها مؤكدة لها.
    أنت حميد الخصال – تصنع المعروف وتغيث الملهوف – فصلت الثانية من الأولى لكمال الاتصال، فانها بيان لها، ووصلت الثالثة بالثانية للتوسط بين الكمالين، مع وجود مانع من الوصل.
    تمرين (1)
    بين سر الفصل والوصل فيما يلي:
    (1) أخطُ مع الدهر إذ ا ما خطا وجسر معَ الدهر كما يجري([315])
    (2) لا تدعه إن كنت تنصف نائباً ما هذه الدنيا بدار قرار
    (3) حكم المنية في البرية جاري هو في الحقيقة نائمٌ لا نائب ([316])
    (4) قال لي كيف أنت قلتُ عليل سهر دائم وحزن طويل ([317])
    (5) قالت بليت فما نراك كعهدنا ليت العهود تجددت بعد البلى ([318])
    (6) وترى الجبال تحسبها جامدة ً([319])
    وإنما المرءُ بأصغريه كل امرىء رهن بما لديه
    لا تطلبن بألة لك حاجة قلم البليغ بغير حظ مغزلُ
    (7) يرى البخيل سبيل المال واحدة إن الكريم يرى في ماله سبلا ([320])
    (8) نفسى له نفسى الفداء لنفسه لكنّ بعض المالكين عفيف ([321])
    (9) (ما هذا بشراً إن هذا إلا ملك كريم). ([322])
    (10) (يدبر الأمر يفصّلُ الآيات لقوم يعقلون). ([323])
    (11) (وما ينطق عن الهوى إن هو إلا وحي يوحى علمهُ شديد القوى). ([324])
    (12) (قالوا سلاماً، قال سلام). ([325])
    (13) يهوى الثناء مبَّرز ومقصّر حبُّ الثناء طبيعة الانسان([326])
    (14) (ومن الناس من يقول آمنا بالله وباليوم الآخر وما هم بمؤمنين يخادعون الله).([327])
    (15) (وإذا تتلى عليه آياتنا ولي مستكبراً كأن لم يسمعها كأن في أذنيه وقرا) ([328])
    (16) ألا من يشتري سهراً بنوم سعيد من يبيتُ قرير عين([329])
    (17) فآبوا بالرماح مكسّرات وأبنا بالسيوف قد انحنينا ([330])
    (18) فما الحداثة عن حلم بمانعة قد يوجدا الحلمُ في الشبان والشيب([331])
    (19) يقولون إني أحمل الضيّم عندهم أعوذ بربي أن يُضام نظيري ([332])
    (20) (إنَّ الذين كفروا سواء عليهم أأنذرتهم أم لم تنذرهم لا يؤمنون). ([333])
    (21) فياموتُ زُر إنَّ الحياة ذميمة ويا نفسُ جدِّي إن دهرك هازك ([334])
    (22) (يسومُونكم سُوء العذابِ يُذبحون أبناءكم). ([335])
    (23) (وترى الجبال تحسبها جامدة وهي تمُرُّ مرَّ السحاب) ([336])
    (24) (يُدبرُ الأمر يفصل الآيات)([337])
    (25) (ومن يفعل ذلك يلقَ أثاماً يضاعف له العذاب). ([338])

    البابُ التاسع
    في الايجاز والاطناب والمساواة
    كلُّ ما يجُول في الصدر من المعاني، ويَخطُر ببالك معنى منها لا يعدُو التعبير ([339]) عنه طريقاً من طرق ثلاث:
    أولاً – إذا جاء التعبير على قدر المعنى، بحيث يكون اللفظ مساوياً لأصل ذلك المعنى – فهذا هو «المساواة» -
    وهي الأصل الذي يكون أكثر الكلام على صورته، والدستور الذي يقاس عليه.
    ثانياً – إذا اراد التعبير على قدر المعنى لفائدة، فذاك هو «الإطناب» فإن لم تكن الزيادة لفائدة فهي حشو: أو تطويل.
    ثالثا- إذا نقص التعبير على قدر المعنى الكثير، فذلك هو «الايجاز» ([340])
    فكلِّ ما يخطر ببال المتكلم من المعاني فله في التعبير عنه بإحدى هذه الطرق الثلاث، فتارةً (يوجزُ) وتارة (يُسهبُ)، وتارة يأتي بالعبارة (بين بين) ولا يُعدّ الكلام في صورة من هذه الصور بليغاً: إلا إذا كان مطابقاً لمُقتضى حال المخاطب، ويدعو اليه مواطن الخطاب، فاذا كان المقام للأطناب مثلا، وعدلت عنه إلى: الايجاز، أو المساواة لم يكن كلامك بليغاً- وفي هذا الباب ثلاثة مباحث.
    المبحث الاول
    في الإيجاز وأقسامه
    الايجاز – هو وضع المعاني الكثيرة في ألفاظ أقل ([341]) منها، وافية بالغرض المقصود، مع الإبانة والإفصاح، كقوله تعالى (خذ العفو وأمرُ بالعرف وأعرض عن الجاهلين)
    فهذه الآية القصيرة جمعت مكارم الأخلاق بأسرها – وكقوله تعالى (ألا لهُ الخلقُ والأمر) وكقوله عليه الصلاة والسلام «إنّما الأعمال بالنِّيات» فاذا لم تف العبارة بالغرض سمى «إخلالا وحذفاً رديئا» كقول اليشكري
    والعيش خيرٌ في ظلا ل النوك ممّن عاش كدا
    «مرادهُ: أنّ العيشَ الناعم الرغد في حال الحُمق والجهل، خيرٌ من العيش الشاق في حال العقل» لكن كلامه لا يُعدّ صحيحاً.
    مقبولا وينقسم الإيجاز إلى قسمين، إيجاز قصرٍ ([342]) وإيجاز حذف (فإيجاز القصر) «ويسمى إيجاز البلاغة» يكون بتضمين المعاني الكثيرة في ألفاظ قليلة من غير حذف، كقوله تعالى (ولكم في القصاص حياة)، فان معناه كثير، ولفظه يسير، إذ المراد بأن الانسان إذا علم أنه متى قتل قُتل: امتنع عن القتل، وفي ذلك حياته وحياة غيره، لأن القتل أنفى للقتل ([343]) وبذلك تطول الأعمار، وتكثر الذرية، ويقبل كل واحد على ما يعود عليه بالنفع، ويتم النظام، ويكثر العمران
    فالقصاص: هو سبب ابتعاد الناس عن القتل، فهو الحافظ للحياة وهذا القسم مطمح نظر البلغاء، وبه تتفاوت أقدارهم، حتى أن بعضهم سُئل عن (البلاغة) فقال: هي «إيجاز القصر» وقال أكثم بن صيفي خطيب العرب «البلاغة الإيجاز» (وايجاز الحذف) يكون بحذف شيء من العبارة لا يخلّ بالفهم، عند وجود ما يدل على المحذوف، من قرينة لفظية _ أو معنوية وذلك المحذوف – إما أن يكون.
    (1) حرفاً – كقوله تعالى (ولم أكُ بغياً) – أصله: ولم اكن ([344])
    (2) أو إسماً مضافاً نحو – (وجاهدوا في الله حق جهاده) أي: في سبيل الله
    (3) أو إسما مضافاً اليه – نحو (وَوَاعدنا موسى ثلاثين ليلة وأتممناها بعشر) ْي: بعشر ليال.
    (4) أو إسما موصوفاً – كقوله تعالى (ومن تاب وعمل صالحاً) أي: عملا صالحاً.
    (5) أو إسما صفةً – نحو (فزادتهم رجساً إلى رجسهم) أي: مضافا إلى رجسهم.
    (6) أو شرطاً – نحو (اتبعوني يحببكم الله) أي: فان تتبعوني.
    (7) أو جواب شرط – نحو (ولو ترى إذ وقفوا على النار) أي: لرأيت أمراً فظيعاً.
    (8) أو مسنداً – نحو (ولئن سألتهم من خلق السموات والأرض ليقولن الله) أي: خلقهن الله.
    (9) أو مسنداً اليه – كما في قول حاتم
    أماوى ما يغني الثراء عن الفتى إذا حشرجت يوماً وضاق بها الصدر
    أي إذا حشرجت النفس يوماً
    (10) أو مُتعلقا – نحو: (لا يُسأل عما يفعل وهم يسألون) أي عمّا يفعلون
    (11) أو جملة – نحو (كان الناسُ امةً واحدة فبعث الله النبيين) أي فاختلُفوا: فبعث.
    (12) أو جُمَلا – كقوله تعالى (فأرسلون يوسف أيها الصديقُ) ([345])
    أي فأرسلوني إلى يوسف لأستعبره الرؤيا، فأرسلوه فأتاه، وقال له: يوسف والعلم أنّ دواعي الإيجاز كثيرة- منها الاختصار، وتسهيل الحفظ وتقريب الفهم، وضيق المقام، وإخفاء الأمر على غير السَّامع، والضجر والسآمة، وتحصيل المعنى الكثير باللفظ اليسير – الخ.
    ويُستحسن «الإيجاز» في الاستعطاف، وشكوى الحال، والاعتذارات والتعزية، والعتاب، والوعد، والوعيد – والتوبيخ، ورسائل طلب الخراج، وجباية الأموال، ورسائل الملوك في أوقات الحرب إلى الولاة والأوامر: والنواهي الملكية، والشكر على النعم.
    ومرجعك في ادراك أسرار البلاغة إلى الذوق الأدبي والإحساس الروحي
    المبحث الثاني
    في الإطناب وأقسامه
    الإطناب: زيادة اللفظ على المعنى لفائدة، أو هو تأدية المعنى بعبارة زائدة عن متعارف أوساط البلغاء: لفائدة تقويته وتوكيده – نحو (رب إني وهنَ العظم مني واشتعل الرأس شيبا) – أي: كبرتُ فاذا لم تكن في الزيادة فائدة، يسمى «تطويلا» إن كانت الزيادة في الكلام غير متعينة.
    ويسمى «حشواً» إن كانت الزيادة في الكلام متعينة لا يفسد بها المعنى فالتطويل – كقول عدي العبادي: في جذيمةَ الأبرش
    وقدَّدت الأديم لراهشيه وألفى قولها كذباً وميناَ ([346])
    فالمينُ والكذب بمعنى واحد. ولم يتعين الزائد منهما، لأن العطف بالواو: لا يفيد ترتيباً ولا تعقيباً ولا معية، فلا يتغير المعنى باسقاط أيهما شئت والحشو – كقول زهير بن أبي سلمى:
    وأعلمُ علم اليوم والأمس قبله ولكنني عن علم ما في غد عمي ([347])
    وكل من الحشو والتطويل معيبٌ في البيان، وكلاهما بمعزل عن مراتب البلاغة
    واعلم ان دواعي الاطناب كثيرة، منها تثبيت المعنى، وتوضيح المراد والتوكيد، ودفع الايهام، وإثارة الحمية – وغير ذلك وأنواع الاطناب كثيرة ([348])
    (1) منها – ذكر الخاص بعد العام: كقوله تعالى (حافظوا على الصلوات والصلاة الوسطى) وفائدته التنبيه على مزية: وفضلٍ في الخاص حتى كأنه لفضله ورفعته، جزءٌ آخرُ، مغاير لما قبله ولهذا خص الصلاة الوسطى (وهي العصر) بالذكر لزيادة فضلها.
    (2) ومنها – ذكر العام بعد الخاص: كقوله تعالى ([349]) (رب اغفر لي ولوالدي ولمن دخل بيتي مؤمنا وللمؤمنين والمؤمنات)
    وفائدته شمول بقية الأفراد، والاهتمام بالخاص لذكره ثانياً في عنوان عام، بعد ذكره أولا في عنوان خاص.
    (3) ومنها – الإيضاح بعد الإبهام، لتقرير المعنى في ذهن السامع بذكره مرتين، مرة على سبيل الإبهام والأجمال، ومرّة على سبيل التفصيل والإيضاح، فيزيده ذلك نبلا وشرفاً كقوله تعالى: (يأيها الذين آمنوا هل أدلكم على تجارة تنجيكم من عذاب أليم تؤمنون بالله ورسوله وتجاهدون في سبيل الله بأموالكم وأنفسكم) – وكقوله تعالى (وقضينا إليه ذلك الأمر أن دابر هؤلاء مقطوعٌ مصبحين) فقوله (أن دابر هؤلاء) تفسير وتوضيح لذلك (الأمر) المبهم وفائدته توجيه الذهن إلى معرفته، وتفخيم شأن المبين، وتمكينه في النفس فأبهم في كلمة (الأمر) ثم وضحه بعد ذلك تهويلا لأمر العذاب.
    (4) ومنها – التوشيع: وهو أن يؤتى في آخر الكلام بمثنى مفسر بمفردين ليُرى المعنى في صورتين، يخرج فيهما من الخفاء المستوحش إلى الظهور المأنوس، نحو: العلم علمان، علم الأبدان، وعلم الأديان.
    (5) ومنها – التكرير – وهو ذكر الشيء مرتين أو أكثر – لأغراض
    الأوّل – التأكيد وتقرير المعنى في النفس كقوله تعالى (كلا سوف تعلمون ثم كلا سوف تعلمون)([350]) وكقوله تعالى (فانَّ مع العُسر يُسراً إن مع العُسر يُسراً)
    الثاني – طول الفصل – لئلا يجىء مبتوراً ليس له طلاوة كقوله تعالى «يا أبتِ إني رأيت أحد عشر كوكباً والشمس والقمر رايتهم لي ساجدين»، فكّرر (رأيت) لطول الفصل – ومن هذا قول الشاعر:
    وإنَّ امرأ دامت مواثيق عهده على مثل هذا إنه لكريمُ ([351])
    الثالث – قصد الاستيعاب: نحو – قرأت الكتاب باباً باباً – وفهمته كلمة كلمة
    الرابع – زيادة الترغيب في العفو – كقوله تعالى (إنّ من أزواجكم وأولادكم عدوا لكم فاحذروهم، وإن تعفو وتصفحوا وتغفروا فإن الله غفور رحيم)
    الخامس – الترغيب في قبول النصح باستمالة المخاطب لقبول الخطاب كقوله تعالى (وقال الذي آمن يا قوم اتبعون أهدكم سبيل الرشاد يا قوم إنما هذه الحياة الدنيا متاعٌ وإن الآخرة هي دار القرار) – ففي تكرير (يا قوم) تعطيف لقلوبهم، حتى لا يشكوا في إخلاصه لهم في نصحه.
    السادس – التنويه بشأن المخاطب: نحو – إن الكريم ابن الكريم ابن الكريم يوسف بن يعقوب بن ابراهيم.
    السابع – الترّديد: وهو تكرار اللفظ متعلقاً بغير ما تعلق به أولا نحو – السخي: قريب من الله، قريب ٌ من الناس، قريب من الجنة والبخيل: بعيدٌ من الله، بعيدٌ من الناس، بعيدٌ من الجنة.
    الثامن – التلذذ بذكره، نحو قول مروان بن أبي حفصة
    سقى الله نجداً والسلام على نجد وياحبذا نجد على القُرب والبعد
    التاسع – الارشاد إلى الطريقة المثلى، كقوله تعالى (أولى لك فأولى ثمّ أولى لك فأولى)
    (6) ومنها – الاعتراض لغرض يقصده المتكلم – وهو أن يؤتى في اثناء الكلام، أو بين كلامين متَّصلين في المعنى، بجملة معترضة: أو أكثر، لا محل لها من الاعراب ([352])
    وذلك لأغراض يرمي إليها البليغ – غيرَ دَفع الإيهام
    (أ) كالدعاء – نحو: إني «حفظك الله» مريضٌ.
    وكقول عوف بن محلم الشيباني
    إن الثمانين وبُلغتها قد أحوجت سمعي إلى ترجمان ([353])
    (ب) والتنبيه على فضيلة العلم – كقول الآخر
    واعلم فعلمُ المرء ينفعُه أن سوف يأتي كل ما قُدرا
    (جـ) والتّنزيه – كقوله تعالى (ويجعلون لله البنات سبحانه ولهم ما يشتهون)
    (د) وزيادة التأكيد – كقوله تعالى (وَوَصينا الإنسان بوالديه حملته امه وهنا على وهن وفصاله في عامين أن اشكر لي ولولديكَ إليَّ المصير)
    (هـ) والاستعطاف – كقول الشاعر:
    وخفوقِ قلب لو رأيت لهيبه يا جنّتي لرأيت فيه جهنَّما
    (و)والتهويل – نحو (وإنه لقسم لو تعلمون عظيم)
    (7) ومنها الإيغال – وهو ختم الكلام بما يُفيد نُكتة، يتم المعنى بدونها- كالمبالغة: في قول الخنساء:
    وإن صخرا لتأتم الهداة به كأنه علمٌ في رأسه نارُ
    فقولها: «كأنه علم» وافٍ بالمقصود، لكنها أعقبته بقولها «في رأسه نار«لزيادة المبالغة، ونحو: قوله تعالى (والله يرزق من يشاء بغير حساب).
    (8) ومنها التذييلُ – وهو تعقيب جملة بجملة أخرى مستقلّة، تشتمل على معناها، تأكيداً لمنطوق الأولى، أو لمفهومها - ([354]) نحو: قوله تعالى (وقل جاء الحق وزهق الباطل إن الباطل كان زهوقا).
    ونحو: قوله تعالى (ذلكَ جزيناهم بما كفروا وهل نجازي إلا الكفور)
    والتَّذييلُ «قسمان» قسمٌ يستقلُّ بمعناه، لجريانه مجرى المثل وقسمٌ لا يستقل بمعناه، لعدم جريانه مجرى المثل، فالأول: الجاري مجرى الأمثال، لاستقلال معناه، واستغنائه عما قبله كقول طرفةَ:
    كلُّ خليل قد كنت خاللته لا ترك الله له واضحه
    كلّكم أروغُ من ثعلب ما أشبه الليلة بالبارحة
    والثاني: غير الجاري مجرى الأمثال، لعدم استغنائه عمّا قبله، ولعدم استقلاله بافادة المعنى المراد، كقول النّابغة:
    لم يُبق جُودك لي شيئاً أؤمِّلهُ تركَتني أصحب الدنيا بلا أملِ
    فالشطر الثاني: مؤكد للأول، وليس مستقلا عنه، فلم يجر مجرى المثل.
    (9) ومنها الاحتراس – ويقال له التكميل، وهو أن يُؤتى في كلام يوهم خلاف المقصود، بما يدفع ذلك الوهم)
    فالاحتراس: يوجد حينما ياتي المتكلم بمعنى، يمكن أن يدخل عليه فيه لومٌ، فيفطن لذلك: ويأتي بما يخلّصه، سواء أوقع الاحتراس في وسط الكلام.
    كقول طرفة بن العبد:
    فَسَقى ديارَك غير مُفسدها صوبُ الرَّبيع وَديمَةٌ تهمى ([355])
    فقوله: غير مفسدها: للاحتراس
    أو وقع الاحتراس في آخره، نحو: (ويُعمون الطعام على حبه أي: مع حب الطعام: واشتهائهم له، وذلك أبلغ في الكرم، فلفظ على حبه فضلة للاحتراس ولزيادة التحسين في المعنى، وكقول أعرابية لرجل (أذلَّ الله كل عدوّ لك إلا نفسك).
    (10) ومنها التَّتميم – وهو زيادةُ فضلة، كمفعول – أو حال أو تمييز – أو جار ومجرور، توجد في المعنى حُسنا بحيث لو حذفت صار الكلام مبتذلا كقول ابن المعتز يصف فرساً
    صَببنا عليها (ظالمين) سياَطنا فطارت بها أيد سراعٌ وأرجلُ
    إذ لو حذف (ظالمين) لكان الكلام مُبتذلا، لا رقة فيه ولا طلاوة وتوهَّم أنها بليدة تستحق الضرب، ويُستحسن الإطناب في الصلح بين العشائر، والمدح، والثناء، والذّم والهجاء، والوعظ، والإرشاد، والخطابة: في أمر من الأمور العامة، والتهنئة ومنشورات الحكومة إلى الأمة، وكتب الولاة إلى الملوك، لاخبارهم بما يحدث لديهم من مَهام الأمور، وهناك أنواع أخرى من الإطناب، كما تقول في الشيء المستبعد: رأيته بعيني، وسمعته بأدنى، وذقته بفمي: تقول ذلك لتأكيد المعنى وتقريره.
    وكقوله تعالى (فخرّ عليهم السَّقفُ من فوقهم) والسقف لا يخر طبعاً إلا من فوق، ولكنه دلّ بقوله (من فوقهم) على الإحاطة والشمول واعلم: أن الأطناب أرجحُ عند بعضهم من الإيجاز، وحُجَته في ذلك أن المنطق إنما هو البيان، والبيان لا يكون الا بالاشباع، والإشباع لا يقع إلا بالإقناع، وأفضل الكلام أبينُه، وأبينُه أشده إحاطة بالمعاني – ولا يحاط بالمعاني إحاطة تامة،إلا بالاستقصاء والاطناب.
    والمختار: أن الحاجة إلى كل من الاطناب، والإيجاز، ماسة: وكل موضع لا يسدّ أحدهما مكان الآخر فيه
    وللذوق السليم: القول الفصل في موطن كلٍ منهما.
    المبحث الثالث
    في المُساواة
    المُساواة – هي تأديةُ المعنى المراد: بعبارة مساوية له ([356]) – بأن تكون الألفاظ على قدر المعاني، لا يزيد بعضها على بعض، ولسنا بحاجة إلى الكلام على المساواة، فإنها هي الأصل المقيس عليه، والدستور الذي يُعتمد عليه، كقوله تعالى (وما تقدموا لأنفسكم من خير تجدوه عند الله)، وكقوله تعالى (كل امرىء بما كسب رهين) وكقوله تعالى (من كفر فعليه كُفره)، وكقوله صلى الله عليه وسلم (إنما الأعمال بالنيات وإنما لكل امرىء ما نوى) فإن اللفظ فيه على قدر المعنى، لا ينقص عنه، ولا يزيد عليه، وكقول طرفةَ بن العبد:
    ستُبدى لك الأيام ما كنت جاهلا ويأتيك بالأخبار من لم تزَود
    هذه أمثلة للمساواة، لا يستغنى الكلام فيها عن لفظ منه، ولو حُذف منه شيء لأخلّ بمعناه.
    اسئلة على الايجاز والاطناب والمساواة تطلب أجوبتها
    ما هي المساواة؟ - ما هو الايجاز ؟ - ما هو الاطناب ؟ - كم قسما للإيجاز ؟ - ما هو إيجاز القصر؟ - ما هو ايجاز الحذف؟ بأي شيء يكون إيجاز الحذف؟ كم قسما للإطناب، ؟ ما هو ذكر الخاص بعد العام؟ ما هو ذكر العام بعد الخاص؟ ما هو الايضاح بعد الابهام؟ ما هو التكرار؟ ماهو الاعتراض؟. ما هو الايغال؟ ما هو التوشيع؟ ما هو الذييل ؟ ما هو التكميل؟ ما هو التتميم؟ ما هو الاحتراس؟ ماهو الفرق بين التطويل والحشو؟ ما هي دواعي الايجاز؟ ما هي دواعي الاطناب كم قسما للتذييل؟ أيكون الاطناب بغير هذه الانواع.
    تطبيق عام على الايجاز والاطناب والمساواة
    درست الصرف – فيه مساواة: لأن اللفظ على قدر المعنى – (ويطعمون الطعام على حبه مسكينا ويتيما وأسيرا) فيه اطناب بالتتميم: فان (على حبه) فضلة لزيادة التحسين في المعنى (ولا يحيق المكر السيء إلا بأهله) – فيه مساواة.
    المرء بأدبه – فيه إيجاز قصر: لتضمن العبارة القصيرة معاني كثيرة (تالله تفتأ تذكر يوسف) – فيه ايجاز حذف وهو لا، (وأوحينا إلى موسى أن اضرب بعصاك البحر فانفلق) – فيه إيجاز حذف جملة أي فضرب فانفلق، ألا كل شيء ما خلا الله باطل – فيه اطناب بالاحتراس:
    إذا أنت لم تشرب مرارا على القذى ظمئت وأي الناس تصفو مشاربه
    فيه الاطناب بالتذييل، والجملة الثانية جارية مجرى المثل.
    جوزى المذنب بذنبه وهل يجازي الا المذنب، فيه إطناب بالتذييل، وليس جاريا مجرى المثل، (ومن يعمل من الصالحات وهو مؤمن فلا كفران لسعيه) – فيه أطناب بالاحتراس البخيل بعيد من الله بعيد من الناس بعيد من الجنة – فيه أطناب بالترديد ولكن البر من اتقى – فيه ايجاز حذف مضاف – أي ذا البر.
    واهتم للسفر القريب فانه أنأى من السفر البعيد وأشنع
    فيه إطناب بالايغال، فان (أشنع) مزيدة للترتيب في الاهتمام.
    (خلطوا عملا صالحا وآخر)، فيه ايجا سيئاز حذف – أي خلطوا عملا صالحا يسيء وعملا سيئا بصالح (والليل اذا يسر) – فيه ايجاز بحذف الياء، وسبب حذفها ان الليل لما كان غير سار وانما يسرى من فيه، نقص منه حرف اشارة الى ذلك جريا على عادة العرب في مثل ذلك (ليحق الحق ويبطل الباطل) – فيه ايجاز بحذف جملة – أي فعل ذلك.

    تمرين
    بين الايجاز، والاطناب والمساواة: وأقسام كل منها فيما يأتي:
    قال الله تعالى (إنَّ في خلق السموات والأرض واختلاف الليل والنهار، والفلك التي تجري في البحر بما ينفع الناس وما أنزل الله من السماء من ماء فأحيا به الأرض بعد موتها وبث فيها من كل دابة وتصريف الرِّياح والسحاب المُسخر بين السماء والأرض لآيات لقومٍ يعقلون) ([357]))
    وقال تعالى (خُذ العَفو وأمر بالعرف واعرض عن الجاهلين) ([358])
    وقال تعالى (يأخذ كل سفينة ([359]) غصبا)
    أنا ابن جلا ([360]) وطلاَّع الثنايا متى أضع العمامة تعرفوني
    (فالله هو الولي) ([361]) (وإن يُكذبوك فقد كذبت رسل من قبلك) ([362])
    فقلت يمينُ الله أبرح([363]) قاعداً ولو قطعوا رأسي لديك وأوصالي
    شيخ يرى الصلوات الخمس نافلة ويستحل دم الحجاج في الحرم ([364])
    وقال تعالى: (تطمئن قلوبهم بذكر الله ألا بذكر الله تطمئن القلوب) ([365])
    وقال تعالى: (ومن اراد الآخرة وسعى لها سعيها وهو مؤمن ([366]) فأولئك كان سعيهم مشكورا) – وقال الشاعر
    لله لذة عيش بالحبيب مضت ولم تدم لي وغير الله لم يدم ([367])
    وقال تعالى (وأدخل يدك في جيبك تخرج بيضاء من غير سوء) ([368])
    وقال تعالى (ويؤثرون على أنفسهم ولو كان بهم خصاصة)
    وقال تعالى (فلا أقسم بمواقع النجوم وإنه لقسم لو تعلمون عظيم) ([369])
    حليم إذا ما الحلم زين لأهلة مع الحلم في عين العدو مهيب ([370])
    أتى الزمان بنوه في شبيبته فسرَّهم واتيناهُ على هرم ([371])
    وألفيته بحراً كثيرا فُضوله جواد متى يذكر له الخير يزدد ([372])
    فإن كنت لا تستطيع دفع منيتي فذرني أبادرها بما ملكت يدي
    ما أحسن الأيام إلا أنها يا صاحبي إذا مضت لم ترجع
    ولست بمستبقٍ أخاً لا تلمه على شعث أيُ الرجال المهذب
    تأمل من خلال السجف وانظر بعينك ما شربتُ ومن سقاني
    تجد شمس الضحى تدنو بشمسٍ إلى من الرَّحيق الخسرواني
    خاتمة
    علمت أن البلاغة متوقفة على مطابقة الكلام لمقتضى الحال، ورأيت في ما تقدم من الأحكام، أن مقتضى الحال يجري على مقتضى الظاهر وهذا بالطبع هو الأصل، ولكن قد يُعدل عمّا يقتضيه الظاهر إلى خلافه، مما تقتضيه الحال في بعض مقامات الكلام، لاعتبارات يراها المتكلم وقد تقدَّم كثير من ذلك العدول (المسمّى باخراج الكلام على خلاف مقتضى الظاهر) في الأبواب السابقة:
    وبقى من هذا القبيل أنواع أخرى كثيرة:
    الأول – الالتفات: وهو الانتقال من كل من التكلم – أو الخطاب أو الغيبة – إلى صاحبه، لمقتضيات ومناسبات تظهر بالتأمل في مواقع الالتفات، تفنناً في الحديث، وتلويناً للخطاب، حتى لا يمل السّامع من التزام حالة واحدة، وتنشيطا وحملا له على زيادة الاصغاء: «فان لكل جديد لذة» ولبعض مواقعه لطائف، ملاكُ إدراكها الذوق السليم، واعلم أن صور العدول إلى الالتفات ستة.
    (1) عدول من التَّكلم إلى الخطاب – كقوله تعالى (ومالي لا أعبد الذي فطرني وإليه ترجعون) والقياس «واليه أرجع»
    (2) عدولٌ من التكلّم الى الغيبة – كقوله تعالى (ياعبادي الذين أسرفوا على أنفسهم لا تقنطوا من رحمة الله)
    (3) عدول من الخطاب إلى التّكلم – كقوله تعالى (واستغفروا ربكم ثم توبوا إليه إن ربي رحيم ودود)
    (4) عدول من الخطاب إلى الغيبة – كقوله تعالى (ربنا إنكَ جامع الناس ليوم لا ريب فيه إن الله لا يخلف الميعاد)
    (5) عدول من الغيبة إلى التّكلم – كقوله تعالى (وهو الذي أرسل الرياح بشرى بين يدي رحمته وأنزلنا من السماء ماءً طهورا)
    والقياس «وأنزل».
    (6) عدول من الغيبة الى الخطاب – كقوله تعالى (وإذ أخذنا ميثاق بني إسرائيل لا تعبدون إلا الله)
    الثاني – تجاهل العارف، وهو سوق المعلوم مساق المجهول، بأن يجعل العارف بالشيء نفسه جاهلاً به، وذلك لأغراض.
    (1) كالتعجب – نحو قوله تعالى (أفسحر هذا أم أنتم لا تبصرون)
    (2) والمبالغة في المدح – نحو، وجهك بدر أم شمس.
    (3) والمبالغة في الذَّم – كقول الشاعر:
    وما أدرى وسوف إخالُ أدرى أقومٌ آلُ حصن أم نساء
    (4) والتوبيخ وشدة الجزع – كقول الشاعر
    أيا شجر الخابور مالك مورقا كانكَ لم تجزع على ابن طريف ([373])
    (5) وشدّة الوله – كقول الشاعر:
    بالله يا ظبيات القاع قلن لنا ليلاى منكنَّ أم ليلى من البشر
    (6) والفخر – كقوله
    أيُّنا تعرف المواقف منه وثبات على العدا وثباتا
    الثالث القلب - ([374]) وهو جعل كل من الجزأين في الكلام مكان صاحبه، لغرض المبالغة – نحو: قول رؤبة بن العجاج.
    ومهمهٍ مُغبرةٍ أرجاؤهُ كأنَّ لونَ أرضه سماؤه([375])
    أي: كأنّ لون سمائه لغبرتها لون أرضه، مبالغة في وصف لون السماء بالغُبرة، حتى صار بحيث يشبه به لون الأرض.
    ونحو: أدخلت الخاتم في أصبعي: والقياس «أدخلت أصبعي في الخاتم» وعرضت الناقة على الحوض.
    الرابع – التعبير عن المضارع بلفظ الماضي – وعكسه، فمن أغراض التعبير عن المضارع بلفظ الماضي.
    «أ» التنبيه على تحقّق وقوعه – نحو: (أُتى أمرُ الله) – أي: يأتي.
    «ب» أو قرب الوقوع – نحو: قد قامت الصلاة – أي: قرب القيام لها.
    «جـ» والتفاؤل – نحو: إن شفاك الله تذهب معي.
    «د» والتعريض – نحو: قوله تعالى: (لئن أشركت لحبطن عملك)
    فيه تعريض للمشريكن بأنهم قد حبطت أعمالهم.
    ومن أغراض التعبير عن الماضي بلفظ المضارع.
    «أ» حكاية الحالة الماضية باستحضار الصورة الغريبة في الخيال([376])
    كقوله تعالى (الله الذي أرسل الرياح فتثيرُ سحاباً) بدل – فأثارت.
    «ب» وإفادة الاستمرار فيما مضى – كقوله تعالى: (لو يطيعكم فيكثير من الأمر لعنتم) أي: لو استمرَّ على إطاعتكم لهلكتم.
    الخامس – التعبير عن المستقبل بلفظ اسم «الفاعل»
    نحو: قوله تعالى (إن الدِّين لواقع) أو بلفظ اسم «المفعول» نحو: قوله تعالى (ذلك يوم مجموع له الناس) وذلك: لأن الوصفين المذكورين حقيقة في الحال، مجاز فيما سواه.
    السادس – يوضع المضمر موضع المظهر، خلافاً لمقتضى الظاهر، ليتمكن ما بعده في ذهن السامع، نحو: هو الله عادل، ويوضع المظهر موضع المضمر لزيادة التمكين نحو: خير الناس من نفع الناس.
    أو لإلقاء المهابة في نفس السّامع، كقول الخليفة (أمير المؤمنين يأمر بكذا) (أي: انا آمر)
    أو للاستعطاف – نحو: أيأذن لي مولاي أن أتكلم (أي: أتأذن)
    السابع – التغليب: وهو ترجيح أحد الشيئين على الآخر في اطلاق لفظه عليه ([377]) وذلك.
    (1) كتغليب المذكر على المؤنث، في قوله تعالى (وكانت من القانتين) وقياسه (القانتات)
    ونحو: الأبوين – (للأب والأم) – والقمرين (للشمس والقمر).
    (2) وكتغليب الأخف على غيره – نحو: الحسنين (في الحسن والحسين)
    (3) وكتغليب الاكثر على الأقل – كقوله تعالى (لنخرجنّك يا شعيب والذين آمنوا من قريتنا أو لتعودُن في ملَّتنا)
    أدخل (شُعيب) في العود إلى ملَّتهم، مع أنه لم يكن فيها قطّ، ثم خرَج منها وعاد، تغليباً للأكثر.
    (4) وكتغليب العاقل على غيره، كقوله تعالى (الحمد لله رب العالمين) وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وأصحابه أجمعين..
    تم علم المعاني «ويليه علم البيان» والله المستعان أولا وآخرا


    _________________


    قناتي على موقع يوتيوب :
    https://www.youtube.com/channel/UCm8N-tHwIFM7hPnwtLrBMpg
    مدونتي:
    https://ahmed26413.blogspot.com.eg/

    أحمد
    إدارة ثمار الأوراق
    إدارة ثمار الأوراق

    عدد الرسائل : 16657
    الموقع : القاهرة
    نقاط : 38587
    تاريخ التسجيل : 17/09/2008

    رد: جواهر البلاغة في المعاني والبيان والبديع للسيد أحمد الهاشمي

    مُساهمة من طرف أحمد في السبت أبريل 13, 2013 5:31 am

    علم البيان
    (1) البيان([378]) لغة – الكشف، والإيضاح، والظهُّور([379]) واصطلاحاً – أصولٌ وقواعدُ، يعرف([380]) بها إيرادُ المعنى الواحد، بطرق يختلف بعضُها عن بعض، في وُضوح الدّلالة العقلية على نفس ذلك المعنى، فالمعنى الواحد: يُستطاع أداؤه بأساليب مُختلفة، في وضوح الدّلالة عليه فانك: تقرأ في بيان فضل (العلم) مثلا – قول الشاعر:
    (1) العلم ينهض بالخسيس إلى العلى والجهل يقعد بالفتى المنسوب
    ثم تقرأ في المعنى نفسه، كلام الامام (علي) كرم الله وجهه.
    (2) العلم نهرٌ، والحكمة بحر.
    (3) والعلماء حول النهّر يطوفون.
    (4) والحكماء وسط البحر يغوصون.
    (5) والعارفون في سفن النّجاة يسيرون.
    فتجد: أنّ بعض هذه التراكيب أوضحُ من بعض، كما تراه يضع أمام عينيك مشهداً حسياً، يقرِّب إلى فهمك ما يُريد الكلام عنه من فضل (العلم).
    فهو: يُشبّهه بنهر، ويشبِّه الحكمة ببحر.
    ويصور لك أشخاصاً طائفين حول ذلك النهر - «هُم العلماء» ويُصور لك أشخاصاً غائصين وسط ذلك البحر - «هم الحكماء» ويصور لك أشخاصاً راكبين سفُناً ماخرة في ذلك البحر للنَّجاة من مخاطر هذا العالم - «هم أرباب المعرفة»
    و لا شك: أن هذا المشهد البديع: يستوقف نظرك، ويستثير اعجابك من شدَّة الرّوعة والجمال المُستمدّة من التشبيه، بفضل (البيان) الذي هو سر البلاغة.
    «ب» وموضوع هذا العلم الألفاظ العربية، من حيث، التشبيه، والمجاز والكناية.
    «جـ» وواضعه (أبو عبيدة الذي دونَ مسائل هذا العلم في كتابه المُسمَّى «مجاز القرآن» وما زال ينمو شيئاً فشيئاً، حتى وصل إلى الامام «عبد القاهر» فأحكم أساسه، وشيَّدَ بناءه، ورتَّب قواعده، وتبعه (الجاحظ، وابن المعُتزّ، وقُدامَة، وأبو هلال العسكري)
    «د» وثمرته الوقوف على أسرار كلام العرب «منثورِه ومنظومِه» ومعرفة ما فيه من تفاوُت في فنون الفصاحة، وتبايُن في درجات البلاغة التي يصل بها إلى مرتبة إعجاز (القرآن الكريم) الذي حار الجنًّ والإنسُ في مُحاكاته – وعجزوا عن الإتيان بمثله.
    وفي هذا الفن أبواب – ومباحث.

    الباب الأول
    في تقسيم الكلام إلى خبر وإنشاء
    «وفي هذا الباب ثلاثة مباحث»
    المبحث الأول في حقيقة الخبر
    ألخبرُ: كلامٌ يحتملُ الصدق والكذب لذاته ([381])
    وإن شئت فقل «الخبرُ هو ما يتحقّق مدلولهُ في الخارج بدون النطق به» نحو: العلم نافعٌ، فقد أثبتنا صفة النَّفع للعلم، وتلك الصَّفة ثابتة له (سواء تلفظت بالجملة السابقة أم لم تتلفّظ) لأن نفع العلم أمرٌ حاصل في الحقيقة والواقع، وإنما أنت تحكى ما اتَّفق عليه الناس قاطبة، وقضت به الشرائع، وهدت إليه العقولُ، بدون نظر إلى إثبات جديد.
    والمراد: بصدق الخبر مُطابقته للواقع ونفس الأمر
    والمراد بكذبه عدم مطابقته له، فجملة: العلم نافع – ان كانت نسبتُه الكلاميَّة (وهي ثبوت النفع وأركان التشبيه أربعة.
    (1) المُشبه: هو الأمر الذي يُراد الحاقه بغيره
    (2) المُشبه به: هو الأمر الذي يلحق به المشبه
    (3) وجه الشبه: هو الوصف المشترك بين الطرفين، ويكون في المشبه به، أقوى منه في المشبه – وقد يُذكر وجه الشبه في الكلام، وقد يُحذف كما سيأتي توضيحه.
    (4) أداة التشبيه: هي اللفظ الذي يدلُ على التشبيه، ويربط المشبّه بالمشبّه به، وقد تَذكر الأداة في التشبيه، وقد تحذف، نحو: كان عمرُ في رعيَّته كالميزان في العدل، وكان فيهم كالوالد في الرحمة والعطف.
    تمرين
    على التشبيه وبيان أركانه الأربعة
    جادها الغيثُ على غُصن نَضر
    ق سواء جهولهم والعليم
    وشبيهُ البَدر حُسنا
    في سوادٍ قد تثنَّى
    ر ولكن لا تستجيب دعائي
    ما فيه للعاشق المسكين تدبير
    ولاتكُ في التغيب كالهلال
    أعز شيء ولا يعطيك تعويضاً
    وكالصّخر إذ تهوى وكالماء في الجرى
    ويومُ إعراضه في الطول كالحِججِ
    غصُنُ عذار بدا
    أبيض مثل الهُدى
    وجزى الله كل خير لساني
    ووجدت اللسان ذا كتمانِ
    فاستدلوا عليه بالعُنوان
    لأنه لا يُملُ
    وهو الأمير الأجَلُ
    حتى إذا عاد ذلّوا


    أنت كالوردة لمساً وشذاً
    إنما الناس كالسَّوائم في الرِّز
    أنت مثل الغصن ليناً
    لك شعرٌ مثلُ حِّظى
    أنت عندي كليلة القدر في القدر
    العشق كالموت يأتي لا مردّ له
    وكن كالشمس تظهر كل يوم
    بعض الرجال الميت تمنحه
    وخيل تحاكي البرق لوناً وسرعة
    أعوام إقباله كاليوم في قصرٍ
    أورد قلبي الرّدى
    أسود كالكفر في
    لا جزى الله دمَعَ عيني خيراً
    نمّ دمعي فليس يكتم شيئا
    كنت مثل الكتاب أخفاه طيٌّ
    للورد عندي محل
    كل الرياحين جندٌ
    إن غاب عزوا وباهوا

    المبحث الأول
    في تقسيم طرفي التشبيه إلى حسِّي، وعقلي
    طرفا التشبيه «المشبه، والمشبه به»
    (1) إمَّا حسيَّان ([382]) «أي: مدركان بإحدى الحواس الخمس الظَّاهرة» نحو – أنتَ كالشمس في الضيّاء – وكما في تشبيه «الخد بالورد» وإمّا عقليان – أي مدركان بالعقل، نحو، العلم كالحياة ونحو: «الضلال عن الحق كالعَمى» ونحو: «الجهل كالموت».
    (3) وإمَّا المشبه حسِّي، والمشبه به عقلي – نحو: طبيب السوء كالموت.
    (4) وإما المشبه عقلي، والمشبه به حِسي – نحو – العلم كالنّور، واعلم أن العقلي هو ما عدا الحسي، فيشمل المحقق ذهناً: كالرأي والخلق، والحظ، والأمل والعلم.والعلم، والذكاء والشجاعة، ويشمل أيضاً الوهمي، وهو ما لا وجود له، ولا لأجزائه كلها، أو بعضها في الخارج، ولو وجد لكان مدركا باحدى الحواس.
    ويشمل الوجداني: وهو ما يدرك بالقوى الباطنة، كالغم، والفرح، والشبع والجوع، والعطش، والرِّي.
    المبحث الثاني
    في تقسيم طرفي التشبيه: باعتبار الإفراد، والتركيب
    طرفا التشبيه «المشبه والمشبه به».
    (1) إمّا مفردان «مطلقان» نحو: ضوءه كالشمس، وخده كالورد
    أو «مقيدان ([383])» نحو: الساعي بغير طائل كالرَّاقم على الماء
    أو مختلفان» نحو ثغره كاللولؤ المنظوم – ونحو: العين الزرقاء كالسّنان – (والمشّبه هو المقيد)
    وإما مركبان تركيباً لم يُمكن إفراد أجزائهما، بحيث يكون المركب هيئة حاصلة من شيئين، أو من أشياء، تلاصقت حتى اعتبرها المتكلم شيئاً واحداً، وإذا انتُزع الوجهُ من بعضها دون بعض، اختل قصد المتكلم من التشبيه – كقوله ([384]).
    كأن سهيلاً والنجوم وراءه صفوف صلاة قام فيها إمامها
    (إذ لو قيل كأن سهيلاً إمام، وكأن النجوم صفوف صلاة، لذهبت فائدة التشبيه).
    (2) أو مركبان تركيباً: إذا أفردت أجزاؤه زال المقصود من هيئة (المشبه به) كما ترى في قول الشاعر الآتي:
    حيث شبَّه النجوم الَّلامعة في كبد السَّماء، بدر مُنتثر على بساط أزرق
    وكأنّ أجرامَ النجوم لوامعاً دُررٌ نُثرنَ على بساط أزرق
    (إذ لو قيل: كأن النجوم دُرر – وكأن السماء بساط أزرق، كان التشبيه مقبولا – لكنه قد زال منه المقصود بهيئة المشبه به)
    (3) وإما مفرد بمركب – كقول الخنساء ([385])
    أغر أبلجُ تأتم الهُداةُ بهِ كأنه علمٌ في رأسه نارُ
    (4) وإما مركب بمفرد – نحو: الماء المالح كالسّم ([386])
    واعلم: انه متى رُكب أحد الطرفين لا يكاد يكون الآخر مفرداً مطلقاً، بل يكون مركباً، أو مفرداً مقيدا، ومتى كان هناك تقييد أو تركيب كان الوجه مركباً، ضرورة انتزاعه من المركب، أو من القيد، والمُقيد.

    المبحث الثالث
    في تقسيم طرفي التّشبيه: باعتبار تعدّدهما ([387])
    ينقسم طرفا التشبيه «المشبه والمشبه به» باعتبار تعدّدهما، أو تعدّد أحدهما، إلى أربعة أقسام:
    ملفوف، ومفروق، وتسوية، وجمع.
    (1) فالتشبيه الملفوف، هو جمع كل طرف منهما مع مثله، كجمع المشبه مع المشبه، والمشبه به مع المشبه به – بحيث يُؤتى بالمشبهات معاً على طريق العطف، أو غيره، ثم يؤتى بالمشبهات بها كذلك كقوله:
    ليل وبدر وغصن شعر ووجه وقَدُّ
    خمر ودُرٌّ ووَرد ريق وثغر وخدّ
    وكقوله: تبسُّم وقطوب في ندى ووغى كالغيث والبرق تحت العارض البرد
    وكقوله:
    وضوء الشهب فوق الليل بادٍ كأطراف الأسنَّة في الدروع ([388])
    (2) والتشبيه المفروق – هو جمع كل مشبه مع ما شُبّه به – كقوله ([389])
    ألنَّشر مسكٌ والوجوه دنا نيرُ وأطراف الأكفِّ عنم
    (3) «وتشبيه التسّوية» هو ان يتعدّد المشبه دون المشبه به
    كقوله صُدغ الحبيب وحالي كلاهما كاللّيالي
    وثغره في صفاء وأدمعي كاللالي
    سُمِّى بذلك: للتّسوية فيه بين المشبهات
    (4) وتشبيه الجمع – هو أن يتعدَّد المشبه به، دون المشبه – كقوله:
    كأنما يبسمُ عن لؤلؤ مُنضّد أو بَردَ أو اقاح ([390])
    سمُى بتشبيه الجمع – للجمع فيه بين ثلاث مشبهات بها وكقوله:
    مرّت بنا رأد الضُّحى تحكى الغزالة والغَزالا
    وكقوله:
    ذات حسن لو استزادت من الحسن إليه لما أصابت مزيدا
    فهي الشمس بهجةً والقضيب اللدنُ قدا والريم طرفاً وجيدا
    تمرين
    أذكر أحوال طرفي التشبيه فيما يأتي: ([391])
    علم لا ينفع، كدواء لا ينجع، الصديق المنافق، والابن الجاهل، كلاهما كجمر الغضا، الحق سيف على أهل الباطل، الحمية من الأنام، كالحمية من الطعام.
    قال محمد بن لنكك البصري:
    قضى الأمراءُ وانقرضوا وبادُوا وخلّفني الزمان على علوج
    وقالوا قد لزمت البيت جداً فقلت لفقد فائدة الخروج
    فمن ألقى إذا أبصرتُ فيهم ودار البين في أعلى السروج
    زمانٌ عزّ فيه الجود حتى كأن الجودَ في أعلى البُروج
    يا شبيه البدر حُسنا وضياء ومنالا
    وشبيه الغصن لينا وقواماً واعتدالا
    أنت مثل الورد لونا ونسيما وملالا
    زارنا حتى إذا ما سرَّنا بالقرب زالا
    يا صاحبي تقصّيا نظريكما تريا وجوه الأرض كيف تُصوّرُ
    تريا نهاراً مُشمساً قد شابه زهرُ الرّبى فكأنما هو مقمر([392])
    فكم معنى بديع تحت لفظٍ هناك تزاوُجٌ كلّ ازدواج
    كراح في زجاج أو كروح سرت في جسم معتدل المزاج
    ألخدُّ وردٌ والعذار رياض والطرفُ ليلٌ والبياض نهارُ
    العمرُ، والإنسان والدنيا همو كالظلِّ في الإقبال والإدبار
    كأن مُثار النقع فوق رؤوسنا وأسيافنا ليلٌ تهاوى كواكبه([393])
    خُودٌ كان بنانها في خضرة النقش المزرد([394])
    سمكٌ من البلور في شبك تكون من زبرجد
    كأن قلوب الطير ويابساً([395]) لدى وكرها العنَّابُ والحشَف البالِي
    من يصنع الخيرَ مع من ليس يعرفه كواقد الشمع في بيتٍ لعميان([396])
    ملخص القول
    في تقسيم طرفي التشبيه
    أولاً – ينقسم التشبيه باعتبار طرفيه إلى حسيين وعقليين ومختلفين – فالحسيان يشتركان
    (1) في صفة مبصرة كتشبيه المرآة بالنهار في الاشراق والشعر بالليل في الظلمة والسود، كما في قول الشاعر:
    فرعاء تسحب من قيام شعرها وتغيب فيه وهو ليل اسحم
    فكأنها فيه نهار مشرق وكأنه ليل عليها مظلم([397])
    (2) أو في صفة مسموعة – نحو: غرد تغريد الطيور ونحو: سجع سجع القمري ونحو: أن أنين الثكلى، ونحو: أسمع دوياً كدوى النحل، وكتشبيه انقاض الرحل بصوت الفراريج في قول الشاعر:
    كأن أصوات من إيغالهن بنا أواخر الميس إنقاض الفراريج([398])
    وكتشبيه الأصوات الحنسة في قراءة القرآن الكريم بالمزامير.
    (3) أو في صفة مذوقة، كتشبيه الفواكه الحلوة بالعسل، وكتشبيه الريق الخمر في قول الشاعر:
    كأن المدام وصوب الغمام وريح الخزامى وذوب العسل
    يعـل بـه برد أنيـابها إذا النجم وسط السماء اعتدل([399])
    (4) أو في صفة ملموسة، كتشبيه الجسم بالحرير: في قول ذي الرمة:
    لها بشر مثل الحرير ومنطق رخيم الحواشي لا هراء ولا نذر([400])
    وعينان قال الله كونا فكانتا فعولان بالألباب ما تفعل الخمر
    (5) أو في صفة مشمومة، كتشبيه الريحان بالمسك – والنكهة بالعنبر والعقليان – هما الذان لم يدركا «هما ولا مادتهما» باحدى الحواس، وذلك كتشبيه السفر بالعذاب، والضلال عن الحق بالعمى، والاهتداء الى الخير بالابصار
    والمختلفان – إما أن يكون المشبه عقليا والمشبه به حسيا – كتشبيه الغضب بالنار من التلظى والاشتعال – وكتشبيه الرأي بالليل في قول الشاعر:
    الرأي كالليل مسود جوانبه والليل لا ينجلى إلا باصباح
    وإما أن يكون المشبه حسيا والمشبه به عقليا – كتشبيه الكلام بالخلق الحسن وكتشبيه العطر بخلق الكريم في قول الصاحب بن عباد.
    أهديت عطراً مثل طيب ثنائه فكأنما أهدى له أخلاقه([401])
    ثانياً – ينقسم التشبيه باعتبار طرفيه إلى مفردين مطلقين، أو مقيدين، أو مختلفين – والى مركبين أو مختلفين.
    فالمفردان المطلقان، كتشبيه السماء بالدهان في الحمرة، في قوله تعالى: (فاذا انشقت السماء فكانت وردة كالدهان)([402])
    وكتشبيه الكشح بالجديل، والساق بالأنبوب، في قول امرىء القيس

    وكشح لطيف كالجديل مخصر وساق كانبوب السقي المذلل([403])
    والمقيدان، بوصف، أو اضافة، أو حال، أو ظرف – أو نحو ذلك، كقولهم فيمن لا يحصل من سعيه على فائدة: هو «كالراقم على الماء «فالمشبه هو الساعي على هذه الصفة، والمشبه هو الراقم بهذا القيد، ووجه الشبه، التسوية بين الفعل والترك في الفائدة – وكقوله:
    والشمس من بين الأْرائك قد حكت سيفا صقيلا في يد رعشاء([404])
    والمختلفان، والمشبه به هو المقيد: كما في قول ذي الرمة
    قف العيس في أطلال مية فاسأل رسوما كأخلاق الرداء المسلسل([405])
    أو المشبه وهو المقيد، كما في قول الشاعر:
    كأن فجاج الأرض وهي عريضة على الخائف المطلوب كفة حابل([406])
    والمركبان: كقول الشاعر:
    البدر منتقب بغيم أبيض هو فيه بين تفجر وتبلج
    كتنفس الحسناء في المرآة إذ كملت محاسنها ولم تتزوج
    والمختلفان – والمشبه مفرد، كقوله تعالى (مثل الذين كفروا بربهم أعمالهم كرماد اشتدت به الريح في يوم عاصف) – وكقول الشاعر:
    أغر أبلج تأتم الهداة به كأنه علم في راسه نار
    أو المشبه به مفرد، كقول أبي الطيب المتنبي:
    تشرق أعراضهم وأوجههم كأنها في نفوسهم شيم
    شبه إشراق الاعراض والوجوه باشراق الشيم (الاخلاق الطيبة) فاشراق الوجوه ببياضها، واشراق الاعراض بشرفها وطيبها.
    ثالثاً – التشبيه ينقسم باعتبار طرفيه الى:
    (1) ملفوف، وهو ما أتى فيه بالمشبهات أولا على طريق العطف، أو غيره، ثم بالمشبهات بها كذلك – كقول الشاعر:
    ليل وبدر وغصن شعر ووجه وقد
    خمر ودر وورد ريق وثغر وخد
    شبه الليل بالشعر، والبدر بالوجه، والغصن بالقد، في البيت الأول، والخمر بالريق، والدر بالثغر، والورد بالخد، في البيت الثاني، وقد ذكر المشبهات أولا – والمشبهات بها ثانيا كما ترى في نظم الشاعر:
    (2) والى مفروق، وهو ما أوتي فيه بمشبه ومشبه به ثم بآخر وآخر كقول أبي نواس
    تبكي فتذرى الدر من نرجس وتمسح الورد بعناب
    شبه الدمع بالدر لصفائه، والعين بالنرجس، لما فيه من اجتماع السواد بالبياض والوجه بالورد..
    رابعاً – ينقسم التشبيه أيضاً باعتبار طرفيه إلى
    (1) تشبيه التسوية، وهو ما تعدد فيه المشبه – كقول الشاعر:
    صدغ الحبيب وحالي كلاهما كالليالي
    وثغره في صفاء وأدمعي كاللآلي([407])
    شبه في الأول صدغ الحبيب وحاله هو، بالليالي في السواد، وفي الثاني شبه ثغر الحبيب ودموعه، باللآلي في القدر والاشراق.
    (2) تشبيه الجمع، وهو ما تعدد فيه المشبه به كقول البحتري:
    بات نديماً لي حتى الصباح أغيد مجدول مكان الوشاح
    كأنما يبسم عن لؤلؤ منضد أو برد أو أفاح([408])
    شبه ثغره بثلاثة أشياء باللؤلؤ، والبرد، والاقاح – وقد تقدم الكلام على هذه الأقسام.
    المبحث الرابع
    في تقسيم التشبيه باعتبار وجه الشبه
    وجه الشبه: هو الوصف الخاص([409]) الذي يقصد اشتراك الطرفين فيه
    إما (حقيقة): كالبأس في قولك (زبد كالأسد) وإما (تخيلا) كما في قوله
    يا من له شعر كحظى أسود جسمي تحيل من فراقك أصفر
    (1) تشبيه تمثيل – وهو ما كان وَجه الشبه فيه وصفاً منتزعاً من متعدد: - حسيا كان أو غير حسي، كقوله:
    وما المرء إلا كالشهاب وضوئه يوافى تمام الشهر ثم يغيب
    فوجهُ الشبه سرعة الفناء – انتزاعه الشاعر من أحوال القمر المتعددة إذ يبدو هلالا، فيصير بدراً، ثم ينقص ُ ن حتى يدركه المحاق
    ويسمى تشبيه التمثيل
    (2) وتشبيه غير تمثيل – وهو مالم يكن وجهُ الشبه فيه صورة منتزعة من متعدد، نحو: وجَهه كالبدر – وكقول الشاعر:
    لا تطلبن بآلة لكَ رتبةً قلمُ البليغ بغير حظٍ مغزل
    فوجه الشبه قلة الفائدة، وليس مُنتزعاً من متعدد
    (3) ومفصل – وهو ما ذكر فيه وجه الشيه، أو ملزومه، نحو: طبعُ فريد كالنسيم رقَّة – ويده كالبحر جوداً – وكلامه كالدُّر حسناً – وآلفاظه كالعسل حلاوة وكقول ابن الرّومي
    شبيه البدر حسنا وضياء ومنالا وشبيه الغصن ليناً وقواما واعتدالا
    (4) ومُجمل – وهو ما يذكر فيه وجه الشبه، ولا ما يستلزمه – نحو: (النحو في الكلام كالملح في الطعام) فوجه الشبه هو الاصلاح في كل
    وكقوله إنما الدنيا كبيتٍ نسجهُ من عنكبوت
    واعلم أن وجه الشبه المجمل إما أن يكون خفياً وإما أن يكون ظاهراً ومنه ما وصف فيه أحد الطرفين أو كلاهما بوصف يُشعر بوجه الشبه
    ومنه ما ليس كذلك:
    (5) وقريب مبتذل – وهو ما كان ظاهر الوجه ينتقل، فيه الذهن من المشبه إلى المشبه به، من غير احتياج إلى شدة نظر وتأمل، لظهور وجهه بادىء الرأي
    وذلك لكون وجهه لا تفصيل فيه: كتشبيه الخدَّ بالورد في الحُمرة، أو لكون وجهه قليل التفصيل، كتشبيه الوجه بالبدرن في الإشراق والاستدارة، والعيون بالنرجـس، وقد يتصرف في القريب بما يخرجه عن ابتذاله إلى الغرابة، كقول الشاعر:
    لم تلق هذا الوجه شمسُ نهارنا الاّ بوجهٍ ليس فيه حياءُ
    فانّ تشبيه الوجه الحسن، بالشمس: مبتذل، ولكن حديث الحياء أخرجه إلى الغرابة.
    وقد يخرج وجه الشبه من الابتذال إلى الغرابة: وذلك بالجمع بين عدة تشبيهات – كقول الشاعر:
    كأنما يبسم عن لؤلؤ منضد، اؤ برد أو أقاح
    أو باستعمال شرط – كقوله:
    عزماتُه مثل النجوم ثواقبِا لو لم يكن للثّاقبات أفول
    (6) وبعيدٌ غريبُ- وهو ما احتاج في الانتقال من المشبه إلى المشبه به، إلى فكر وتدقيق نظر، لخفاء وجهه بادىء الرأي – كقوله:
    والشمس كالمرآة في كف الأشل
    (فانّ الوجه فيه) هو الهيئة الحاصلة من الاستدارة مع الاشراق، والحركة السريعة المتصلة مع تموج الاشراق، حتى ترى الشعاع كأنه يهمّ بأن ينبسط حتى يفيض من جوانب الدائرة ثم يبدو له فيرجع الى الانقباض وحكم وجه الشبّه – أن يكون في المشبه به اقوى منه في المشبه – وإلاّ فلا فائدة في التشبيه

    تمرين
    بين أركان التشبيه وأقسام كل منها فيما يلي:
    (1) ومكلّف الأيام ضدَّ طباعها مُتطلبٌ في الماء جذوةَ نار
    (2) والدهر يقرعِني طوراً واقرعه كأنه جبلٌ يهوى إلى جبل ([410])
    (3) فان أغش قوماً بعده أو أزورهم فكالوحش يدنيها من الأنس المحل ([411])
    (4) الشمس من مشرقها قد بدت مشرقة ليس لها حاجب ([412])
    كأنها بوتقةُ أحميت يجول فيها ذهب ذائب
    (5) قال أعرابية تصف بنيها (هم كالحلقة المفرغة لا يدى أين طرفاها)
    (6) عزماتهم قضب وفيض أكفهم سحب وبيض وجوههم أقمار([413])
    (7) قال علي: كرم الله وجهه (مثل الذي يعلمُ الخيرَ ولا يعمل به مثلُ السراج يُضيء للناس ويحرق نفسه).
    (8) قال صاحب كليلة ودمنة الدنيا كالماء الملح، كلّما ازددتَ منه شرباً ازددت عطشاً.
    (9) فانهض بنارٍ إلى فحمٍ كأنهما في العين ظلمٌ وإنصاف قد اتفقا
    (10) فتراه في ظلم الوغى فتخاله قمرا يكُرّ على الرجال بكوكبِ([414])
    (11) كأن الثريّا في أواخر ليلها تفتح نور أو لجامٌ مفضضُ
    (12) كأن الدموع على خدّها بقية طلّ على جُلّنار([415])
    (13) صحوٌ وغيم وضياء وظلم مثل سرور شابه عارض غم
    المبحث الخامس
    في تشبيه التمثيل
    تشبيه التمثيل: أبلغ من غيرهن لما في وجهه من التفصيل الذي يحتاج إلى امعان فكر، وتدقيق نظر، وهو أعظم أثراً في المعاني: يرفع قدرها، ويضاعف قواها في تحريك النفوس لها، فان كان مدحاً كان أوقع، أو ذمّا كان أوجع، أو بُرهانا كان أسطع، ومن ثم يحتاجُ اُلى كدّ الذهن في فهمه، لاستخراج الصورة المنتزعة من أمور متعدِّدة، حسية كانت أو غير حسية، لتكون (وجه الشبه) – كقول الشاعر:
    ولاحت الشمس تحكي عند مطلعها مرِآةَ تبر بدت في كفِّ مرتعش
    فمثّل الشمس: حين تطلع حمراء لامعة مضطربة، بمرآة من ذهب تضطرب في كف ترتعش.
    وتشبيه التمثيل نوعان:
    الأول: ما كان ظاهر الأداة، نحو: (مثل الذين حملوا التوراة ثم لم يحملوها كمثل الحمار يحمل أسفاراً) فالمشبه: هم الذين حُمّلو التوراة ولم يعقلوا ما بها: والمشبه به (الحمار) الذي يحمل الكتب النافعة، دون استفادته منها، والأداة الكاف، ووجه الشبه (الهيئة الحاصلة من التعب في حمل النافع دون فائدة)
    الثاني: كا كان خفى الأداة: كقولك للذي يتردّد في الشيء بين أن يفعله، وألاّ يفعله (أراك تقدم رجلا وتُؤخر أخرى) – اذ الأصل: أراك في ترددك مثل من يقدم رجلا مرة، ثم يؤخّرها مرة أخرى، فالأداة محذوفة، ووجه الشبه هيئة الإقدام والاحجام المصحوبين بالشَكَ.
    مواقع تشبيه التمثيل
    لتشبيه التمثيل موقعان:
    (1) أن يكون في مفتتح الكلام، فيكون قياساً موضحاً، وبرهانا مصاحباً، وهو كثير جداً في القرآن، نحو: (مثلُ الذين يُنفقونَ أموالهم في سبيل الله كمثل حبة أنبتت سبع سنابلَ في كل سنبلةٍ مائة حبة).
    (2) ما يجىء بعد تمام المعاني، لإيضاحها وتقريرها، فيُشبه البرهان الذي تثبت به الدعوى، نحو:
    وما المالُ والأهلون إلا ودائع ولابدّ يوما أن تُرد الودائع
    ونحو: لا ينزلُ المجد في منازلنا كالنّوم ليس له مأوى سوى المقل
    تأثير تشبيه التمثيل في النفس
    إذا وقع التمثيل في صدر القول: بعث المعنى إلى النفس بوضوح وجلاء مؤيد بالبرهان، ليقنع السامع – واذا أتى بعد استيفاء المعاني كان
    (1) إما دليلا على إمكانها، كقول المتنبي:
    وما آنا منهم بالعيش فيهم ولكن معدن الذهب الرغام ([416])
    (2) وإما تأييداً للمعنى الثابت، نحو:
    ترجو النجاة ولم تسلك مسالكها إن السفينة لا تجري على اليبس
    وعلة هذا: أن النفس تأنس إذا أخرجتها من خفي إلى جني، ومما تجهله إلى ما هي به أعلم
    ولذا تجد النفس من الأريحية ما لا تقدُر قدره، إذا سمعت قول أبي تمام:
    وطول مقام المرء في الحي مخلق لديباجتيه فاغترب تتجدد ([417])
    فاني رايتُ الشمس زيدت محبة إلى الناس أن ليست عليهم بسرمد
    وبعد: فالتمثيل يكسب القول قوة، فان كان في المدح كان أهز للعطف، وأنبل في النفس ن وان كان في الذم كان وقعه أشدّ، وان كان وعظاً كان أشفى للصدر، وابلغ في التنبيه والزجر، وان كان افتخارا كان شأوهُ أبعد، كقول من وصف كاساً علاها الحباب.
    وكأنها وكأن حامل كاسها إذ قام يجلوها على الندماء
    شمس الضحى رقصت فنقَّط وجهها بدر الدجى بكواكب الجوزاء
    المبحث السادس
    في أدوات التشبيه ([418])
    أدوات التشبيه – هي ألفاظ تدلّ على المماثلة، كالكاف، وكأنَّ ومثل، وشبه، وغيرها، مما يؤدي معنى التشبيه: كيحكى، ويُضاهي ويضارع، ويماثل، ويساوى، ويشابه، وكذا أسماء فاعلها، فأدوات التشبيه بعضها: اسم، وبعضها فعلٌ، وبعضها حرف وهي إما ملفوظة، وإما ملحوظة، نحو فاروق كالبدر، وأخلاقه في الرقة النسيم ونحو: اندفع الجيش اندفاع السيل، أي كاندفاعه، والأصل في الكاف، ومثل، وشبه، من الاسماء المضافة لما بعدها ان يليها المشبه به لفظاً ([419]) أو تقديراً.
    والأصل في كأنّ، وشابه، وماثل، وما يُرادفها، أن يليها المُشبه، كقوله:
    كأن الثريا راحةٌ تشبر الدجى لتنظر طال الليل أم قد تعرضا
    وكأن – تفيد التشبيه: إذا كان خبرهُها جامداً، نحو: كأن البحر مرآة صافية.
    وقد تفيد الشك: إذا كان خبرهُها مشتقاً، نحو: كأنّك فاهم – وكقوله:
    كأنَّك من كل النفوس مركَّبٌ فأنتَ إلى كل النفوس حبيب
    وقد يغنى عن أداة التشبيه «فعلٌ» يدلُ على حال التشبيه، ولا يعتبر أداة.
    فان كان (الفعل لليقين) – أفاد قرب المشابهة، لما في فعل اليقين من الدلالة على تيقن الاتحاد وتحققه، وهذا يُفيد التشبيه مبالغة – نحو:
    (فلما رأوهُ عارضاً مستقبل أو ديتهم قالوا هذا عارض ممطرنا) ونحو: رأيت الدنيا سراباً غراراً، وإن كان (الفعل للشّك) أفاد بعدها: لما في فعل الرّجحان من الإشعار بعدم التحقق، وهذا يفيد التّشبيه ضعفاً – نحو: (وإذا رايتهم حسبتهم لؤلؤاً منثوراً) وكقوله:
    قوم إذا لبسوا الدروع حسبتها سحباً مزرَّدةً على أقمار
    ونحو: قوله تعالى (حور عين كأمثال اللؤلؤ المكنون)
    ونحو: قوله تعالى (وله الجوار المُنشآت في البحر كالأعلام) وكقول الشاعر:
    والوجه مثل الصبح مبيض والفرع مثل الليل مُسودّ
    ضدّان لما استجمعا حسنا والضدّ يظهر حسنه الضِّد

    المبحث السابع
    في تقسيم التشبيه باعتبار أداته
    ينقسم التشبيه باعتبار أداته الى:
    (1) التشبيه المرسل ([420]) – وهو ما ذكرت فيه الأداة، كقول الشاعر:
    إنما الدنيا كبيتٍ نسجُه من عنكبوت
    (ب) التشبيه المؤكد – وهو ما حُذفت منه أداته، نحو: يسجع سجع القمري – وكقول الشاعر:
    أنت نجم في رفعة وضياءٍ تجتليكَ العيون شرقاً وغرباً
    ومن المؤكد: ما أضيف فيه المشبه به إلى المشبه، كقول الشاعر:
    والريح تعبث بالغصون وقد جرى ذهب الأصيل على ([421]) لجين الماء
    أي أصيل كالذهب على ماء كاللجين.
    والمؤكد أوجز، وأبلغ، وأشدّ وقعاً في النفس، أما أنه أوجز فلحذف أداته، وأما أنه أبلغ فلإِيهامه أنّ المشبه عين المشبه به
    التشبيه البليغ
    (جـ) التشبيه البليغ – ما بلغ درجة القبول لحسنه، أو الطّيّب الحسن فكلما كان وجه الشبه قليل الظهور، يحتاج في إداراكه إلى أعمال الفكر كان ذلك أفعل في النفس: وأدعى إلى تأثرها واهتزازها، لما هو مركوز في الطبع، من أن الشيء إذا نيل بعد الطلب له، والاشتيقاق إليه، ومُعاناة الحنين نحوه، كان نيله أحلى، وموقعه في النفس أجلّ وألطف، وكانت به أضنّ وأشغف، وما أشبه هذا الضرب من المعاني، بالجوهر في الصدف، لا يبرز إلا أن تشُقّهُ عينه، وبالحبيب المتحجِّب لا يُريك وجهه، حتى تستأذن وسبب هذه التسمية: أن ذكر (الطّرفين) فقط، يوهم اتحادهما، وعدم تفاضلهما، فيعلو المشبه إلى مستوى المشبه به، وهذه هي المبالغة في قوة التشبيه والتشبيه البليغ – هو ما حُذفت فيه أداة التشبيه، ووجه الشبه، ([422]) نحو
    فاقضو مآربَكم عِجالاً إنّما أعماركم سفرٌ من الأسفار
    ونحو: عزماتهم قضبٌ وفيض أكفهم سُحُبٌ وبيضُ وجوههم أقمار

    المبحث الثامن
    في فوائد التشبيه
    الغرض من التّشبيه والفائدة منه، هي الإيضاح والبيان (في التشبيه غير المقلوب) ويرجع ذلك الغرض إلى المشبه – وهو – إمّا.
    (1) بيان حاله – وذلك حينما يكون المشبه مبهماً غير معروف الصفة، التي يُراد إثباتها له قبل التشبيه، فيفيده التشبيه الوصف، ويُوضّحه المشبه به، نحو شجر النارنج كشجر البرتقال – وكقول الشاعر:
    إذا قامت لحاجتها تثنّت كأن عظامها من خيزُرانِ
    (شبه عظامها بالخزران بياناً لما فيها من اللين) ([423])
    (2) أو بيانُ إمكان حاله – وذلك حين يُسند إليه أمر مستغرب لا تزول غرابته إلا بذكر شبيه له، معروفٍ واضح مُسَلّم به، ليثبت في ذهن السامع ويتقرّر – كقوله:
    ويلاه إن نظرت وان هي أعرضت وقع السِّهام ونزعُهنَّ أليم
    (شبّه نظرها: بوقع السهام، وشبه إعراضها بنزعها: بياناً لإمكان إيلامها بهما جميعاً)
    (3) او بيان مقدار حال المشبه في القوّة والضّعف، وذلك إذا كان المشبه معلوماً، معروف الصفة التي يُراد اثباتها له معرفة اجمالية قبل التشبيه بحيث يراد من ذلك التشبيه بيان مقدار نصيب المشبه من هذه الصفة وذلك بأن يعمدَ المتكلَم لأن يبين للسامع ما يعنيه من هذا المقدار – كقوله:
    كأن مشيتها من بيت جارتها مر الحساب لا ريث ولا عجلُ
    وكتشبيه: الماء بالثلج، في شدة البرودة – وكقوله:
    فيها اثنتان واربعون حلُوبةً سوداً كخافية الغراب الأسحم
    (شبه النياق السود، بخافية الغراب، بياناً لمقدار سوادها، فالسواد صفة مشتركة بين الطرفين)
    (4) أو تقرير حال المشبه، وتمكينه في ذهن السامع، بابرازها فيما هي فيه أظهر ([424])، كما إذا كان ما أسند إلى المشبه يحتاج إلى التثبيت والإيضاح فتأتى بمشبه حسى قريب التصور، يزيد معنى المشبه ايضاحاً، لما في المشبه به من قوة الظهور والتمام، نحو: هل دولة الحسن إلا كدولة الزَّهرَ، وهل عمر الصِّبا إلا أصيل أو سحر، وكقوله:
    إن القلوبَ إذا تنافر وُدُّها مثل الزجاجة كسرها لا يُجبر([425])
    (شبه تنافر القلوب، بكسر الزجاجة، تثبيتا لتعذر عودة القلوب إلى ما كانت عليه من الأنس والمودَّة)
    (5) أو بيان إمكان وجود المشبه، بحيث يبدو غريباً يُستبعد حدُوثه والمشبه به يزيل غرابته، ويُبين أنه ممكنُ الحصول، كقوله:
    فان تفق الأنام وأنت منهم فان المسك بعض دم الغزال ([426])
    (6) أو مدحه وتحسين حاله، ترغيباً فيه، أو تعظيما له، بتصويره بصورة تهيج في النفس قوى الاستحسان، بأن يعمد المتكلم إلى ذكر مشبه به معجب، قد استقر في النفس حسنه وحبُّه، فيصور المشبه بصورته، كقوله:
    وزاد بك الحسن البديع نضارة كأنك في وجه الملاحة خالُ
    ونحو: كأنك شمس والملوك كواكب اذا طلعت لم يبد منهن كوكب
    وكقوله:
    سبقت إليك من الحدائق وردة وأتتك قبل أوانها تطفيلا
    طمعت بلثمك إذ رأتك فجمَّعت فمها إليك كطالب تقبيلا
    وكقوله: له خال على صفحات خد كنقطة عنبر في صحن مرمر
    والحاظ كاسياف تُنادي على عاصي الهوى الله أكبر
    (7) أو تشويه المشبه وتقبيحه، تنفيراً منه أو تحقيراً له، بأن تصوره بصورة تمجها النفس، ويشمئز منها الطبع، كقوله:
    وإذا أشار محدثاً فكأنه قرد يقهقهُ أو عجوزٌ تلطم
    وكقوله:
    وترى ناملها دبت على مزمارها كخنافسٍ دبت على أوتار
    (8) أو استطرافه «أي عده طريفاً حديثاً» بحيث يجىء المشبه به طريفاً، غير مألوفٍ للذهن.
    إما لاإبرازه في صورة الممتنع عادة، كما في تشبيه: فحم فيه جمر متقد يبحر من المسك موجه بالذهب – وكقوله:
    وكأن محمرَّ الشقيق إذا تصَّوب أو تصعَّد
    أعلام ياقوت نشر ن على رماح من زبرجد
    وإما لندور حضور المشبه به في الذهن عند حضور المشبه، كقوله:
    أنظر اليه كزورق من فضَّة قد أثقلته حمولة من عنبرٍ ([427])
    تشبيه على غير طرقه الاصلية
    التشبيه الضمني
    هو تشبيه ٌ لا يوضع فيه المشبه والمشبه به في صورة من صور التشبيه المعروفة، بل يلمح المشبه والمشبه به، ويفهمان من المعنى، ويكون المشبه به دائماً برهاناً على امكان ما أسند إلى المشبه، كقول المتنبي
    من يهن يسهل الهوانُ عليه ما لجُرحٍ بميَّت إيلامُ
    (أي إن الذي اعتاد الهوان، يسهل عليه تحمّله، ولا يتألم له، وليس هذا الادعاء باطلا (لأن الميت إذا جرح لا يتألم)، وفي ذلك تلميح بالتشبيه في غير صراحة، وليس على صورة من صور التشبيه المعروفة، بل انه (تشابهٌ) يقتضي التَّساوي، وأما (التشبيه) فيقتضي التفاوت.

    التشبيه المقلوب
    (2) قد يُعكس التشبيه، فيجعل المشبه مشبهاً به – وبالعكس ([428])
    فتعود فائدته إلى المشبه به، لادِّعاء أن المشبه أتم وأظهر من المشبه به في وجه الشبه – ويسمى ذلك (بالتشبيه المقلوب) ([429]) أو المعكوس – نحو: كأن ضوء النهار جبينُه – ونحو: كأن نشر الروض حسن سيرته – ونحو: كأن الماء في الصفاء طباعه – وكقول محمد بن وهيب الحميري ([430])
    وبدا الصباح كأن غرّته وجهُ الخليفة حين يُمتدحُ
    (شبه غرة الصباح، بوجه الخليفة، إبهاماً أنه أتم منها في وجه الشبه وكقول البحتري في وصف بركة المتوكل:

    كأنها حين لجَّت في تدفقها يد الخليفة لمّا سال واديها ([431])
    وهذا التشبيه مظهرٌ من مظاهر الإفتنان والابداع، كقوله تعالى حكاية عن الكفار (إنما البيعُ مثل الربا) في مقام أن الربا مثل البيع عكسوا ذلك لإيهام أن الربا عندهم أحلّ من البيع، لأن الغرض الرِّبح وهو أثبتُ وجوداً في الربا منه في البيع، فيكون أحق بالحل عندهم.
    المبحث الثامن
    في تقسيم التشبيه باعتبار الغرض إلى مقبول وإلى مردود
    ينقسم التشبيه باعتبار الغرض: إلى حسنٍ مقبول، وإلى قبيح مردود
    (1) فالحسن المقبول – هو ما وفى بالأغراض السابقة، كأن يكون المشبه به أعرف من المشبه في وجه الشبه، إذا كان الغرض بيان حال المشبه، أو بيان المقدار، أو أن يكون أتم شيء في وجه الشبه، إذا قصد الحاق الناقص بالكامل، أو أن يكون في بيان الامكان مسلم الحكم، ومعروفاً عند المخاطب، إذا كان الغرض بيان امكان الوجود، وهذا هو الأكثر في الشبيهات، إذ هي جارية على الرَّشاقة، سارية على الدًقة والمبالغة ثم إذا تساوى الطرفان في وجه التشبيه عند بيان المقدار كان التشبيه كاملا في القبول، والا فكلما كان المشبه به أقرب في المقدار إلى المشبه كان الشبه أقرب إلى الكمال والقبول.
    (2) والقبيح المردود – هو ما لم يف بالغرض المطلوب منه، لعدم وجود وجه بين المشبه والمشبه به: أو مع وجوده لكنه بعيد.
    تنبيهات
    (الأول) بعض اساليب التشبيه أقوى من بعض في المبالغة، ووضوح الدلالة ولها مراتب ثلاثة:
    «أ» (أعلاها) وأبلغها ما حذف فيها الوجه والأداة، نحو: على أسد – وذلك أنك ادعيت الاتحاد بينهما بحذف الأداة – وادعيت التشابه بينهما في كل شيء بحذف الوجه ولذا سمى هذا تشبيها بليغا.
    «ب» (المتوسطة) ما تحذف فيها الأداة وحدها، كما تقول (على أسد شجاعة) أو يحذف فيها وجه الشبه – فنقول على كالأسد، وبيان ذلك: أنك بذكرك الوجه حصرت التشابه، فلم تدع للخيال مجالا في الظن، بأن التشابه في كثير من الصفات – كما أنك بذكر الاداة نصصت على وجود التفاوت بين المشبه والمشبه به، ولم تترك بابا للمبالغة.
    «جـ» (أقلها) ما ذكر فيها الوجه والأداة، وحينئذ فقدت المزيتين السابقتين.
    (الثاني) قد يكون الغرض من التشبيه حسنا جميلا، وذلك هو النمط الذي تسمو اليه نفوس البلغاء، وقد أتوا فيه بكل حسن بديع، كقول ابن نباتة في وصف فرس أغر محجل
    وكانما لطم الصباح جينه فاقتص منه فخاض في أحشائه
    وقد لا يوفق المتكلم إلى وجه الشبه، أو يصل اليه مع بعد – وما أخلق مثل هذا النوع بالاستكراه، وأحقه بالذم، لما فيه من القبح والشناعة – بحيث ينفر منه الطبع السليم.
    (الثالث) علم مما سبق أن أقسام التشبيه من حيث الوجه والاداة كالآتي.
    1- التشبيه المرسل: هو ما ذكرت فيه الأداة.
    2- التشبيه المؤكد: هو ما حذفت منه الأداة.
    3 – التشبيه المجمل: هو ما حذف منه وجه الشبه.
    4 – التشبيه المفصل: هو ما ذكر فيه وجه الشبه.
    5- التشبيه البليغ: هو ما حذفت فيه الأداة، ووجه الشبه، وهو أرقى أنواع التشبيه بلاغة: وقد تقدم الكلام عليه مستوفياً.
    6- التشبيه الضمني: هو تشبيه لا يوضع فيه المشبه، والمشبه به في صورة من صور التشبيه المعروفة، بل يلمح المشبه، والمشبه به، ويفهمان من المعنى نحو:
    علا فما يستقر المال في يده وكيف تمسك ماء قنة الجبل
    فالمشبه الممدوح، وهو ضمير (علا) والمشبه به (قنة الجبل) ووجه الشبه عدم الاستقرار والأداة محذوفة أيضاً، وهذا النوع يؤتى به ليفيد أن الحكم الذي أستد إلى المشبه ممكن
    أسئلة تطلب أجوبتها
    ما هو علم البيان لغة واصطلاحاً ؟ ما هو التشبيه ؟ ما أركان التشبيه ؟ طرفا التشبيه حسيان أم عقليان ؟ ما المراد بالحسّي ؟ ما هو التشبيه الخيالي ؟ ما المراد بالعقلي ؟ - ما هو التشبيه الوهمي ؟ - ما هو وجه الشبه؟ ما هي أدوات التشبيه ؟ هل الاصل في أدوات التشبيه أن يليها المشبه، أو المشبه به ؟ - متى تفيد كأن التشبيه ؟ ما هو التشبيه البليغ ؟
    ما هو التشبيه الضمني ؟ ما هو التشبيه المرسل ؟ كم قسما للتشبيه باعتبار طرفيه؟ كم قسما للتشبيه باعتبار تعدد طرفيه؟ ما هو التشبيه الملفوف؟ ما هو التشبيه المفروق؟ ما هو تشبيه التسوية؟ ما هو تشبيه الجمع؟ كم قسما للتشبيه باعتبار وجه الشبه؟ ما هو تشبيه التمثيل ؟ ما هو تشبيه غير التمثيل ؟ ما هو التشبيه المفصل؟ ما هو التشبيه المجمل ؟ كم قسما للتشبيه باعتبار الغرض منه.
    تطبيق عام على أنواع التشبيه
    اشتريت ثوبا أحمر كالورد – في هذه الجملة تشبيه مرسل مفصل – المشبه ثوبا، والمشبه به الورد، وهما حسيان مفردان، والأداة الكاف، ووجه الشبه: الحمرة في كل – والغرض منه بيان حال المشبه.
    ما الدهر إلا الربيع المستنير إذا أتى الربيع أتاك النور والنور
    فالأرض ياقوتة والجو لؤلؤة والنبت فيروزج والماء بلور
    «الأرض ياقوتة «تشبيه بليغ مجمل المشبه الارض، والمشبه به ياقوته – وهما حسيان مفردان، ووجه الشبه محذوف، وهو الخضرة في كل، والاداة محذوفة والغرض منه تحسينه«والجو لؤلؤة، والنبت فيروزج «والماء بلور» كذلك وفي البيت كله تشبيه مفروق – لأنه أتى بمشبه ومشبه به، وآخر وآخر.
    العمر والانسان والدنيا همو كالظل في الاقبال والادبار
    فيه تشبيه تسوية مرسل مفصل، المشبه العمر والانسان والدنيا، والمشبه به الظل والمشبه بعضه حسي، وبعضه ع قلي والمشبه به حسي، والكاف الاداة، ووجه الشبه الاقبال والادبار، والغرض تقرير حاله في نفس السامع.
    كم نعمة مرت بنا وكأنها فرس يهرول أو قسيم ساري
    في البيت: تشبيه جمع مرسل مجمل، والمشبه نعمة، والمشبه به فرس يهرول، أو نسيم ساري، وهما حسيان، وكأن الاداة ووجه الشبه السرعة في كل، والغرض منه بيان مقدار حاله.
    ليل وبدر وغصن شعر ووجه وقد
    فيه تشبيه بليغ مجمل ملفوف، المشبه شعر وهو حسي، والمشبه به ليل، وهو عقلي، والاداة محذوفة، ووجه الشبه السواد في كل – والغرض منه بيان مقدار حاله، وفي الثاني – المشبه وجه، والمشبه به بدر، وهما حسيان، ووجه الشبه الحسن في كل، والاداة محذوفة – والغرض تحسينه، وفي الثالث المشبه قد، والمشبه به غصن، وهما حسيان، ووجه الشبه الاعتدال في كل، والاداة محذوفة، والغرض بيان مقداره – هذا.
    وان شئت فقل هذا (تشبيه مقلوب) بجعل المشبه به مشبها، والمشبه مشبها به لغرض المبالغة، بأن تجعل الليل مشبها، والشعر مشبها به.
    وقد لاح في الصبح الثريا كما ترى كعنقود ملاحية حين نورا
    فيه تشبيه تمثيل مرسل مجمل، المشبه هيئة الثريا الحاصلة من اجتماع أجرام مشرقة مستديرة منيرة – والمشبه به هيئة عنقود العنب المنور، والجامع الهيئة الحاصلة من اجتماع اجرام منيرة مستديرة في كل – والأداة الكاف، والغرض منه بيان حاله
    تمرين
    بين أنواع التشبيه فيما يأتي:
    (1) الورد في أعلا الغصون كأنه ملكٌ تحفُّ به سراة جنوده
    (2) إذا ارتجل الخطاب بدا خليج بفيه يمدّه بحرُ الكلام
    كلام بل مدام بل نظام من الياقوت بل حب الغمام
    (3) يا صاحبي تيقظاً من رقدة تزري على عقل اللبيب الاكيس
    هذي المجرة والنجوم كأنها نهر تدفَّق في حديقة نرجس
    (4) وكأن الصبح لمّا لاح من تحت الثريا
    ملك أقبل في التا ج يفدى ويحيّا
    (5) إنما النفس كالزجاجة والعلـ م سراج وحكمة الله زيت
    فاذا أشرقت فانك حيٌّ وإذا أظلمت فانك ميت
    (6) وغير تقيٍ يأمر الناس بالتقى طبيبٌ يداوى الناس وهو مريض
    (7) اذا امتحن الدنيا لبيب تكشفَّت له عن عدو في ثياب صديق
    (8) جمرة الخد أحرقت عنبر الخا لِ فمن ذلك العذار دخانُ
    (9) كالبدر من حيث التفتّ رأيته بهدى الى عينيك نورا كافيا
    (10) وأشرق عن بشر هو النور في الضحا وصافى بأخلاق هي الطَّلُّ في الصبح
    تمرين آخر
    لبيان أنواع التشبيه: البليغ، والضمني، والتمثيل، والمقلوب والمُؤكد والمفصل، والمُجمل.
    (1) خلط الشجاعة بالحياء فأصبحا كالحسن شيب لمغرم بدلال
    (2) شقائقٌ يحملنَ النَّدى فكأنه دموعُ التصابي في خدودِ الخرائِدِ
    (3) عذبَ الفِراق لنا قبيل وداعنا ثم اجترعناه كُسمٍ ناقِع
    فكأنما أثر الدّموعِ بخدِّها طل تناثر فوق ورد يانع ([432])
    (4) وترى الغصون تميل في أوراقها مثل الوصائف في صنوف حرير
    (5) وحديقةٍ ينساب فيها جدول طرفي برونق حسنه مدهوش
    يبدو خيالُ غصونها في مائهٍ فكأنما هو معصم منقوش
    (6) انظر إلى حسن تكوين السماء وقد لاحت كواكبها والليلُ ديجورُ
    كأنها خيمة ليست على عمدٍ زرقاء قد رصِّعت فيها الدنانير
    (7) وقد سفر الدجى عن ضوء فجر منير مثلما سفر النِّقاب
    فخلت الصبح في إثر الثريا بشيراً جاء في يده كتاب
    (8) ولقد ذكرتك والنجوم كأنها دُرر على أرض من الفيروزج
    يلمعن من خلل السحاب كأنها شررٌ تطاير من دخان العرفجِِ
    (9) ونارنجة بين الرياض نظرتُها على غصن رطب كقامة أغيد
    إذا ميلتها الريح مالت كأكرة بدت ذهبا من صولجان زمرد
    (10) وحديقة غنَّاء ينتظم النّدى بفروعها كالدر في الأسلاك
    والبدرُ يشرق من خِلال غصونها مثل المليح يُطلُّ من شباك
    (11) لو كنت تشهد يا هذا عشيتنا والمزنُ يسكب أحيانا وينحدر
    والأرض مصفرة بالمزن كاسية أبصرت تبراً عليه الدّرّ ينتشر
    (12) وللأقاحي قصورٌ كلها ذهبٌ من حولها شرفات كلها درر
    (13) كأنما النار في تلهُبها والفحم من فوقها يغطِّيها
    زنجية شبّكت أناملها من فوق نارنجة لتخفيها
    (14) والورد في شط الخليج كأنه رمدٌ ألم بمقلةٍ زرقاء
    (15) هذي المجرَّة والنجوم كأنها نهر تدفق في حديقة نرجس
    (16) أنظر إلى حسن هلال بدا يهتك من أنواره الحندسا ([433])
    كمنجل قد صيغ من عسجدٍ يحصدُ من زهر الدجى نرجسا
    (17) والبدر يستر بالغيوم وينجلي كتنفس الحسناء في مرآتها
    كأنما الأغصان لما انثنت أمام بدرِ التِّمّ في غيهبه
    (18) بنت مليكٍ خلف شباكها تفرجت منه على موكبه
    (19) كان شعاع الشمس في كل غدوة على ورق الأشجار أول طالع
    دنانير في كف الأشل يضمّها لقبض فتهوى من فروج الأصابع
    (20) لئن بسط الزمان يدى لئيم فصبراً للذي فعل الزمان
    فقد تعلو على الرأس الذُّنا بي كما يعلو على النار الدخان
    (21) دهرٌ علا قدر الوضيعِ به وغذا الشريفُ يحطّه شرفه
    كالبحر يرسب فيه لؤلؤه سقلا وتطفو فوقه جيفه
    (22) لو أورقت من دم الأبطال سمرقنا لأورقت عنده سمر القنا الذُّبل
    إذا توجه في أولي كتائبه لم تفرق العين بين السهل والجبل
    فالجيش ينقض حوليه أسنتهُ نفض العقاب جناحيه من البلل
    (23) لو كنت شاهدنا عشية أنسها والمزن يبكينا بعيني مذنب
    والشمس قد مدت أديم شعاعها في الأرض تجنح غير أن لم تذهب
    خلت الرذاذ برادةً من فضة قد غربلت من فوق نطع مُذهَّبِ ([434])
    (24) لله دولابٌ يفيض بسلسلٍ في روضة قد أينعت أفنانا
    قد طارحته بها الحمائم شجوها فيجيبها ويرجع الألحانا
    فكأنه دنفٌ ([435]) يدور بمعهد ([436]) يبكي ويسأل فيه عمن بانا ([437])
    ضاقت مجاري طرفه عن دمعه فتفتحت أضلاعه أجفانا
    (25) أخرس ينبيك بإطراقه عن كل ما شئت من الأمر
    يذرى على قرطاسه دمعه يبدى لنا السر وما يدرى
    كعاشقٍ أخفى هواه وقد نمت عليه عبرة تجري
    (26) الشمسُ من مشرقها قد بدت مشرقة ليس لها حاجب
    كأنها بودقةٌ أحميت يجول فيها ذهبٌ ذائب
    (27) قال الله تعالى: (واضرب لهم مثل الحياة الدنيا كماءٍ أنزلناه من السماء فاختلط به نبات الأرض فأصبح هشيما تذروه الرياح)
    (28) إذا ما تردى لأمة الحرب أرعدت حشا الأرض واستدمى الرماح الشوارع
    وأسفر تحت النقع حتى كأنه صباح مشى في ظلمة الليل ساطع
    (29) وكأن أجرام السماء لوامعاً درر نثرن على بساط أزرق
    (30) قال الله تعالى (مثل الذين كفروا بربهم أعمالهم كرماد اشتدت به الريح في يوم عاصف).
    (31) وقال تعالى (والذين كفروا أعمالهم كسرابٍ بقيعةٍ يحسبه الظمآن ماء حتى إذا جاءه لم يجده شيئاً)
    (32) وقال تعالى (إنما مثل الحياة الدنيا كماء أنزلناه من السماء فاختلط به نبات الأرض مما يأكل الناس والأنعام حتى إذا أخذت الأرض زخرفها وازينت وظن أهلها أنهم قادرون عليها أتاها أمرنا ليلا أو نهاراً فجعلناها حصيداً كأن لم تغن بالأمس).
    (33) حمر السيوف كأنما ضربت لهم أيدى القيون صفائحا من عسجد
    في فتية طلبوا غبارك إنه رهج ترفع عن طريق السؤدد
    كالرمح فيه بضع عشرة فقرة منقادة خلف السَّنان الأصيد
    (34) خبّريني ماذا كرهت من الشيب فلا علم لي بذنب المشيبِ
    أضياء النهار أم وضح اللؤ لؤ أم كونه كثغر الحبيب
    واذكرى لي فضل الشباب وما يجمع من منظر يروق وطيب
    غدره بالخليل أم حبه للغيِّ أم أنه كدهر الأديب
    (35) والبدر أوّل ما بدا متلثماً يبدى الضياء لنا بخدٍ مسفر
    فكأنما هو خوذةٌ من فضةٍ قد ركبَّت في هامة من عنبر
    (36) خلتها في المعصرات القواني وردة في شقائق النعمان
    (37) شبّهت بدر سمائنا لمّا دنت منه الثريا في قميص سندس
    ملكا مهيبا قاعداً في روضة حيّاه بعض الزائرين بنرجس
    (38) وإنّى على اشفاق عيني من البُكا لتجمح منِّى نظرةٌ ثم أطرق
    كما حلِّئت عن ماء بئرٍ طريدة تمد إليها جيدها وهي تفرق
    (39) أنا كالورد فيه راحةُ قوم ثم فيه لآخرين زكام
    (40) يا حبذا يومنا ونحن على رؤوسنا نعقد الأكاليلا
    في جنة ذللت لقاطفها قطوفها الدّانيات تذليلا
    كأن أترجَّها تميل بها أغصانها حاملا ومحمولا
    سلاسلٌ من زبرجد حملت من ذهب أصفر قناديلا
    (41) كم والد يحرم أولاده وخيره يحظى به الأبعد
    كالعين لا تنظر ما حولها ولحظها يدرك ما يبعد
    (42) ريم يتيه بحسن صورته عبث الفتور بلحظ مقلته
    فكأن عقرب صدغه وقفت لما دنت من نار وجنته
    (43) وشادن أهيف حيَّا بنرجسةٍ كأنها إذ بدت في غاية العجب
    كف من الفضة البيضا ساعدها زبرجدٌ حمِّلت كأساً من الذهب
    (44) نثر الجو على الأرض برد أيّ درّ لنحور لو جمد
    لؤلؤ أصدافه السّحب التي أنجز البارق منها ما وعد
    (45) أبصرتُ طاقة نرجس في كف من أهواه غضَّه
    فكأنها برج الزبر جد أنبتت ذهبا وفضة
    (46) كأن الأفق محفوفٌ بنار وتحت النار آساد تزير
    (47) وما الناس إلا كالديار وأهلها بها يوم حلوها وغدواً بلاقع
    بلاغة التشبيه([438])
    وبعض ما اثر منه عن العرب والمحدثين
    تنشأ بلاغة التشبيه: من أنه ينتقل بك من الشيء نفسه، إلى شيء طريف يشبهه، أو صورة بارعة تمثّله وكلما كان هذا الانتقال بعيداً، قليل الخطور بالبال، أو ممتزجاً بقليل أو كثير من الخيال، كان التشبيه أروع للنفس، وأدعى إلى إعجابها واهتزازها فإذا قلت: فلان يشبه فلانا في الطول، أو أن الأرض تشبه الكرة في الشكل، لم يكن في هذه التشبيهات أثر للبلاغة، لظهور المشابهة، وعدم احتياج العثور عليها إلى براعة، وجهد أدبي، ولخلوّها من الخيال، وهذا الضرب من التشبيه، يقصد به البيان والإيضاح، وتقريب الشيء إلى الأفهام، وأكثر ما يستعمل في العلوم والفنون، ولكنك تأخذك روعة التشبيه، حينما تسمع قول المعري يصف نجماً
    يسرع اللمح في احمرار كما تسـ رعُ في اللمح مقلة الغضبان
    فان تشبيه لمحات النجم وتألقه مع احمرار ضوئه، بسرعة لمحة الغضبان من التشبيهات النادرة، التي لا تنقاد إلا لأديب، ومن ذلك قول الشاعر:
    وكأن النجوم بين دجاها سنن لاح بينهن ابتداع
    فإن جمال هذا التشبيه: جاء من شعورك ببراعة الشاعر وحذقه، في عقد المشابهة بين حالتين – ما كان يخطر بالبال تشابههما، وهما حالة النجوم في رقعة الليل، بحال السنن الدينية الصحيحة، متفرقة بين البدع الباطلة.
    ولهذا التشبيه: روعة أخرى، جاءت من أن الشاعر: تخيل أن السنن مضيئة لمّاعة، وأن البدع مظلمة قاتمة.
    ومن أبدع التشبيهات قول المتنبي:
    بليت بلى الأطلال إن لم أقف بها وقوف شحيح ضاع في الترب خاتمه
    يدعو الشاعر: على نفسه بالبلى والفناء، إذا هو لم يقف بالأطلال، ليذكر عهد من كانوا بها، ثم أراد أن يصور لك هيئة وقوفه، فقال: كما يقف شحيح فقد خاتمه في التراب، من كان يوفَّق إلى تصوير حال الذاهل المتحير المحزون، المطرق برأسه، المنتقل من مكان إلى مكان في اضطراب ودهشة، بحال شحيح فقد في التراب خاتماً ثميناً.
    هذه بلاغة التشبيه من حيث مبلغ طرافتهن وبعد مرماه، ومقدار ما فيه من خيال.
    أما بلاغته من حيث الصورة الكلامية التي يوضع فيها، فمتفاوتة أيضاً فأقل التشبيهات مرتبة في البلاغة ما ذكرت أركانه جميعها، لأن بلاغة التشبيه مبنية على ادعاء أن المشبه عين المشبه به، ووجود الاداة، ووجه الشبه معاً، يحولان دون هذا الادعاء، فإذا حذفت الاداة وحدها، أو وجه الشبه وحده، ارتفعت درجة التشبيه في البلاغة قليلا، لأن حذف أحد هذين يقوى ادعاء اتحاد المشبه والمشبه به بعض التقوية – أما أبلغ أنواع التشبيه «فالتشبيه البليغ» لانه مبنى على ادعاء أن المشبه والمشبه به شيء واحد، هذا – وقد جرى العرب والمحدثون على تشبيه: الجواد بالبحر، والمطر والشجاع بالأسد، والوجه الحسن بالشمس والقمر، والشهم الماضي في الأمور بالسيف، والعالي المنزلة بالنجم، والحليم الرَّزين بالجبل، والأماني الكاذبة بالاحلام، والوجه الصبيح بالدينار، والشعر الفاحم بالليل، والماء الصافي باللجين، والليل بموج البحر، والجيش بالبحر الزاخر، والخيل بالريح والبرق، والنجوم بالدرر والأزهار، والأسنان بالبرد واللؤلؤ والسفن بالجبال، والجداول بالحيات الملتوية، والشيب بالنهار، ولمع السيوف وغرة الفرس بالهلال، ويشبهون الجبان بالنعامة والذبابة، واللئيم بالثعلب، والطائش بالفراش، والذليل بالوتدِ، والقاسي بالحديد والصخر، والبلييد بالحمار، والبخيل بالأرض المجدية ، وقد اشتهر رجال من العرب بخلال محمودة، فصاروا فيها أعلاماً – فجري التشبيه بهم: فيشبه الوفى بالسموءل([439])، والكريم بحاتم، والعادل بعمر([440]) والحليم بالأحنف([441])، والفصيح بسحبان، والخطيب بقس([442]) والشجاع بعمرو بن معد يكرب، والحكيم بلقمان ([443])، والذكي بُياس، واشتهر آخرون بصفات ذميمة، فجرى التشبيه بهم أيضاً، فيشبه العي بباقل([444]) والأحمق بهبنقة([445]) والنادم بالكُسعى([446]) والبخيل بمادر([447]) والهجّاء بالحطيئة ([448]) والقاسي بالحجاج الثقفي: أحد جبابرة العرب المتوفى سنة 97 هـ.


    _________________


    قناتي على موقع يوتيوب :
    https://www.youtube.com/channel/UCm8N-tHwIFM7hPnwtLrBMpg
    مدونتي:
    https://ahmed26413.blogspot.com.eg/

    أحمد
    إدارة ثمار الأوراق
    إدارة ثمار الأوراق

    عدد الرسائل : 16657
    الموقع : القاهرة
    نقاط : 38587
    تاريخ التسجيل : 17/09/2008

    رد: جواهر البلاغة في المعاني والبيان والبديع للسيد أحمد الهاشمي

    مُساهمة من طرف أحمد في السبت أبريل 13, 2013 5:32 am

    الباب الثاني
    في المجاز ([449])
    المجاز: مشتق من جاز الشيء يجوزه، إذا تعداه – سموا به اللفظ الذي نقل من معناه الاصلي، واستعمل ليدل على معنى غيره، مناسب له والمجاز: من أحسن الوسائل البيانية التي تهدى اليها الطبيعة: لإيضاح المعنى، إذ به يخرج المعنى متصفاً بصفة حسية، تكاد تعرضه على عيان السامع – لهذا شغفت العرب باستعمال (المجاز) لميلها الى الاتساع في الكلام، والى الدلالة على كثرة معاني الألفاظ، ولما فيها من الدقة في التعبير، فيحصل للنفس به سرور وأريحية، ولأمر ما كثر في كلامهم، حتى أتوا فيه بكل معنى رائق، وزينوا به خطبهم وأشعارهم.
    وفي هذا الباب مباحث

    المبحث الأول
    في تعريف المجاز وانواعه
    المجاز: هو اللفظ السمتعمل في غير ما وضع له في اصطلاح التخاطب لعلاقةٍ: مع قرينة مانعة من إرادة المعنى الوضعي، والعلاقة: هي المناسبة ([450]) بين المعنى الحقيقي والمعنى المجازي، قد تكون (المشبابهة) بين المعنيين، وقد تكون غيرها.
    فاذا كانت العلاقة (المشابهة) فالمجاز (استعارة)، والافهو (مجاز مرسل) والقرينة: هي المانعة من إرادة المعنى الحقيقي، قد تكون لفظية، وقد تكون حالية – كما سيأتي:
    وينقسم المجاز: إلى أربعة أقسام – مجاز مفرد مرسل، ومجاز مفرد بالاستعارة «ويجريان في الكلمة» ومجاز مركب مرسل، ومجاز مركب بالاستعارة «ويجريان في الكلام».
    ومتى أطلق المجاز،، انصرف إلى (المجاز اللّغوي)
    وأنواع المجاز كثيرة: أهمها (المجاز المرسل)، وهو المقصود بالذات وسيأتي مجاز، يسمى «المجاز العقلي» ويجرى في الإسناد

    المبحث الثاني
    في المجاز اللّغوي المفرد المرسل، وعلاقاته
    المجاز المفرد المرسل: هو الكلمة المستعملة قصداً في غير معناها الأصلي لملاحظة علاقة ([451]) غير (المشابهة) مع قرينة ([452]) دالّة على عدم إرادة المعنى الوضعي.
    وله علاقات كثيرة – أهمها
    (1) السببية – وهي: كون الشيء المنقول عنه سبباً، ومؤثراً في غيره، وذلك فيما إذا ذكر لفظ السبب، وأريد منه المسبب، نحو: رعت الماشية الغيث – أي النبات، لأن الغيث أي (المطر) سبب فيه ([453])
    وقرينته (لفظية) وهي (رعت) لأن العلاقة تعتبر من جهة المعنى المنقول عنه ونحو: لفلان على يد: تريد باليد: النعمة، لأنها سبب فيها.
    (2) والمسببية – هي أن يكون المنقولُ عنه مسبباً، وأثراً لشيء آخر وذلك فيما إذا ذكر لفظ المسبب، وأريد منه السبب، نحو: (وينزل لكم من السماء رزقا) أي: مطراً يسبِّب الرزق.
    (3) والكلية – هي كون لاشيء متضمناً للمقصود ولغيره، وذلك فيما إذا ذكر لفظ الكل، وأريد منه الجزء، نحو (يجعلون أصابعهم في آذانهم) أي أناملهم، والقرينة (حالية) وهي استحالة ادخال الأصبع كله في الأذن ونحو: شربت ماء النيل – والمراد بعضهُ، بقرينة شربت.
    (4) والجزئية – هي كون المذكور ضمن شيء آخر، وذلك فيما إذا ذكر لفظ الجزء، وأريد منه الكل، كقوله تعالى (فتحريرُ رقبة مؤمنة) ونحو: نشر الحاكم عيونه في المدينة، أي الجواسيس، فالعيون مجاز مرسل، علاقته (الجزئية) لأن كل عين جزء من جاسوسها – والقرينة الاستمالة.
    (5) واللازمية – هي كون الشيء يجب وجوده، عند وجود شيء آخر، نحو: طلع الضوء، أي الشمس، فالضوء مجاز مرسل علاقته (اللازمية) لأنه يوجد عند وجود الشمس، والمعتبر هنا اللزوم الخاص، وهو عدم الانفكاك.
    (6) والمزومية – هي كون الشيء يجب عند وجوده وجود شيء آخر، نحو: ملأت الشمس المكان، أي الضوء فالشمس مجاز مرسل علاقته (الملزومية) لأنها متى وجدت وجد الضوء، والقرينة «ملأت».
    (7) والآلية – هي كون الشيء واسطةً لإيصال أثر شيء إلى آخر وذلك فيما إذا ذكر اسم الآلة، وأريد الأثر الذي ينتج عنه، نحو (واجعل لي لسان صدق في الآخرين) أي ذكراً حسناً – (فلسان) بمعنى ذكر حسن مجاز مرسل، علاقته (الآلية) لأن اللسان آلة في الذكر الحسن.
    (8) والتقييد: ثم الاطلاق: هو كون الشيء مقيداً بقيد أو أكثر نحو: مشفر زيد مجروح – فان المشفر – لغة: شفة البعير، ثم أريد هنا مطلق شفة، فكان في هذا منقولا عن المقيد إلى المطلق، وكان مجازا مرسلا، علاقته التقييد، ثم نقل من مطلق شفة، إلى شفة الانسان، فكان مجازاً مرسلا: بمرتبتين، وكانت علاقته (التقييد والإطلاق)
    (9) والعموم – هو كون الشيء شاملاً لكثير – نحو قوله تعالى (أم يحسدون الناس) أي «النبي» صلى الله عليه وسلم، فالناس مجاز مرسل، علاقته العموم، ومثله قوله تعالى (الذين قال لهم الناس) فان المراد من الناس واحد، وهو «نعيم بن مسعود الاشجعي».
    (10) والخصوص – هو كون اللفظ خاصاً بشيء واحد، كاطلاق اسم الشخص على القبيلة – نحو ربيعة – وقريش.
    (11) واعتبار ما كان – هو النظر الى الماضي: أي تسمية الشيء باسم ما كان عليه، نحو: (وآتوا اليتامى أموالهم) أي الذين كانوا يتامى ثم بلغوا، فاليتامى: مجاز مرسل، علاقته (اعتبار ما كان) وهذا إذا جرينا على أن دلالة الصفة على الحاضر حقيقة، وعلى ما عداه مجاز.
    (12) واعتبار ما يكون – هو النظر إلى المستقبل، وذلك فيما إذا أطلق اسم الشيء على ما يؤول إليه، كقوله تعالى (إني أراني أعصر خمراً) أي: عصيرا يؤول أمره إلى خمر، لأنه حال عصره لا يكون خمراً، فالعلاقة هنا: اعتبار (ما يؤول إليه) ونحو: (ولا يلدوا إلا فاجراً كفاراً) والمولود حين يولد، لا يكون فاجراً، ولا كافراً، ولكنه قد يكون كذلك بعد الطفولة، فاطلق المولود الفاجر، وأريد به الرجل الفاجر، والعلاقة، اعتبار (ما يكون)
    (13) والحاليّة – هي كون الشيء حالا في غيره، وذلك فيما إذا ذكر لفظ الحال، وأريد المحل لما بينهما من الملازمة، نحو: (ففي رحمة الله هم فيها خالدون) فالمراد من (الرحمة) الجنة التي تحل فيها الرحمة، فهم في جنة تحل فيها رحمة الله، ففيه مجاز مرسل، علاقته (الحالية) وكقوله تعالى (خذوا زينتكم عندكل مسجد) أي لباسكم، لحلول الزينة فيهن فالزينة حال واللباس محلها، ونحو: أرى بياضاً يظهر ويختفي، وأرى حركة تعلو وتسفل.
    (14) والمحلية – هي كون لاشيء يحلُّ فيه غيره، وذلك فيما إذا ذكر لفظ المحل، واريد به الحال فيه – كقوله تعالى (فليدعُ ناديهُ) والمراد من يحل في النادي.
    وكقوله تعالى (يقولون بأفواههم) أي ألسنتهم، لأن القول لا يكون عادة إلا بها.
    (15) والبداية – هي كون الشيء بدلاً عن شيء آخر – كقوله تعالى (فإذا قضيتم الصلاة) والمراد: الأداء.
    (16) والمبدلية – هي كون الشيء مبدلاً منه شيءٌ آخر، نحو أكلت دم زيد، أي ديتهُ، فالدم (مجاز مرسل) علاقته (المبدلية) لأن الدم: مبدل عنه (الدية)
    (17) والمجاورة – هي كون الشيء، مجاوراً لشيء آخر، نحو كلمت الجدار والعامود، أي الجالس بجوارهما، فالجدار والعامود مجازان مرسلان (المجاورة)
    (18) والتعلق الاشتقاقي – هو إقامة صيغة مقام أخرى – وذلك.
    (أ) كإطلاق المصدر على اسم المفعول، في قوله تعالى (صنع الله الذي أتقن كل شيء) – أي مصنوعه.
    (ب) وكاطلاق اسم الفاعل على المصدر، في قوله تعالى (ليس لوقعتها كاذبة) أي تكذيب.
    (جـ) وكإطلاق اسم الفاعل على اسم المفعول، في قوله (لا عاصم اليوم من أمر الله) – أي لا معصوم.
    (د) وكإطلاق اسم المفعول على اسم الفاعلن في قوله تعالى (حجاباً مستورا) أي ساتراً.
    والقرينة على مجازية ما تقدم، هي ذكر ما يمنع ارادة المعنى الأصلي.
    المبحث الثالث
    في تعريف المجاز العقلي وعلاقاته([454])
    المجاز العقلي: هو إسنادُ الفعل، أو ما في معناه (من اسم فاعل، أو اسم مفعول أو مصدر) إلى غير ما هو له في الظاهر، من حال المتكلم، لعلاقة مع قرينة تمنع من أن يكون الإسناد إلى ما هو له.
    أشهر علاقات المجاز العقلي
    (1) الإسناد إلى الزمان، نحو: (من سره زمن ساءته أزمان) أسند الاساءة والسرور إلى الزمن، وهو لم يفعلهما، بل كانا واقعين فيه على سبيل المجاز
    (2) الاسناد إلى المكان، نحو: (وجعلنا الأنهار تجري من تحتهم) فقد أسند الجرى إلى الانهار، وهي أمكنة للمياه، وليست جارية بل الجاري ماؤها.
    (3) الاسناد إلى السبب، نحو:
    إنّي لمن معشر أفنى أوائلهم قيلُ الكماة ألا أين المُحامونا؟
    فقد نسب الافناء إلى قول الشجعان، هل من مبارز ؟؟
    وليس ذلك القول بفاعل له، ومؤثر فيه، وإنما هو سبب فقط
    (4) الاسناد إلى المصدر – كقول أبي فراس الحمداني
    سيذكرني قومي إذا جد جدهم وفي الليلة الظلماء يفتقد البدر
    فقد أسند الجد إلى الجد، أي الاجتهاد، وهو ليس بفاعل له، بل فاعله الجاد – فأصله جد الجاد جدا، أي اجتهد اجتهاداً، فحذف الفاعل الأصلي وهو الجاد، واسندَ الفعل إلى الجد.
    (5) إسناد ما بني للفاعل إلى المفعول – نحو: سرني حديث الوامق فقد استعمل اسم الفاعل، وهو الوامق، أي (المُحبُّ) بدل الموموق، أي المحبوب، فان المراد: سررت بمحادثة المحبوب.
    (6) إسناد ما بني للمفعول إلى الفاعل، نحو: (جعلت بيني وبينك حجاباً مستوراُ) أي ساتراً، فقد جعل الحجاب مستورا، مع أنه هو الساتر.
    تنبيهات
    (أ) كما يكون هذا المجاز في الإسناد، يقع في النسبة الاضافية، نحو جرى الأنهار، وغراب البين، ومكر الليل: فنسبة الجري إلى الأنهار مجاز علاقته المكانية، ونسبة البين إلى الغراب، مجاز علاقته السببية، ونسبة المكر إلى الليل مجاز، علاقته الزّمانية
    (ب) الفعل المبني للفاعل، واسم الفاعل، إذا أسندا إلى المفعول فالعلاقة المفعولية، والفعل المبني للمجهول، واسم المفعول، إذا أسندا إلى الفاعل فالعلاقة الفاعلية، واسم المفعول المستعمل في موضع اسم الفاعل مجاز، علاقته الفاعلية، واسم الفاعل المستعمل في موضع اسم المفعول مجاز، علاقته المفعولية.
    (جـ) هذا المجاز: مادةُ الشاعر المفلق، والكاتب البليغ، وطريق من طرق البيان، التي لا يستغنى عنها واحد منهما.
    تطبيق على أشهر علاقات المجاز العام
    اذكر علاقات المجاز المرسل: فيما يلي
    (1) أبا المسك أرجو منك نصراً على العِدا وآمل عزا تخضب البيض بالدم([455])
    ويوماً يغيظ الحاسدين وحالةً أقيم الشقا فيها مقام التنعمُّ ([456])
    (2) قال الله تعالى: (لا عاصم اليوم من أمر الله إلا من رحم).
    (3) ذهبنا إلى حديقة غناء
    (4) بنى اسماعيل كثيرا من المدارس بمصر
    (5) تكاد عطاياه يجنُ جنونها إذا لم يعوذها برقية طالب ([457])
    الاجابة
    (1) عزاً يخضب البيض بالدم
    إسناد خضب السيوف بالدم إلى ضمير العز غير حقيقي، لأن العز لا يخضب السيوف، ولكنه سبب القوة، وجمع الأبطال الذين يخضبون السيوف بالدم، ففي العبارة مجاز عقلي، علاقته السببيه.
    «ب» ويوماً يغيظ الحاسدين
    إسناد غيظ الحاسدين إلى ضمير اليوم غير حقيقي، غير أن اليوم هو الزمان الذي يحصل فيه الغيظ، ففي الكلام مجاز عقلي، علاقته الزمانية.
    (جـ) لا عاصم اليوم من أمر الله.
    المعنى لا معصوم ([458]) اليوم من امر الله إلا من رحمة الله، فاسم الفاعل أسند إلى المفعول، وهذا مجاز عقلي، علاقته المفعولية.
    (د) ذهبنا إلى حديقة غناء
    غناء مشتقة من الغن، والحديقة لا تغن، وإنما الذي يغن (عصافيرها) أو ذبابها – ففي الكلام مجاز عقلي، علاقته المكانية.
    (هـ) بنى اسماعيل كثيراً من المدارس
    إسماعيل: أمير مصر – لم يبن بنفسه – ولكنه أمر، ففي الاسناد مجاز عقلي، علاقته السببية
    (و) تكاد عطاياه يجن جنونها – إسناد الفعل إلى المصدر مجاز عقلي، علاقته المصدرية.


    نموذج آخر
    بين المجاز العقلي واذكر علاقته فيما يلي:
    (1) أهلكنا الليل والنهار([459]) (2) منزل عامر بنعم الله ([460])
    (3) أنشأ وزير المعارف عدة مدارس ([461]) (4) مشربٌ عذبٌ ([462])
    (5) هذا يوم عصيب ([463]) (6) ربحت تجارتهم ([464])
    بلاغة المجاز المرسل([465]) والمجاز العقلي
    إذا تأملت أنواع المجاز المرسل والعقلي رأيت أنها في الغالب تؤدى المعنى المقصود بايجاز، فاذا قلت (هزَم القائد الجيش) أو (قرر المجلس كذا) كان ذلك أوجز من أن تقول (هزم جنود القائد الجيش) أو (قرر أهل المجلس كذا) ولا شك أن الايجاز ضربٌ من ضروب البلاغة.
    وهناك مظهرٌ آخر للبلاغة في هذين المجازين، هو المهارة في تخيّر العلاقة بين المعنى الأصلي والمعنى المجازي، بحيث يكون المجاز مصور للمعنى المقصودخيرَ تصوير – كما في إطلاق العين على الجاسوس، والأذن على سريع التأثر بالوشاية، والخف والحافر على الجمال والخيل، في المجاز المرسل وكما في إسناد الشيء: إلى سببه، أو مكانه، أو زمانه، في المجاز العقلي فإن البلاغة توجب أن يختار السبب القوى، والمكان والزمان المختصان وإذا دققت النظر رأيت أن أغلب ضروب المجاز المرسل، والمجاز العقلي لا تخلو من مبالغة بديعة، ذات أثر في جعل المجاز رائعاً خلاباً، فإن إطلاق الكل على الجزء مبالغة، ومثله إطلاق الجزء وإرادة الكلّ، كما إذا قلت «فلان فمٌ» تريد أنه شرهٌ، يلتقم كل شيء، ونحو: «فلان أنف» عندما تريد أن تصفه بعظم الأنف، فتبالغ فتجعله كله أنفا؟
    ومما يؤثر عن بعض الأدباء: في وصف رجل أنافي ([466]) قوله: «لست أدرى: أهو في أنفه، أم أنفه فيه» ؟؟

    المبحث الرابع
    في المجاز المفرد بالاستعارة
    تمهيد
    سبق: أن التشبيه أول طريقة دلّت عليها الطبيعة، لايضاح أمر يجهله المخاطب، بذكر شيء آخر، معروف عنده، ليقيسه عليه، وقد نتج من هذه النظرية، نظرية أخرى في تراكيب الكلام، ترى فيها ذكر المشبه به فقط، وتسمى هذه بالاستعارة، وقد جاءت هذه التراكيب المشتملة على الاستعارة أبلغ من تراكيب التشبيه، وأشد وقعاً في نفس المخاطب، لأنه كلما كانت داعية إلى التحليق في سماء الخيال، كان وقعها في النفس أشد، ومنزلتها في البلاغة أعلى وما يبتكره أمراء الكلام من أنواع صور الاستعارة البديعة، التي تأخذ بمجامع الأفئدة، وتملك على القارىء والسامع لبهما وعواطفهما، (هو سر بلاغة الاستعارة) فمن الصور المجملة التي عليها طابع الابتكار وروعة الجمال قول شاعر الحماسة
    قومٌ إذا الشر أبدى ناجذيه لهم طاروا اليه زرافاتٍ ووحدانا
    فانه قد صور لك الشر، بصور حيوان مفترس، مكشر عن أنيابه، مما يملا فؤادك رعباً، ثم صور القوم الذين يعنيهم، بصور طيور جوارح تطير إلى مصادمة الأعداء، طيراناً مما يستثير إعجابك بنجدتهم، ويدعوك إلى إكبار حميتهم وشجاعتهم.
    ومنهم: من يعمد إلى الصورة التي يرسمها، فيفصّل أجزاءها، ويبين لكل جزء مزيته الخاصة، كقول امرىء القيس في وصف الليل بالطول:
    فقلت له لمّا تمطّى بصُلبه وأردف أعجازاً وناء بكلكَلِ([467])
    فانه لم يكتف بتمثيل الليل، بصورة شخص طويل القامة، بل استوفى له جملة أركان الشخص، فاستعار له صلباً يتمطى به، إذ كان كل ذي صلب يزيد في طوله تمطيه، وبالغ في ذلك بأن جعل له أعجازاً يردف بعضها بعضاً، ثم أراد أن يصفه بالثقل على قلب ساهره، فاستعار له كلكلاّ ينوء به (أي يثقل به) ولا يخفى عليك ما يتركه هذا التفصيل البديع في قلب سامعه من الأثر العظيم، والارتياح الجميل.
    ومنهم: من لا يكتفى بالصورة يرسمها، بل ينظر إلى ما يترتب على الشيء، فيعقّب تلك الصورة بأخرى أشد وأوقع، كقول أبي الطيب المتنبيء:
    رماني الدهر بالأرزاء حتى فؤادي في غشاء من نبال([468])
    فصرت إذا أصابتني سهام تكسرت النصال على النصال([469])
    فانه لم يكتف بتصويره المصائب سهاماً في سرعة انصيابها، وشدة إيلامها، ولا بالمبالغة في وصف كثرتها، بأن جعل منها غشاء محيطاً بفؤاده، حتى جعل ذلك الغشاء من المتانة والكثافة، بحيث إنَّ تلك النصال مع استمرار انصيابها عليهن لا تجد منفذاً إلى فؤاده، لأنها تتكسر على النّصال التي سبقتها › فانظر الى هذا التمثيل الرائع، وقل لي: هل رايت تصوير أشد منه لتراكم المصائب والآلام ؟؟
    تعريف الاستعارة وبيان انواعها
    الاستعارة لغة: من قولهم، استعار المال: إذا طلبه عارية
    واصطلاحاً: هي استعمال اللفظ في غير ما وضع له لعلاقة (المشابهة) بين المعنى المنقول عنه والمعنى المستعمل فيه، مع (قرينة) صارفة عن إرادة المعنى الأصلي (والاستعارة) ليست إلى (تشبيهاً) مختصراً، لكنها أبلغ منه([470])
    كقولك: رايت اسداً في المدرسة، فأصل هذه الاستعارة «رأيت رجلا شجاعاً كالأسد في المدرسة «فحذفت المشبه «لفظ رجل» وحذفت الأداة الكاف – وحذفت وجه التشبيه «الشجاعة» وألحقته بقرينة «المدرسة» لتدل على أنك تريد بالأسد شجاعاً.
    وأركان (1) مستعار منه – وهو المشبه به
    الاستعارة (2) ومستعار له – وهو المشبه
    ثلاثة (3) ومستعار – وهو اللفظ المنقول
    فكل مجاز يبنى على التشبيه (يسمى استعارة)
    ولا بُد فيها من عدم ذكر وجه الشبه، ولا أداة التشبيه، بل ولا بدّ أيضاً من (تناسى التشبيه) الذي من أجله وقعت الاستعارة فقط، مع ادّعاء أن المشبه عين المشبه به، أو أدعاء أن المشبه فرد من أفراد المشبه به الكلى «بأن يكون «اسم جنس ««أو علم جنس» ولا تتأتى الاستعارة في «العلم الشخصي» ([471]) لعدم إمكان دخول شيء في الحقيقة الشخصية – لأن نفس تصور الجزئي يمنع من تصور الشركة فيه، إلا إذا أفاد العلم الشخصي وصفاً، به يصح اعتباره كليا، فتجوز استعارته: كتضمن «حاتم» للجود، و «قس» ودخول المشبه في جنس الجواد – والفصيح، وللاستعارة أجمل وقع في الكتابة، لأنهما تجدى الكلام قوة، وتكسوه حسنا ورونقاً، وفيها تثار الأهواء والإحساسات.
    المبحث الخامس
    في تقسيم الاستعارة باعتبار ما يُذكر من الطرفين
    إذا ذكر في الكلام لفظ المشبه به فقط، فاستعارة تصريحية أو مصرّحة([472]) نحو
    فأمطرت لؤلؤاً من نرجس وسقت ورداً وعضت على العناب بالبرد
    فقد استعار: اللؤلؤ، والنرجس، الورد، والعناب، والبرد للدموع، والعيون، والخدود، والأنامل، والأسنان.
    وإذا ذكر في الكلام لفظ المشبه فقط، وحذف فيه المشبه به، وأشير اليه بذكر لازمه: المسمى «تخييلاً» فاستعارة مكنية ([473]) أو بالكناية، كقوله
    إذا المنية أنشبت أظفارها ألفيت كل تميمة لا تنفع
    فقد شبه المنية، بالسبع، بجامع الاغتيال في كلٍ، واستعار السبع للمنية وحذفه، ورمز اليه بشيء من لوازمه، وهو (الأظفار) علىطريق الاستعارة المكنية الأصلية، وقر ينتها لفظة «أظفار»
    ثم أخذ الوهم: في تصوير المنية بصورة السبع، فاخترع لها مثل صورة الأظفار، ثم أطلق على الصورة التي هي مثل صورة الأظفار، لفظ (الإظفار) فتكون لفظة (أظفار) استعارة (تخييلية) لأن المستعار له لفظ أظفار صورة وهمية، تشبه صورة الأظفار الحقيقية، وقرينتها اضافتها إلى المنية ونظراً الى أن (الاستعارة التخييلية) قرينة المكنية، فهي لازمة لا تفارقها، لأنّه لا استعارة بدون قرينة.
    وإذاً: تكون أنواع الاستعارة ثلاثة: تصريحّية، ومكنّية، وتخييليةّ

    المبحث السادس
    في الاستعارة باعتبار الطرفين([474])
    إن كان المستعار له محققاً حساً «بأن يكون اللفظ قد نقل إلى أمر معلوم، يمكن أن يشار إليه إشارة حسية» كقولك: رأيت بحرا يعطى أو كان المستعار له محققاً عقلا «بأن يمكن أن ينص عليه، ويشار إليه إشارة عقلية» كقوله تعالى (إهدنا الصراط المستقيم) أي (الدين الحق) (فالاستعارة تحقيقة) وان لم يكن المستعار له محققاً، لا حساً ولا عقلاً «فالاستعارة تخييلية» وذلك: كالأظفار، في نحو: أنشبت المنية أظفارها بفلان.
    المبحث السابع
    في الاستعارة باعتبار اللفظ المستعار
    (1) إذا كان اللفظ المستعار «اسما جامداً لذاتٍ» كالبدر: إذا استعير للجميل «أو اسماً جامداً لمعنى» كالقتل: إذا استعير للضرب الشديد، سميت الاستعارة «أصلية في كل من التصريحيةوالمكنية» كقوله عالى (كتاب انزلناه إليك لتخرج الناس من الظلمات إلى النور) ([475])
    وكقوله تعالى (واخفض لهما جناح الذل من الرحمة) ([476])
    وسميت أصلية: لعدم بنائها على تشبيه تابع لتشبيه آخر معتبر أولاً كقول البحتري:
    يودون التحية من بعيد إلى قمر من الإيوان باد
    (2) وإذا كان اللفظ المُستعار «فعلاً» ([477]) أو اسم فعلٍ، أو اسما سنقا أو اسما مبهماً أو حرفا فالاستعارة «تصريحية تبعية» نحو: نامت همومي عنّي، ونحو: صهٍ: الموضوع للسكوت عن الكلام، والمستعمل مجازاً في ترك الفعل، ونحو: الجندي قاتل اللص، بمعنى ضاربه ضرباً شديداً، ونحو: هذا: الموضوعة للاشارة الحسية، والمستعملة مجازاً في الاشارة العقلية نحو: هذا رأى حسن، ونحو: قوله تعالى (ولأصلبنكم في جذوع النخل) ونحو: قوله تعالى (فالتقطه آل فرعون ليكون لهم عدواً وحزنا)
    (3) وإذا كان اللفظُ المستعار اسماً مشتقاً، أو اسماً مبهماً، «دون باقي أنواع التبعية المتقدمة» فالاستعارة «تبعية مكنية»
    وسميت (تبعية) لأن جريانها في المشتقات، والحروف، تابعٌ لجريانها أولاً: في الجوامد، وفي كليات معاني الحروف، يعني: أنها سميت تبعية لتبعيتها لاستعارة أخرى، لأنها في المشتقات تابعة للمصادر، ولأنها في معاني الحروف تابعة لمتعلّق معانيها، إذ معاني الحروف جزئية، لا تتصور الاستعارة فيها إلا بواسطة كلي مستقل بالمفهومية ليتأتى كونها مشبهاً، ومشبها بها، أو محكوماً عليها، أو بها.
    نحو: ركب فلان كتفي غريمه([478]) أي: لازمه ملازمة شديدة
    وكقوله تعالى (اولئك على هدى من ربهم) أي تمكنوا من الحصول على الهداية التّامة ([479]).
    ونحو: (أذقته لباس الموت) ([480]) أي ألبسته إياه.
    تنبيهات عشرة
    التنبيه الأول – كل تبعية قرينتها مكنية
    التنبيه الثاني – إذا أجريت الاستعارة في واحدة من الاستعارة التصريحية، أو من الاستعارة المكنية، امتنع اجراؤها في الأخرى.
    التنبيه الثالث – تقسيم الاستعارة إلى (أصلية وتبعية) عام في كل من الاستعارة التصريحية والمكنية.
    التنبيه الرابع – تبين أن الاستعارة هي اللفظ المستعمل في غير ما وضع له، لعلاقة المشابهة، مع قرينة مانعة من إرادة المعنى الوضعي ([481])
    أو هي: (مجاز لغوي) علاقته المشابهة، كقول زهير:
    لدى أسدٍ شاكي السلاح مُقذَف له لبدٌ أظفارُه لم تُقلَّم
    فقد استعار الأسد: للرجل الشجاع، لتشابههما في الجراءة
    والمستعار له هنا: لفظ رجل (محقق حساً)، وكقوله تعالى (اهدنا الصراط المستقيم)، فقد استعار الصراط المستقيم للدين الحق، لتشابههما في أن كلا يوصل إلى المطلوب، والدين الحق (محقق عقلا) لأنه أئر معنوي، له ثبوت ٌ في ذاته وكقوله تعالى (كتابٌ أنزلناه إليك لتخرج الناس من الظلمات إلى النور) أي: من الضلال إلى الهدى، فقد استعير لفظ الظلمات للضلال، لتشابههما في عدم اهتداء صاحبيهما، ثم استعير لفظ الظلمات للضلال، وكذلك استعير لفظ النور للإيمان، لتشابههما في الهداية، والمستعار له وهو الضلال والإيمان، كل منهما (محقق عقلا) وتسمى هذه الاستعارات (تصريحية) وتسمى أيضاً (تحقيقية) – وأما قول أبي ذؤيب الهذلى
    وإذا المنَّية أنشبت أظفارها ألفيت كل تميمةٍ لا تنفع
    فشبه المنية، بالسبع، في اغتيال النفوس قهراً، من غير تفرقة بين نفّاع وضرَّار، ولم يذكر لفظ المشبه به بل ذكر بعض لوازمه وهو أظفارها التي لا يكمل الاغتيال في السبع إلا بها، تنبيهاً على المشبه به المحذوف فهو استعارة (مكنية) – وكقوله:
    ولئن نطقت بشكر برّك مفصحاً فلسان حالي بالشكاية أنطقُ
    فشبه الحال، بانسان ناطق في الدلالة على المقصود، ولم يصرح بلفظ المشبه به، بل ذكر لازمه، وهو (اللسان) الذي لا تقوم الدلالة الكلامية إلا به، تنبيهاً به عليه – فهو أيضاً استعارة (مكنية)، وقد أثبت للمشبه لازم من لوازم المشبه به، لا يكون إلا به كماله أو قوامه في وجه الشبه، (كالأظفار) التي لا يكمل الافتراس إلا بها كما في المثال الأول، (واللسان) الذي لا تقوم الدلالة الكلامية في الانسان إلا به، كما في المثال الثاني، وليس (للمنية) شيء كالأظفار نقل إليه هذا اللفظ، ولا (للحال) شيء (كاللسان) نقل إليه لفظ اللسان، وما كان هذا حاله يعتبر طبعاً (تخييلا أو استعارة تخييلية).
    التنبيه الخامس – تقدم أن الاستعارة التصريحية، أو المصّرحة: هي ما صُرّح فيها بلفظ المشبه به.
    وأنّ المكنية، هي ما حذف فيها لفظ المشبه به، استغناء ببعض لوازمه، التي بها كمالهُ، أو قوامه في وجه الشبه ([482]) وأنّ إثبات ذلك الّلازم تخييل – أو استعارة تخييلية.
    غير أنهم اختلفوا في تعريف كل من المكنية والتّخييلية، فمذهب السّلف: أن المكنية: اسم المشبه به، المستعار في النفس للمشبه، وأنّ إثبات لازم المشبه به للمشبه (استعارة تخييلية) ([483]) فكلٌّ من (الأظفار) في قوله: «وإذا المنية أنشبت أظفارها»، (واللّسان) في قوله:
    «فلسان حالي بالشكاية أنطق» حقيقةٌ، لأنه مستعمل فيما وضع له.
    ومذهب (الخطيب القزويني) أنّ المكنية هي التشبيه المضمر في النفس، المرموز إليه باثبات لازم المشبه به للمشبه، وهذا الاثبات هو الاستعارة (التخييلية) ([484])
    ومذهب (السكاكي) أن المكنية لفظ المشبه، مراداً به المشبه به ([485])، فالمراد (بالمنية) في قوله: «وإذا المنية ُ انشبت أظفارها» هو السبع بادعاء السبعية لها، وإنكار أن تكون شيئاً غير السبع، بقرينة إضافة الأظفار التي هي من خواص السبع إليها، و (التخييلية) عنده ما لا تحقق لمعناه (لا حسّا ولا عقلا) بل هو صورة وهمية محضه: كالأظفار في ذلك المثال فانه لما شبه المنية، بالسبع في الاغتيال، أخذ الوهم يصورها بصورته، ويخترع لها لوازمه، فاخترع لها صورة كصورة الأظفار، ثم أطلق عليها لفظ الأظفار فيكون لفظ الأظفار استعارة (تصريحية تخييلية) أمّا أنها تصريحية: فلأنه صُرّح فيها بلفظ المشبه به، وهو اللازم الذي أطلق على صورة وهمية شبيهة بصورة الأظفار المحققة، وأما أنها (تخييلية) فلأن المستعار له غير محقق (لا حساً ولا عقلا) والقرينة على نقل الأظفار من معناها الحقيقي إلى المعنى المتخيل، إضافتها إلى المنية ([486])
    هذا – ومذهب السكاكي في المكنية مردود عليه، بأن لفظ المشبه فيها مستعمل فيما وضع له تحقيقاً، للقطع بأن المراد بالمنية (الموت) لا غير: فليس مستعاراً.
    التنبيه السادس – الاستعارة صفة للفظ على المشهور، والحق أن المعنى يعارُ أولا، ثم يكون اللفظ دليلا على الاستعارة: وذلك.
    (1) لأنه إذا لم يكن نقل الاسم تابعاً لنقل المعنى تقديراً لم يكن ذلك استعارة، مثل (الأعلام المنقولة) فأنت إذا سميت إنساناً بأسد، أو نمر أو كلب، لا يقال إن هذه الأسماء مستعارة، لأن نقلها لم يتبع نقل معانيها تقديراً.
    (2) ولان البُلغاء: جزمُوا بأن (الاستعارة، أبلغ من الحقيقة) فان لم يكن نقل الاسم تابعاً لنقل المعنى، لم يكن فيه مبالغة، إذ لا مبالغة في إطلاقب الاسم المجرد عن معناه.
    التنبيه السابع – ظهر أن الاستعارة باعتبار اللفظ نوعان (أصلية وتبعية) فالأصلية: ما كان فيها المستعار اسم جنس غير مشتق، سواء أكان اسم ذات، كأسد للرجل الشجاع، أم اسم معنى، كقتل للإذلال، وسا أكان اسم جنس (حقيقة) كأسد وقتل، أم (تأويلا) كما في الأعلام المشهورة بنوع من الوصف، كحاتم في قولك: رأيت اليوم حاتماً، تريد رجلا كامل الجود، فاعتبر لفظ (حاتم) في قوة الموضوع لمفهوم كلي، حتى كاد يغلب استعماله في كل من له وصف حاتم، فكما أن أسداً يتناول الحيوان المفترس والرجل الشجاع ادّعاء، كذلك حاتم يتناول الطائي وغيره ادعاء، ويكون استعماله في (الطائي) حقيقة، وفي غيره مجازاً، لأن الاستعارة مبنية على ادعاء أن المشبه فرد من أفراد المشبه به، فلابدّ أن يكون المشبه به كلياً ذا أفرادٍ، والمراد (باسم الجنس) غير المشتق (ما صلح لأن يصدق على كثيرين، من غير اعتبار وصف من الأوصاف في الدلالة).
    وليس العلم الشخصي واسم الاشارة والضمير والموصول من الكليات، فلا يصح أن تجري فيها الاستعارة الأصلية، أمّا المشتق فالصفة جزء من مدلوله وضعاً، لأنه موضوع لذات متصفة بصفة، (فكريم) موضوع لذات متصفة بالكرم، (وقتيل) موضوع لذات متصفة بوقوع القتل عليها.
    وقد اعتبرت (الأعلام) التي تتضمن معنى الوصف اسم جنس تأويلاً ولم تعتبر من قبيل المشتق، لأن الوصف ليس جزءا من معناها وضعاً، بل هو لازم لهن غير داخل في مفهومه، فحاتم: لم يوضع للدلالة على الجود ولا على ذات متصفة به، ولكن الجود عرض له ولزمه فيما بعد.
    التنبيه الثامن – التبعية ([487]) ما كان فيها المستعار مشتقا، ويدخل في هذا: الفعل، والاسم المشتقّ، والحرف.
    فاستعارة الفعل ([488]) نحو: قوله تعالى «إنا لما طغى الماء حملناكم في الجارية» ونحو: قوله تعالى (وقطعناهم في الأرض أمما)
    ونحو: قوله تعالى «فبشِّرهم بعذاب أليم»
    (1) يقال: شبه زيادة الماء زيادة مفسدة، بالطغيان – بجامع مجاوزة الحد في كلّ، وادعى أن المشبه فرد من أفراد المشبه به ثم استعير لفظ المشبه به للمشبه: على سبيل الاستعارة التصريحية الأصلية، ثم اشتق من الطغيان بمعنى الزيادة، طغى بمعنى زاد، وعلا، على سبيل الاستعارة التصريحية التبعية.
    هذا: وقد يستعمل لفظ الماضي موضع المضارع، بناء على تشبيه المستقبل المحقق، بالماضي الواقع، بجامع تحقق الوقوع في كل، ونحو: قوله تعالى (وقالوا لجلودهم لم شهدتم علينا) وقد يعبر بالمضارع عن الماضي، بناء على تشبيه غير الحاضر بالحاضر، في استحضار صورته الماضية، لنوع غرابة فيها، نحو: قوله تعالى «إني أرى في المنام أني أذبحك».
    التنبيه التاسع – استعارة المشتق: إمّا صفة([489]) ، وإما اسم زمان، أو مكان أو آلة فالصفة نحو: حكم على قاتلك بالسِّجن، من القتل بمعنى الضّرب الشديد، مجازاً، ونحو: أصادق الأصم عن الخنى، واجاور الأعمى عن العورات، ونحو: فلسان حالي بالشكاية أنطق: أي أدلّ، ونحو: قوله تعالى (من بعثنا من مرقدنا) ونحو: جئت بمقتالِك ([490])
    أي بالآلة التي أضربك بها ضربا شديداً.
    التنبيه العاشر – مدار قرينة التبعية في الفعل والمشتق على ما يأتي:
    (1) على الفاعل – نحو: إنا لما طغى الماء، ونطقت الحال بكذا ([491])
    (2) أو على نائبه – نحو: ضربت عليهم الذلة والمسكنة ([492])
    (3) أو على المفعول به – نحو:
    جُمِعَ الحقّ لنا في إمامٍ قتل البخل وأحيا السّماحاً ([493])
    (4) أو على المفعول به الثاني، نحو:
    صبحنا الخزرجية مرهفات أباد ذوى أرومتها ذووها ([494])
    (5) أو على الفاعل والمفعولين، كقول الشاعر:
    تقرى الرّياح رياض الحزن مزهرة إذا سرى النوم في الأجفان إيقاظا ([495])
    (6) أو على المفعولين، كقوله تعالى (وقطعناهم في الأرض أمما)
    (7) أو على المجرور، نحو: «فبشرهم بعذاب أليم ([496])» ونحو: «فاصدع بما تؤمر» ونحو: «بل نقذف بالحق» هذا – وقد تكون قرينة التبعية غير ذلك، نحو: «قالوا يا ويلنا من بعثنا من مرقدنا([497])» إذ القرينة في هذه الآية، كونه من كلام الموتى، مع قوله: «هذا ما وعد الرحمن وصدق المرسلون».
    التنبيه العاشر – استعارة الحرف ([498]) نحو: (فالتقطه آل فرعون ليكون لهم عدوا وحزنا) فقد شبه مطلق ترتب علة واقعية على فعل،([499]) بمطلق ترتب علة غائية على فعل([500])، بجامع مطلق الترتب في كل([501])، فسرى التشببيه من الكليين إلى الجزئيات، ثم استعمل في جزئي المشبه([502]) (اللام) الموضوعة لجزئي المشبه به ([503]) على سبيل الاستعارة التبعية، ونحو: قوله تعالى (ولأصلبنكم في جذوع النخل([504]))، ونحو: قوله تعالى (أولئك على هدى من ربهم) ([505]) ، ونحو: (زيد في نعمة ([506]))..
    ومن هذه الأمثلة السابقة: تتبين أنه لا يشترط أن يكون للمشبه حرف موضوع له يدل عليه.
    واختار (السّكاكيّ) تقليلا لأقسام الاستعارة: أن يستغنى عن التبعية في الفعل، والمشتق، والحرف، بأن يجعل قرينة التبعية، استعارة مكنية، وأن يجعل التبعية، قرينة للمكنية، ففي قوله تعالى: (إنّا لمّا طغى الماء حملناكم في ا لجارية) يجعل القوم الطغيان مستعاراً للكثرة المفسدة.
    ويقول (السكاكي) في لفظ (الماء) استعارة مكنية ونسبة الطغيان إليه قرينة.
    المبحث الثامن
    في تقسيم الاستعارة المصرّحة باعتبار الطرفين إلى عنادية ووفاقية، فالعنادية – هي التي لا يمكن اجتماع طرفيها في شيء واحد، لتنافيهما كاجتماع النور والظلام.
    والوفاقية – هي التي يمكن اجتماع طرفيها في شيء واحد، لعدم التنافي – كاجتماع النور والهدى.
    ومثالهما قوله تعالى (أو من كان ميتاً فأحييناه) أي ضالاً فهديناه ففي هذه الآية استعارتان.
    الأولى – في قوله «ميتاً» شبه الضلال، بالموت، بجامع ترتب نفى الانتفاع في كل، واستعير الموت للضلال، واشتق من الموت بمعنى الضلال، ميتاً بمعنى ضالاً، وهي عنادية، لأنه لا يمكن اجتماع الموت والضلال في شيء واحد.
    والثانية – استعارة الإحياء، للهداية، وهي (وفاقية) لامكان اجتماع الإحياء والهداية في الله تعالى، فهو محيٍ وهادٍ.
    ثم العنادية – قد تكون تمليحية، أي المقصود منها التمليح والظرافة وقد تكون تهكمية – أي المقصود منها التهكم والاستهزاء، بأن يستعمل اللفظ الموضوع لمعنى شريف، على ضدِّه أو نقيضه، نحو رأيت أسداً تريد جباناً، قاصداً التّمليح والظّرافة، أو التهكّم والسّخرية: وهما اللتان نُزّل فيهما التضاد، منزلة التَّناسب، نحو: (فبشِّرهم بعذاب أليم) أي (أنذرهم) فاستعيرت البشارة التي هي الخبر السّار، للإنذار الذي هو ضده بادخال الإنذار في جنس البشارة، على سبيل التهكم والاستهزاء.
    وكقوله تعالى (فاهدوهم إلى صراط الجحيم).

    المبحث التاسع
    في تقسيم الاستعارة باعتبار الجامع
    الاستعارة المصرحة باعتبار (الجامع) نوعان([507])
    (1) عامية – وهي القريبة المبتذلة التي لاكتها الألسن، فلا تحتاج إلى بحث: ويكون الجامع فيها ظاهراً، نحو: رأيت أسداً يرمى.
    وكقوله: وأدهم يسمتدّ الليل منه وتطلع بين عينيه الثُّريَّا
    فقد استعار الثريا، لُغرّة المهر، والجامع بين الطرفين ظاهر، وهو البياض وقد يتصرف في العامية بما يخرجها إلى الغرابة.
    (2) وخاصية – وهي الغريبة التي يكون الجامع فيها غامضاً، لا يُدركه إلا أصحاب المدارك (من الخواص) – كقول كثير يمدح عبد العزيز بن مروان
    غمرُ الرِّداء إذا تبسم ضاحكاً غلقت لضحكته رقابُ المال
    غمر الرداء «كثير العطايا والمعروف» استعار الرداء للمعروف لأنه يصون ويستر عرض صاحبه، كستر الرِّداء ما يلقى عليه، واضاف إليه الغمر، وهو القرينة على عدم إرادة معنى الثوب: لأنّ الغمر من صفات المال، لا من صفات الثوب.
    وهذه الاستعارة: لا يظفر باقتطاف ثمارها إلاّ ذووا الفطر السليمة والخبرة التامة.
    المبحث العاشر
    في تقسيم الاستعارة باعتبار ما يتصل بها من الملائمات، وعدم اتصالها
    تنقسم الاستعارة: باعتبار ذكر «ملائم المستعار منه» أو باعتبار ذكر ملائم المستعار له» أو باعتبار عدم اقترانها بملا يلائم أحدهما إلى ثلاثة أقسام: مطلقة، ومرشحة، ومجردة.
    (1) فالمطلقة: هي التي لم تقترن بما يلائم المشبه والمشبه به: نحو (ينقضون عهد الله) أو ذكر فيها ملائمها معاً – كقول زهير
    لدى أسدٍ شاكي السلاح مقذّف له لبدٌ أظفاره لم تُقلَّم
    استعار الأسد: للرجل الشجاع، وقد ذكر ما يناسب المستعار له، في قوله «شاكى السلاح مقذف» وهو التجريد، ثم ذكر ما يناسب المستعار منه، في قوله «له لبد أظفاره لم تقلم» وهو الترشيح، واجتماع التجريد والترشيح يؤدى إلى تعارضهما وسقوطهما، فكأن الاستعارة لم تقترن بشيء – وتكون في رتبة (المطلقة).
    «ب» والمرشحة – هي التي قرنت بملائم المستعار منه «أي المشبه به» نحو: (أولئك الذين اشتروا الضلالة بالهدى فما ربحت تجارتهم) استعير الشراء للاستبدال والاختيار، ثم فرع عليها ما يلائم المستعار منه (من الربح والتجارة)، ونحو: من باع دينه بدنياه لم تربح تجارته «وسميت مرشحة: لترشيحها وتقويتها بذكر الملائم» وترشيح الاستعارة التصريحية متفق عليه
    «جـ» والمجردة – هي التي قرنت بملائم المستعار له «أي المشبه» نحو: اشتر بالمعروف عرضك من الأذى.
    «وسميت بذلك: لتجريدها عن بعض المبالغة، لبعد المشبه حينئذ عن المشبه به بعض بعد» وذلك يبعد دعوى الاتحاد الذي هو مبني الاستعارة، ثم اعتبار الترشيح والتجريد: إنما يكون بعد تمام الاستعارة بقرينتها سواء أكانت القرينة مقالية أم حالية – فلا تعد قرينة المصرحة تجريداً ولا قرينةُ المكنيّة ترشيحا – بل الزائد على ما ذكر
    واعلم: أن الترشيح أبلغ من غيره، لاشتماله على تحقيق المبالغة بتناسى التشبيه، وادّعاء أن المستعار له هو نفس المستعار منه «لا شيء شبيهٌ به» وكأن الاستعارة غير موجودة أصلا، والإطلاق أبلغ من التجريد فالتجريد أضعف الجميع، لأنّ به تضعف دعوى الاتحاد.
    وإذا اجتمع ترشيح وتجريد: فتكون الاستعارة في رتبة المطلقة إذ بتعارضها يتساقطان، كما سبق تفصيله، وكما يجري هذا التقسيم في (التّصريحية) يجرى أيضاً في (المكنية).
    المبحث الحادي عشر
    في المجاز المرسل المركب
    المجاز المرسل المركب: هو الكلام المستعمل في غير المعنى الذي وضع له، لعلاقة غير المشابهة: مع قرينة مانعة من إرادة معناه الوضعي.
    ويقع أولا: في المركبات الخبرية المستعملة في الإنشاء وعكسه، لأغراض
    (1) منها – التّحسر وإظهار التأسف – كما في قول الشاعر
    ذهب الصِّبا وتولّت الايامُ فعلى الصِّبا وعلى الزمان سلام
    فانه وإن كان خبراً في أصل وضعهن إلا أنه في هذا المقام مستعمل في إنشاء التَّحسر والتَّحزَّن على ما فات من الشباب، وكما في قول جعفر ابن عُلبة الحارثي:
    هواي مع الرَّكب اليمانين مصعدٌ جنيبُ وجثماني بمكة مُوثقُ
    فهو يشير إلى الأسف والحزن الذي ألم به من فراق الأحبة، ويتحسُّر على ما آل إليه أمرهُ، والقرينة على ذلك حال المتكلم، كما يفهم من الشطر الثاني في قوله (هواي – الخ).
    (2) ومنها- إظهار الضعف – كما في قوله
    رب إني لا أستطيع اصطباراً فاعف عني يا من يقبلُ العثارا
    (3) ومنها – إظهارُ السرور، نحو: كُتِبَ اسمي بين الناجحين.
    (4) ومنها – الدعاء – نحو: نجَّح الله مقاصدنا – أيها الوطن لك البقاء.
    وثانيا ً: في المركبات الانشائية: كالأمر، والنهي، والاستفهام التي خرجت عن معانيها الأصلية، واستعملت في معان أخر: كما في قول المصطفى عليه الصلاة والسلام.
    «من كذب علي متعمداً فليتبوَّأ مقعده من النار»
    إذ المرادُ «يتبوّأ مقعده» والعلاقة في هذا (السببية والمسببية) لأن إنشاء المتكلم للعبارة سبب لاخباره بما تتضمنه، فظاهره أمرُ، ومعناه خبر.

    المبحث الثاني عشر
    في المجاز المركب([508]) بالاستعارة التمثيلية
    المجاز المركب بالاستعارة التمثيلية: هو تركيب استعمل في غير ما وضع له، لعلاقة المشابهة، مع قرينة مانعة من إرادة معناه الوضعي، بحيث يكون كل من المشبه والمشبه به هيأة منتزعة من متعدد – وذلك بأن تشبه إحدى صورتين منتزعتين من أمرين، أو أمور (بأخرى) ثم تدخل المشبه في الصورة المشبه بها مبالغة في التشبيه – ويسمى بالاستعارة التمثيلية ([509]) وهي كثيرة الورود في الأمثال السائرة، نحو: الصيف ضيعت اللبن – يضرب لمن فرط في تحصيل أمر في زمن يمكنه الحصول عليه فيه، ثم طلبه في زمن لا يُمكنه الحصول عليه ([510]) فيه، ونحو: (إني أراك تقدم رجلاً وتؤخر اخرى) يصرب لمن يتردد في أمر، فتارة يقدم، وتارة يحجم، ونحو: (أحشفاً وسوء كيلة) يضرب لمن يظلم من وجهين – وأصله أنّ رجلا اشترى تمراً من آخر) فاذا هو ردىءٌ، وناقص الكيل، فقال المشتري ذلك – ومثل ما تقدم جميع الأمثال السائرة (نثراً ونظماً) فمن النثر قولهم: لمن يحتال على حصول أمر خفي، وهو متستر تحت أمرٍ ظاهرٍ «لأمر ما جدع قصير أنفه» وقولهم: «تجوع الحرة ولا تأكل بثدييها وقولهم: لمن يريد أن يعمل عملا وحده وهو عاجز عنه «اليد لا تصفق وحدها» وقولهم: لمجاهد عاد إلى وطنه بعد سفر «عاد السيف إلى قرابه، وحلّ الليث منيع غابه» وقولهم لمن يأتي بالقول الفصل (قطعت جهيزةُ قول كلِّ خطيب)([511])
    ومن الشعر قول الشاعر:
    إذا جاء موسى وألقى العصا فقد بطل السحر والساحر
    إذا قالت حذام فصدِّقوها فان القول ما قالت حذام
    متى يبلغ البنيان يوما تمامهُ إذا كنت تبنيه وغيرك يهدم ([512])
    وإذا فشت وشاعت الاستعارة التمثيلية ([513]) وكثُر استعمالها تكون مثلاً([514]) لا يغير مطلقا، بحيث يخاطب به المفرد، والمذكر، وفروعهما، بلفظ واحد من غير تغيير ولا تبديل عن مورده الأول، وإن لم يطابق المضروب له.
    ولذا: كانت هذه الاستعارة محظ أنظار البلغاء، لا يعدلون بها الى غيرها إلا عند عدم إمكانها، فهي أبلغ أنواع المجاز مفرداً أو مركباً، إذ مبناها تشبيه التمثيل: الذي قد عرفت أن وجه الشبه فيه هيئةٌ منتزعة من أشياء متعددة ومن ثم كانت هي والتشبيه المبنية عليه غرض البلغاء الذين يتسامون اليه، ويتفاوتون في إصابته، حتى كُثرا في القرآن الكريم كثرة كانت إحدى الحجج على إعجازه.
    والاستعارة ميدان فسيح من ميادين البلاغة، وهي أبلغ من التشبيه لأنها تضع أمام المخاطب بدلاً من المشبه صورة جديدة تملك عليه مشاعره وتذهله عمّا ينطوي تحتها من التشبيه، وعلى مقدار ما في تلك الصورة من الروعة، وسمو الخيال، تكون البلاغة في الاستعارة.
    وأبلغ أنواع الاستعارة «المُرشّحة» لذكر ما يناسب المستعار منه فيها «بناء على الدعوى بأن المستعار له هو عين المُستعار منه.
    ثم تليها «المطلقة» لترك ما يُناسب الطرفين فيها، بناء على دعوى التساوى بينهما ثم تليها «المجردة» لذكر ما يناسب المستعار له فيها، بناء على تشبيهه بالمستعار منه.
    ولابد في الاستعارة، وفي التمثيل على سبيل الاستعارة، من مراعاة جهات حسن التشبيه، كشمول وجه الشبه للطرفين، ومن كون التشبيه وافياً بافادة الغرض، ومن عدم شم رائحة التشبيه لفظاً، ويجب أن يكون وجه الشبه بين الطرفين جليا، لئلا تصير الاستعارة والتمثيل تعمية.
    أسئلة على الاستعارة يطلب اجوبتها
    ما هي الاستعارة؟ ما أركانها؟ كم قسما الاستعارة باعتبار ذكر الطرفين المشبه به والمشبه؟ - ما أصل الاستعارة ؟ - ما هي الاستعارة التصريحية كم قسما لاستعارة التصريحية ؟ - كم قسما الاستعارة باعتبار ذكر ملائم المستعار له، والمستعار منه ؟ - ما هي الاستعارة المرشحة ؟ ما هي الاستعارة المجردة؟ ما هي الاستعارة المطلقة ؟ - كم قسما للاستعارة باعتبار إمكان اجتماع طرفيها في شيء؟ - ما هي الاستعارة الوفاقية ؟ ما هي الاستعارة العنادية؟ - كم قسما الاستعارة باعتبار الجامع ؟ - ماهي العامية ؟ ما هي الخاصية ؟ ما هي التمليحية ؟ - ما هي التهكمية ؟ ما مثال الحسيين والجامع حسي؟ ما مثال الطرفين الحسيين والجامع عقلي ؟ - ما مثال الطرفين العقليين والجامع عقلي؟ ما مثال المستعار منه الحسي والمستعار له العقلي ما مثال المستعار منه العقلي والمستعار له الحسي ؟ - ما هي الاستعارة بالكناية عند الجمهور ؟ - ما هي الاستعارة بالكناية عند السكاكي ؟ -
    ما هي الاستعارة بالكناية عند الخطيب ؟ - كم قسما للاستعارة بالكناية ؟ - ما هي المكنية الأصلية ؟ - ما هي المكنية التبعية ؟ - ما هي الاستعارة التخييلية عند الجمهور ؟ - لم سميت استعارة ؟ لم سميت تخييلية ؟ - ما هي الاستعارة المكنية المرشحة ؟ - ما هي الاستعارة المكنية المجردة؟ ما هي الاستعارة المكنية المطلقة ؟ - كم قسما للمكنية باعتبار امكان اجتماع طرفيها في شيء؟ - ما هي العنادية ؟ - ما هي الوفاقية ؟ - ما هو المجاز المركب ؟ - ما هي الاستعارة التمثيلية ؟ - ما هو المجاز المركب بالاستعارة ؟ - ما هي محسنات الاستمارة.
    تمرين آخر على كيفية إجراء الاستعارات
    (1) فسمونا والفجر يضحك في الشر ق الينا مبشراً بالصباح([515])
    (2) عضَّنا الدهر بنابه ليت ما حَلَّ بنابه ([516])
    (3) لسنا وان أحسابنا كرمت يوما على الأحساب نتَّكل ([517])
    (4) دقّاتُ قلب المرء قائلةٌ له إن الحياة دقائقٌ وثوان ([518])
    (5) بكت لؤلؤاً رطبا ففاضت مدامعي عقيقاً فصار الكلّ في نحرها عقداً ([519])
    (6) إنّ التّباعد لا يضر إذا تقاربت القلوب ([520])
    (7) ذم أعرابي رجلا فقال (يقطع نهاره بالمنى ويتوسد ذراع الهمّ إذا أمسى) ([521])
    (8) قومٌ إذا الشر ابدى ناجذيه لهم طاروا اليه زرافات ووحدانا ([522])
    (9) جاء الشتاء واجثألَّ القُبّرُ وطلعت شمسٌ عليها مغفرُ ([523])
    (10) سأبكيكَ للدنيا وللدين إن أبت يدُ المعروف بعدك شُلّت ([524])
    (11) وإنك لعلى خلقٍ عظيمٍ ([525])
    (12) سقاه الردى سيفٌ إذا سلَّ أو مضت
    إليه ثنايا الموتِ من كلّ مرقد([526])

    (13) (سنفرغ لكم أيها الثقلان)([527])
    (14) (إنا لنراك في ضلال مبين)([528])
    (15) فتى كلما فاضت عُيُونُ قبيلة
    دماً ضحكت عنه الأحاديثُ والذكرُ ([529])

    بلاغة الاستعارة بجميع أنواعها
    سبق لك أن بلاغة التشبيه آتية من ناحيتين، الأولى: طريقة تأليف ألفاظه والثانية: ابتكار مشبه به بعيد عن الأذهان، لا يجول إلا ّ في نفس أديب، وهب الله له استعداداً سليما في تعرّف وجوه الشُّبه الدقيقة بين الأشياء وأودعه قدرة على ربط المعاني، وتوليد بعضها من بعض إلى مدى بعيد لا يكاد ينتهي.
    (وسر بلاغة الاستعارة) لا يتعدّى هاتين الناحيتين، فبلاغتها من ناحية اللفظ أن تركيبها يدل على تناسي التشبيه، ويحملك عمداً على تخيل صورة جديدة تنسيك روعتها ما تمضنه الكلام من تشبيه خفي مستور، انظر إلى قول البحتري في الفتح بن خاقان:
    يسمو بكف على العافين حانية تهمى وطرف إلى العلياء طمَّاح
    ألست ترى كفّه: وقد تمثّلت في صورة سحابة هتّانة، تصبُّ وبلها على العافين والسائلين، وان هذه الصورة قد تملكت عليك مشاعرك فأذهلتك عمّا اختبأ في الكلام من تشبيه ؟
    وإذا سمعت قوله في رثاء المتوكل وقد قتل غيلة:
    صريع تقاضاه الليالي حشاشة يجود بها والموتُ حمرٌ أظافره([530])
    فهل تستطيع أن تبعد عن خيالك هذه الصورة المخيفة للموت، وهي صورة حيوان مفترس، ضرجت أظفاره بدماء قتلاه، لهذا كانت الاستعارة أبلغ من (التشبيه البليغ) لأنه وان بنى على ادعاء أن المشبه والمشبه به سواء، لا يزال فيه التشبيه منويا ملحوظاً بخلاف (الاستمارة) فالتشبيه فيها منسى مجحود، ومن ذلك يظهر لك أن الاستعارة المرشحة ابلغ من الاستعارة المطلقة، وأن الاستعارة المطلقة أبلغ من الاستعارة المجردة، أما بلاغة الاستعارة من حيث الابتكار، وروعة الخيال، وما تحدثه من أثر في نفوس سامعيها، فمجال فسيح للابداع، وميدان التسابق المجيدين من فرسان الكلام، أنظر إلى قوله عز شأنه في وصف النار، (تكاد تميز من الغيظ كلما ألقى فيها فوج سألهم خزنتها ألم يا تكم نذير)، ترتسم أمامك النار في صورة مخلوق ضخم، بطاش مكفهر الوجه، عابس يغلى صدره حقداً وغيظاً – عن البلاغة الواضحة بتصرف.
    الباب الثالث
    في الكناية وتعريفها وأنواعها
    الكناية([531]) لغة: ما يتكلم به الإنسان، ويريد به غيره، وهي: مصدر كنيت، أو كنوت بكذا، عن كذا، إذا تركت التصريح به واصطلاحاً: لفظ أريد به غيرُ معناهُ الذي وضع له، مع جواز إرادة المعنى الأصلي، لعدم وجود قرينة مانعة من إرادته، نحو «زيد طويل النجاد «تريد بهذا التركيب أنه شجاع عظيم، فعدلت عن التصريح بهذه الصفة، إلى الاشارة إليها بشيء تترتب عليه وتلزمه، لأنه يلزم من طول حمالة السيف طول صاحبه، ويلزم من طول الجسم الشجاعة عادة، فإذاً: المراد طول قامته، وان لم يكن له نجاد، ومع ذلك يصحّ أن يراد المعنى الحقيقي – ومن هنا يعلم أن الفرق بين الكناية والمجاز صحة إرادة المعنى الأصلي في الكناية، دون المجاز، فإنه ينافى ذلك، نعم: قد تمتنع إرادة المعنى الأصلي في الكناية، لخصوص الموضوع كقوله تعالى (والسموات مطويات بيمينه) وكقوله تعالى (الرحمن على العرش استوى) كناية عن تمام القدرة، وقوة التمكن والاستيلاء وتنقسم الكناية بحسب المعنى الذي تشير إليه إلى ثلاثة أقسام:
    1- كناية عن صفةٍ – كما تقول (هو ربيب أبي الهول) تكنى عن شدة كتمانه لسره.
    وتعرف كناية الصفة بذكر الموصوف: ملفوظاً أو ملحوظاً من سياق الكلام.
    2- كناية عن موصوف – كما تقول (أبناء النيل) تكنى عن المصريين، و (مدينة النور) تكنى عن باريس، وتعرف بذكر الصفة مباشرة، أو ملازمة ومنها: قولهم (تستغنى مصر عن مصب النيل ولا تستغني عن منبعه) كنوا بمنبع النيل عن أرض السودان.
    ومنها: قولهم (هو حارس على ماله) كنوا به عن البخيل الذي يجمع ماله، ولا ينتفع به، ومنها: قولهم (هو فتىً رياضي) يكنون عن القوة – وهلم جرّا
    3- كناية عن نسبة، وسيأتي الكلام عليها فيما بعد، فالقسم الأول – وهو الكناية التي يطلب بها (صفة) هي ما كان المكنى عنه فيها صفة ملازمة لموصوف مذكور في الكلام – وهي نوعان.
    (1) كناية قريبة – وهي ما يكون الانتقال فيها إلى المطلوب بغير واسطة بين المعنى المنتقل عنه، والمعنى المنتقل اليه – نحو قول الخنساء في رثاء أخيها صخر
    رفيع العماد طويل النجا د سادَ عشيرته أمردا([532])
    (ب) وكناية بعيدة – وهي ما يكون الانتقال فيها إلى المطلوب بواسطة، أو بوسائط، نحو «فلان كثير الرماد» كناية عن المضياف، والوسائط: هي الانتقال من كثرة الرّماد إلى كثرة الإحراق، ومنها إلى كثرة الطبخ والخبز، ومنها إلى كثرة الضيوف، ومنها إلى المطلوب، وهو المضياف الكريم.
    القسم الثاني – الكناية التي يكون المكنى عنه موصوفاً ([533]) بحيث يكون إما معنى واحداً «كمواطن الأسرار» كناية عن القلب، وكما في قول الشاعر:
    فلما شربناها ودب دبيبها إلى موطن الأسرار قلت لها قفي
    وإما مجموع معان: كقولك «جاءني حيٌّ مستوى القامة، عريض الأظفار» (كناية عن الانسان) لاختصاص مجموع هذه الأوصاف الثلاثة به، ونحو:
    الضاربين بكل أبيض مخذم والطاعنين مجامع الأضغان
    ويشترط في هذه الكناية: أن تكون الصفة أو الصفات مختصة بالموصوف، ولا تتعداه ليحصل الانتقال منها اليه.
    القسم الثالث – الكناية التي يراد بها نسبة أمر لآخر، إثباتاً أو نفياً فيكون المكنى عنه نسبةً، أسندت إلى ماله اتصال به – نحو قول الشاعر
    إن السماحة والمروءة والندى في قبة ضربت على ابن الحشرج
    فانّ جعل هذا الاشياء الثلاثة في مكانه المختص به يستلزم اثباتها له والكناية المطلوب بها نسبةٌ.
    (1) إما أن يكون ذو النسبة مذكوراً فيها – كقول الشاعر
    أليُمن يتبع ظلّه والمجدُ يمشي في ركابه
    (ب) وإمّا أن يكون ذو النسبة غير مذكور فيها: كقولك «خير الناس من ينفع الناس» كناية عن نفي الخيرية عمّن لا ينفعهم، وتنقسم الكناية أيضاً باعتبار الوسائط (اللوازم) والسياق: إلى أربعة أقسام: تعريض، وتلويح، ورمز، وإيماء
    (1) فالتعريض: لغة – خلاف التصريح، واصطلاحا: هو أن يطلق الكلام، ويشار به إلى معنى آخر، يفهم من السياق نحو قولك للمؤذي (المسلم من سلم المسلمون من لسانه ويده) تعريضاً بنفي صفة الإسلام عن المؤذي، وكقول الشاعر:
    إذا الجودُ لم يرزق خلاصاً من الأذى فلا الحمدُ مكسوباً ولا المال باقيا
    (2) والتلويح: لغة - أن تشير إلى غيرك من بعد
    واصطلاحاً – هو الذي كثرت وسائطه بلا تعريض، نحو
    وما يكُ فيّ من عيبٍ فإنى جبانُ الكلب مهزول الفصل
    كنى عن كرم الممدوح بكونه جبان الكلب، مهزول الفصيل، فان الفكر ينتقل إلى جملة وسائط.
    (3) والرمز: لغة – أن تشير إلى قريب منك خفية، بنحو: شفة، أو حاجب.
    واصطلاحاً – هو الذي قلّت وسائطه، مع خفاء في اللزوم بلا تعريض نحو: فلان عريض القفا، أو عريض الوسادة – كناية عن بلادته وبلاهته ونحو: (هو مكتنز اللحم) كناية عن شجاعته، (ومتناسب الأعضاء) كناية عن ذكائه، ونحو: (غليظ الكبد) كناية عن القسوة – وهلم جرّا والإيماء أو الإشارة: هو الذي قلت وسائطه، مع وضوح اللزوم، بلا تعريض، كقول الشاعر:
    أو ما رأيت المجد ألقى رحله في آلِِ طلحة ثم لم يتحول
    كناية عن كونهم: أمجاداً أجواداً، بغاية الوضوح ومن لطيف ذلك قول بعضهم:
    سألت الندى والجود مالي أراكما تبدلتما ذلاً بعزٍّ مؤبدِ
    وما بال رُكن المجد أمسى مهدّما فقالا، أصبنا بابن يحيى محمد
    فقلت: فهلاّ مُتُّما عند موته فقد كنتما عبديه في كل مشهد
    فقالا: أقمنا كي نُعزّى بفقده مسافة يوم ثم نتلوه في غد
    والكناية من ألطف أساليب البلاغة وأدقها، وهي أبلغ من الحقيقة والتصريح، لأن الانتقال فيها يكون من الملزوم إلى اللازم، فهو كالدَّعوى ببينة، فكأنك تقول في «زيد كثير الرماد» زيد كريم، لأنه كثير الرماد وكثرته تستلزم كذا الخ – كيف لا – وانها تمكن الإنسان من التعبير عن أمور كثيرة، يتحاشى الأفصاح بذكرها، إمّا احتراماً للمخاطب، أو للأبهام على السّامعين، أو للنيل من خصمه، دون أن يدعَ له سبيلا عليه، أو لتنزيه الأذن عمّا تنبو عن سماعه، ونحو ذلك من الأغراض واللطائف البلاغية.
    تمرين
    بين أنواع الكنايات الآتية، وعيّن لازم معنى كل منها
    (1) قال البحتري يصف قتله ذئبا
    فأتبعتها أخرى فأضللت نصلها بحيث يكون اللبُّ والرعب والحقد ([534])
    (2) وقال آخر في رثاء من مات بعلّة في صدره
    ودبت له في موطن الحلم علة لها كالصلال الرُّقش شرُّ ذبيب ([535])
    (3) ووصف أعرابي امرأة، فقال: ترخي ذيلها على عرقوبي نعامة،
    ضربت سرادقها المهابةُ فوقهُ فاذا بدا بادت به الأعداءُ
    إنَّ الذي ملأ اللغات محاسنا جعل الجمال وسرّه في الضاد
    بنى المجد بيتاً فاستقرّ عمادُه علنا فأعيا الناس أن يتحوّلا
    إن في ثوبك الذي المجدُ فيه لضياء يزري بكل ضياء
    تمرين آخر
    بين أنواع الكنايات الآتية، وبين منها ما يصح فيه إرادة المعنى المفهوم من صريح اللفظ، وما لا يصح:
    (1) وصف أعرابي رجلا بسوء العشرة فقال: كان إذا رآني قرَّب من حاجب حاجباً.
    (2) وقال أبو نواس في المديح:
    فما جازه جود ولا حل دونه ولكن يسير الجود حيث يسير
    (3) وتكنى العرب عمّن يجاهر غيره بالعداوة بقولهم:
    لبس له جلد النمر، وجلد الأرقم ([536]) وقلب له ظهر المجن ([537])
    (4) فلان عريض الوساد ([538]) أغم القفا ([539])
    (5) تجول خلاخيل النساء ولا أرى لرملة خلخالا يُجولُ ولا قُلبا
    (6) وتقول العرب في المديح: الكرم في أثناء حلته، ويقولون: فلان
    نفخ شدقيه – أي تكبر، وورم أنفه – إذا غضب
    (7) قالت أعرابية لبعض الولاة: أشكو إليك قلة الجرذان ([540])
    (8) بيضُ المطابخ لا تشكو إماؤهم طبخ القدور ولا غسل المناديل
    (9) مطبخ داود في نظافته أشبه شيء بعرش بلقيس ([541])
    ثيابُ طباخه إذا اتسخت أنقى بياضاً من القراطيس
    (10) فتى مختصر المأكو لِ والمشروب والعطر
    نقى الكأس والقصة والمنديل والقد
    (11) وقال آخر: اليُمن يتبع ظلهُ والمجد يمشى في ركابه
    (12) أصبح في قيدك السماحة والمجد وفضل الصلاح والحسب
    فلسنا على الأعقاب تدمى كلومنا ولكن على أقدامنا تُقطرُ الدما ([542])
    المجد بين ثوبيك والكرم ملء برديك
    بلاغة الكناية
    الكناية مظهر من مظاهر البلاغة، وغاية لا يصل إليها إلا من لطف طبعهُ، وصفت قريحتُه، (والسر في بلاغتها) أنها في صُور كثيرة تعطيك الحقيقة، مصحوبة بدليلها، والقضية وفي طيّها برهانها، كقول البحتري في المديح.
    يغضُّون فضل اللحظ من حيث مابدا
    لهم عن مهيب في الصدور مُحبَّب
    فإنه كنى عن إكبار الناس للممدوح، وهيبتهم إياه، بغض الأبصار الذي هو في الحقيقة برهان على الهيبة والإجلال، وتظهر هذه لنا جلية في الكنايات عن الصفة والنسبة، ومن أسباب بلاغة الكنايات أنها تضع لك المعاني في صورة المحسوسات ولا شك أن هذه خاصة الفنون، فإن المصور إذا رسم لك صورة للأمل أو لليأس، بهرك وجعلك ترى ما كنت تعجز عن التعبير عنه واضحاً ملموساً فمثل «كثير الرماد» في الكناية عن الكرم «ورسول الشر» في الكناية عن المزاح – وقول البحتري
    أو ما رأيت المجد ألقى رحله في آل طلحةَ ثمَّ لم يتحوَّل
    وذلك في الكناية عن نسبة الشرف إلى آل طلحة.
    كل أولئك يبرز لك المعاني في صورة تشاهدها، وترتاح نفسك إليها، ومن خواص الكناية: أنها تمكنك من أن تشفى غلتك من خصمك من غير أن تجعل له اليك سبيلاً، ودون أن تخدش وجه الأدب، وهذا النوع يسمى بالتعريض.
    ومثاله قول المتنبي في قصيدة، يمدح بها كافورا ويعرض بسيف الدولة.
    علىَّ وكم باكٍ بأجفانِ ضيغم ([543])
    بأجزع من رب الحسامِ المصممِ ([544])
    عذرتُ ولكن من حبيب معمم
    هوى كاسرُ كفي وقوسي وأسهمي
    وصدق ما يعتاده من توهم


    رحلتُ فكم باك بأجفان شادن
    وما ربّة القرط المليح مكانه
    فلو كان ما بي من حبيب مقنع
    رمى واتقى رمي ومن دون ما اتقى
    إذا ساء فعل المرء ساءت ظنونه

    فإنه كنى عن سيف الدولة، أولاً: بالحبيب المعمم، ثم وصفه بالغدر الذي يدعى أنه من شيمة النساء، ثم لامهُ على مبادهته بالعدوان، ثم رماه بالجبن، لأنه يرمى ويتقى الرمي بالاستتار خلف غيره، على أن المتنبي لا يجازيه على الشر بمثله، لأنه لا يزال يحمل له بين جوانحه هوى قديماً، يكسر كفه وقوسه، وأسهمه، اذا حاول النضال، ثم وصفه بأنه سىء الظن بأصدقائه لأنه سيء الفعل، كثير الأوهام والظنون، حتى ليظن أن الناس جميعاً مثله في سوء الفعل، وضعف الوفاء، فانظر كيف نال المتنبي من سيف الدولة هذا النيل كلهن من غير أن يذكر من اسمه حرفاً.
    هذا – ومن أوضح مميزات الكناية التعبير عن القبيح بما تسيغ الآذان سماعه، وأمثلة ذلك كثيرة جداً في القرآن الكريم، وكلام العرب فقد كانوا لا يعبرون عما لا يحسن ذكره الا بالكتابة، وكانوا لشدة نخوتهم يكنون عن المرأة (بالبيضة – والشاة) ومن بدائع الكنايات قول بعض العرب:
    ألا يا نخلة من ذات عرق عليك ورحمة الله السلام ([545])
    فانه كنى بالنخلة، عن المرأة التي يحبها – عن البلاغة الواضحة بتصرُّف
    أثر علم البيان في تادية المعاني
    ظهر لك من دراسة علم البيان: أن معنى واحداً يستطاع أداؤه بأساليب عدة، وطرائق مختلفة، وأنه قد يوضع في صورة رائعة من صور التشبيه أو الاستعارة، أو المجاز المرسل، أو المجاز العقلي، أو الكناية، قد يصف الشاعر انساناً بالكرم، فيقول:
    يريد المُلوكُ مدى جعفرٍ ولا يصنعونَ كما يصنعُ
    وليس بأوسعهم في الغنى ولكنَّ معروفه أوسعُ
    وهذا كلام بيلغ جداً، مع أنه لم يقصد فيه إلى تشبيه أو مجاز، وقد وصف الشاعر فيه ممدوحه بالكرم، وأن الملوك يريدون أن يبلغوا منزلته، ولكنهم لا يشترون الحمد بالمال كما يفعل مع أنه ليس بأغنى منهم، ولا بأكثر مالا، وقد يعمد الشاعر: عند الوصف بالكريم إلى اسلوب آخر، فيقول:
    كالبحر يقذف للقريب جواهراً جوداً ويبعثُ للبعيد سحائبا
    فيشبه الممدوح: بالبحر، ويدفع بخيالك إلى أن يضاهى بين الممدوح والبحر الذي يقذف الدرر للقريب، ويرسل السحائب للبعيد = أو يقول:
    هو البحر من أي النواحي أتيته فلُجّتهُ المعروف والجودُ ساحله
    فيدّعى، أنه البحر نفسه، وينكر التشبيه نكرانا يدل على المبالغة، وادعاء المماثلة الكاملة – أو يقول.
    علا فما يستقر ا لمالُ في يده وكيف تمسك ماء قنةُ الجبل؟
    فيرسل إليك التشبيه: متن طريق خفيّ، ليرتفع الكلام إلى مرتبة أعلى في البلاغة، وليجعل لك من (التشيبه الضمني) دليلاً على دعواه، فانه ادعى: أنه لعلو منزلته ينحدر المال من يديه، وأقام على ذلك برهاناً، فقال «وكيف تمسك ماء قنة الجبل» أو يقول:
    جرى النهر حتى خلته منك أنعماً تساق بلا ضنٍ وتعطى بلا منِّ([546])
    فيقلب التشبيه زيادة في المبالغة، وافتناناً في أساليب الإجادة، ويشبه ماء النهر بنعم الممدوح – بعد أن كان المألوف: أن تشبه النعم، بالنهر الفيّاض أو يقول::
    كأنه حين يعطى المال مبتسما صوب الغمامة تهمي وهي تأتلق ([547])
    فيعمد إلى التشبيه المركب، ويعطيك صورة رائعة، تمثل لك حالة الممدوح وهو يجود – وابتسامة السرور تعلو شفتيه – أو يقول:
    جادت يد الفتح والأنواء باخلة وذاب نائله والغيثُ قد جمدا
    فيضاهي بين جود الممدوح والمطر، ويدعى أن كرم ممدوحه لا ينقطع، إذا انقطعت الأنواء، أو جمد القطر – أو يقول:
    قد قلت للغيم الركام ولجَّ في إبراقه والح في إرعاده ([548])
    لا تعرضن لجعفر متشبِّها بندى يديه فلست من أنداده
    فيصرح لك في جلاء، وفي غير خشية، بتفضيل جود صاحبه على جود الغيم، ولا يكتفي بهذا، بل تراه ينهى الحساب في صورة تهديد أن نحاول التشبه بممدوحه، لأنه ليس من أمثاله ونظرائه – أو يقول:
    وأقبل يمشى في البساط فما درى إلى البحر يسعى أم إلى البدر يرتقي
    يصف حال رسول الروم داخلا على سيف الدولة، فينزع في وصف الممدوح بالكرم، إلى الاستعارة التصريحية، والاستعارة كما علمت مبنية على تناسى التشبيه، والمبالغة فيها أعظم، وأثرها في النفوس أبلغ – أو يقول:
    دعوت نداهُ دعوة فأجابني وعلّمني إحسانه كيف آمله
    فيشّبه ندى ممدوحه وإحسانه (بانسان)، ثم يحذف المشبه به، ويرمز اليه بشيء من لوازمه – وهذا ضرب آخر من ضروب المبالغة التي تساق الاستعارة لأجلها:
    أو يقول: ومن قصد البحر استقل السواقيا
    فيرسل العبارة كأنها مثلٌ، ويصوّر لك أن من قصد ممدوحه استغنى عمن هو دونه، كما أن قاصد البحر لا يأبه للجداول، فيعطيك استعارة تمثيلية، لها روعة، وفيها جمال، وهي فوق ذلك تحمل برهاناً على صدق دعواه، وتؤيد الحال الذي يدعيها – أو يقول:
    ما زلت تتبع ما تولي يداً بيدٍٍ حتى ظننت حياتي من أياديكا
    فيعدل عن التشبيه والاستعارة، إلى (المجاز المرسل) ويطلق كلمة «يد» ويريد بها النعمة، لأن اليد آلة النعم وسببها – أو يقول:
    أعاد يومك أيامى لنضرتها واقتص جودُك من فقري وإعسارى
    فيسند الفعل: إلى اليوم، وإلى الجود، على طريقة المجاز العقلي – أو يقول:
    فما جازه جودٌ ولا حلَّ دونه ولكن يسير الجود حيث يسير
    فياتي بكناية عن نسبة الكرم اليه، بادعاء أن الجود يسير معه دائماً لأنه بدل أن يحكم بأنه كريم، ادّعى أن الكرم يسير معه أينما سار، ولهذه الكناية من البلاغة، والتأثير في النفس، وحسن تصوير المعنى، فوق ما يجده السامع في غيرها من بعض ضروب الكلام، فأنت ترى أنه من المستطاع، التعبير عن وصف انسان بالكرم بأربعة عشر اسلوباً – كل: له جماله، وحسنه، وبراعته، ولو نشاء، لأتينا بأساليب كثيرة أخرى في هذا المعنى، فان للشعراء ورجال الأدب افتناناً وتوليداً للأساليب والمعاني، لا يكاد ينتهي إلى حدّ، ولو أردنا: لأوردنا لك ما يقال من الأساليب المختلفة المناحي في صفات أخرى، كالشجاعة، والإباء، والحزم وغيرها، ولكنّا لم نقصد إلى الإطالة، ونعتقد أنك عند قراءتك الشعر العربي، والآثار الأدبية، ستجد بنفسك هذا ظاهراً، وستدهش للمدى البعيد الذي وصل اليه العقل الانساني في التصوير البلاغي، والابداع في صوغ الأساليب – عن البلاغة الواضحة بتصرف.


    _________________


    قناتي على موقع يوتيوب :
    https://www.youtube.com/channel/UCm8N-tHwIFM7hPnwtLrBMpg
    مدونتي:
    https://ahmed26413.blogspot.com.eg/

    أحمد
    إدارة ثمار الأوراق
    إدارة ثمار الأوراق

    عدد الرسائل : 16657
    الموقع : القاهرة
    نقاط : 38587
    تاريخ التسجيل : 17/09/2008

    رد: جواهر البلاغة في المعاني والبيان والبديع للسيد أحمد الهاشمي

    مُساهمة من طرف أحمد في السبت أبريل 13, 2013 5:32 am

    علم البديع
    البديع: لغة – المخترع الموجد على غير مثال سابق، وهو مأخوذ ومشتقٌ من قولهم – بدع الشيء، وأبدعه، اخترعه لا على مثال([549])، واصطلاحا – هو علم يعرف به الوجوه([550])، والمزايا التي تزيد الكلام
    حسنا وطلاوة، وتسكوه بهاءً، ورونقاً، بعد مطابقته لمقتضى الحال مع وضوح دلالته على المراد لفظا ومعنى.
    وواضعه، (عبد الله بن المعتز العباسي) المتوفى سنه 274 هجرية – ثم اقتفى أثره في عصره (قدامة بن جعفر الكاتب) فزاد عليها، ثم ألف فيه كثيرون (كأبي هلال العسكري) وابن رشيق القيرواني، وصفي الدين الحلي، وابن حجة الحموي) وغيرهم ممن زادُوا في أنواعه، ونظموا فيها قصائد تُعرف (بالبديعيّات)، وفي هذا العلم – بابان: وخاتمة.

    الباب الأول
    في المحسنات المعنوية
    (1) التورية([551])
    التورية: لغة – مصدر ورّيت الخبر تورية: إذا سترته، وأظهرت غيره واصطلاحاً – هي أن يذكر المتكلم لفظاً مفرداً له معنيان، أحدهما قريب غير مقصود ودلالة الفظ عليه ظارهة، والآخر بعيد مقصود، ودلالة اللفظ عليه خفية، فيتوهم السامع: أنه يريد المعنى القريب، وهو إنما يريد المعنى البعيد بقرينة تشير اليه ولا تظهره، وتستره عن غير المتيقظ الفطن، كقوله تعالى (وهو الذي يتوفاكم بالليل ويعلم ما جرحتم بالنهار) أراد بقوله جرحتم معناه البعيد، وهو ارتكاب الذنوب، ولأجل هذا سميت التورية «إبهاماً وتخييلاً» وكقول سراج الدين الوراق:
    أصونُ أديم وجهي عن أناسٍ لقاء الموتِ عندهُم الأديبُ
    ورب الشعر عندهم بغيض ولو وافى به لهم «حبيب»
    وكقوله – أبيات شعرك كالقصور ولا قصور بها يعوق
    ومن العجائب لفظها حُرٌ ومعناها «رقيق»
    برغم شبيب فارق السيف كفَّه وكانا على العلات يصطحبان
    كأن رقاب الناس قالت لسيفه رفيقك قيسىٌ وأنت يماني ([552])
    (2) الاستخدام
    الاستخدام: هو ذكر لفظ مشترك بين معنيين، يراد به أحدهما ثم يعاد عليه ضمير، أو إشارة، بمعناه الآخر، أو يعاد عليه ضميران يراد بثانيهما غير ما يراد بأولهما
    فالأول – كقوله تعالى (فمن شهد منكم الشهر فليصمه) أريد أولا بالشهر (الهلال) ثم أُعيد عليه الضمير أخيراً بمعنى أيام رمضان.
    وكقول معاوية بن مالك.
    إذا نزل السماء بأرض قوم رعيناه وان كانوا غضابا
    أراد بالسماء (المطر) وبضميره في «رعيناه» (النبات)([553]) وكلاهما معنى مجازي للسماء.
    والثاني – كقول البحتري
    فسقى الغضا والساكنيه وان همو شبُّوهُ بين جوانحي وضلوعي
    الغضا: شجر بالبادية، وضمير ساكنيه أولاً راجع إلى الغضان باعتبار (المكان) وضمير شيّوه عائد ثانيا الى الغضا (بمعنى النار الحاصلة من شجر الغضا) – وكلاهما مجاز للغضا.
    (3) الاستطراد
    الاستطراد: هو أن يخرج المتكلم من الغرض الذي هو فيه إلى غرض آخر لمناسبة بينهما، ثم يرجع فينتقل إلى إتمام الكلام الأول – كقول – السموءل:
    وإنا لقومٌ لا نرى القتل سُبّه إذا ما راته عامر وسلولُ
    يقرب حب الموت آجلنا لنا وتكرههُ آجالهم فتطولُ
    فسياق القصيدة، للفخر بقومه، وانتقل منه إلى هجو قبيلتي «عامر وسلول» ثم عاد إلى مقامه الأول، وهو الفخر بقومه – وكقوله:
    لنا نفوس لنيل المجد عاشقة فان تسلت أسلناها على الأسل
    لا ينزلُ المجد إلا في منازلنا كالنوم ليس له مأوى سوى المُقل

    (4) الافتنان
    الافتنان: هو الجمع بين فنين مختلفين، كالغزل، والحماسة، والمدح والهجاء، والتعزية، والتهنئة – كقول عبد الله بن همّام السلولي، «جامعاً بن التعزية والتهنئة» حين دخل على يزيد، وقد مات أبوه معاوية، وخلقه هو في الملك.
    «آجرك الله على الرزية، وبارك لك في العطية، وأعانك على الرعية فقد رُزئت عظيماً، واعطيت جسيما، فاشكر الله على ما أعطيت، واصبر على ما رُزيت، فقد فقدت الخليفة، وأعطيت الخلافة، ففارقت خليلا ووهبت جليلاً»
    اصبر يزيد فقد فارقت ذا ثقةٍ واشكر حباء الذي بالملك أصفاك
    لا رُزء أصبح في الأقوام نعلمه كما رُزئت ولا عُقبى كعقباك
    وكقول عنترة يخاطب عبلة:
    ولقد ذكرتك والرماح نواهل منِّى وبيض الهند تقطُر من دمى
    فوددتُ تقبيلَ السيوف لأنها لمعت كبارقٍ ثغرِك المُتبسِّم
    (5) الطباق([554])
    الطباق: هو الجمع بين لفظين متقابلين في المعنى، وهما قد يكونان اسمين – نحو: قوله تعالى (هو الأول والآخر والظاهر والباطن) وكقوله تعالى «وتحسبهم أيقاظاً وهم رقود» أو فعلين – نحو: قوله (وأنّه هو أضحك وأبكى وأنَّهُ هو أمات وأحيا) – وكقوله تعالى «ثم لا يموتُ فيها ولا يحيا» أو حرفين – نحو: قوله تعالى (ولهن مثل الذي عليهن بالمعروف) أو مختلفين – نحو: قوله تعالى (ومن يضلل الله فما له من هاد) ([555])
    ونحو: قوله تعالى «أو من كان ميتاً فأحييناه»
    فيكون تقابل المعنيين وتخالفهما مما يزيد الكلام حسناً وطرافة
    (6) المقابلة
    المقابلة: هي أن يؤتى بمعنيين متوافقين أو معانٍ متوافقة، ثم يؤتى بما يقابل ذلك على الترتيب، كقوله تعالى (فأما من أعطى واتقى وصدق بالحسنى فسنيسره لليسرى، وأما من بخل واستغنى وكذب بالحسنى فسنيسره للعسرى) وكقوله تعالى (يحل لهم الطيبات ويحرم عليهم الخبائث) وقال صلى الله عليه وسلم للأنصار (إنكم لتكثرون عند الفزع وتقلون عند الطمع) وقال خالد بن صفوان يصف رجلا: ليس له صديق في السر ولا عدو في العلانية – وكقوله:
    فتىً كان فيه ما يسر صديقه ولكن فيه ما يسوء الأعاديا
    وكقوله: وباسط خير فيكم بيمينه وقابض شر عنكم بشماله
    وكقوله:
    ما أحسن الدين والدنيا إذا اجتمعا وأقبح الكفر والأفلاس بالرجل
    وكقوله: يا أُمّة كان قبح الجور يسخطها دهراً فأصبح حسن العدل يرضيها
    (7) مراعاة النظير([556])
    مراعاة النظير: هي الجمع بين أمرين، أو أمور متناسبة، لا على جهة التضاد، وذلك إما بين اثنين – نحو قوله تعالى (وهو السميع البصير) وأما بين أكثر – نحو قوله تعالى (اولئك الذين اشتروا الضلالة بالهدى فما ربحت تجارتهم)
    ويلحق بمراعاة النظير، ما بني على المناسبة في «المعنى» بين طرفي الكلام يعني: ان يختم الكلام بما يناسب أوله في المعنى، نحو قوله تعالى (لا تدركه الأبصار وهو يدرك الأبصار وهو اللطيف الخبير)، فان «اللطيف» يناسب عدم إدراك الأبصار له، و «الخبير» يناسب ادراكه سبحانه وتعالى للأبصار، وما بني على المناسبة في «اللفظ» باعتبار معنى له غير المعنى المقصود في العبارة، نحو قوله تعالى (الشمس والقمر بحسبان والنجم والشجر يسجدان) فإن المراد «بالنجم» هنا النبات، فلا يناسب «الشمس» و «القمر» ولكن لفظه يناسبهما، باعتبار دلالته على الكواكب.
    وهذا يقال له «إيهام التناسب» كقوله:
    كأنّ الثريا عُلقت في جبينها وفي نحرها الشِّعري وفي خدّها القمر
    والطل في سلك الغصون كلؤلؤءٍ رطب يصافحه النسيم فيسقط
    والطير يقرا والغدير صحيفة والريح تكتب والغمام ينقط
    (8) الارصاد
    الارصاد: هو أن يذكر قبل الفاصلة «من الفقرة، أو القافية، من البيت» ما يدل عليها إذا عرف الرَّويّ، نحو: قوله تعالى (وسبح بحمد ربك قبل طلوع الشمس وقبل الغروب)، ونحو: قوله تعالى (وما كان الله ليظلمهم ولكن كانوا أنفسهم يظلمون)([557]) وكقول الشاعر.
    أحلّت دمى من غير جرم وحرَّمت بلا سبب عند اللقاء كلامي
    فليس الذي حللته بمحلل وليس الذي حرمته بمحرم
    ونحو: إذا لم تستطع شيئا فدعه وجاوزه الى ما تستطيع
    وقد يستغنى عن معرفة الرويِّ، نحو: قوله تعالى (ولكلِّ أمة أجل إذا جاء أجلهم لا يستأخرون ساعة ولا يستقدمون).
    (9) الادماج
    ألإدماج: هو أن يُضمَّن كلام قد سيق لمعنى، معنى آخر، لم يصرح به كقول المتننبي:
    أقلّبُ فيه أجفاني كأني اعذبها على الدهر الذُّنوبا
    ساق الشاعر: هذا الكلام (أصالة) لبيان طول الليل، (وأدمج) الشكوى من الدهر، في وصف الليل بالطول.
    (10) المذهب الكلامي
    المذهب الكلامي: هو أن يورد المتكلم على صحَّة دعواه حُجَّة قاطعة مسلمة عند المخاطب، بأن تكون المقدمات بعد تسليمها مستلزمة للمطلوب كقوله تعالى (لو كان فيهما آلهة إلا الله لفسدتا) واللازم وهو الفساد باطل، فكذا الملزوم وهو تعدد الآلهة باطل، وليس أدلّ على ذلك من الحقيقة والواقع، وكقوله تعالى: (يا أيها الناس إن كنتم في ريب من البعث فانا خلقناكم من تراب)، ونحو قوله تعالى (وهو الذي يبدأ الخلق ثم يعيدهُ وهو أهون عليه) أي وكل ما هو أهون عليه فهو وأدخل تحت الامكان، فالاعادة ممكنة وسمى هذا النوع (بالمذهب الكلامي) لأنه جاء على طريقة (علم الكلام و التوحيد) وهو عبارة عن اثبات (أصول الدين) بالبراهين العقلية القاطعة.
    (11) حسن التعليل
    حسن التعليل([558]) هو أن ينكر الأديب صراحة، أو ضمناً، علة الشيء المعروفة، ويأتي بعلة أخرى أدبية طريفة، لها اعتبار لطيف، ومشتملة على دقة النظر، بحيث تناسب الغرض الذي يرمى اليه، يعني أن الأديب: يدّعى لوصف علّةً مناسبة غير حقيقية، ولكن فيها حسن وطرافة، فيزداد بها المعنى المراد الذي يرمى اليه جمالا وشرفاً كقول المعري في الرثاء:
    وما كُلفة البدر المنير قديمةٌ ولكنها في وجهه أثر اللطم
    يقصد: أن الحزن على (المرثي) شمل كثيراً من مظاهر الكون، فهو لذلك: يدعى أن كلفة البدر (وهي ما يظهر على وجهه من كدرة) ليست ناشئة عن سبب طبيعي، وإنما هي حادثة من (أثر اللطم على فراق المرثي) ومثله قول الشاعر الآخر:
    أما ذكاء فلم تصفر إذ جنحت إلا لفرقة ذاك المنظر الحسن
    يقصد: أن الشمس لم تصفر عند الجنوح إلى المغيب للسبب المعروف ولكنها (اصفرت مخافة أن تفارق وجه الممدوح) – ومثله قول الشاعر الآخر:
    ما قصَّر الغيث عن مصرِ وتربتها طبعاً ولكن تعدّاكم من الخجل
    ولا جرى النِّيل إلا وهو معترف بسبقكم فلذا يجري على مهل
    ينكر هذا الشاعر: الأسباب الطبيعية لقلة المطر بمصر، ويلتمس لذلك سبباً آخر: وهو (أن المطر يخجل أن ينزل بأرض يعمها فضل الممدوح جوده) لأنه لا يستطيع مباراته في الجود والعطاء، ولابد في العلة أن تكون ادعائية، ثم الوصف أعم من أن يكون ثابتا فيقصد بيان علته، وغير ثابت فيراد اثباته.
    (أ) فالأول – وصف ثابت غير ظاهر العلة – كقوله:
    بين السيوف وعينيها مشاركة من آجلها قيل للأجفان أجفان
    وقوله – لم يحك نائلك السحاب وانما حُمَّت به فصبيبها الرحضاء ([559])
    وقوله – زعم البنفسج أنه كعذاره حسنا، فسلُّوا من قفاه لسانه
    فخروج ورقة البنفسج إلى الخلف لا علة له، لكنه ادعى أن علته الافتراء على المحبوب.
    (ب) أو وصف ثابت ظاهر العلة، غير التي تذكر، كقول المتنبي:
    ما به قتل أعاديه ولكن يتّقى إخلاف ما ترجو الذئابُ
    فان قتل الأعادي عادة للملوك، لأجل أن يسلموا من أذاهم وضرهم ولكن (المتنبي) اخترع لذلك سبباً غريباً، فتخيّل أن الباعث له على قتل أعاديه لم يكن إلا ما اشتهر وعرف به، حتى لدى الحيوان الأعجم من (الكرم الغريزي، ومحبته إجابة طالب الاحسان) ومن ثم فتك بهم، لانه علم، أنه إذا غدا للحرب، رجت الذئاب أن يتسع عليها رزقها، وتنال من لحوم أعدائه القتلى، وما أراد أن يخيب لها مطلبا، والثاني – وصف غير ثابت، وهو.
    (1) إما ممكن – كقول مسلم بن الوليد
    يا واشياً حسنت فينا إساءتهُ نجى حذارك إنساني من الغرق
    فاستحسان إساءة الواشي ممكن، ولكنه لما خالف الناس فيه، عقبه بذكر سببه، وهو أن حذاره من الواشي منعه من البكاء، فسلم انسان عينه من الغرق في الدموع.
    (2) وإما غير ممكن – كقول الخطيب القزويني
    لو لم تكن نية الجوزاء خدمته لما رأيت عليها عقد منتطق
    فقد ادّعى الشاعر: أنّ الجوزاء تريد خدمة الممدوح، وهذه صفة غير ممكنة، ولكنه علّلها لعلة طريفة، إدّعاها أيضاً إدّعاء أدبياً مقبولا إذ تصور أن (النجوم التي تحيط بالجوزاء، إنما هي نطاقٌ شدته حولها على نحو ما يفعل الخدم، ليقوموا بخدمة الممدوح ([560]) ).
    (12) التجريد
    التجريد: لغة – ازالة الشيء عن غيره، واصطلاحاً – أن ينتزع المتكلم من أمر ذي صفة أمراً آخر مثله في تلك الصفة، مبالغة في كمالها في المنتزع منه، حتى أنه قد صار منها، بحيث يمكن أن ينتزع منه موصوف آخر بها، وأقسام التجريد كثيرة.
    «أ» منها – ما يكون بواسطة (من التجريدية) كقولك: لي من فلان صديق حميم (أي بلغ فلان من الصداقة حداً صحّ معه أن يستخلص منه آخر مثله فيها).
    ونحو: ترى منهمو الأسد الغضاب اذا سطوا وتنظر منهم في اللقاء بدوراً
    «ب» ومنها – ما يكون بواسطة (الباء التجريدية) الداخلة على المنتزع منه نحو قولهم: لئن سألت فلاناً لتسألن به البحر، بالغ في اتصافه بالسماحة، حتى انتزع منه بحراً فيها.
    «جـ» ومنها – ما لا يكون بواسطة، نحو: (وان نكثوا أيمانهم من بعد عهدهم وطعنوا في دينكم فقاتلوا أئمة الكفر).
    «د» ومنها – ما يكون بطريق الكناية، كقول الأعشى
    يا خير من ركب المطيّ ولا يشرب كأساً بكف من بخلا ([561])
    (13) المشاكلة
    المشاكلة: هي أن يذكر الشيء بلفظ غيره، لوقوعه في صحبته كقوله تعالى (تعلم ما في نفسي ولا أعلم ما في نفسك) المراد: ولا أعلم ما عندك وعبّر بالنفس (للمشاكلة) ونحو: قوله تعالى (نسوا الله فأنساهم أنفسهم) أي أهملهم، ذكر الاهمال هنا بلفظ النسيان لوقوعه في صحبته ، ومن ذلك ما حكى عن أبي الرقمع: أن أصحاباً له، أرسلوا يدعونه إلى الصبوح في يوم بارد، ويقولون له، ماذا تريد أن نصنع لك طعاما ؟؟ وكان فقيراً، ليس له كسوة تقية البرد، فكتب اليهم يقول:
    أصحابنا قصدوا الصبوح بسحرة وأتى رسولهم إليّ خصيصاً
    قالوا اقترح شيئاً نجد لك طبخه قلت أطبخوا لي جبةً وقميصا ([562])
    وكقوله: من مبلغ أفناء يعرب كلها أنى بنيت الجار قبل المنزل
    وكقوله: ألا لا يجهلن أحد علينا فنجهل فوق جهل الجاهلينا
    (14) المزاوجة
    المزاوجة: هي أن يزاوج المتكلم بين معنيين في الشرط والجزاء، بأن يرتب على كل منهما معنى، رتب على الآخر، كقوله:
    إذا ما نهى الناهي فلج بي الهوى أصاخت إلى الواشي فلجّ بها الهجر
    زاوج بين النهى والإصاخة في الشرط والجزاء بترتيب اللجاج عليهما وكقوله:
    إذا احتربت يوماً ففاضت دماؤها تذكرت القربى ففاضت دموعها
    زاوج (1) بين الاحتراب «أي التحارب» وبين تذكر القربى، في اشرط والجزاء، بترتيب الفيض عليهما.
    (15) الطي والنشر
    الطي ّ والنشر – أن يذكر متعدد، ثم يذكر ما لكل من أفراده شائعاً من غير تعيين، اعتماداً على تصرف السامع في تمييز ما لكلّ واحد منها، وردّه إلى ما هو له – وهو نوعان:
    «أ» إما أن يكون النشر فيه على ترتيب الطي، نحو قوله تعالى (ومن رحته جعل لكم الليل والنهار لتسكنوا فيه ولتبتغوا من فضله) فقد جمع بين الليل والنهار، ثم ذكر السكون لليل، وابتغاء الرزق للنهار، على الترتيب وكقوله:
    عيونٌ واصداغ وفرعٌ وقامة وخالٌ ووجنات وفرق ومرشف
    سيوف وريحان وليل وبانة ومسك وياقوت وصبح وقر قف
    وكقوله: فعل المدام ولونها ومذاقها في مقلتيه ووجنتيه وريقه
    «ب» وإما أن يكون النشر على خلاف ترتيب الطّيّ – نحو (فمحونا آية الليل وجعلنا آية النهار مبصرة لتبتغوا فضلاً من ربكم ولتعلموا عدد السنين والحساب)
    ذكر ابتغاء الفضل للثاني، وعلم الحساب للأول، على خلاف الترتيب وكقوله –
    ولحظُهُ ومحياهُ وقامته بدر الدُّجا وقضيبُ البان والراح
    فبدر الدجا: راجع إلى «المُحيّا» الذي هو الوجه و «قضيب البان» راجع إلى «القامة»، والراح راجع إلى اللحظ» ويسمى (اللف والنشر) أيضاً.
    (16) الجمع
    الجمع: هو أن يجمع المتكلم بين متعدد، تحت حكم واحد – وذلك.
    «أ» إمّا – في اثنين، نحو قوله تعالى (المال والبنون زينة الحياة الدنيا) ونحو: قوله تعالى (واعلموا أنما أموالكم وأولادكم فتنة).
    «ب» وإمّا – في أكثر، نحو قوله تعالى (إنما الخمر والميسر والأنصاب والأزلام رجسٌ من عمل الشيطان فاجتنبوه) – وكقوله
    إنَّ الشباب والفراغ والجدة مفسدة للمرء أي مفسدة
    وكقوله: آراؤه وعطاياه ونعمته وعفوه رحمة للناس كلهم
    وكقوله أراؤكم وَوجوهكم وسيوفكم في الحادثات إذا دجون نجومُ
    (17) التفريق
    التفريق: أن يفرق بين أمرين من نوع واحد في اختلاف حكمهما نحو قوله تعالى (وما يستوي البحران هذا عذب فراتٌ سائغ شرابهُ، وهذا ملح أجاجٌ) – وكقول الشاعر:
    ما نوال الغمام وقت ربيع كنوال الأمير يوم سخاء
    فنوالُ الأمير بدرة عين ونوال الغمام قطرة ماء
    وكقوله – من قاس جدواك يوماً بالسحب أخطأ مدحك
    السحب تعطى وتبكي وانت تعطى وتضحك
    وكقوله – من قاس جدواك بالغمام فما أنصف في الحكم بين شكلين
    أنت إذا جدُت ضاحكٌ أبدا وهو إذا جاد دامع العين
    وكقوله – ورد الخدود أرقّ من ورد الرياض وأنعمُ
    هذاك تنشقهُ الأنو ف وذا يقبِّله الفم ُ
    (18) التقسيم
    التقسيم: هو أن يذكر متعدد، ثم يضاف إلى كل من افراده، ماله على جهة التعيين، نحو: (كذبت ثمود وعاد بالقارعة، فأما ثمود فأهلكوا بالطاغية وأما عادٌ فأهلكوا بريح صرصرٍ عاتية)
    وقد يطلق التقسيم على أمرين آخرين
    أوَّلهما – أن تستوفى أقسام الشيء، نحو قوله تعالى (له ما في السموات وما في الأرض وما بينهما وما تحت الثرى).
    وثانيهما – أن تذكر أحوال الشيء، مضافاً إلى كل منها ما يليق به كقوله تعالى: (فسوف يأتي الله بقوم يحبهم ويحبونه أذلةٍ على المؤمنين أعزةٍ على الكافرين يجاهدون في سبيل الله ولا يخافون لومة لائم) – وكقوله:
    سأطلبُ حقي بالقنا ومشايخ كأنهموا من طول ما ألتثموا مُردُ
    ثقالٌ إذا لاقوا خفاف إذا دُعوا كثير إذا شدُّوا قليلٌ إذا عدوا
    وكقوله: ولا يقم على ضيم يراد به إلا الأذلاّن عيرُ الحيِّ والوتد
    هذا على الخسف مربوط برُمتّه وذا يشجّ فلا يرثى له أحدُ
    (19) الجمع مع التفريق
    ألجمع مع التفريق: أن يجمع المتكلم بين شيئين في حكم واحد، ثم يفرقُ بين جهتي إدخالهما – كقوله تعالى (خلقتني من نارٍ، وخلقته من طين) وكقوله:
    فوجهك كالنّار في ضوئها وقلبي كالنّار في حرها
    (20) الجمع مع التقسيم
    ألجمع مع التقسيم: أن يجمع المتكلم بين شيئين أو أكثر تحت حكم واحد.
    ثم يُقسِّم ما جمع – أو: يقسِّم أولا: ثم يجمع
    فالأول – نحو (الله يتوفى الأنفس حين موتها والتي لم تمت في منامها فيمسك التي قضى عليها الموت ويرسل الأخرى إلى أجلٍ مسمى) وكقول المتنبي:
    حتى أقام على أرباض خرشنة([563]) تشقى به الروم والصلبان والبيع
    للرِّق ما نسلوا والقتل ما ولدوا والنّهب ما جمعوا والنار ما زرعوا
    سأطلب حقي بالقنا ومشايخ([564]) كأنهم من طول ما الثموا مرد
    ثقال إذا لاقوا، خفاف إذا دعوا كثير إذا شدّوا قليل إذا عدّوا
    والثاني – كقول سيدنا حسان
    قومٌ إذا حاربوا ضروا عدوهم أو حاولوا النفع في أشياعهم نفعوا
    سجية تلك فيهم غير محدثة إنَّ الخلائق فاعلم شرُّها البدع
    (21) المبالغة
    المبالغة: هي أن يدَّعى المتكلّم لوصف، بُلوغه في الشدة أو الضعف حدا مستبعدا، أو مستحيلا، وتنحصر في ثلاثة أنواع:
    (1) تبليغ – إن كان ذلك الادّعاء للوصف من الشدة أو الضعف ممكناً عقلا وعادة، نحو قوله تعالى «ظلمات بعضها فوق بعض إذا أخرجَ يده لم يكد يراها» وكقوله في وصف فرس:
    إذا ما سابقتها الريح فرَّت وألقت في يد الرّيح الترابا
    (2) وإغراق – إن كان الادّعاء للوصف من الشدّة أو الضعف ممكناً عقلا، لا عادة – كقوله:
    ونُكرم جارنا ما دام فينا ونتبعه الكرامة حيث مالا
    (3) وَغلوّ([565]) – إن كان الادعاء للوصف من الشدة أو الضعف مستحيلا عقلا وعادة – كقوله
    تكاد قسيه من غير رامٍ تُمكِّنُ في قلوبهم النِّبالا
    (22) المغايرة
    ألمغايرة: هي مدح الشيء بعد ذمه، أو عكسه – كقول الحريري في مدح الدِّينار.
    «أكرم به أصفر راقت صفرته»
    بعد ذمه في قوله - «تبَّا لُه من خادع ممارق»
    (23) تأكيد المدح بما يشبه الذم
    تأكيد المدح بما يشبه الذم: نوعان:
    الأول- أن يُستثنى من صفة ذم منفية عن الشيء، صفة مدح بتقدير دخولها فيها – كقوله:
    ولا عيب فيهم غير أن سيوفهم بهن فلول من قراع الكتائب([566])
    الثاني – أن يثبت لشيء صفة مدح، ثم يُؤتى بعدها بأداة استثناء([567])
    تليها صفة مدح أخرى (والنوع الأول أبلغ) – كقوله
    ولا عيب فيه غير أنى قصدته فأنستني الأيام أهلاً وموطنا وكقوله – فتى كملت أوصافه غير أنه جوادٌ فما يبقى من المال باقيا وقد تقوم (لكن) مقام أداة الاستثناء في هذا النوع.
    (24) تأكيد الذم بما يشبه المدح([568])
    تأكيد الذّم بما يُشبه المدح: ضربان أيضاً
    الأول – أن يُستثنى من صفة مدح منفية عن الشيء، صفة ذم بتقدير دخولها فيها – كقوله:
    خلا من الفضل غير أنِّي أراه في الحمق لا يجارى
    ونحو – لا فضلَ للقوم الا أنهم لا يعرفون للجار حقه
    ونحو: الجاهل عدوّ نفسه الا أنه صديق السفهاء، ونحو: فلان ليس أهلا للمعروف، إلا أنه يُسيء إلى من يحسن اليه
    الثاني – أن يثبت لشيء صفة ذم، ثم يؤتى بعدها بأداة استثناء([569])
    تليها صفة ذم أخرى، نحو: فلان حسودٌ إلا أنه نمّام، - وكقوله
    هو الكلبُ إلاّ أنّ فيه ملالةً وسوء مراعاة وما ذاك في الكلب
    وكقوله: لئيم الطباع سوى أنه جبانٌ يهون عليه الهوان
    (25) التوجيه
    التوجيه: هو أن يُؤتى بكلام يحتمل معنيين متضادين على السواء كهجاء، ومديح، ودعاء للمخاطب، أم دعاء عليه، ليبلغ القائل غرضه بما لا يمسك عليه، كقول بشَّار في خياط أعور (اسمه عمرو).
    خاط لي عمروٌ قباءً ليت عينيه سواءً
    فإنّ دعاءه لا يُعلم، هل له أم عليه
    وقوله: كلما لاح وجهه بمكان كثرت زحمة العُيون الى رُؤيته
    ويحكى أن محمداً بن حَزم هنأ (الحسن بن سهل) باتصال بنته (بورَان) التي تنسب اليها الأطبخة البورانية (بالخليفة المأمون العباسي) مع من هنأه، فأثابهم، وحرمه: فكتب اليه إن أنت تماديت على حرماني، قلت فيك «بيتاً لا يعرف» أهو مدح أم ذم، فاستحضره وسأله؟ فأقرَّ، فقال الحسن: لا أعطيك أو تفعل، فقال:
    بارك الله للحسن ولبوُران في الختن
    يا إمام الهدى ظفر ت ولكن ببنت من ؟؟
    فلم يدر: ببنت من ؟؟ - أفي العظمة وعلو الشأن ورفعة المنزلة أم في الدناءة والخسة ؟؟ - فاستحسن الحسن منه ذلك، والخلاصة أنَّ التوجيه نوعان:
    الأول: أن يكون الكلام بحيث يصلح لأن يراد به معنيان متضادَّان على السواء.
    والثاني: أن يكون الكلام بحيث يشتمل على مجموعة، أو مجموعات من مصطلحات العلوم، أو الفنون، أو الأسماء المتلائمة.
    الفرق بين التورية والتوجيه
    (أ) التورية: تكون في لفظ واحد.
    وأما التوجيه: فيكون في تركيب، أو جملة أسماء متلائمة.
    (ب) التورية: يقصد المتكلم بها معنى واحداً: هو البعيد، والنوع الأول من التوجيه: لا يترجح فيه أحد المعنيين على الآخر.
    (جـ) لفظ التورية: له معنيان بأصل الوضع
    وألفاظ النوع الثاني من التوجيه: ليس لها الا معنى واحد بأصل الوضع، ويكون هو المقصود من الكلام.
    (26) نفي الشيء بايجابه
    نفى الشيء بايجابه: هو أن ينفى متعلّق أمر عن امرٍ، فيوهم اثباته له، والمراد نفيه عنه أيضاً، نحو قوله تعالى (لا تلهيهم تجارة ولا بيع عن ذكر الله)([570])
    فانّ نفى إلهاء التجارة عنهم، يوهم إثباتها لهم – والمراد نفيها أيضاً.
    (27) القول بالموجب
    القول بالموجب: نوعان
    الأول – أن يقع في كلام الغير إثبات صفةٍ لشيء وترتيب حكم عليها، فينقل السامع تلك الصفة إلى غير ذلك الشيء من غير تعرض لثبوت ذلك الحكم له أو انتفائه عنه، كقوله تعالى (يقولون لئن رجعنا إلى المدينة ليخرجن الأعز منها الاذل ولله العزة ولرسوله وللمؤمنين)([571]) فالمنافقون أرادوا بالأعز أنفسهم، وبالأذل المؤمنين، ورتبوا على ذلك الاخراج من المدينة فنقلت صفة العزة للمؤمنين، وأبقيت صفة الأذلية للمنافقين، من غير تعرض لثبوت حكم الاخراج للمتصفين بصفة العزة، ولا لنفيه عنهم والثاني: حمل لفظ وقع في كلام الغير على خلاف مراده بذكر متعلّق له
    كقوله: وقالوا قد صفت منّا قلوب لقد صدقوا ولكن عن ودادي
    أراد بصفو قلوبهم (الخلوص)، فحملهُ على الخلو بذكر متعلّقه، وهو قوله «عن ودادي»
    (28) ائتلاف اللفظ مع المعنى
    إئتلاف اللفظ مع المعنى: هو أن تكون الألفاظ موافقةً للمعاني، فتختار الألفاظ الجزلة، والعبارات الشديدة للفخر والحماسة، وتختار الكلمات الرقيقة، والعبارات اللينة، للغزل والمدح – كقوله:
    إذا ما غضبنا غضبة مضريَّة هتكنا حجاب الشمس أو قطرت دما
    إذا ما أعرنا سيداً من قبيلة ذرا منبرٍ صلى علينا وسلّما
    وكقوله – ولست بنظار إلى جانب الغني إذا كانت العلياء في جانب الفقرِ
    وكقوله – لم يطل ليلى ولكن لم أنم ونفى عني الكرى طيفٌ ألـمْ
    (29) التفريع
    التفريع: هو أن يثبت حكم لمتعلّق أمرٍ، بعد إثباته لمتعلق له آخر كقول الشاعر:
    فاضت يداه بالنضار كما فاضت ظباه في الوغى بدمي
    وكقوله أحلامُكم لسقام ا لجهل شافيةٌ كما دماؤكم تشفى من الكلب
    (30) الاستتباع
    الاستتباع: هو الوصفُ بشيء على وجه يستتبعُ الوصف بشيء آخر، مدحاً أو ذماً.
    يعني أنّ الاستتباع هو المدح على وجه يستتبع المدح بأمر آخر، كقوله
    ألا أيها المالُ الذي قد ابادهُ تسلَّ فهذا فعله بالكتائب
    وكقوله: سمح البديهة ليس يمسك لفظه فكأن ألفاظه من ماله
    وكقوله: الحرب نزهته والبأس همته والسيف عزمته والله ناصره
    وقيل: إنه يكون أيضاً في الذّم، كقول بعضهم في (قاض) لم يقبل شهادته برؤية هلال الفطر:
    أترى القاضي أعمى أم تـراه يتعامى
    سرق العيد كأنّ الـ عيد أموالُ اليتامى
    (31) السلب والايجاب([572])
    السلب والإيجاب: هو أن يقصد المتكلّم تخصيص شيء بصفة فينفيها عن جميع الناس، ثم يثبتها له مدحاً أو ذماً، فالمدح – كقول الخنساء
    وما بلغت كف امرىء متناولاً من المجد إلا والذي نلتَ أطول
    ولا بلغ المهدون للناس مدحة وإن أطنبوا إلا الذي فيك أفضلُ
    والذّم – كقول بعضهم
    خُلقوا وما خُلقوا لمكرمة فكأنّهم خُلقوا وما خُلقوا
    رُزقوا وما رُزرقوا سماح يد فكأنّهم رزقوا وما رزقوا
    (32) الابداع
    الإبداع: هو أن يكون الكلام مشتملا على عدَّة أنواع من البديع كقول الشاعر:
    فضحكت الحيا والبحر جوداً فقد بكى الـ حيا من حياءٍ منك وألتطَم البحر([573])
    (33) الأسلوب الحكيم
    أسلوب الحكيم: هو تلقى المخاطب بغير ما يترقّبهُ
    (1) إما بترك سُؤله: والاجابة عن سؤال لم يسأله.
    (2) وإما بحمل كلام المتكلم على غير ما كان يقصد ويريد، تنبيهاً على أنه كان ينبغي له أن يسأل هذا السؤال، أو يقصد هذا المعنى، فمثال الأول: ما فعله القبعثري بالحجاج([574])، إذ قال له الحجّاج مُتوعِّداً (لأحملنّك على الأدهم).
    يريد الحجّاج: القيد الحديد الأسود: فقال القبعثري «مثلُ الأمير يحمل
    على الأدهم والأشهب» يعني الفرس الأسود، والفرس الأبيض، فقال له الحجاج: أردت (الحديد)، فقال القبعثري: لأن يكون حديداً خيرٌ من أن يكون بليداً، ومراده تخطئة الحجاج بأن الأليق به الوعد (لا الوعيد)([575])
    ومثال الثاني: قوله تعالى (ويسألونك ماذا ينفقون قل ما أنفقتم من خيرٍ فللواليدن والأقربين واليتامى والمساكين وابن السبيل)، سألوا النبيّ عليه الصلاة والسلام عن حقيقة ما ينفقون مالهم، فأجيبوا ببيان طرق إنفاق المال: تنبيهاً على أن هذا هو الأولى والأجدر بالسؤال عنه وقال تعالى (يسألونك عن الأهلة قل هي مواقيت للناس والحج ([576]) وقال ابن حجُاج البغدادي:
    قلت: ثَقَّلتُ إذ أتيتُ مراراً قال: ثقلتَ كاهلي بالايادي
    قلتُ: طوّلت، قال: أوليت طولا قلتُ: أبرمتُ، قال: حبل وادادي ([577])
    فصاحب ابن حجَّاج: يقول له، قد ثقَّلت عليك بكثرة زياراتي، فيصرفه عن رأيه في أدب وظرف، وينقل كلامه من معنى إلى معنى آخر – وكقول الشاعر:
    ولما نعى الناعي سألناه خشيةً وللعين خوف البين تسكاب أمطار
    أجاب قضى: قلنا قضى حاجة العلا فقال مضى: قلنا بكل فخار
    ويحكى: أنه لما توجّه (خالد بن الوليد) لفتح الحيرة، أتى اليه من قبل أهلها رجل ذو تجربة: فقال له (خالد) فيم أنت ؟ قال في ثيابي، فقال علام أنت ؟ فأجاب على الأرض – فقال كم سنّك؟ قال اثنتان وثلاثون – فقال: أسألك عن شيء، وتجيبني بغيره: فقال: إنّما أجبتك عمّا سألت.
    (34) تشابه الأطراف
    تشابه الاطراف: قسمان – معنوي ولفظي
    فالمعنوي: هو أن يختم المتكلم كلامه بما يناسب ابتداءه في المعنى كقوله:
    ألذّ من السحر الحلال حديثهُ وأعذب من ماء الغمامة ريقُهُ
    فالريق: يناسب اللذة في أول البيت واللفظي نوعان –
    الأوّل – أن ينظر الناظم أو الناثر إلى لفظة وقعت في آخر المصراع الأول أو الجملة، فيبدأ بها المصراع الثاني، أو الجملة التالية، كقوله تعالى: «مثل نوره كمشكاة فيها مصباحٌ المصباح في زجاجة الزجاجة كأنها كوكب دريٌ» وكقول أبي تمام:
    هوى كان خلساً إن من أبرد الهوى هوى جلت في أفيائه وهو خامل
    الثاني – أن يعيد الناظم: لفظة القافية من كل بيت في أول البيت الذي يليه، كقوله:
    رمتني وستر الله بيني وبينها عشية آرام الكناس رميمُ
    رميمُ التي قالت لجيران بيتها ضمنت لكم ألا يزال يهيمُ
    وكقوله:
    اذا نزل الحجاج أرضاً مريضة تتبّع أقصى دائها فشفاها
    شفاها من الدّاء العضال الذي بها غلام اذا هزَّ القناة سقاها
    سقاها فروَّاها بشرب سجالها دماء رجال حيث مال حشاها
    (35) العكس
    العكسُ: هو أن تقدِّم في الكلام جُزءاً ثم تعكس: بأن تُقدِّم ما أخرت، وتؤخر ما قدّمت، ويأتي على أنواع
    1- أن يقع العكس بين أحد طرفي جملة، وما أضيف اليه ذلك الطرف، نحو: كلام الملوك ملوك الكلام – وكقول المتنبي
    إذا أمطر منهم ومنك سحابة فوابلهم طل وطَلُّكَ وابلُ
    ب – أن يقع العكس بين متعلقي فعلين في جملتين، كقوله تعالى:
    «يُخرج الحيّ من الميت ويخرج الميت من الحي»
    جـ - أن يقع العكس بين لفظين في طرفي الجملتين، كقوله تعالى: (لاهُنَّ حلٌّ لهم، ولا هم يحلّون لهنَّ).
    د – أن يقع العكس بين طرفي الجملتين، كقول الشاعر
    طويت بإحراز الفنون ونيلها رداء شباب والجنون فُنونُ
    فحين تعاطيت الفنون وحظها تبيَّن لي أن الفنون جنون
    هـ - أن يكون العكس بترديد مصراع البيت معكوساً، كقول الشاعر:
    إنَّ للوجد في فؤادي تراكمُ ليت عيني قبل الممات تراكمُ
    في هواكم يا سادتي متّ وجدا مت وجداً يا ساداتي في هواكمُ
    (36) تجاهل العارف
    تجاهل العارف: هو سؤال المتكلم عمَّا يعلمه حقيقة، تجاهلاً منه لنكتة، كالتوبيخ، في قوله:
    أيا شجر الخابور مالك مورقاً كأنك لم تجزع على ابن طريف
    أو المبالغة في المدح، كقول البحتري
    ألمعُ برق سرى أم ضوء مصباح ؟؟ أم ابتسامتها بالمنظر الضاحي
    أو المبالغة في الذّم، كقول زهير
    وما أدرى وسوف إخالُ أدري أقومٌ آلُ حصنٍ أم نساء ؟؟
    أو التعجّب، نحو: (أفسحرٌ هذا أم أنتم لا تُبصرون) إلى غير ذلك من الأغراض البديعية التي لا تحصّى

    تمرين
    بين الأنواع البديعية فيما يلي:
    (1) قال بعضهم في وصف إبل([578])
    صلبُ العصا بالضرب قد أدماها تـودُّ أن الله قـد أفنـاهـا
    (2) وقيل في وصف إبل هزيلة ([579])
    كالقسيِّ المعطفات بل الأسهم مبرية بل الأوتار.
    (3) وللغزالة شيء من تَلفُّته ونورها من ضيا خدّيه مُكتسب([580])
    (4) أفنى جيوش العِدا غزواً فلست ترى سوى قتيل ومأسور ومنهزم([581])
    (5) ولا عيب فيهم غير أنّ ذوي الندى خساسٌ إذا قيسوا بهم ولئام([582])
    (6) على رأس عبد تاج عز يزينُهُ وفي رجل حُرّ قيدُ ذُلٍ يشينُه([583])
    (7) إذا لم تفض عينيَّ العقيق فلا رأت منازله بالقرب تبهى وتبهُرُ([584])
    تمرين آخر
    (1) فلا الجودُ يفنى المال والجد مقبلٌ ولا البخل يبقى المال والجدُ مدبر([585])
    (2) رحم الله من تصدَّق من فضل أو آسى من كفاف، أو آثر من قُوتِ ([586])
    (3) رأى العقيق فأجرى ذاك ناظرُهُ متيمٌ لجَّ في الأشواق خاطرهُ ([587])
    (4) آراؤكم ووُجوهكم وسيوفكم في الحادثات اذا دجونَ نجوم([588])
    (5) ما زلزلت مصر من كيد ألمّ بها لكنّها رقصت من عدلكم طربا([589])
    (6) أراعي النجم في سيرى اليكم ويرعاه من البيدا جوادي ([590])
    جاءني ابني يوماً وكنت أراه لي ريحانة ومصدر أُنس
    قال ما الرُّوح ؟ قلت إنّك روحي قال ماالنفسُ ؟ قلت إنك نفسي
    تطبيق عام على البديع المعنوي
    ياسيدا حاز لطفا له البرايا عبيدُ
    أنت الحسين ولكن جفاك فينا يزيدُ
    في هذا الكلام تورية، مهيَّأة بلفظ قبلها، فان ذكر «الحسين» لازم لكون «يزيد» اسما بعد احتمال الفعل المضارع الموري عنه
    حُماة في بهجتها جنَّة وهي من الغمّ لنا جنّة
    لا تيأسوا من رحمة الله فقد رايتم العاصي في الجنة
    في هذا الكلام تورية مرشحة، فان ذكر الرحمة ترشيح للفظ العاصي الموري به الذي هو من العصيان، والموري عنه النهر المعروف الذي عبر حماه.
    فان ضيعتُ فيه جميع مالي فكم من لحية حلقت بموسى
    فيه التورية المرشحة، بذكر اللحية والحلق، وهما يناسبان المورى به وهو «موسى الحديد» والمورى عنه الاسم المذكور.
    يا عذولي في مغنّ مطرب حرك الأوتار لما سفرا
    لم تهز العطف منه طربا عند ما تسمع منه وترا
    فيه تورية في لفظ «وترا» فانَّ معناه البعيد المراد هو الرؤية، والقريب أحد الأوتار – ولفظ «تسمع» هيّأ قوله «وتراً» للتورية بالرؤية.
    سألته عن قومه فانثنى يعجب من افراط دمعي السخي
    وأبصر المسك وبد الدُّجى فقال ذا خالي وهذا أخي
    فيه تورية في لفظ «خالي» فمعناه البعيد المراد، النقطة السوداء في الخد، والقريب أخ الأم، ولفظة «أخي» هي التي هيّأت خالي للتورية – وهي بعيدة.
    وساقية تدور على الندامى وتنهرهم لسرعة شرب خمر
    سنشكر يوم لهو قد تقضَّى بسـاقيـة تقـابلنا بنـهر
    «الساقية» امرأة تسقى الراح، وهذا هو المعنى القريب – أو ساقية الماس وهو المعنى البعيد، وكل منهما مذكور للتورية في صاحبه، ومُهيِّىء لها فيه.
    الباب الثاني
    في المحسنات اللفظية
    (1) الجناس([591])
    الجناسُ: هو تشابه لفظين في النطق، واختلافهما في المعنى وهو ينقسم إلى نوعين: لفظي – ومعنوي:

    أنواع الجناس اللفظي
    (1) منها – الجناس التّام: وهو ما اتفق فيه اللفظان المتجانسان في أربعة أشياء، نوع الحروف، وعددها، وهيئآتها الحاصلة من ا لحركات والسكنات، وترتيبها مع اختلاف المعنى.
    فان كان اللفظان المتجانسان من نوع واحد: كاسمين، أو فعلين، أو حرفين سمى: الجناس (مماثلاً([592]) ومستوفياً) – نحو: (ويوم تقوم الساعة يقسمُ المجرمون ما لبثوا غير ساعة) فالمراد بالساعة الأولى يوم القيامة، وبالساعة الثانية المدة من الزمان، ونحو: رحبة رحبة:
    فرحبة الأولى: فناء الدار، ورحبة الثانية: بمعنى واسعة
    وإن كانا من نوعين: كفعل واسم، سُمِّي: الجناس مستوفياً، نحو إرع الجار ولو جار – وكقول الشاعر
    ما مات من كرم الزَّمان فإنَّه يحيا لدى يحيى بن عبد الله
    فيحيا الأول فعل مضارع، يحيى الثاني اسم الممدوح، ونحو:
    إذا رماك الدهر في معشر قد أجمع الناسُ على بغضهم
    فدارهم ما دُمت في دارهم وأرضهم ما دُمت في أرضهم
    والجناس التام: ممّا لا يتفق للبليغ إلا على ندور وقلة: فهو لا يقع موقعه من الحسن حتى يكون المعنى هو الذي استدعاه وساقهُ، وحتى تكون كلمتهُ ممّا لا يبتغي الكاتب منها بدلاً، ولا يجد عنها حولا.
    ومنها الجناس غير التام: وهو ما اختلف فيه اللفظان في واحد أو أكثر من الأربعة السابقة (ويجب ألا يكون بأكثر من حرف) واختلافهما: يكون إمّا بزيادة حرف
    (في الأول) نحو: دوام الحال من المحال.
    أو (في الوسط) نحو: جدّي جهدي
    أو (في الآخر) نحو: الهوى مطية الهوان
    والأول يسمى «مردوفاً»، والثاني يُسمى «مكتنفاً» والثالث «مطرّفاً» كقوله تعالى (ذلكم بما كنتم تفرحون في الأرض بغير الحق وبما كنتم تمرحون) – وكقول الشاعر:
    فان حلّوا فليس لهم مقرٌّ وإن رحلُوا فليس لهم مفرُّ
    وكقوله عليه السلام (الخيل معقود في نواصيها الخير إلى يوم القيامة) ومن اختلاف أعدادها، قولك: هذا بناء ناء ٍ، ومن اختلاف ترتيب الحروف، قوله(في حسامه فتح لأوليائه، وحتفٌ لأعدائه) – ومن هذا: قول الأحنف:
    حُسامُك فيه للأحباب فتحٌ ورُمحكَ فيه للأعداء حتفُ
    ومن اختلاف الهيئة، قول الشاعر:
    الجَدّ في الجد والحِرمان في الكسل فانصب تُصب عن قريب غاية الأمل
    (2) ومنها الجناس المطلق – وهو توافق رُكنيه في الحروف وترتيبها بدون أن يجمعهما اشتقاق ٌ، كقوله صلى الله عليه وسلم – (أسلم) سالمها الله (وغفارٌ) غفر الله لها، (وعصيّة) عصت الله ورسوله، فان جمعهما اشتقاق – نحو (لا أعبد ما تعبدون ولا أنتم عابدون ما أعبد) فقيل: يُسمى جناس الاشتقاق([593])
    (3) ومنها - «الجناس المُذيَّل» - «والجناس المطرَّف»، فالأول: يكون الاختلاف بأكثر من حرفين في آخره والثاني: يكون الاختلاف بزيادة حرفين في أوله.فالجناس المذيل – كقول أبي تمام:
    يمدون من أيدٍ عواص عواصم ٍ تصول بأسياف قواض قواضبِ
    والجناس المُطرَّف – كقول الشيخ عبد القاهر:
    وكم سبقت منه إلى عوارف ثنائي على تلك العوارف وارف
    وكم غرر من بره ولطائف لشكري على تلك اللطائف طائفُ
    ومنها - «الجناس المضارع» - «والجناس اللاحق» فالجناس المضارع: يكون باختلاف ركنيه في حرفين، لم يتباعدا مخرجاً إما: في الأول – نحو: ليلٌ دامسٌ، وطريق طامس وإما في الوسط – نحو: (وهم ينهون عنه، وينأون عنه) وإما: في الآخر – نحو قوله صلى الله عليه وسلم (الخيل معقودٌ في نواصيها الخير إلى يوم القيامة) والجناس اللاحق: يكون في متباعدين إما في الأول – نحو: (همزة لمزة) وإما في الوسط – نحو: (إنه على ذلك لشهيد، وإنه لحب الخير لشديدٌ) وإما في الآخر – نحو قوله تعالى: (وإذا جاءهم أمر من الأمن أو الخوف أذاعوا به).
    (5) ومنها - «الجناس اللفظي» - وهو ما تماثل ركناه لفظاً، واختلف أحد (ركنيه) عن الآخر خطّاً – إما الاختلاف في الكناية (بالنون والتنوين) وإما الاختلاف في الكتابة (بالضاد والظاء – أو الهاء والتاء) فالأول – (وهو ما تماثل ركناه لفظاً، واختلف أحدُ ركنيه عن الآخر خطاً في الكتابة بالنون والتنوين) قوله:
    أعذبُ خلق الله نطقاً (وفماً) ان لم يكن أحقّ بالحُسن (فمن)
    مثل الغزال نظرةً ولفتةً من ذا رآه مقبلا ولا افتتن
    والثاني – (وهو اختلاف أحد (ركنيه) في الضاد والظاء، نحو قوله تعالى «وجوه يومئذ (ناضرةٌ) إلى ربها (ناظرة)» – وكقول أبي فراس:
    ما كنت تصبر في القديـ م فلم صبرت الآن عنّا
    ولقد ظننت بك الظنون لأنه من (ضن ظنّا)
    والثالث (وهو اختلاف أحدرُ كنيه في الهاء – والتاء) – كقوله
    إذا جلست إلى قوم لتؤنسهم بما تحدّث من ماض ومن آت
    فلا تعيدن حديثاً إنّ طبعهمو موكلٌ (بمعاداة المعادات)
    (6) ومنها – الجناس المُحرِّف – و «الجناس المُصحَّف» فالأول – ما اختلف ركناه في هيآت الحروف الحاصلة من حركاتها وسكناتها، نحو: جبة البرد جنة البرد والثاني – ما تماثل ركناه وضعاً، واختلفا نقطاً، بحيث لو زال إعجام أحدهما لم يتميز عن الآخر – كقول بعضهم: غرك عزُّك، فصار قصارى ذلك ذلك، فاخش فاحش فعلك، فعلك بهذا تهتدي
    ونحو: إذا زلّ العالم، زلَّ بزلّته العالم – وكقول أبي فراس
    من بحر شعرك أغترف وبفضل علمك أعترف
    (7) ومنها – الجناس المركّب - «والجناس الملفق» فالأول – ما اختلف (ركناه) إفراداً وتركيباً فان كان من كلمة وبعض أخرى، سُمى (مرفُوّاً) – كقول الحريري:
    ولا تلهُ عن تذكار ذنبك وابكه بدمع يضاهى المزن حال «مصابه»
    ومثّل لعينيك الحمام ووقعه وروعة ملقاه ومطعم «صابه»
    وان كان من كلمتين – فان اتفق الركنان خطاً سُمِّي (مقرونا) – كقوله:
    إذا ملك لم يكن «ذاهبه» فدعه فدولته «ذاهبه»
    وإلا سمى (مفروقا) – كقوله
    لا تعرضن على الرواة قصيدة ما لم تكن بالغت في «تهذيبها»
    فاذا عرضت الشعر غير مُهذّب عدوه منك وساوساً «تهذى بها»
    والثاني – وهو الجناس المُلفّق: يكون بتركيب الركنين جميعاً – كقوله:
    وليت الحكم خمساً وهي خمس لعمري والصبا في العنفوان
    فلم تضع الأعادي قدر «شاني» ولا قالوا فلان قد «رشاني»
    (8) ومنها – (جناس القلب) وهو ما اختلف فيه اللفظان في ترتيب الحروف، نحو: حسامه فتحٌ لأوليائه، وحتفٌ لأعدائه، «ويسمى قلب كلٍّ» لانعكاس الترتيب، ونحو: اللهم استر عوراتنا، وآمن روعاتنا، ويسمى (قلب بعض) ونحو: رحم الله امرأ، أمسك ما بين فكيه، وأطلق ما بين كفيه.
    وإذا وقع أحد المتجانسين في أول البيت، والآخر في آخره، سمى (مقلوباً مجنحاً) كأنه ذو جناحين – كقوله:
    «لاح» انوارُ الهدى من كفّه في كل «حال»
    وإذا ولى أحد المتجانسين الآخر قيل له «المزدوج» وإن كان التركيب بحيث لو عكس حصل بعينه (فالمستوى) وهو أخص من (المقلوب المجنح) ويسمى أيضاً «ما لا يستحيل بالانعكاس» نحو (كل في فلك) ونحو (وربك فكبر)، وبعد: فلا يخفى على الأديب، ما في الجناس من الاستدعاء لميل السامع، لأن النفس ترى حسن الإفادة، والصورة صورة تكرار وإعادة ومن ثم تأخذها الدهشة والاستغراب ولأمرٍ ما، عُدّ الجناس من حُلى الشعر.
    أنواع الجناس المعنوي
    الجناس المعنوي نوعان: جناس إضمار – وجناس إشارة
    (أ) «فجناس الاضمار» أن يأتي بلفظ يحضرب في ذهنك لفظاًَ آخر وذلك اللفظ المحضر يراد به غير معناه، بدلالة السياق – كقوله:
    «منعم» الجسم تحكى الماء رقَّته وقلبه «قسوة» يحكى ابا أوس
    (وأوس) شاعر مشهور من شعراء العرب، واسم أبيه حجر، فلفظ أبي «أوس» يحضر في الذهن اسمه، وهو (حجر)، وهو غير مراد، وإنما المراد: الحجر المعلوم – وكان هذا النوع في مبدئه مستنكراً، ولكنّ المتأخرين ولعوا به، وقالوا منه كثيراً، فمن ذلك قول البهاء زهير:
    وجاهل طال به عنائي لازمني وذاك من شقائي
    أبغض للعين من الأقذاء أثقل من شماتة الأعداء
    فهو إذا رأته عين الرائي أبو معاذ أو أخو الخنساء
    (ب) «وجناس الإشارة» هو ما ذكر فيه أحد الركنين، واشير للآخر بما يدل عليه – وذلك إذا لم يساعد الشعر على التصريح به – نحو:
    يا «حمزة» اسمح بوصلٍ وامُنن علينا بقُربِ
    في ثغرِ: اسمك أضحى مصحّفاً وبقلبي
    فقد ذكر الشاعر أحد المتجانسين: وهو (حمزة)، وأشار إلى الجناس فيه، بأن مصحَّفة، في ثغره، أي (خمرة) وفي قلبه، أي (جمرة) وبعد فاعلم أنه لا يستحسن الجناس، ولا يعدّ من أسباب الحسن، إلا إذا جاء عفواً، وسمح به الطبع من غير تكلف، حتى لا يكون من أسباب ضعف القول وانحطاطه، وتعرض قائله للسخرية والاستهزاء.
    (2) التصحيف
    التصحيف: هو التشابه في الخط بين كلمتين فأكثر: بحيث لو أزيل أو غيرت نقط كلمة، كانت عين الثانية، نحو التخلي، ثم التحلّي، ثم التَّجلّي.
    (3) الازدواج
    الازدواج: هو تجانس اللفظين المجاورين، نحو: من جدّ وجدَ، ومن لج ولج.
    (4) السجع
    السجعُ: هو توافق الفاصلتين([594]) في الحرف الأخير من (النثر) وأفضلهُ: ما تساوت فقره – وهو ثلاثة أقسام:
    أولها – (السجع المطرف) وهو ما اختلفت فاصلتاه في الوزن، واتفقنا في التقفية، نحو قوله تعالى (ما لكم لا ترجون لله وقاراً وقد خلقكم أطواراً)، ونحو قوله تعالى «ألم نجعل الأرض مهاداً والجبال أوتاداً»
    ثانيها – (السجع المُرصَّع): وهو ما اتفقت فيه ألفاظ إحدى الفقرتين أو أكثرها في الوزن والتّقفية، كقول الحريري، هو يطبع الأسجاع بجواهر لفظه، ويقرع الأسماع بزواجر وعظه([595]) وكقول الهمذاني: إن بعد الكدر صفواً، وبعد المطر صحواً.
    ثالثها – (السجع المتوازي): وهو ما اتفقت فيه الفقرتان في الوزن والتقفية نحو قوله تعالى (فيها سرر مرفوعة وأكوابُ موضوعة) لاختلاف سُرر، وأكواب، وزناً وتقفية، ونحو قوله تعالى (والمُرسلات عرفاً فالعاصفات عصفاً) لاختلاف المرسلات، والعاصفات وزناً فقط ونحو: حسدَ الناطق والصامت، وهلك الحاسد والشامت – لاختلاف ما عدا الصَّامت، والشامت: تقفية فقط.
    والأسجاع مبنية على سُكون أواخرها، وأحسن السجع ما تساوت فقرهُ، نحو قوله تعالى (في سدر مخضود، وطلح منضود، وظل ممدود)، ثم ما طالت فقرته الثانية، نحو قوله تعالى (والنجم إذا هوى ما ضل صاحبكم وما غوى) ثم ما طالت ثالثته، نحو قوله تعالى (النار ذات الوقود إذ هم عليها قعود وهم على ما يفعلون بالمؤمنين شهودٌ) ولا يحسن عكسه، لأن السامع ينتظر إلى مقدار الأول، فاذا انقطع دونهن أشبه العثار([596])، ولا يحسن السجع إلا إذا كانت المفردات رشيقة، والألفاظ خدم المعاني، ودلّت كل من القرينتين على معنى غير ما دلّت عليه الأخرى، وحينئذ يكون حلية ظاهرة في الكلام.
    والسجع: موطنه النثر، وقد يجىء في الشعر نادراً: كقوله:
    فنحن في جزل والروم في وجل والبر في شغلٍ والبحر في خجل
    ولا يستحسن اسجع أيضاً إلا إذا جاء عفواً، خالياً من التكلف والتصنع، ومن ثم لا تجد لبليغ كلاماً يخلو منه، كما لا تخلو منه سورة وإن قصرت.
    (5) الموازنة
    الموازنة: هي تساوى الفاصلتين في الوزن دون التقفية، نحو قوله تعالى: (ونمارق مصفوفة وزرا بي مبثوثة) فان مصفوفة ومبثوثة متفقتان في الوزن، دون التقفية، ونحو قول الشاعر:
    أفاد َ فساد وقاد فزاد وساد فجادَ وعادَ فأفضلَ
    (6) الترصيع
    الترصيع: هو توازن الألفاظ، مع توافق الأعجاز، أو تقاربها – مثال التوافق: نحو قوله تعالى: «إن الأبرار لفي نعيمٍ، وإن الفجّار لفي جحيمٍ»
    ومثال التقاربُ: نحو قوله تعالى: «وآتيناهما الكتاب المستبين وهديناهما الصراط المستقيم»
    (7) التشريع
    التشريعُ: هو بناء البيت على قافيين، يصحّ المعنى عند الوقوف على كلّ منهما – كقول الشاعر:
    يا خاطبَ الدُّنيا الدَّنية إنّها شركُ الردى وقرارة الأقذار
    دارٌ متى ما أضحكت في بومها أبكت غداً تباً لها من دار
    وإذا أظلَّ سحَابها لم ينتفع منه صدى لجهامه الغرَّار
    غاراتها لا تنقضى وأسيرُها لا يُفتدى بجلائل الأخطار
    فتكون هذه الأبيات من (بحر الكامل) ويصح أيضاً الوقوف على الرّدَى وغدا، وصدَى، ويفتدَى، ونكون إذاً من (مجزوء الكامل) وتُقرأ هكذا
    يا خاطبَ الدُّنيا الدَّنية إنـها شركُ الردَى
    دارٌ متى ما أضحكت في يومها أبكت غدا
    وإذا أظل سحابُها لم ينتفع منه صدَى
    غاراتها لا تنقضى وأسيرَها لا يُفتدى
    وكقوله: يأيّها الملك الذي عمّ الورى ما في الكِرام له نظيرٌ يُنظر
    لو كان مثلك آخر في عصرنا ما كان في الدنيا فقيرٌ مُعسر
    إذ يمكن أن يُقال أيضاً في هذين البيتين
    يأيها الملك الذي ما في الكرام له نظير
    لو كان مثلك آخرٌ ما كان في الدنيا فقيرُ
    (8) لزوم ما لا يلزم
    لزومُ ما لا يَلزمُ: هو أن يجىء قبل حرف الرَّويِّ، أو ما في معناه من الفاصلة، بما ليس بلازم في التقفية، ويُلتزم في بيتين أو أكثر من (النظم) أو في فاصلتين أو أكثر من (النثر) نحو قوله تعالى (فأما اليتيم فلا تقهر وأما السائل فلا تنهر) – وكقول الطغراني في أول لاميَّته المشهورة:
    أصالةُ الرّأي صانتني عن الخطل وحِلية الفضلِ زانتني لدى العطلِ
    وكقوله: يا مُحرقاً بالنار وجه محبه مهلا فان مدامعي تطفيه
    احرق بها جسدي وكل جوارحي واحرص على قلبي فانّك فيه
    وقد يلتزمُ أكثرُ من حرف: كقوله
    كُل واشرب الناس على خبرة فهم يمرُّونَ ولا يُعذَّبون
    ولا تُصدِّقهم إذا حدّثُوا فإنّهم من عهدهم يكذبون
    (9) رد العجز على الصدر
    (1) رد العجزُ على الصَّدر: (في النثر) هو أن يُجعلَ أحدُ اللّفظين المُكرّرين، أو المُتجانسين، أو المُلحقين بهما «بأن جمعهما اشتقاق او شبهُ» في أول الفقرة، ثم تعادُ في آخرها، كقوله تعالى (وتخشى الناس والله أحق أن تخشاهُ) – وقولك: «سائل» اللئيم يرجع؟ ودمعه «سائل» فسائل الأول: من السؤال، وسائل الثاني: من السَّيلان ونحو قوله تعالى (استغفروا ربكم إنهُ كانَ غفَّاراً) واللّذان يجمعهما شبه اشتقاق – نحو قوله تعالى (قال إني لعملِكم من القالين)
    (ب) رد العجز على الصدّر: (في النظم) هو أن يكون أحدهما في آخر البيت، والآخر يكون، إمّا – في صدر المصراع الأوّل، أو في حشوه، أو في آخره ([597])
    وإمّا – في صدر المصراع الثاني – نحو قوله:
    سريعٌ إلى ابن العم يلطم وجهه وليس إلى داعي الندى بسريع
    وقوله – تمتع من شميم عرار نجد فما بعد العشية من عرار
    وقوله – ذوائب سُود كالعناقيد أرسلت فمن أجلها منّا النفوس ذوائب
    (10) ما لا يستحيل بالانعكاس
    مالا يستحيل بالأنعكاس: هو كون اللفظ يقرا طرداً – وعكساً نحو: كن كما أمكنك – (وربك فكبر)، وكقوله:
    مودته تدوم لكل هولٍ وهل كل مودته تدوم
    (11) المواربة
    المُواربة: هي أن يجعل المتكلم كلامه بحيث يمكنه أن يغير معناه بتحريف، أو تصحيف، أو غيرهما، ليسلم من المؤاخذة – كقول أبي نواس.
    لقد ضاع شعري على بابكم كما ضاع عقدٌ على خالصه
    فلمّا أنكر عليه (الرشيد) ذلك، قال (أبو نُواس): لم اقل إلا
    لقد ضاء شعري على بابكم كما ضاء عقد على خالصه
    (21) ائتلاف اللفظ مع اللفظ
    إئتلاف اللفظ مع اللفظ: هو كونُ ألفاظ العبارة من وَادٍ واحد في الغرابة والتأمل – كقوله تعالى (تالله تفتأ تذكر يُوسفُ) لما أتى (بالتَّاء) التي هي أغرب حروف القسم، أتى «بتفتأ» التي هي أغربُ أفعال الاستمرار.
    (22) التسميط
    التسميط: هو أن يجعل الشاعر بيته على أربعة أقسام
    على سجع واحد، بخلاف قافية البيت – كقول جنوب الهذلية وحرب وثغرٍ سددتَ وعلج شددت عليه الحبالا وقوله: في ثغره لعس عبسٌ في قدّه ميسٌ في جسمه ترف.
    (23) الانسجام أو السهولة
    الانسجام أو: السهولة: هو سلامة الألفاظ، وسهولة المعاني مع جزالتهما وتناسبهما – كقول الشاعر:
    ما وهب الله لامرىء هبةً أفضل من عقله ومن أدبه
    هما كمالُ الفتى فان فُقدا ففقدُه للحياة أليقُ به
    (24) الاكتفاء
    الاكتِفاء: هو ان يحذف الشاعر من البيت شيئاً، يُستغنى عن ذكره، بدلالة العقل عليه – كقول الشاعر:
    فإنّ المنيَّة من يخشها فسوف تصادُمه أينما
    أي أينما توجه([598])
    (25) التطريز
    التطريز: هو أن يكون صدر النَّثر أو الشعر مُشتملا على ثلاثة أسماء مختلفة المعاني، ويكون العجزُ صفةً متكرّرة بلفظ واحد – كقول القائل:
    وتسقيني وتشربُ من رحيق خليقٍ أن يُلقب بالخلُوق
    كأنّ الكأس في يدها وفيها عقيق في عقيق في عقيق
    نموذج
    بين ما في الأبيات الآتية من المُحسنات اللفظية
    (1) عضّنا الدهر بنابه ليت ما حلّ بنابه([599])
    (2) إلى حتفي سعى قدمي أرى قدمي أراق دمي([600])
    (3) لئن أخطأتُ في مديحك ما أخطأت في منعي([601])
    لقد أنزلت حاجاتي بواد غير ذي زرع
    (4) وفي الحديث (اللهم أعط منفقاً خلفاً، وأعط مُمسكا تلفاً([602])
    (5) قد بلينا في عصرنا بأناس يظلمون الأنام ظلماً عمّا([603])
    يأكلون التراث أكلا لمَّا ويحبون المـال حُباً جمّا
    (6) وإن أقرّ على رق أنامله أقر بالرق كتاب الأنام له([604])

    خاتمة
    في السرقات الشعرية وما يتبعها
    السَّرقةُ – هي أن يأخذَ الشخص كلام الغير، وينسبه لنفسه وهي ثلاثة أنواع: نسخٌ، ومسخٌ، وسلخٌ.
    (أ) النَّسخ: ويسمى انتحالاً أيضاً – هو أن يأخذ السارق اللفظ والمعنى معاً، بلا تغيير ولا تبديل، أو بتبديل الألفامظ كلّها، أو بعضها بمرادفها، وهذا مذموم، وسرقة محضة - كما فعل عبد الله بن الزبير بقول مُعن بن أوس([605])
    إذا أنت لم تنصف أخاك وجدته على طرف الهجران إن كان يعقل
    ويركبُ حد السف من أن تضميه إذا لم يكن عن شفرة السيف مزحل
    وأمّا تبديل الألفاظ بمُرادفها – كما فعل بقول الحطيئة
    دع المكارم لا ترحل لبُغيتها واقعد فانك أنت الطاعم الكاسيِ
    فقال الآخر:
    زُرَا المآثر لا تذهب لمطلبها واجلس فانك أنت الآكل اللابس
    وقريب منه: تبدّل الألفاظ بضدّها، مع رعاية النظم والترتيب كما فعل بقول حسان رضي الله عنه.
    بيض الوجوه كريمةٌ أحسابُهم شم الأنوف من الطراز الأول
    فقال غيره:
    سود الوجوه لئيمةٌ أحسابهم فطس الأنوف من الطراز الآخر
    (ب) والمسخ – أو الإغارة: هو أن يأخذ بعض اللفظ، أو يغير بعض النّظم، فان امتاز الثاني بحسن السبك فممدوح، نحو قول الآخر:
    من راقب الناس لم يظفر بحاجته وفاز بالطيبات الفاتك اللهج
    مع قول غيره:
    من راقب الناس مات همّا وفاز باللّذات الجسور
    فان الثاني أعذب وأخصر، وان امتاز الأول فقط فالثاني مذموم وان تساويا فالثاني لا يذم ولا يمدح، والفضل للسابق.
    (جـ) والسلخُ – ويسمى إلماماً ن وهو أن يأخذ السارق المعنى وحده فان امتاز الثاني فهو أبلغ – نحو قول الشاعر:
    هو الصنع أن يعمل فخير وان يرث فللرّيثُ في بعض المواضع أنفع
    مع قول غيره:
    ومن الخير بطء سيبك عنى اسرع السّحب في المسير الجهام
    وان امتاز الأول: فالثاني مذموم، وان تماثلا فهو أبعد عن الذم – كقوله
    ولم يك أكثر الفتيان مالا ولكن كان أرحبهم ذراعا
    مع قول الآخر:
    وليس بأوسعهم في الغنى ولكن معروفه أوسع
    ويتصل بالسرقات الشعرية: ثمانية أمور، الاقتباس، والتضمين، والعقد، والحلّ، والتّلميح، والابتداء، والتّخلّص، والانتهاء.
    (1) الاقتباس – هو أن يضمّن المتكلم منثوره، أو منظومه، شيئاً من القرآن، أو الحديث، على وجه لا يشعر بأنه منهما، فمثاله من (النثر) (فلم يكن إلا كلمح البصر أو هو أقرب)، حتى أنشد فأغرب، ونحو قول الحريري، أنا أنبئكم بتأويله، وأميز صحيح القول من عليله – وكقول عبد المؤمن الأصفهاني – لا تغرنّك من الظلمة كثرة الجيوش والأنصار «إنما نؤخرهم ليوم تشخص فيه الأبصار» - ومثاله من (الشعر) قوله([606])
    وثغر تنضّد من لؤلؤ بألباب أهل الهوى يلعب
    إذا ما ادلهمّت خطوب الهوى يكاد سنا برقه يذهب
    وكقول الشاعر الآخر:
    ان كنت أزمعت على هجرنا من غير ما جرمٍ فصبرٌ جميل
    وان تبدّلت بنا غيرنا فحسبنا الله ونعم الوكيل
    وكقول القائل الآخر:
    لا تكن ظالماً ولا ترض بالظلم وأنكر بكل ما يستطاع
    يوم يأتي الحساب ما لظلوم من حميم ولا شفيع يطاع
    وكقول بعضهم:
    ان كانت العشاق من أشواقهم جعلوا النسيم الى الحبيب رسولا
    فأنا الذي أتلو لهم يا ليتني كنت اتخذت مع الرسول سبيلا
    وكقول الشاعر:
    ارحلوا فلستُ مسائلا عن دارهم «أنا باخعٌ نفسي على آثارهم»
    وكقول الآخر:
    ولاح بحكمتي نور الهدى في ليالٍ للضلالة مدلهمّه
    يريد الجاهلون ليطفئوه ويأبى الله إلا أن يتمَّه
    ومثاله من الحديث في (النثر) قول الحريري: شاهت الوجوه، وقبح اللكع ومن يرجوه – وكقول الحريري أيضاً، وكتمان الفقر زهاده، و «انتشار الفرج بالصبر» عباده، ومثاله من الحديث في (الشعر)، قول الشاعر:
    قـال لـي إن رقـبـي سيء الخُلق فداره
    قلت دعني وجهك «الجـ نة حُفَّت بالمكاره»
    وكقول الشاعر الآخر:
    فلو كان الأخلاق تحوى وراثة ولو كانت الأراء لا تتشعبُ
    لأصبح كل الناس قد ضمّهم هوى كما أن كل الناس قد ضمّهم أب
    ولكنها الأقدار «كل ميسرٌ لما هو مخلوق له» ومُقرّبُ
    وكقول القائل:
    لا تعادِ الناس في أوطانهم قلّما يرعى غريبُ الوطن
    وإذا ما شئت عيشاً بينهم خالق الناس بخلقٍ حسنِ ([607])
    (2) والتضمين – هو أن يضمن الشاعر كلامه (شيئاً من مشهور شعر الغير) مع التنبيه عليه([608]) إن لم يكن مشهوراً لدى نقّاد الشعر، وذوي اللُّسن، وبذلك يزداد شعرهُ حسناً – كقوله الصاحب بن عبّاد:
    أشكو إليك زماناً ظل يعرُ كني عرك الأديم، ومن يعدو على الزمنِ
    وصاحباً كنتُ مغبوطاً بصُحبته دهراً فغادرني فرداً بلا سكن ِ
    وباع صفو ودادٍ كنت أقصُره عليه مُجتهداً في السِّر والعلَن
    كأنه كان مطويّا على إحن ِ ولم يكن في قديم الدهر أنشَدني
    (إن الكرام إذا ما أيسروا ذكروا من كان يألفهم في المنزل الخشن)
    وكقوله:
    إذا ضاق صدري وخفتُ العدا تمثلتُ بيتاً بحالي يليقُ
    فبالله أبلغ ما أرتجى وبالله ادفع مالا أطيق
    وكقول الحريري: يحكى ما قاله الغلام الذي عرضه (أبو زيد) للبيع:
    على أنى سأنشد عند بيعي أضاعوني وأي فتى أضاعوا
    فالمصراع الأخير (للعرجي) وهو محبوس – وأصله
    اضاعوني وأي فتى أضاعوا ليوم كريهةٍ وسدادِ ثغرِِ
    وصبر عند مُعترك المنايا وقد شُرعت أسنتها بنحري
    (3) والعقد – هو (نظم النثر) مطلقاً لا على وجه الاقتباس، ومن شروطه أن يؤخذ (المنثور) بجملة لفظه أو بمعظمه، فيزيد الناظم فيه وينقص، ليدخل في وزن الشعر – فعقد القرآن الكريم، كقوله:
    أنلني بالذي استقرضتَ خطا وأشهد معشراً قد شاهدوه
    فان الله خـلاّق البـرايا عنت لجلال هيبته الوجوه
    يقول «إذا تداينتـم بدين إلى أجل مسمى فاكتبوه»
    وعقد الحديث الشريف، كقوله:
    إن القلوبَ لأجنـادٌ مجـندة بالأذن من ربّها تهوى وتأتلفُ
    فما تعارف منها فهو مُؤتلفٌ وما تناكر منها فهو مختلف
    وكقوله:
    واستعمل الحلم واحفظ قول بارئنا سبحانه خلق الانسان من عجل
    (4) والحل – هو (نثر النظم) وإنما يقبل إذا كان جيد السبك، حسن الموقع – كقوله:
    إذا ساء فعل المرء ساءت ظنونه وصّدق من يعتاده من توهُّم([609])
    (5) والتلميح – هو الاشارة إلى قصة معلومة، أو شعر مشهور أو مثل سائر، من غير ذكره، فالأول: وهو الاشارة الى قصة معلومة – نحو
    يابدر أهلكَ جاروا وعلّموك التَجرى وقبحوا لك وصلى
    وحسنّوا لك هجري فليفعلوا ما أرادوا فانّهم أهل بدر
    وكقوله تعالى (هل آمنكم عليه إلا كما أمنتكم على أخيه من قبل) أشار (يعقوب) في كلام هنا لأولاده بالنسبة إلى خيانتهم السابقة في أمر أخيهم (يوسف) – ونحو قول الشاعر:
    فو الله ما أدرى أأحلام نائم ألَمّت بنا أم كان في الركب (يوشع([610]))
    والثاني – وهو الاشارة الى شعر مشهور – نحو قول الشاعر
    لعمرو مع الرَّمضاء والنار تلتظى أرقُ وأحفى منك في ساعة الكرب
    إشارة إلى قول الآخر:
    ألمستجير بعمرو عند كربته كالمستجير من الرمضاء بالنار
    والثالث – وهو الاشارة الى مثل سائر من غير ذكره – نحو قول الشاعر:
    من غاب عنكم نسيتموه وقلبه عندكم رهينه
    أظنّكم في الوفاء ممّن صُحبته صُحبة السّفينه
    (6) وحسن الابتداء، أو براعة المطلع: هو أن يُجعل أول الكلام رقيقاًُ سهلاً، واضح المعاني، مُستقلا عمّا بعده، مناسباً للمقام، بحيث يجذب السامع إلى الاصغاء بكلّيته، لانه أول ما يقرع السمع، وبه يُعرف ممّا عنده قال ابن رشيق: إن حسن الافتتاح داعية الانشراح، ومطية النجاح – وذلك كقول الشاعر:
    المجد عوفى إذ عوفيتَ والكرم وزال عنك إلى أعدائك السَّقم
    وتزداد براعة المطلع حسناًَ، إذا دلت على المقصود باشارة لطيفة وتسمى براعة استهلال ([611]) وهي أن يأتي الناظم، أو الناثر: في ابتداء كلامه بما يدلّ على مقصوده منه، بالاشارة – لا بالتصريح، كقول (ابي محمد الخازن) مُهنّأ (الصاحب ابن عباد) بمولود
    بُشرى فقد أنجز الاقبال ما وعدا وكوكب المجد في أفق العلا صعدا
    وكقول غيره: في التهنئة ببناء قصر
    قصر عليه تحيّة وسلام خلعت عليه جمالها الأيام
    وكقول المرحوم (أحمد شوقي بك) في الرثاء.
    أجلٌ وان طال الزمان موافى أخلى يديك من الخليل الوافي
    وكقول آخر في الاعتذار:
    لنار الهم في قلبي لهيبُ فعفواً أيها الملك المهيبُ
    وقد جاء في الأخبار أن الشعر قفل، وأوّله مفتاحه
    (7) والتّخلص – هو الخروج والانتقال مما ابتدىء به الكلام إلى الغرض المقصود، برابطة تجعل المعاني آخذاً بعضها برقاب بعض، بحيث لا يشعر السامع بالانتقال من نسيب، إلى مدح، أوغيره، لشدة الالتئام والانسجام – كقوله:
    وإذا جلست إلى المدَام وشربها فاجعل جديثك كله في الكاس ِ
    وإذا نزعت عن الغواية فليكن (لله) ذاك النزع لا للناس
    وإذا أردت مديح قوم لم تلم في مدحهم فامدح (بني العباس)
    وقوله: دعت النوى بفراقهم فتشتَّتوا وقضى الزمان بينهم فتبدَّدوا
    وقد يُنتقل مما افُتتح به الكلام إلى الغرض المقصود مباشرة، بدون رابطة بينهما، ويسّمى ذلك (اقتضابا) – كقول ابي تمام:
    لو راى الله أنّ في الشيب خيراً جاورته الأبرار في الخُلد شيبا
    كل يوم تُبدى صروف اللّيالي خلقا من أبي سعيد غريبا
    (8) و «حسن الانتهاء» ويقال له «حسن الختام» هو أن يجعل المتكلم آخر كلامه، عذب اللفظ، حسن السبّك، صَحيح المعنى، مشعراً بالتّمام حتى تتحقق (براعة المقطع) بحسن الختام، إذ هو آخر ما يبقى منه في الأسماع وربما حُفظ من بين سائر الكلام، لقرب العهد به.
    يعني: أن يكون آخر الكلام مُستعذباً حسناً، لتبقى لذتُه في الأسماع مُؤذناً بالانتهاء، بحيث لا يبقى تشوقاً إلى ما وراءه، كقول أبي نُوَاس:
    وإني جدير إذ بَلَغتك بالمنى وأنت بما أمَّلتُ فيك جدير
    فان تُولِني منك الجميل فأهله وإلا فاني عاذرٌ وشكورُ
    وقول غيره:
    بقيت بقاء الدهر يا كهف أهله وهذا دعاء للبريَّة شامل
    وقول ابن حجَّة:
    عليكَ سلام نشره كلّما بدى به يتغالى الطِّيب والمسك يختم
    وقول غيره:
    ما أسأل الله إلا أن يدومَ لَنَا لا أن تزيد معاليه فقد كمُلت


    _________________


    قناتي على موقع يوتيوب :
    https://www.youtube.com/channel/UCm8N-tHwIFM7hPnwtLrBMpg
    مدونتي:
    https://ahmed26413.blogspot.com.eg/

    أحمد
    إدارة ثمار الأوراق
    إدارة ثمار الأوراق

    عدد الرسائل : 16657
    الموقع : القاهرة
    نقاط : 38587
    تاريخ التسجيل : 17/09/2008

    رد: جواهر البلاغة في المعاني والبيان والبديع للسيد أحمد الهاشمي

    مُساهمة من طرف أحمد في السبت أبريل 13, 2013 5:35 am

    [1] ـ الأسلوب الحكيم والسعادة الأبدية. وجواهر البلاغة. وجواهر الاعراب وجواهر الأدب, وميزان الذهب. والمفرد العلم ـ الواردة في هذه الخطبة أسماء بعض كتب مطبوعة لمؤلف هذا الكتاب. وغيرها من القواعد الأساسية للغة العربية. ومختار الأحاديث النبوية والحكم المحمدية. والسحر الحلال في الحكم والأمثال.
    [2] ـ علم البيان في اصطلاح المتقدمين من ائمة البلاغة يطلق على فنونها الثلاثة من باب التسمية الكل باسم البعض ـ وخصه المتاخرون بالعلم الباحث عن المجاز والاستعارة. والتشبية والكناية ـ والغرض منه صوغ الكلام بطريقة تبين ما في نفس المتكلم من المقاصد، وتوصل الاثر الذي يريده الى نفس السامع.
    [3] ـ وبيان ذلك أن الفصاحة تمام آلة البيان فهي مقصورة على اللفظ لأن الآلة تتعلق باللفظ دون المعنى ـ فإذن هي كمال لفظي توصف به الكلمة والكلام. والبلاغة إنما هي انهاء المعنى في القلب فكأنها مقصورة على المعنى, ومن الدليل على أن الفصاحة تتضمن اللفظ. والبلاغة تتناول المعنى. أن الببغاء يسمى فصيحا ولا يسمى بليغا, اذ هو مقيم الحروف وليس لها قصد الى المعنى الذي يؤديه ـ وقد يجوز مع هذا أن يسمى الكلام الواحد فصيحاً بليغاً اذا كان واضح المعنى سهل اللفظ جيد السبك غير مستكره فج, ولا متكلف وخم, ولا يمنعه من أحد الاسمين شيء لما فيه من ايضاح المعنى وتقويم الحروف. واعلم أن الفصيح من الألفاظ هو الظاهر البين, وإنما كان ظاهراً بيناً لأنه مألوف الاستعمال, وإنما كان مألوف الاستعمال بين النابهين من الكتاب والشعراء لمكان حسنه, وحسنه مدرك بالسمع, والذي يدرك بالسمع انما هو اللفظ لانه صوت يتألف من مخارج الحروف ـ فما استلذه السمع منه فهو الحسن, وما كرهه فهو القبيح ـ والحسن هو الموصوف بالفصاحة ـ والقبيح غير موصوف بالفصاحة, لأنه ضدها لمكان قبحه.
    [4] ـ يرى الإمام عبد القاهر الجرجاني وجمع من المتقدمين أن الفصاحة والبلاغة والبيان والبراعة ـ ألفاظ مترادفة لا تتصف بها المفردات, وإنما يوصف بها الكلام بعد تحري معاني النحو فيما بين الكلم حسب الأغراض التي يصاغ لها.
    وقال أبو هلال العسكري في كتاب الصناعتين ـ الفصاحة والبلاغة ترجعان الى معنى واحد: وإن اختلف أصلاهما. لأن كل واحد منهما انما هو الابانة عن المعنى والاظهار له. وقال الرازي في نهاية الإيجاز ـ وأكثر البلغاء لا يكادون يفرقون بين الفصاحة والبلاغة: وقال الجوهري في كتابه الصحاح ـ الفصاحة هي البلاغة.
    [5] ـ مقدمة مشتقة من قدم اللازم, وهذه مقدمة كتاب لأنها ألفاظ تقدمت أمام المقصود لارتباط له بها وانتفاع بها فيه ـ بخلاف مقدمة العلم فهي معان يتوقف الشروع عليها ـ كبيان حد العلم المشروع فيه. وموضوعه. وغايته.
    واعلم أن علوم البلاغة أجل العلوم الأدبية قدراً. وأرسخها أصلا. وأبسقها فرعا وأحلاها جنى. وأعذبها وردا. لانها العلوم التي تستولي على استخراج درر البيان من معادنها. وتريك محاسن النكت في مكامنها. (ولولاها لم تر لسانا يحوك الوشي, ويلفظ الدر, وينفث السحر, ويريك بدائع الزهر, وينثر بين يديك الحلو اليانع من الثمر) فهي الغاية التي تنتهي إليها أفكار النظار, واللالئ التي تتطلبها غاصة البحار لهذا كانت منزلتها تلو العلم بتوحيد الله تعالى.
    [6] ـ ففصاحة الكلمة تكونها من حروف متآلفة يسهل على اللسان نطقها من غير عناء, مع وضوح معناها, وكثرة تداولها بين المتكلمين وموافقتها للقواعد الصرفية ومرجع ذلك الذوق السليم, والالمام بمتن اللغة, وقواعد الصرف ـ وبذلك تسلم مادتها وصيغتها. ومعناها من الخلل ـ واعلم أنه ليس تنافر الحروف يكون موجبه دائما قرب مخارج الحروف. إذ قربها لا يوجبه دائما ـ كما أن تباعدها لا يوجب خفتها ـ فها هي كلمة «بفمي» حسنة, وحروفها من مخرج واحد وهو الشفة, وكلمة «ملع» منتافرة ثقيلة, وحروفها متباعدة المخارج, وأيضاً ليس موجب التنافر طول الكلمة وكثرة حروفها.
    [7] ـ «الغدائر» الضفائر, والضمير يرجع الى (فرع) في البيت قبله (والاستشراز) الارتفاع (والعقاص) جمع عقيصة وهي الخصلة من الشعر (والثنى) الشعر المفتول (والمرسل) ضده ـ أي ابنة عمه لكثرة شعرها بعضه مرفوع, وبعضه مثنى, وبعضه مرسل, وبعضه معقوص: أي ملوي.
    [8] ـ الألفاظ تنقسم إلى ثلاثة أقسام ـ قسمان حسنان, وقسم قبيح, فالقسمان الحسنان: أحدهما ما تداول استعماله السلف والخلف من الزمن القديم إلى زماننا هذا ولا يطلق عليه أنه وحشي, والآخر ما تداول استعماله السلف دون الخلف, ويختلف في استعماله بالنسبة الى الزمن واهله ـ وهذا هو الذي يعاب استعماله عند العرب لأنه لم يكن عندهم وحشيا وهو عندنا وحشي.
    ولا يسبق وهمك الى قول قصراء النظر بأن العرب كانت تستعمل من الألفاظ كذا وكذا ـ فهذا دليل على أنه حسن, بل ينبغي أن تعلم أن الذي نستحسنه نحن في زماننا هذا, هو الذي كان عند العرب مستحسناً, والذي نستقبحه هو الذي كان عندهم مستقبحا ـ والاستعمال ليس بدليل على الحسن, فاننا نحن نستعمل الأن من الكلام ما ليس بحسن, وإنما نستعمله لضرورة, فليس استعمال الحسن بممكن في كل الأحوال ـ واعلم أن استحسان الألفاظ واستقباحها لا يؤخذ بالتقليد من العرب لانه شيء ليس للتقليد فيه مجال, وإنما هو شيء له خصائص وهيئات وعلامات إذا وجدت علم حسنه من قبحه ـ ألا ترى أن لفظة (المزنة) مثلا حسنة عند الناس كافة من العرب وغيرهم, فاذا استعملتها العرب لا يكون استعمالهم إياها مخرجا لها عن القبح, ولا يلتفت إذن الى استعمالهم إياها بل يعاب مستعملها ويغلظ له النكير حيث استعملها ـ فلا تظن ان الوحشي من الألفاظ ما يكرهه سمعك ويثقل عليك النطق به وانما هو الغريب الذي يقل استعماله, فتارة يخف على سمعك ولا تجد به كراهة, وتارة يثقل على سمعك وتجد منه الكراهة, وذلك في اللفط عيبان كونه غريب الاستعمال وكونه ثقيلا على السمع كريها على الذوق. وليس وراءه في القبح درجة أخرى, ولا يستعمله إلا أجهل الناس ممن لم يخطر بباله شيء من معرفة هذا الفن أصلا. انتهى عن المثل السائر ـ بتصرف.
    [9] ـ «مزججا» مدققا مطولا (فاحما) شعرا اسود كالفحمة (مرسنا) بكسر الميم وفتح السين كمنبر ـ او بفتح الميم وكسر السين كمجلس ـ ومعناه انفاذا لمعان كالسراج أو ذا صقالة واحد يداب كالسيف السريجي أي المنسوب الى سريج وهو قين حداد تنسب إليه السيوف في الدقة والاستواء.
    [10] ـ أي ولفظة مسرج غير ظاهر الدلالة على ما ذكر, لأن فعل إنما يدل على مجرد النسبة, وهي لا تدل على التشبيه, فاخذه منها بعيد ـ لهذا أدخل الحيرة على السامع في فهم المعنى المقصود من الكلمة لترددها
    [11] ـ اجتمعتم.
    [12] ـ جنون.
    [13] ـ انصرفوا ـ وقال ذلك حين سقط عن دابته فاجتمع الناس حوله.
    [14] ـ الطمحة النظرة, والصبير السحاب المتراكم ـ وقبله
    إن تمنعي صوبك صوب المدمع يجري على الخد كضئب الثعثع
    الضئب الحب والثعثع اللؤلؤ ـ قال صاحب القاموس ذكروا جحلنجع ولم يفسروه, وقالوا كان ابو الهميسع من أعراب مدين, وكنا لا نكاد نفهم كلامه .
    [15] ـ ما استثناه الصرفيون من قواعدهم المجمع عليها وان خالف للقياس «فصيح» فمثل (آل وماه) أصلها أهل وموه ـ أبدلت الهاء فيهما همزة, وابدال الهمزة من الهاء وإن كان على خلاف القياس إلا أنه ثبت عن الواضع ـ ومثل (أبي يأبى) بفتح الباء في المضارع والقياس, كسرها فيه لأن فعل بفتح العين لا يأتي مضارعه على يفعل بالفتح إلا اذا كان عين ماضيه او لامه حرف حلق كسال ونفع, فمجيئ المضارع بالفتح على خلاف القياس, الا ان الفتح ثبت عن الواضع ـ ومثل (عور يعور) أي فالقياس فيهما عار يعار بقلب الواو ألفا لتحركها وانفتاح ما قبلها, فتصحيح الواو خلاف القياس إلا أنه ثبت عن الواضع.
    [16] - الشيمة الخلق، والحدثان نوائب الدهر، وجمل فرسه.
    [17] ـ الشكر الرضاع و الثبر النكاح وتطلها تسعى في بطلان حقها وتصهلها تعطيها الشيء القليل.
    [18] ـ يابسة.
    [19] ـ مسنة عجوز.
    [20] ـ ابتليت باكل الطين.
    [21] ـ الإسهال.
    [22] ـ البرء ـ وكذا معنى ما بعده.
    [23] ـ جعجعة غير فصيحة لتنافر حروفها, وهو مثل يضرب لمن يقول ولا يفعل.
    [24] ـ الاسفنط الخمر.
    [25] ـ الخنشليل السيف.
    [26] ـ الفدوكس الأسد, فكل من هذه الألفاظ الثلاثة وحشية غير مألوفة.
    [27] ـ شديد البرد فيهما ـ والسجسج الارض التي ليست بسهلة ولا صلبة.
    [28] ـ أراد: أنهم امنوا أن يغلبه غالب يصرعه عن السماع ويمنعه منه وأما قوله (وللآمال في يدك اصطراع) فمعناه تنافس وتغالب وازدحام في يده ـ يريد كثرة نواله وكرمه. واستعماله للفظة الاصطراع بهذا المعنى بعيد.
    [29] ـ فقد جمع (ناكس) على (فواعل) شذوذا وهذا لا يطرد إلا في وصف لمؤنث عاقل لا لمذكر كما هنا إلا في موضعين (فوارس وهوالك) والناكس: مطأطئ الرأس.
    [30] ـ قال صاحب المثل السائر ـ ان لفظ (اطلخم) من الالفاظ المنكرة التي جمعت الوصفين القبيحين في انها غريبة, وانها غليظة في السمع كريهة على الذوق, وكذلك لفظة (دهاريس) واطلخم: أي اشت وعظم, والعشواء الليلة المظلمة, والغبسة جمع اغبس وغبسا: وهي الشديدة الظلام مثلها ـ والدهاريس جمع دهريس وهي الدواهي.
    [31]- الماء العذب الصافي
    [32] - الموماة المفازة الواسعة، ويقال للمستبد برأيه جحيش، ويقال اغروري الفرس ركبها عريانا- وان لفظة جحيش من الألفاظ المنكرة القبيحة – وبالله العجب – أليس أنها بمعنى فريد، وفريد لفظة حسنة رائقة، ولو وضعت في هذا البيت موضع جحيش لما اختل شيء من وزنه، فتأبط شراً لأنه ملوم من وجهين في هذا الموضع، أحدهما أنه استعمل القبيح، والآخر أنه كانت له مندوحة عن استعماله فلم يعدل عنه.
    [33] - العيب في هذا البيت من حيث فك الادغام في (حالل ويحلل) بلا مسوغ وهو شاذ ومخالف للقياس الصرفي ومخالف للكلام العربي الصحيح
    [34] - يريد بقوله جفنة صحفة كبيرة ملأى تشبع عشرة، والمثعنجرة السائلة، والمسحنفرة الماضية بسرعة، وطعنة متسعة ببلد أنقرة، وهو كلام امرىء القيس لما قصد ملك الروم ليستنجده على قتلة أبيه، فهوته بنت الملك وبلغ ذلك القيصر فوعده أن يتبعه بالجنود إذا بلغ الشام، أو يأمر من بالشام من جنوده بنجدته – فلما كان بأنقرة بعث اليه بثياب مسمومة فلما لبسها تساقط لحمه فعلم بالهلاك – فقال رب الخ.
    ([35]) يريد اللحم والماء الخالص
    ([36]) احبنطي انتفخ بطنه .
    ([37]) دهياء .
    ([38]) عذبا .
    ([39]) يتبع ويسيل .
    ([40]) مصوون: شاذة وليست فصيحة لمخالفتها للقياس الصرفي .
    ([41]) البعاق مطر السحاب، والجرد حل الوادي – وليستا فصيحتين لغرابتهما .
    ([42]) بوقات مزامير – والقياس في جمعه أبواق .
    ([43]) القياس مودة بالادغام.
    ([44]) لوط لازق والاوالس النياق .
    ([45]) ضرب من القلائد.
    ([46]) المثعنجر لنمظة متنافر والمعنى إن علمي مقيس إلى علمك كالغدير الصغير موضوعا في جانب البحر
    ([47]) القريض الشعر، والهراء الكلام الفاسد الذي لا نظام له، وأحكام جمع حكم، والمراد الحكمة، وابرسام بفتح الباء وكسرها التهاب الصدر .
    ([48]) الخازباز صوت الذباب – وتجوز: تروح وتقبل .
    ([49]) الرأس الصمعمعه: الصغيرة.
    ([50]) الرسوم آثار الديار .
    ([51]) أزور: أعرض وعاف: كره. وعافى العرف: طالب المعروف .
    ([52]) للمغفور له أحمد شوقي، والمحل: الجدب.
    ([53]) أناخ بكلكله: هبط بمقدم صدره، وينسب البيت للمرحوم الشيخ حمزة فتح الله .
    ([54]) النصاح: الخيط، وذات السم الابرة، والخيفانة: الفرس الطويلة، والقباء، الدقيقة الخصر الضامرة، والحاسن: الجميل: والمرهف: المستريح ..
    ([55]) أ - لابن الرومي – واللبيس: الملوس والاخلاق: البلى، والجدة: صفة الثوب الجديد: والمذال: الممتهن ..
    ب- اللوط: الخفيف السريع – والأوالس: النوق السريعة.
    (1) الظلم: الليالي الثلاث آخر الشهر، ولا بياض له، لاحسن له – قاله المتنبي يخاطب الشيب له وخالف القياس في الاسود: لأنه لا يبني اسم تفضيل من نحو سود وحمر.
    ([56]) الحلة الصداقة: والفتق الشق، والراقع مصلح الفنق – وقد خالف القياس في إتسع: حيث قطع همزة الوصل.
    ([57]) هوالك فواعل – لا يطرد في وصف العاقل كما هنا ..
    ([58]) الوجى الجفا: والأظلل باطن خف البعير – وخالف القياس بفك الادغام..
    تنبيهات: الأول من عيوب فصاحة اللفظة المفردة كونها مبتذلة – أي عامية ساقطة للقالق والشنطار ونحوهما والابتذال ضربان:
    (1) ما استعمله العامة ولم تغيره عن وضعه، فسخف وانحطت رتبته، واصبح استعماله لدى الخاصة معيباً، كلفظة البرسام في قول المتنبي.
    إن بعضاً من القريض هراء ليس شيئاً وبعضه إحكام
    فيه ما يجلب البراعة والفهم وفيه ما يجلب البرسام
    وكلفظة الخاز باز في قوله:
    ومن الناس من تجوز عليهم شعراء كأنها الخازباز
    ([59]) ما استعملته العامة دالا على غير ما وضع له، وليس بمستقبح ولا مكروه كقول المتلمس:
    وقد أتناسى الهم عند احتضاره بناج عليه الصيعرية مكدم
    وكقول أبي نواس:
    اختصم الجود والجمال فيك فصارا إلى جدال
    فقال هذا يمينه لي للعرف والبذل والنوال
    وقال هذاك وجهه لي للظرف والحسن والكمال
    فافترقا فيك عن تراض كلاهما صادق المقال
    فوصف في الأول: البعير بالصيعرية، وهي مختصة بالنوق، وفي الثاني: الوجه بالظرف وهو في اللغة مختص بالنطق للفالق والشنطار – ونحوهما.
    (الثاني ) لا تستعمل الألفاظ المبهمة إذا كان غرضك التعيين واحضار صورة الشيء، أو المعنى المراد في الذهن .
    (الثالث) لا تستعمل اللفظ المشترك الامع قرينة تبين المراد من معانيه المشتركة
    (2) الأرقال: الاسراع: الهمرجلة، الناقة السريقة، الشيظم، الطويل الجسيم من الابل والخيلن شبرقت – قطعت – التنوفية والتنوفة المفازة: الوحي، الصوت الخفي – زيزيزم: حكاية أصوات الجن.
    (1) الهبق، الظليم (ذكر النعام ) شام البرق نظر اليه أين يقصد، واين يمطر واستعمل هنا للنظر إلى الأفرخ، النأى، البعد.
    (2) الدمية، الصورة المنقوشة المزينة فيها حمرة كالدم، تضرب مثلا في الحسن المرمر، الرخام، الآجر ما يبنى به – القرمد، بفتح القاف ما يطلى به للزينة، وقيل حجارة لها خروق يوقد عليها فتنضج ويبنى بها، وقيل الخزف المطبوخ.
    ([60]) النصاح: الخيط، وذات السم الابرة، والخيفانة: الفرس الطويلة، والقباء، الدقيقة الخصر الضامرة، والحاسن: الجميل: والمرهف: المستريح ..
    ([61]) الدمية، الصورة المنقوشة المزينة فيها حمرة كالدم، تضرب مثلا في الحسن المرمر الرخام، الآجر ما يبنى به – القرمد، بفتح القاف ما يطلى به للزينة، وقيل حجارة لها خروق يوقد عليها فتنضج ويبنى بها، وقيل الخزف المطبوخ..
    ([62]) الهضبة: الرابية، أجأ، جبلن. القدم – الغليظ الجافي – وصف الشيم بالحلاوة وهي خاصة بالعينين – ووصف خلق الزمان بالظرف وهو خاص بالنطق.
    ([63]) الشكة: الخصلة، الباسل، الشجا ..
    ([64]) قائلة الفرزدق. الضريب الشبيه والمثيل، سروات البيت، أعاليه، مندف مندوف: من قولهم ندف القطن ضربه بالمندف .
    ([65]) الثائر الذي لا يبقى على شيء حتى يدرك ثأره.
    (4) قائلة المتنبي، ملمومة، كتيبة مجتمعة، سيفية، نسبة لسيف الدولة، ربعية نسبة الى ربيعة: قبيلته، اللقالق، جمع لقلقة وهي صوت اللقلاق (طائرا) أو هي كل صوت في اضطراب وحركة.
    ([67]) قائله امرؤ القيس، الغبيطن الأرض المطمئنة، وقبل الواسعة المستوبة يرتفع طرفاها، البعاع. ثقل السحاب من المطر: يقال مع السحاب بيع بعا وبعاعا، إذا ألح بمكان، والقى عليه بعاعه أي ثقله، العياب جمع عيبة وهي ما يجعل فيه الثياب، يقال جعل الرجل خير متاعه في عيبته، والمحمل يروى بكسر الميم على جعل اليماني رجلا – وبفتحها على جعله جملا – والمعنى أن هذا المطر نزل بهذا المكان ولم يبرح كما نزل الرجل في ذلك الموضع، وضمير ألقى يرجع إلى السحاب فيما قبله..
    ([68]) القنوع، المسئلة، يقال قنع قنوعا، إذا سأل – والمراد القناعة .
    ([69]) المراد بفصاحة الكلام تكونه من كلمات فصيحة يسهل على اللسان النطق بها لتآلفها،، ويسهل على العقل فهمها لترتيب ألفاظها وفق ترتيب المعاني.
    ومرجع ذلك الذوق السليم والالمام بقواعد النحو، بحيث يكون واضح المعنى، سهل اللفظ، حسن السبك- ولذلك يجب أن تكون كل لفظة من ألفاظه واضحة الدلالة على المقصود منها، جارية على القياس الصرفي، عذبة سلسلة، كما يكون تركيب الكلمات جار يا على القواعد النحوية خاليا من تنافر الكلمات مع بعضها، ومن التعقيد فمرجع الفصاحة سواء في اللفظة المفردة، أو في الجمل المركبة إلى أمرين (مراعات القواعد – والذوق السليم) وتختلف فصاحة الكلام أحيانا باختلاف التعبير عما يدور بالنفس من المعاني اختلافا ظاهرا، فتجد في عبارات الأدباء من الحسن والجودة ما لا تجد في تعبير غيرهم، مع اتحاد المعنى الذي يعبر عنه، ويختلف الأدباء أنفسهم في أساليبهم: فقد يعلو بعضهم في أسلوبه، فتراه يسيل رقة وعذوبة، ويصل إلى القلوب فيبلغ منها ما يشاء أن يبلغ، وذلك نوع من البيان يكاد يكون سحرا، وقد يكون دون هذه المنزلة قليلا أو كثيرا – وهو مع ذلك من فصيح القول وحسن البيان.
    ([70])(كثرة التكرار: وتتابع الاضافات) أقول الحق – أن هذين العيبين قد احترز عنهما بالتنافر.
    على أن بعضهم أجازهما لوقوعهما في القرآن كما في قوله تعالى «ونفس وما سواها» الآيات – وفي قوله تعالى «ذكر رحمت ربك عبده زكريا»
    ([71]) حرب بن أمية: قتله قائل هذا البيت، وهو هاتف من الجن صاح عليه (وقفر) خال من الماء والكلأ، وقبر اسم ليس مؤخر، وقرب خبرها مقدم – قبل إن هذا البيت لا يمكن إنشاده ثلاث مرات متوالية ألا ويغلط المنشد فيه، لأن نفس اجتماع كلماته وقرب مخارج حروفها، يحدثان ثقلا ظاهراً، مع أن كل كلمة منه لو أخذت وحدها ما كانت مستكرهة ولا ثقيلة .
    ([72])أي هو كريم، وإذا مدحته وافقني الناس على مدحه، ويمدحونه معي، لإسداء إحسانه إليهم كاسدائه إلى، وإذا لمته لا يوافقني أحد على لومه، لعدم وجود المقتضى للوم فيه – وآثر لمته على هجوته مع أنه مقابل المدح إشارة إلى أنه لا يستحق الهجو ولو فرط منه شيء فإنما يلام عليه فقط، والثقل في قوله «أمدحه» لما بين الحاء والهاء من التنافر، للجمع بينهما: وهما من حروف الحلق – كما ذكره الصاحب اسماعيل بن عباد ..
    ([73]) المجموعة في قول بعضهم
    ومرجع الضمير قد تأخرا لفظاً ورتبة وهذا حصرا
    في باب نعم وتنازع العمل ومضمر الشأن ورب والبدل
    ومبتدأ مفسر بالخبر وباب فاعل يخلف فاخبر
    واعلم أن ضعف التأليف ناشى، من العدول عن المشهور إلى قول له صحة عند بعض أولى النظر – أما إذا خالف المجمع عليه كجر الفاعل ورفع المفعول ففاسد غير معتبر، والكلام في (تركيب له صحة واعتبار) .
    ([74]) فان الضمير في من (مجده) راجع إلى (مطعما) وهو متأخر في اللفظ كما يرى، وفي الرتبة لأنه مفعول به، فالبيت غير فصيح لمخالفته قواعد النحو .
    ومطعم أحد رؤساء المشركين وكان يدافع عن النبي صلى الله عليه وسلم، ومعنى البيت أنه لو كان مجد الانسان سببا لخلوده في هذه الدنيا لكان (مطعم ابن عدي ) أولى الناس بالخلود لأنه حاز من المجد ما لم يحزه غيره – على يد صاحب الشريعة ..
    ([75]) وذلك كالفصل بأجنبي بين الموصوف والصفة، وبين البدل والمبدل منه وبين المبتدأ والخبر، وبين المستثنى والمستثنى منه، مما يسبب ارتباكا واضطراباً شديداً.
    ([76]) فلفظة جفخت مرة الطعم، وإذا مرت على السمع اقشعر منها: ولو استعمل (المتنبي) عوضا عن جفخت (فخرت) لاستقام البيت، وحظى في استعماله بالأحسن .
    ([77]) بحيث يعمد المتكلم إلى التعبير عن معنى فيستعمل فيه كلمات في غير معناها الحقيقي، فيسىء اختيار الكلمات للمعنى الذي يريده، فيضطرب التعبير و يلتبس الأمر على السامع نحو: نشر الملك السنته في المدينة، يريد جواسيسه و الصوان نشر عيونه.
    ([78]) فالمناط في الصعوبة عدم الجريان على ما يتعاطاه أهل الذوق السليم، لا كثرة الوسائط الحسية، فانها قد تكثر من غير صعوبة، كما في قولهم: فلان كثير الرماد كناية عن المضياف – فان الوسائط كثيرة فيه ولكن لا تعقيد..
    ([79]) تسكب بالرفع عطف على أطلب، وبالنصب عطف على بعد: من قبيل عطف الفعل على اسم خالص من التأويل بالفعل، والمراد طلب استمرار السكب: لا أصله لئلا يلزم تحصيل الحاصل ..
    ([80]) ووجه الخفاء والبعد: أن أصل معنى جمود العين جفافها من الدموع عند إرادتها منها، والانتقال منه إلى حصول السرور بعيد، لأنه يحتاج إلى وسائط بأن ينتقل من جمود العين إلى انتفاء الدمع منها، حال إرادة البكاء، ومنه إلى انتفاء الدمع مطلقاً، ومنه إلى انتفاء الحزن ونحوه «فان ذلك هو السبب غالبا في الدمع» ومن انتفاء الحزن ونحوه إلى السرور – ولا يخفى أن الشاعر قد طوى وحذف جميع هذه الوسائط فأورث بطء الانتقال من المعنى الأصلي الحقيقي إلى المعنى المراد – وخالف حينئذ أسلوب البلغاء، فنشأ من ذلك التعقيد المعنوي واعلم أن الشاعر أراد أن يرضى بالبعد والفراق، ويعود نفسه على مقاساة الأحزان والأشواق، ويتحمل من أ جلها حزنا يفيض من عينيه الدموع، ليتوصل بذلك إلى وصل يدوم، ومسرة لا تزول – على حد قول الشاعر:
    ولطالما اخترت الفراق مغالطا واحتلت في استثمار غرس ودادي.
    ورغبت عن ذكر الوصال لأنها تبنى الأمور على خلاف مرادي..
    ([81]) أي لبخيلة بالدموع .
    ([82]) المراد بالكثرة ههنا ما فوق الوحدة – فذكر الشيء ثانيا تكرار، وذكره ثاالثاً كثرة، وانما شرطت الكثرة لأن التكرار بلا كثرة لا يخل بالفصاحة – وإلا لقبح التوكيد اللفظي .
    ([83]) ففيه إضافة حمامة إلى جرعا وهو تأنيث الأجرع وهو المكان ذو الحجارة السود، أو مكان الرمل الذي لا ينبت شيئا «وجرعا» مضاف إلى «حومة» وهي معظم الشيء «وحومة» مضاف إلى «الجندل» بسكون النون وهو الحجر، والمراد به هنا مكان الحجارة، فهو بمعنى الجندل بفتح النون وكسر الدال – وقوله «فأنت بمرأى من سعاد ومسمع، أي أنت بحيث تراك سعاد وتسمع كلامك – يقول: اسجعي يا حمامة أرض قفرة سبخة، فان سعاد تراك وتسمعك .
    ([84]) العيب في تنافر الكلمات – والمعنى انحرف عنه من كان يزوره، وكره طالب الاحسان معرفته.
    ([85]) يريد كيف يكون آدم أبا البرايا وأبوك محمد وأنت الثقلان أي الأنس والجن – يعني أنه قد جمع ما في الخليقة من الفضل والكمال – وقد فصل بين المبتدأ والخبر وهما أبوك محمد، وقدم الخبر على المبتدأ تقديما قد يدعو إلى اللبس في قوله «والثقلان وأنت» على أنه بعد هذا التعسف لم يسلم كلامه من سخف وهذر.
    ([86]) يريد الفرزدق مدح إبراهيم بن اسماعيل خال هشام بن عبد الملك – وما مثله في الناس حي «أحد» يقاربه «يشابهه» إلا مملكا، أبو أمه أبوه – فقدم المستثنى على المستثنى منه – وفصل بين مثل وحي وهما بدل ومبدل منه وبين أبو أمه وأبوه وهما مبتدأ وخبر- وبين حي ويقاربه وهما نعت ومنعوت، ولا يفصل بين كل منهما بأجنبي. والمعنى: وليس مثل إبراهيم في الناس أحد يشبهه في الفضائل إلا ابن اخته هشام – فضمير أمه عائد على المملك، وضمير أبوه عائد على إبراهيم الخال.
    ([87]) يريد إلى ملك ابوه ليست أمه من محارب – أي ما أمه منهم .
    ([88]) فيه ضعف تأليف حيث وضع الضمير المتصل بعد إلا – وحقه وضع المنفصل (إياك).
    ([89]) أي من كان ديدنه الحلم والكرم حاز السيادة والرفعة – فالضمير في حله لذا الحلم المذكور بعد – فهو المتأخر لفظا ومعنى وحكما – وكذا الضمير في نداه لذا الندى .
    ([90]) أي يهتدى في الفعل ما لا يهتديه الشعراء في القول حتى يفعل .
    ([91]) العيب فيه من جهة أن ضمير بنوه عائد على أبا الغيلان وهو متأخر لفظاً ورتبة، لأنه مفعول ورتبته التأخر عن الفاعل: وسنمار رجل رومي بني قصر الخورنق بظهر الكوفة للنعمان بن امرىء القيس ملك الحيرة، فلما فرغ منه ألقاه النعمان من أعلاه فخر ميتا لئلا بيني لغيره مثله.
    ([92]) أي وما من فتى من الناس كنا نبتغى واحداً منهم عديلا نبادله به .
    ([93]) لأن الذي يتوصل به إلى الاخبار عادة إنما هو العيون – لا الألسنة .
    ([94]) فيه توالى الصفات، وذلك مما يحدث في الكلام ثقلا وهذا مما يؤخذ على (المتنبي) .
    ([95]) والقياس أشد سواداً لانه لا يبنى أفعل التفضيل من الافعال الدالة على الالوان .
    ([96]) معنى البيت: وتسعدني بالفوز بالغنائم والنجاة في شدة بعد شدة فرس سبوح أي حسنة العدو لا تتعب رابكها، فكأنها تسبح على الماء .
    ([97]) خالد – وأسد: علمان – والتعقيد فيه نشأ من تقديم أسد الذي هو جزء مما أضيف اليه إذ.
    ([98]) أي والشمس ليست بكاسفة نجوم الليل وهي تبكي عليك، والقمر يبكي عليك أيضاً – ففيه تعقيد نشأ من الفصل بين الصفة التي هي كاسفة، ومفعولها الذي هو نجوم بحملة «تبكي عليك» .
    ([99]) فيه تعقيد معنوي، حيث كنى بالظلم عن المحافظة على الحقوق – وهو بعيد .
    ([100]) باهت بمعنى مدهوش (لغة رديئة) واللفظ العربي المستغمل بهت الرجل فهو مبهوت .
    ([101]) أي فأصبحت بعد بهجتها قفرا، كأن قلما خط رسومها.
    ([102]) المقلة العين، والحلم الرؤيا التي يراها النائم، وابتشاك الكذب، قال الصاحب لم يسمع الابتشاك في شعر قديم ولا محدث .
    ([103]) أي كيفية وصفة من العلم راسخة وثابتة في نفس صاحبها يكون قادراً بها على أن يعبر عن كل ما قصده من أي نوع من المعاني كالمدح والذم والرثاء وغير ذلك بكلام فصيح، فاذاً المدار على الاقتدار المذكور سواء وجد التعبير أو لم يوجد – وأن من قدر على تأليف كلام فصيح في نوع واحد من تلك المعاني لم يكن فصيحاً – وانه لا يكون فصيحاً إلا إذا كان ذا صفة من العلم راسخة فيه وهي المسماة «بالملكة» يقتدر بها على أن يعبر عن أي معنى قصده بكلام فصيح أي خال عن الخلل في مادته «وذلك بعدم تنافر كلماته» وعن الخلل في تأليفه «وذلك بعدم ضعف تأليفه» وعن الخلل في دلالته على المعنى التركيبي «وذلك بعدم التعقيد اللفظي والمعنوي» فان كان شاعراً اتسع أمامه ميدان القول في جميع فنون الشعر – من نسيب وتشبيب ومديح وهجاء ووصف ورثاء وعتاب واعتذار وأشباه ذلك – وإن كان ناثراً حاك الرسائل المحلاة، والخطب الممتعة الموشاة، في الوعظ، والارشاد، والحفل والأعياد.
    ([104]) البلاغة هي تأدية المعنى الجليل واضحاً بعبارة صحيحة فصيحة: لها في النفس أثر خلاب، مع ملاءمة كل كلام للموطن الذي يقال فيه، والاشخاص الذين يخاطبون والبلاغة مأخوذة من قولهم، بلغت الغاية اذا انتهيت اليها، وبلغتها غيري – والمبالغة في الشيء الانتهاء إلى غايته – فسميت البلاغة بلاغة لأنها تنهى عن المعنى إلى قلب السامع فيفهمه، وسميت البلغة بلغة لأنك تتبلغ بها، فتنتهي بك إلى ما فوقها – وهي البلاغ أيضاً ويقال: الدنيا بلاغ، لأنها تؤديك إلى الآخرة، والبلاغ أيضاً التبليغ – ومنه: هذا بلاغ للناس – أي تبليغ – ويقال بلغ الرجل بلاغة إذا صار بليغاً، كما يقال نبل الرجل نبالة إذا صار نبيلا – قال أعرابي: البلاغة التقرب من البعيد، والتباعد من الكلفة، والدلالة بقليل على كثير – وقال عبد الحميد بن يحيى – البلاغة تقرير المعنى في الأفهام من أقرب وجوه الكلام – وقال ابن المعتز البلاغة البلوغ إلى المعنى ولم يطل سفر الكلام – وقال العتابي: البلاغة مد الكلام بمعانيه إذا قصر، وحسن التأليف إذا طال – وقال عبد الله ابن المقفع: البلاغة لمعان تجري في وجوه كثيرة – فمنها ما يكون في الاشارة، ومنها ما يكون في =
    الحديث، ومنها ما يكون في الاستماع، ومنها ما يكون في الاحتجاج، ومنها ما يكون شعراً، ومنها ما يكون ابتداء، ومنها ما يكون جواباً ومنها ما يكون خطباً، ومنها ما يكون رسائل، فعامة هذه الأبواب الوحي فيها والاشارة إلى المعنى ابلغ – والايجاز هو البلاغة، فالسكوت يسمى بلاغاً مجازاً – وهي في حالة لا ينجع فيها القول، ولا ينفع فيها إقامة الحجج – إما عند جاهل لا يفهم الخطاب أو عند وضيع لا يرهب الجواب، او ظالم سليط يحكم بالهوى، ولا يرتدع بكلمة التقوى وإذا كان الكلام يعرى من الخير، أو يجلب الشر فالسكوت أولى، وقال الرشيد: البلاغة التباعد من الاطالة، والتقرب من البغية، والدلالة بالقليل من اللفظ، على الكثير من المعنى قال أحد الأدباء: ابلغ الكلام ما حسن إيجازه، وقل مجازه، وكثر إعجازه، وتناسبت صدوره وأعجازه.
    ([105]) مقتضى الحال – هو ما يدعو إليه الأمر الواقع، أي ما يستلزمه مقام الكلام واحوال المخاطب من التكلم على وجه مخصوص، ولن يطابق الحال إلا إذا كان وفق عقول المخاطبين، واعتبار طبقاتهم في البلاغة، وقوتهم في البيان والمنطق – فللسوقة كلام لا يصلح غيره في موضعه، والغرض الذي يبنى له، ولسراة القوم والأمراء فن آخر لايسد مسده سواه – من أجل ذلك كانت مراتب البلاغة متفاوتة، بقدر تفاوت الاعتبارات والمقتضيات، وبقدر رعايتها يرتفع شأن الكلام في الحسن والقبح، ويرتقي صعداً إلى حيث تنقطع الاطماع، وتخور القوى، ويعجز الانس والجن أن يأتو بمثله ولو كان بعضهم لبعض ظهيراً، وتلك مرتبة الأعجاز التي تخرس عندها ألسن الفصحاء لو تاقت إلى العبارة: وقد عرف بالخبر المتواتر أن القرآن الكريم نزل في أرقى العصور فصاحة، وأجملها بلاغة ولكنه سد السبل أمام العرب عند ما صاح عليهم صيحة الحق، فوجفت قلوبهم، وخرست شقاشقهم، مع طول التحدي وشد النكير (وحقت للكتاب العزيز الكلمة العليا) .
    ([106]) فان اختلاف هذه الظروف يقتضي هيئة خصوصية من التعبير – ولكل مقام مقال، فعلى المتكلم ملاحظة المقام أو الحال: وهو الأمر الذي يدعوه إلى أن يورد كلامه على صورة خاصة تشاكل غرضه، وتلك الصورة الخاصة التي يورد عليها تسمى المقتضى – او الاعتبار المناسب، فمثلاً الوعيد والزجر والتهديد مقام يقتضي كون الكلام المورد فيه فخما جزلا والبشارة بالوعد، واستجلاب المودة، مقام يتطلبه رقيق الكلام ولطيفه، والوعظ مقام يوجب البسط والاطناب، وكون المخاطب عاميا سوقيا، أو أميراً شريفاً، يوجب الاتيان بما يناسب بيانه عقله.
    ([107]) لأن البلاغة كل ما تبلغ به المعنى قلب السامع، فتمكنه في نفسه كتمكنه في نفسك، مع صورة مقبولة، ومعرض حسن – وإنما جعلنا حسن المعرض وقبول الصورة شرطا في البلاغة، لأن الكلام إذا كانت عبارته رثة، ومعرضه خلقا، لم يسم بليغاً وإن كان مفهوم المعنى، مكشوف المغزى. فعناصر البلاغة إذاً (لفظ ومعنى، وتأليف للألفاظ )، يمنحها قوة وتأثيراً وحسنا، ثم دقة في اختيار الكلمات والأساليب، على حسب مواطن الكلام و مواقعه، موضوعاته وحال السامعين، والنزعة النفسية التي تتملكهم وتسيطر على نفوسهم – فرب كلمة حسنت في موطن، ثم كانت مستكرهة في غيره – ورب كلام كان في نفسه حسنا خلايا، حتى إذا جاء في غير مكانه، وسقط في غير مسقطه، خرج عن حد البلاغة، وكان غرضا لسهام الناقدين.
    ([108]) أي أن الهيئة والصفة الراسخة الثابتة في نفس المتكلم يمكنه بواسطتها أن يعبر عن المعاني التي يريد إفادتها لغيره بعبارات بليغة؛ أي مطابقة لحال الخطاب، فلو لم يكن ذا ملكة يقتدر بها على التصرف في اغراض الكلام وفنونه بقول رائع، وبيان بديع بالغاً من مخاطبه كل ما يريد، لم يكن بليغاً – وإذاً لابد للبليغ: أولا – من التفكير في المعاني التي تجيش في نفسه، وهذه يجب أن تكون صادقة ذات قيمة، وقوة يظهر فيها أثر الابتكار وسلامة النظر وذوق تنسيق المعاني وحسن ترتيبها، فاذا تم له ذلك عمد إلى الالفاظ الواضحة المؤثرة الملائمة، فألف بينها تأليفاً يكسبها جمالا وقوة.
    فالبلاغة ليست في اللفظ وحده، وليست في المعنى وحده، ولكنها أثر لازم لسلامة تألبف هذين وحسن انسجامهما، وقد علم أن البلاغة أخص والفصاحة أعم لانها مأخوذة في تعريف البلاغة – وان البلاغة يتوقف حصولها على أمرين – الأول: الاحتراز عن الخطأ في تأدية المعنى المقصود، والثاني: تمييز الكلام الفصيح من غيره – لهذا كان للبلاغة درجات متفاوتة تعلو وتسفل في الكلام بنسبة ما تراعى فيه مقتضيات الحال – وعلى مقدار جودة ما يستعمل فيه من الأساليب في التعبير والصور البيانية والمحسنات البديعية، وأعلى تلك الدرجات ما يقرب من حد الاعجاز، واسفلها ما إذا غير الكلام عنه إلى ما هو دونه التحق عند البلغاء بأصوات الحيوانات العجم وان كان صحيح الاعراب: وبين هذين الطريفين مراتب عديدة.
    ([109]) نهاية الارب جزء 7 ص – 8 .
    ([110]) نهاية الأرب جزء 7 ص 6 .
    ([111]) من كتاب البيان والتبيين للجاحظ جزء 1 – صحيفة 91 .
    ([112]) نهاية الأرب جزء 7 ص 8 ..
    ([113]) البيان والتبين للجاحظ جزء 1 ص 91 .
    ([114]) البيان والتبيين جزء 1 ص 91، 92 .
    ([115]) نهاية الأرب جزء 7 ص 11 .
    ([116]) مختار العقد الفريد ص 98 .
    ([117]) الحال هنا هو تعجيل المسرة – والمقتضى هو تقديم الكلمة الدالة على السرور – «وهي كلمة هناء»
    ([118]) الحال هنا هو إنكار الضرر من الحرب – والمقتضى هو توكيد الكلام .
    ([119]) الحال هنا هو ضيق المقام – والمقتضى هو الاختصار بحذف المسند إليه والتقدير، هذا لص، هذا حريق .
    ([120]) الحال في (أشر أريد) هو عدم نسبة الشر إلى الله تعالى، والمقتضى هو حذف الفاعل، اذ الأصل، أشر أرادة الله بمن في الأرض.
    والحال في (أم أراد بهم ربهم رشداً ) هو نسبة الخير إلى الله تعالى، والمقتضى بقاء الفاعل من غير حذف «أي فعل الارادة جاء مع الشر على صورة المبني للمجهول، ومع الرشد على صورة المبني للمعلوم، والحال الداعية إلى بناء الأول للمجهول (التأدب ) في جانب الله تعالى بعدم نسبة الشر اليه صراحة، وإن كان الخير والشر مما قدره الله تعالى وأراده» .
    ([121]) الحال هنا هو الخوف من (الرشيد ) ناكب البرامكة، والمقتضى حذف الفاعل من اصبت .
    ([122]) الذوق: في اللغة الحاسة يدرك بها طعم المأكل – وفي الاصطلاح – قوة غريزية لها اختصاص بادراك لطائف الكلام ومحاسنه الخفية، وتحصل بالمثابرة على الدرس، وممارسة كلام أئمة الكتاب، وتكراره على السمع، والتفطن لخواص معانيه وتراكيبه – وأيضاً تحصل بتنزيه العقل والقلب عما يفسد الآداب والأخلاق . فان ذلك من أقوى أسباب سلامة الذوق .
    أعلم أن (الذوق السليم) هو العمدة في معرفة حسن الكلمات وتمييز ما فيها من وجوه البشاعة ومظاهر الاستكراه، لأن الألفاظ أصوات، فالذي يطرب لصوت البلبل، وينفر من صوت البوم والغربان، ينبو سمعه عن الكلمة إذا كانت غريبة متنافرة الحروف – ألا ترى أن كلمتي (المزنة والديمة – السحابة الممطرة) كلتاهما سهلة عذبة يسكن اليهما السمع بخلاف كلمة (البعاق) التي في معناهما فانها قبيحة تصك الأذن وأمثال ذلك كثير في مفردات اللغة تستطيع أن تدركه بذوقك – وقد سبق شرح ذلك
    ([123]) قال بعض العلماء – المعاني المتصورة في عقول الناس المتصلة بخواطرهم خفية بعيدة، لا يعرف الانسان ضمير صاحبه، ولا حاجة أخيه، ولا مراد شريكه، ولا المعاون له على أمره، الا بالتعابير التي تقر بها من الفهم، وتجعل الخفي منها ظاهراً والبعيد قريباً، فهي تخلص الملتبس، وتحل المنعقد، وتجعل المهمل مقيداً، والمقيد مطلقا والمجهول معروفا، والوحشي مألوفا، وعلى قدر وضوح الدلالة وصواب الاشارة يكون ظهور المعنى، والعاقل يكسو المعاني في قلبه، ثم يبديها بألفاظ عرائس في أحسن زينة، فينال المجد والفخار، ويلحظ بعين العظمة والاعتبار، والجاهل يستعجل في اظهار المعاني قبل العناية بتزيين معارضها، واستكمال محاسنها، فيكون بالذم موصوفا، وبالنقص معروفاً ويسقط من أعين السامعين، ولا يدرج في سلك العارفين .
    واعلم أن الأصل في اللفظ أن يحمل على ظاهر معناه، ومن يذهب إلى التأويل يفتقر إلى دليل كما جاء في القرآن، «وثيابك فطهر» فان الظاهر من لفظ الثياب هو ما يلبس ومن تأول ذهب إلى أن المراد هو القلب لا الملبوس، وهذا لابد له من دليل، لأنه عدول عن ظاهر اللفظ .
    واعلم أيضاً أنه يجب صناعة على معاني المعاني أن يرجح المعاني بحيث يرجح بين حقيقة و مجاز – أو بين حقيقتين، أو مجازين .
    ([124]) الحال هو الأمر الداعي للمتكلم إلى إيراد خصوصية في الكلام، وتلك الخصوصية هي مقتضى الحال – مثلا إن كان بينك وبين مخاطبك عهد بشيء – فالعهد حال يقتضي إيراد الكلام معرفا، والتعريف هو مقتضى الحال، فالحال هو ما بعد لام التعليل المذكورة بعد كل خصوصية كقولك في الذكر: ذكر لكون ذكره الأصل وفي الحذف: حذف للاستغناء عنه – وهلم جرا .
    ([125]) أي والمعاني الأول – ما يفهم من اللفظ بحسب التركيب، وهو أصل المعنى مع زيادة الخصوصيات من التعريف والتنكير: قال بعض أهل المعاني الكلام الذي يوصف بالبلاغة، هو الذي يدل بلفظه على معناه اللغوي. أو العرفي، أو الشرعي – ثم تجد لذلك المعنى دلالة ثانية على المعنى المقصود الذي يريد المتكلم إثباته أو نفيه – فهناك الفاظ ومعان أول – ومعان ثوان – فالمعاني الأول هي مدلولات التركيب، والالفاظ التي تسمى في علم النحو أصل المعنى – والمعاني الثواني الاغراض التي يساق لها الكلام ولذا قيل (مقتضى الحال ) هو المعنى الثاني، كرد الانكار ودفع الشك – مثلا إذا قلنا ان زيداً قائم، فالمعنى الأول هو القيام لزيد، والمعنى الثاني هو رد الانكار، ودفع الشك بالتوكيد – وهلم جرا – والذي يدل على المعاني خمسة أشياء: اللفظ، والاشارة والكتابة، والعقد، والحال.
    (2) اعلم أنه لما احتدم الجدل صدر الدولة العباسية، إبان زهو اللغة وعزها في بيان وجوه اعجاز القرآن، وتعددت نزعات العلماء في ذلك ولما قامت سوق نافقة للمناظرة بين أئمة اللغة والنحو، أنصار الشعر القديم الذين جنحوا إلى المحافظة على أساليب العرب، ورأوا الخير كله في الوقوف عند أوضاعهم وبين الأدباء . والشعراء أنصار الشعر الحديث الذين لم يحفلوا بما درج عليه اسلافهم وآمنوا بأن للحضارة التي غذوا بلبانها آثاراً، غدوا معها في حل من كل قديم ولما شجر الخلاف بين أساطين الأدب في بيان جيد الكلام ورديئه دعت هذه البواعث ولفتت أنظار العلماء إلى وضع قواعد وضوابط يتحاكم اليها الباحثون، وتكون دستوراً للناظرين في آداب العرب (المنثور منها والمنظوم ) ولا نعلم أحداً سبق أبا عبيدة بن المثنى المتوفى سنة 211 هـ تلميذ الخليل بن احمد في تدوين كتاب في علم البيان يسمى (مجاز القرأن) كما لا نعرف بالضبط أول من ألف في علم المعاني – وإنما اثر فيه نبذ عن بعض البلغاء كالجاحظ في كتابه «اعجاز القرآن «وابن قتيبة في كتابه «الشعر والشعراء» - والمبرد في كتابه «الكامل» ولكن نعلم أن أول من ألف في البديع (الخليفة عبد الله بن المعتز بن المتوكل العباسي ) المتوفى سنة 296 هـ وما زالت هذه العلوم تسير في طريق النمو، حتى نزل في الميدان الامام (أبو بكر عبد القاهر بن عبد الرحمن الجرجاني ) المتوفى سنة 471 هـ فشمر عن ساعد الجد، ودون كتابية – أسرار البلاغة – ودلائل الاعجاز – وقرن فيهما بين العلم والعمل، ثم جاء إثر عبد القاهر – (جار الله الزمخشري)، فكشف في تفسسيره «الكشاف» عن وجوه إعجاز القرآن، وأسرار بلاغته، وأوضح ما فيه من الخصائص والمزايا، وقد ابان خلالها كثيرا من قواعد هذه الفنون – ثم نهض بعده (أبو يعقوب يوسف السكاكي) المتوفى سنة 626 هـ فجمع في القسم الثالث من كتابه «المفتاح» ما لا مزيد عليه، وجاء بعده علماء القرن السابع فما بعده يختصرون ويضعون مؤلفاتهم حسب ما يسمح به مناهج التعليم للمتعلمين في كل قطر من الأقطار حتى غدت أشبه بالمعميات والالغاز .
    ([127]) اعلم أن الجمل ليست في مستوى واحد عند أهل المعاني، بل منها جمل رئيسية وجمل غير رئيسية، والأولى هي المستقلة التي لم تكن قيداً في غيرها، والثانية ما كانت قيدا إعرابيا في غيرها، وليست مستقلة بنفسها.
    والقيود هي: أدوات الشرط، والنفي، والتوابع، والمفاعيل، والحال، والتمييز وكان وأخواتها، وان واخواتها، وظن أخواتها – كما سيأتي:
    ([128]) أي – وما يجري مجراها .
    ([129]) أي – وما يجري مجراها – كما سيأتي:
    (تنبيه) الاسناد: مطلقاً قسمان حقيقة عقلية، ومجاز عقلي – فالحقيقة العقلية هي اسناد الفعل أو ما في معناه إلى ما في معناه إلى ما وضع له عند المتكلم في الظاهر من حاله نحو: تجري الأمور بما لا يشتهي البشر، وأنبت الله النبات، والمجاز العقلي (ويسمى اسنادا مجازيا، ومجازاً حكمياً، ومجازا في الاسناد) هو اسناد الفعل أو ما في معناه إلى غير ما وضع له لعلاقة مع قرينة مانعة من ارادة الاسناد الى ما هو له نحو – تجري الرياح بما لا تشتهي السفن – وله علاقات شتى – فيلائم الفاعل لوقوعه منه نحو سيل مفعم بفتح العين أي مملوء – فاسناد مفعم وهو مبني للمفعول إلى ضمير السيل وهو فاعل مجاز عقلي ملابسته الفاعلية – ويلائم المفعول به لوقوعه عليه نحو عيشة راضية: فاسناد راضية وهو مبني للفاعل إلى ضمير العيشة وهي مفعول به (مجاز عقلي ) ملابسته المفعولية – ويلائم الزمان والمكان لوقوعه فيهما نحو صام نهاره، وسال الميزاب، ونهار صائم، ونهر جار، ويلائم المصدر نحو جد جده، ويلائم السبب نحو بني الأمير المدينة – وكما يقع المجاز العقلي في الاسناد يقع في النسبة الاضافية: كمكر الليل . وجرى الانهار، وشقاق بينهما.
    وغراب البين (على زعم العرب) وفي النسبة الايقاعية: نحو (وأطيعوا أمري ولا تطيعوا أمر المسرفين)، واجريت النهر – وكما يكون في الاثبات يكون في النفي نحو قوله تعالى «فما ربحت تجارتهم»، وما نام ليلى – على معنى خسرت تجارتهم، وسهر ليلى قصدا إلى اثبات النفي، لا نفى الاثبات – ويكون أيضاً في الانشاء كما سبقت الاشارة اليه نحو قوله تعالى «أصلاتك تأمرك» ونحو «ياهامان ابن لي صرحا»، وليصم نهارك، وليجد جدك، وليت النهر جار – وما أشبه ذلك.
    وأقسامه باعتبار حقيقة طرفيه ومجازيتهما أربعة – لأنهما أما حقيقتان لغويتان نحو أنبت الربيع البقل – أو مجازان لغويان نحو أحيا الارض شباب الزمان، إذ المراد باحياء الارض تهييج القوى النامية فيها، وإحداث نضارتها بأنواع الرياحين، والاحياء في الحقيقة اعطاء الحياة، وهي صفة تقتضي الحس والحركة، وكذا المراد بشباب الزمان زمان ازدياد قواها النامية، وهو في الحقيقة عبارة عن كون الحيوان في زمان تكون حرارته الغريزية مشبوبة أي قوية مشتعلة – أو المسند حقيقة لغوية والمسند اليه مجازى لغوي: نحو أنبت البقل شباب الزمان – أو المسند اليه حقيقة لغوية والمسند مجاز لغوي نحو أحيا الارض الربيع ووقوع المجاز العقلي في القرآن كثير: نحو ما تقدم، ونحو «وإذا تليت عليهم آياته زادتهم إيمانا»، وينزع عنهما لباسهما، وأخرجت الأرض أثقالها، «فكيف تتقون ان كفرتم يوما يجعل الولدان شيبا».
    ولا بد له من قرينة صارفة عن ارادة المعنى الاصلي لأن الفهم لولا القرينة يتبادر الى الحقيقة – والقرينة إما لفظية وإما معنوية فاللفظية كقولك هزم الأمير الجند وهو في قصره، والمعنوية كاستحالة قيام المسند بالمسند اليه المذكور معه عقلا بمعنى أنه لو خلى العقل ونفسه عد ذلك القيام محالا كقولك محبتك جاءت بي اليك، لاستحالة قيام المجىء بالمحبة عقلا، وكاستحالة ما ذكر عادة نحو هزم الأمير الجند لاستحالة قيام هزيمة الجند بالأمير وحده عادة، وان أمكن عقلا، وكأن يصدر من الموحد: نحو
    أشاب الصغير وأفنى الكبير كر الغداة ومن العشي
    فأن صدور ذلك من الموحد قرينة معنوية على أن إسناد أشاب وافنى إلى كر الغداة ومر العشي مجاز، ثم هذا غير داخل في الاستحالة إذ قد ذهب اليه كثير من المبطلين ولا يجب أن يكون في المجاز العقلي لللفعل فاعل يعرف الاسناد اليه حقيقة، بل تارة يكون له فاعل، يعرف إسناده اليه حقيقة كما تقدم، وتارة لا – نحو قوله.
    يزيدك وجهه حسنا إذا ما زدته نظراً
    فان اسناد الزيادة للوجه مجاز عقلي وليس لها أي الزيادة فاعل يكون الاسناد اليه معروفا حقيقة، ومثله سرتني رؤيتك وأقدمني بلدك حق لي عليك، فهذه الأمثلة ونحوها من المجاز العقلي الذي لا فاعل له يعرف الاسناد اليه حقيقة: كما قال الشيخ (عبد القاهر ) – وقيل لابد له من فاعل يعرف الاسناد اليه حقيقة، ومعرفته إما ظاهرة نحو (فما ربحت تجارتهم ) أي فما ربحوا في تجارتهم – وإما خفية كهذه الأمثلة والفاعل الله تعالى، هذا – وقد أنكر (السكاكي ) المجاز العقلي ذاهبا إلى أن أمثلته السابقة ونحوها منتظمة في سلك الاستعارة بالكناية فنحو أنبت الربيع البقل يجعل الربيع استعارة عن الفاعل الحقيقي، بواسطة المبالغة في التشبيه، ويجعل نسبة الانبات اليه قرينة الاستعارة وسيأتي مذهبه ان شاء الله تعالى في فن البيان عند الكلام على الاستعارة بالكناية .
    (تنبيه) ذكر بعض المؤلفين (مبحث المجاز العقلي والحقيقة العقلية) في أحوال الاسناد من علم المعاني.
    وبعضهم ذكرهما في فن البيان عند تقسيم اللفظ إلى حقيقة ومجاز ولكل وجهة .
    ([130]) ففي الأول يؤول – سماعك بالمعيدي خير – وفي الثاني – الأمير قريب قدومه، وفي نحو: لا إله إلا الله ينجو قائلها من النار – عدم شريك للمولى نجاة من النار .
    ([131]) فمطابقة النسبة الكلامية للنسبة الخارجية ثبوتا ونفيا صدق – وعدم المطابقة كذب – فالنسبة التي دل عليها الخبر وفهمت منه تسمى كلامية، والنسبة التي تعرف من الخارج بقطع النظر عن الخبر تسمى خارجية- فحينئذ هناك نسبتان نسبة تفهم من الخبر، ويدل عليها الكلام وتسمى النسبة الكلامية – ونسبة أخرى تعرف من الخارج بقطع النظر عن الخبر وتسمى النسبة الخارجية.
    فما وافق الواقع فهو صدق، وما خالف الواقع فهو كذب .
    ([132]) فليس الغرض هنا إفادة الحكم، ولالازم الفائدة، لأن الله تعالى عليم ولكنه طلب عفو ربه، ولهذا ترى في الكلام العربي أخبارا كثيرة لا يقصد بها افادة المخاطب الحكم، ولا أن المتكلم عالم به، فتكون قد خرجت عن معناها الأصلي السالف ذكره إلى أغراض أخرى.
    ([133]) كتب معاوية الى أحد عماله: فقال: لا ينبغي لنا أن نسوس الناس سياسية واحدة، لا نلين جميعا، فيمرح الناس في المعصية ولا نشتد جميعاً، فنحمل الناس على المهالك، ولكن تكون أنت للشدة والغلظة، واكون أنا للرأفة والرحمة.
    وكتب أبو العباس السفاح فقال لأعملن اللين حتى لا ينفع إلا الشدة ولأكرمن الخاصة ما امنتهم على العامة، ولأغمدن سيفي حتى يسله الحق، ولأعطين حتى لا أرى للعطية موضعاً .
    ([134]) عرفت هواها قبل أن اعرف الهوى فصادف قلبا خاليا فتمكنا
    ([135]) المراد بالتأكيد في هذا الباب تأكيد الحكم، لا تأكيد المسند اليه ولا تأكيد المسند.
    واعلم أن الخطاب بالجملة الاسمية وحدها: آكد من الخطاب بالجملة الفعلية – فاذا أريد مجرد الأخبار أتى بالفعلية – وأما أن أريد التأكيد فبالاسمية وحدها – أو بها مع إن أو بهما وباللام، أو بالثلاثة واقسم، واعلم أن لام الابتداء هي الداخلة على المبتدأ، أو اللاحقة لخبر – كما أن السين وسوف لا تفيدان التوكيد إلا اذا كانت للوعد أو الوعيد.
    ([136]) اعلم أن (الحال) هو الأمر الداعي إلى إيراد الكلام مكيفا بكيفية ما سواء أكان ذلك الأمر الداعي ثابتا في الواقع، أو كان ثبوته بالنظر لما عند المتكلم كتنزيل المخاطب غير السائل منزلة السائل.
    (وظاهر الحال ) هو الأمر الداعي إلى ايراد الكلام مكيفا بكيفية مخصوصة بشرط أن يكون ذلك الأمر الداعي ثابتاً في الواقع فكل كيفية اقتضاها ظاهر الحال اقتضاها الحال، وليس كل كيفية اقتضاها لاحال اقتضاها ظاهره.
    ([137]) أي فصار المقام مظنة للتردد والطلب – وان لم يتردد المخاطب، ولم يطلب بالفعل، وذلك لأنه تكاد نفس الذكي إذا قدم لها ما يشير إلى جنس الخبر أن تتردد في شخص الخبر، وتطلبه من حيث أنها تعلم أن ا لجنس لا يوجد إلا في فرد من أفراده فيكون ناظراً اليه بخصوصه كأنه متردد فيه كنظر السائل – فقوله – ولا تخاطبني يشير إلى جنس الخبر وانه عذاب – وقوله إنهم مغرقون – يشير إلى خصوص الخبر الذي أشير اليه ضمنا في قوله ولا تخاطبني – وكقول الشاعر.
    ترفق أيها المولى عليهم فأن الرفق بالجاني عتاب
    فالأصل – أن يورد الخبر هنا خاليا من التوكيد، لأن المخاطب خالي الذهن من الحكم، ولكن لما تقدم في الكلام ما يشعر بنوع الحكم أصبح المخاطب متشوقا لمعرفته فنزل منزلة السائل المتردد الطالب، واستحسن القاء الكلام اليه مؤكدا، جريا على خلاف مقتضى الظاهر.
    ([138]) وفائدة التنزيل وجوب زيادة التأكيد قوة وضعفا، لأنه نزل المتردد منزلة المنكر، فيعطي حكمه حينئذ، وهكذا تفهم في عكسه وهو تنزيل المنكر منزلة المتردد في استحسان التوكيد له، واعلم أنه إذا التبس اخراج الكلام على خلاف مقتضى الظاهر باخراجه على مقتضى الظاهر يحتاج إلى قرينة تعين المقصود أو ترجحه – فإن لم توجد قرينة صح حمل الكلام على كل من الأمرين – وذلك كجعل السائل كالخالي، وجعل المتردد كالمنكر، فإن وجدت قرينة عمل بها، والا صح الحكم بأحدهما.
    ([139]) من مزايا اللغة العربية دقة التصرف في التعبير، واختلاف الأساليب باختلاف المقاصد والأغراض، فمن العيب الفاضح عند ذوي المعرفة بها (الأطناب) إذا لم تكن هناك حاجة اليه، «والايجاز والاختصار» حيث تطلب الزيادة، وقد تخفى دقائق تراكيبها على الخاصة بل العامة، فقد أشكل أمرها على بعض ذوي الفطنة من نابتة القرن الثالث: إبان زهو اللغة ونضرة شبابها، يرشدك إلى ذلك ما رواه الثقاة من أن المتفلسف الكندي: ركب إلى أبي العباس المبرد وقال له، إني لأجد في كلام العرب حشوا، فقال أبو العباس في أي موضع وجدت ذلك، فقال أجد العرب يقولون عبد الله قائم، ثم يقولون: إن عبد الله قائم، ثم يقولون، إن عبد الله لقائم، فالالفاظ متكررة، و المعنى واحد، فقال أبو عباس بل المعاني مختلفة لاختلاف الألفاظ، فالأول اخبار عن قيامه، والثاني جواب عن سؤال سائل، والثالث جواب عن انكار منكر قيامه، فقد تنكررت الألفاظ لتكرر المعاني، فما أحار المتفلسف جوابا ومن هذا: نعلم أن العرب لاحظت أن يكون الكلام بمقدار الحاجة، لا أزيد وإلا كان عبثاً – ولا انقص والا أخل بالغرض – وهو الأفصاح والبيان .
    ([140]) اظهار الحسرة على موت أخيه بيد من قرابته.
    ([141]) اظهار الضعف لكونه أصبح بلا معين .
    ([142]) الاسترحام بطلب المساعدة وشد الأزر .
    ([143]) اظهار الضعف بأن نحوله صيره الى ما وصف .
    ([144]) افادة المخاطب أن المتكلم عالم بقصته وسابق أعماله، فالغرض لازم الفائدة .
    ([145]) التحسر لفقد ذوي المروءة والمصير إلى لئام لا خير فيهم.
    ([146]) الغرض إفادة المخاطب الحكم الذي تضمنه الكلام.
    ([147]) «إفادة المخاطب أن المتكلم عالم بحاله في تهذيب بنيه.
    ([148]) الغرض إفادة المخاطب الحكم الذي تضمنه الكلام.
    ([149]) إظهار الفخر، فان أبا فراس إنما يريد أن يفاخر بمكارمه وشمائله.
    ([150]) الغرض إفادة المخاطب الحكم الذي تضمنه الكلام فان أبا الطيب يريد أن يبين لسامعيه ما يراه في بعض الناس من التقصير في أعمال الخير.
    ([151]) الغرض إظهار الأسى والحزن .
    ([152]) إظهار الحزن والتحسر على فقد ولده.
    ([153]) إظهار الضعف والعجز .
    ([154]) الغرض الافتخار بالعقل واللسان.
    ضرب الخبر
    المؤكدات
    الرقم
    طلبي
    إنكاري لزيادة المؤكدات على واحا
    طلبي
    إنكاري
    طلبي
    طلبي لأن كل مؤكدة في جملة
    إنكاري لزيادة المؤكدات على واحد
    ألا (أداة استفتاح وتنبيه)
    إن – قد – اللام في (لقريب)
    الباء الزائدة في (بمن)
    لام القسم – لام التوكيد – نون التوكيد
    تكرار جعلنا
    أما، إن، أن
    أن، لام الابتداء
    1
    2
    3
    4
    5
    6
    7

    ([155]) الغرض الاسترحام و الاستعطاف.
    ([156]).الدلج: الظلام
    ([157]) لابسها .
    ([158]) وذلك أن الفعل دال بصيغته على أحد الأزمنة الثلاثة بدون احتياج لقرينة بخلاف الاسم: فانه يدل على الزمن بقرينة ذكر لفظة: الآن – أو أمس – أو غداً ولما كان الزمان الذي هو أحد مدلولي الفعل غير قار بالذات، أي لا تجمع أجزاؤه في الوجود كان الفعل مع افادته التقييد بأحد الأزمنة الثلاثة مفيداً للتجدد أيضاً.
    ([159]) وذلك نظير الاستمرار الثبوتي في الجملة الأسمية نحو (لو يطيعكم في كثير من الأمر لعنتم) أي لو استمر على إطاعتكم وقتا فوقتاً لحصل لكم عنت ومشقة .
    ([160]) فالجملة الاسمية موضوعة لمجرد ثبوت المسند للمسند إليه.

    ([161]) أي: بقطع النظر عما يستلزمه الانشاء، فان اغفر – يستلزم خبرا وهو أنا طالب المغفرة منك – وكذا لا تكسل – يستلزم خبرا، وهو انا طالب عدم كسلك – لكن كل هذا ليس لذاته.
    ([162]) أما المدح والذم فيكونان: بنعم وبئس ـ وما جرى مجراهما نحو حبذا، والأفعال المحوّلة إلى فعل نحو طاب عليٌّ نفساً، وخبث بكر أصلاً.
    ([163]) اعلم أنه إذا كان المطلوب غير متوقع كان الطلب (تمنيا ) وإن كان متوقعا فاما حصول صورة او في الذهن فهو (الاستفهام) وإما حصوله في الخارج فان كان ذلك الأمر انتفاء فعل – فهو (النهى) وإن كان ثبوته: فاما بأحد حروف (النداء) فهو النداء – وإما بغيرها فهو (الأمر).
    وبهذا تعلم أن الطلب هنا منحصر في هذه الأنواع الخمسة لاختصاصها بكثير من اللطائف البلاغية.
    ([164]) أي لأنه لا يليق طلب الحاصل، فلو استعمل صيغ الطلب لمطلوب حاصل امتنع إجراؤها على معانيها الحقيقة، ويتولد من تلك الصيغ ما يناسب المقام، كطلب دوام الايمان والتقوى في قوله تعالى (يا أيها الذين آمنوا آمنوا بالله ) – وهلم جرا .
    ([165]) ويكون الانشاء الطلبي أيضا، بالعرض والتحضيض، ولكن لم يتعرض لهما البيانيون لأنهما مولدان على الأصح من الاستفهام والتمني – فالأول من الهمزة مع لا النافية في «ألا» والثاني من هل ولو للتمنى مع لا وما الزائدتين في «هلا والا» بقلب الهاء همزة .
    وكذا: لولا ولوما – واعلم أن الانشاء الطلبي نوعان – الأول ما يدل على معنى الطلب بلفظه ويكون بالخمسة المذكورة، والثاني ما يدل على معنى الطلب بغير لفظه كالدعاء .
    ([166]) بأن يعد الآمر نفسه عاليا لمن هو أقل منه شأنا، سواء أكان عاليا في الواقع أولاً. ولهذا نسب إلى سوء الأدب إن لم يكن عالياً واشتراط الاستعلاء بهذا المعنى هو ما عليه الأكثر من الما تريدية_ والامام الرازي – والآمدي من الأشعرية – وأبو الحسن من المعتزلة، وذهب الأشعري إلى أنه لا يشترط هذا – وبه قال كثير من الشافعية – والأشبه أن الصدور من المستعلى يفيد إيجابا في الأمر، وتحريما في النهي – وأعلم أن الأمر للطلب مطلقا – والفور والتراخي من القرائن – ولا يوجب الاستمرار والتكرار في الأصح، وقيل ظاهر» الفور كالنداء والاستفهام إلا بقرينة – وهو ما اختااره السكاكي – واعلم أيضا أن الأمر يكون استعلاء مع الأدنى، ودعاء مع الأعلى، والتماسا مع النظير.
    ([167]) والالتماس كقولك لمن يساويك ـ أعطني القلم أيها الأخ.
    ([168]) اعلم: أن النهي طلب الكف عن الشيء، ممن هو أقل شأنا من المتكلم، وهو حقيقة في التحريم: كما عليه الجمهور – فمتى وردت صيغة النهي أفادت الحظر والتحريم على الفور.
    وأعلم أن النهي كالأمر – فيكون استعلاء مع الأدنى، ودعاءس مع الأعلى،والتماسا مع النضير .
    ([169]) أي ادراك عدم وقوع النسبة وذلك كادراك الموضوع وحده أو المحمول وحده – أو هما معا – أو ذات النسبة التي هي مورد الايجاب والسلب، فالاستفام عن التصور يكون عند التردد في تعيين أحد الشيئين – أي يتردد المتكلم في تعيين أحد أمرين: نذكر بينهما أم المتصلة المعادلة – وقد تحذف هي وما بعدها اكتفاء بما قبلها – ولا يلي الهمزة غير المستفهم عنه .
    والمفرد كما يكون إسما يكون فعلا: نحو اتنتهي عند هذا الحد أم تتمادى، والاستفهام عن التصديق يكون عن نسبة تردد الذهن فيها بين ثبوتها ونفيها وحينئذ للهمزة استعمالان – فتارة يطلب بها معرفة مفرد، وتارة يطلب بها معرفة نسبة، وتسمى معرفة المفرد تصوراً، ومعرفة النسبة تصديقاً – واعلم أن كل همزة استفهام تستعمل في معناها أو في غيره إن وليها الفعل كان هو المقصود بمعناه، وإن وليها الاسم كان هو المراد المقصود، فان قلت أسافر الأمير ؟ كان الشك في السفر، وإذا قلت أسعد سافر؟ كان السفر مفورضا، والمستقيم عنه ذات المسافر.
    ([170]) أي ادراك موافقتها لما في الواقع أو عدم موافقتها له – واعلم أن ادراك وقوع النسبة أو عدم وقوعها كما يسمى تصديقا، يسمى: حكما، أو إسناداً، أو إيقاعا وانتزاعا، أو إيجابا وسلباً.
    ([171]) أي فقد تصورت الحضور والأمير والنسبة بينهما ـ وسألت عن وقوع النسبة بينهما، هل هو محقق خارجا أولا – فاذا قيل حضر، حصل التصديق، وكذا يقال فيما بعده، فالمسئول عنه في التصديق نسبة يتردد الذهن في ثبوتها، ونفيها كما سبق توضيحه.
    ([172]) أي: ولا بد من وقوع الجملة بعد أم المنقطعة، فان وقع بعدها مفرد قدر بجملة نحو أحضر الأمير أم جيشه – أي بل حضر جيشه، واعلم أنه تلخص مما تقدم أن همزة التصور إن جاء بعدها «أم» تكون متصلة وأن همزة التصديق أو هل: إن جاء بعدهما «أم» قدرت منقطعة وتكون بمعنى بل
    ([173]) حكى الزمخشري في (ربيع الأبرار) أن العنقاء كانت طائراً وكان فيها من كل شيء من الألوان وكانت في زمن أصحاب الرس تأتي إلى أطفالهم وصغارهم فتخطفهم وتغرب بهم نحو الجبل فتأكلهم، فشكوا ذلك إلى نبيهم (صالح ) عليه السلام فدعا الله عليها فأهلكها وقطع عقبها ونسلها فسميت (عنقاء مغرب) لذلك .
    ([174]) أي لان هل في الأصل بمعنى قد، وهي لا تدخل على المنفى، فلا يقال قد لا يقوم حليل – فحينئذ هي مخصوصة بدخولها على النسب المثبتة، سواء أكانت جملا فعليه أو اسمية – واعلم أن عدم دخولها على المنفى لا ينافي أنها لطلب التصديق مطلقا سواء في الايجابي والسلبي .
    ([175]) أي لا نفع هل قبل الحرف العاطف بل تقع بعده دائما.
    ([176]) الترتيب العقلي: هو أن يكون المتأخر متوقفا على المتقدم، من غير أن يكون المتقدم علة له – وذلك كتقدم المفرد على المركب .
    ([177]) أي فقد استعملت أيان مع يوم القيامة للتهويل والتفخيم بشأنه – وجواب هذا السؤال (يومهم على النار يفتنون) .
    ([178]) أي: لا تخشوهم فالله أحق أن تخشوه .
    ([179]) أي ما جزاء الاحسان إلا الاحسان .
    ([180]) اعلم أن الانكار إذا وقع في الاثبات يجعله نفيا – كقوله تعالى:«أفي الله شك» أي لا شك فيه، وإذا وقع في النفي يجعله اثباتا، نحو: قوله تعالى «ألم يجدك يتيما» أي: قد وجدناك، وبيان ذلك: أن انكار الاثبات والنفي نفى لهما، ونفى الاثبات نفى – ونفى النفي اثبات، ثم الانكار قد يكون للتكذيب، نحو أيحسب الانسان أن يترك سدى – وقد يكون للتوبيخ واللوم على ما وقع . نحو: «اتعبدون ما تنحتون» وهذه الآية من كلام ابراهيم عليه السلام لقومه، حينما رآهم يعبدون الأصنام من الحجارة.
    ([181]) ويكون غالبا بالهمزة يليها المقرر به، كقولك (أفعلت هذا ) – إذا أردت أن تقرره بان الفعل كان منه، وكقولك أأنت فعلت هذا – إذا أردت أن تقرره بأنه الفاعل، وكقولك أخليلا ضربت – إذا أردت أن تقرره بأن مضروبه خليل ويكون التقرير أحيانا بغير الهمزة نحو: لمن هذا الكتاب، وكم لي عليك ؟؟
    ([182]) التقرير: لان المقام للمدح، وذلك ابلغ فيه، ولو أن جريراً قال في مدحه وأنتم خير من ركب المطايا» لكان قوله (خبراً ) يحتمل الصدق والكذب، ولكنه إذ وضعه في صورة الاستفهام لم يجعله خبراً يشك فيه، بل جعله حقيقة لا يجهلها أحد ولا ينكرها إذا سئل عنها .
    ([183]) النهي عن اللعب – ويصح أن يكون للتهكم .
    ([184]) الانكار – وبيان أن ذلك لن يكون .
    ([185]) التعجب من عمل لا يجديه نفعا.
    ([186]) النفي – وذلك أوقع في المدح.
    ([187]) النفي – وبيان أن ذلك ليس بمفيد .
    ([188]) التعظيم – وإكبار شأنه .
    ([189]) النهي – والتنويه بشجاعته .
    ([190]) الانكار – وبيان أن ذلك لا ينبغي أن يكون
    ([191]) الانكار – وبيان أن ذلك لا ينبغي أن يكون .
    ([192]) التهكم والتحقير .
    ([193]) التعظيم – وتهويل شأن ذلك الموقف .
    ([194]) النفي .
    ([195]) الاستبطاء .
    ([196]) الغرض هو إبراز المرجو في صورة المستحيل مبالغة في بعد نيله – نحو
    فا ليت ما بيني وبين أحبتي من البعد ما بيني وبين المصائب
    وقد تستعمل أيضاً للتندم نحو «يا ليتني اتخذت مع الرسول سبيلا»
    ([197]) اعلم أن سبب العدول عن (ليت ) إلى «هل» إبراز المتمنى لكمال العناية به في صورة الممكن الذي لا يجزم بانتفائه، وهو المستفهم عنه .
    ([198]) لما كان عدم الشفاء معلوما لهم امتنع حقيقة الاستفهام، وتولد منه التمني المناسب للمقام.
    ([199]) وسبب العدول إلى «لو» الدلالة على عزة متمناه وندرته، حيث أبرزه في صورة الذي لا يوجد، لأن «لو» تدل بأصل وضعها على امتناع الجواب لامتناع الشرط .
    ([200]) وذلك لبعد المرجو، فكأنه مما لا يرجى حصوله، واعلم أن «هلا، والا ولوما، ولولا» ماخوذة من هل ولو» بزيادة (ما) و (لا) عليهما – واصل «ألا – هلا» قلبت الهاء همزة ليتعين معنى التمني، ويزول احتمال الاستفهام والشرط، فيتولد من التمني معنى التنديم في الماضي نحو: هلا قمت، ومعنى التحضيض في المستقبل نحو هلا تقف.
    ولا يتمنى: بهل – ولو – ولعل: إلا في المقطوع بعدم وقوعه لئلا تحمل على معانيها الأصلية.
    ([201]) اعلم أن لفظ الجلالة يختص نداؤه – (بيا)
    ([202]) السادر الذاهب عن الشيء ترفعا عنه، والذي لا يبلالي ولا يهتم بما صنع. المزور: المنحرف، والصلف الكبر.
    ([203]) بيان ذلك ان النداء تخصيص المنادي بطلب إقباله عليك – فجرد عن طلب الاقبال، واستعمل في تخصيص مدلوله من بين أمثاله بما نسب إليه منها .
    ([204]) أي: اللهم اغفر لنا مخصوصين من بين العصائب، فصورته صورة النداء وليس به – إذا لم يرد به إلا ما دل عليه ضمير المتكلم السابق، ولذا لا يجوز إظهار حرف النداء فيه .
    ([205]) يريد لعدم وجود سلمى بكيناها وبكينا المنازل – فواو العطف محذوفة .
    ([206]) صدح الرجل رفع صوته بالغناء .
    ([207]) المترع أي المملوء .
    ([208]) أبيت اللعن كانت تحية الملوك، ومعناها أبيت أن تفعل شيئاً تلعن به، اهتم أي أصير ذا هم، أنصب أي أتعب.
    ([209]) بيان ذلك أنه إذا لم يوجد في الكلام قرينة تدل على ما يراد حذفه، أو وجدت قرينة ضعيفة غير مصحوبة بغرض آخر يدعو إلى الحذف، فلابد من الذكر جريا على الأصل، وقد تدعو الظروف والمناسبات إلى ترجيح (الذكر) مع وجود قرينة تمكن من (الحذف) وذلك لأغراض مختلفة، ترجع إلى اساليب البلغاء، فتجدهم قد ذكروا أحيانا ما يجوز أن يستغنى عنه، وحذفوا مالا يوجد مانع من ذكره، فرجحوا الذكر أحيانا، والحذف أحيانا، لأسباب بلاغية اقتضت ذلك .
    ([210]) الشاهد في (أولئك هم المفلحون) حيث كرر اسم الاشارة المسند إليه التقرير والايضاح تنبيها على أنهم كما ثبتت لهم الأثرة والميزة بالهدى فهي ثابتة لهم بالفلاح أيضا .
    ([211]) أي كتابة الحكم عليه بين يدي الحاكم.
    ([212]) فيذكر المسند إليه لئلا يجد المشهود عليه سبيلا للانكار بأن يقول للحاكم عند التسجيل، انما فهم الشاهد أنك أشرت إلى غيري – فأجاب: ولذلك لم أنكر ولم أطلب الاعذار فيه.
    ([213]) وفي هذا القسم تظهر دقائق البلاغة ومكنون سرها ورائع أساليبها، ولهذا يقول الامام (عبد القاهر الجرجاني): في باب الحذف: ىنه باب دقيق المسلك، لطيف الماخذ، عجيب الأمر، شبيه بالسحر، فانك ترى فيه ترك الذكر أفصح من الذكر والصمت عن الافادة أزيد للافادة، وتجدك أنطق ما تكون إذا لم تنطق، وأتم ما تكون بيانا إذا لم تبن، وهذه جملة قد تنكرها حتى تخبر، وتدفعها حتى تنظر والأصل في جميع المحذوفات على اختلاف ضروبها أن يكون في الكلام ما يدل عليها، وإلا كان الحذف تعمية وألغازاً لا يصار اليه بحال – ومن شرط حسن الحذف أنه متى ظهر المحذوف زال ما كان في الكلام من البهجة والطلاوة، وصار إلى شيء غث لا تناسب بينه وبين ما كان عليه أولا (والقرينة شرط في صحة الحذف) إذا اقترن بها غرض من الأغراض المذكورة.
    ([214]) أي لم يقل أنا عليل لضيق المقام بسبب الضجر الحاصل له من الضنى .
    ([215]) أي لم يقل حمد الناس سيرته للمحافظة على السجع المستلزم رفع الثانية.
    ([216]) فلو قيل: أن يرد الناس الودائع: لاختلفت القافية لصيرورتها مرفوعة في الأول منصوبة في الثاني.
    ([217]) أي لا ع لى شيء، ولا لي شيء .
    ([218]) وكذا أيضا الوارد على ترك نظائره مثل الرفع على المدح نحو مررت بزيد الهمام – وعلى الذم نحو رأيت بكراً اللئيم – وعلى الترحم مثل: ترفق بخالد المسكين.
    ([219]) قيل الجودي هو الجبل الذي وقعت عليه سفينة نوح – وهي معهودة في الكلام السابق في قوله وأصنع الفلك بأعيننا الخ.
    ([220]) تخاطب غبيا .
    ([221]) جوابا لمن سال ما فعل الأمير ؟؟
    ([222]) بعد ذكر إنسان .
    ([223]) تعني الشمس .
    ([224]) أي لو شاء هدايتكم .
    ([225]) نضا بمعنى جر – شأى، سبق .
    ([226]) فلول السيف كسور في حده.
    ([227]) الحشا، ما انطوت عليه الضلوع .
    ([228]) أي هؤلاء نجوم .
    ([229]) اعلم أن كلا من المعرفة والنكرة يدل على معين، وإلا امتنع الفهم – إلا ان الفرق بينهما أن (النكرة) يفهم منها ذات المعين فقط، ولا يفهم منها كونه معلوما للسامع وان (المعرفة) يفهم منها ذات المعين، ويفهم منها كونه معلوما للسامع لدلالة اللفظ على التعيين، والتعيين فيها – إما بنفس اللفظ من غير احتياج إلى قرينة خارجية كما في العلم واما بقرينة تكلم أو خطاب أو غيبة كما في الضمائر، واما بقرينة إشارة حسية كما في الاشارة – وإما بنسبة معهودة كما في الأسماء الموصولة، وأما بحرف وهو المعرف بال والنداء، واما باضافة معنوية وهو المضاف إلى واحد مما ذكر، ما عدا المنادى واعلم أنه قدم ذكر (الاضمار) لأنه أعرف المعارف – واصل الخطاب أن يكون لمعين، وقد يستعمل أحيانا دون أن يقصد به مخاطب معين كقول المتنبي:
    إذا انت أكرمت الكريم ملكته وإن أنت أكرمت اللئيم تمردا
    أخرج الكلام هنا في صورة الخطاب ليفيد العموم
    ([230]) أي فالمشار اليه بأولئك، هم المتقون، وقد ذكر عقبه أوصاف هي الايمان بالغيب، وإقامة الصلاة وما بعدهما – ثم أتى بالمسند اليه اسم إشارة وهو أولئك تنبيها على أن المشار إليهم جديرون وأحقاء من أجل تلك الخصال، بأن يفوزوا بالهداية عاجلا. والفوز بالفلاح آجلا.
    ([231]) يعني تحيرت البرية في المعاد الجسماني .
    ([232]) أي غطاهم وسترهم من البحر موج عظيم، لا تحيط العبارة بوصفه.
    ([233]) أي من تظنون اخوتهم يحبون دماركم فأنتم مخطئون في هذا الظن – ولا يفهم هذا المعنى (لو قيل إن قوم كذا يشفى الخ)
    (1) أي ان من سمك السماء بنى لنا بيتا من العز والشرف، هو أعز واقوى من دعائم كل بيت.
    ([234]) أي غطاهم وسترهم من البحر موج عظيم، لا تحيط العبارة بوصفه .
    ([235]) أي بأن كان اسمه قبيحاً كمن اسمه (برغوث، أو جحش، أو بطة، أو غيره )
    ([236]) التحرير هو العتق لخدمة بيت المقدس، أي – وليس الذكر الذي طلبت كالانثى التي وهبت لها، فطلبها الذكر كان بطريق الكناية في قولها (رب إني نذرت لك ما في بطني محرراُ) فان ذلك كان مقصوراً عندهم على الذكور، فأل في (الذكر ) عائدة إلى مذكر بطريق الكناية، وأل في (الانثى ) عائدة إلى مذكور صريحا في قولها (رب إني وضعتها أنثى ) – فالعهد الخارجي ثلاثة أنواع – صريحي، وكنائي، وعلمي .
    ([237]) أي – من أهواه وأحبه ذاهب مع ركبان الابل، القاصدين إلى اليمن، منضم إليهم، مقود معهم، وجسمي مقيد بمكة، محبوس وممنوع عن السير معهم – فلفظ هواي أخصر من الذي أهواه – ونحوه.
    ([238]) أضاف الكوكب إلى (الخرقاء) أي المرأة الحمقاء مع انه ليس لها لانها لا تتذكر كسوتها إلا وقت طلوع (سهيل ) سحراً في الشتاء – وتفصيل ذلك انه يقال إن المرأة الحمقاء كانت تضيع وقتها في الصيف، فاذا طلع سهيل وهو كوكب قريب من القطب الجنوبي في السحر وذلك قرب الشتاء، أحست بالبرد، واحتاجت إلى الكسوة، ففرقت غزلها أي قطنها او كتانها الذي يصير غزلا في اقاربها، ليغزلوا لها بسبب عجزها عن الغزل ما يكفيها لضيق الوقت، فاضافة كوكب الخرقاء لأدنى ملابسة – وقد جعل الشاعر هذه الملابسة بمنزلة الاختصاص.
    ([239]) اعلم أن أغلب البيانين لم يثبت (التعريف بالنداء) في تعريف المسند اليه وتحقيق ذلك يطلب من المطولات في علوم البلاغة.
    ([240]) اعلم أن الفرق بين التعظيم والتكثير: أن التعظيم بحسب رفعة الشأن وعلو الطبقة – وان التكثير باعتبار الكميات والمقادير – تحقيقا كما في قولك إن له لإبلاً، وإن له لغنما – أو تقديراً نحو: ورضوان من الله أكبر – أي قليل من الرضوان أكبر من كل شيء – ويلاحظ ذلك الفرق في التحقير والتقليل أيضا .
    ([241]) ومنه قوله:
    ولله عندي جانب لا أضيعه وللهو عندي والخلاعة جانب
    ويحتمل التكثير والتقليل قوله تعالى (إني أخاف أن يمسك عذاب من الرحمن )
    ([242]) معلوم: أن الالفاظ قوالب المعاني، فيجب أن يكون ترتيبها الوضعي حسب ترتيبها الطبيعي، ومن البين أن (رتبة المسند اليه التقديم ) لانه المحكوم عليه، ورتبة المسند التأخير، إذ هو المحكوم به – وما عداهما فهو متعلقات وتوابع تأتي تالية لهما في الرتبة ولكن قد يعرض لبعض الكلم من المزايا والاعتبارات ما يدعو إلى تقديمها، وإن كان من حقها التأخير فيكون من الحسن اذاً تغيير هذا الاصل واتباع هذا النظام ليكون المقدم مشيراً إلى الغرض الذي يؤدي اليه، ومترجما عما يريد .
    ولا يخلو (التقديم ) من أحوال أربع =
    الأول – ما يفيد زيادة في المعنى مع تحسين في اللفظ وذلك هو الغاية القصوى، واليه المرجع في فنون البلاغة – والكتاب الكريم هو العمدة في هذا، انظر إلى قوله تعالى (وجوه يومئذ ناضرة إلى ربها ناظرة) تجد ان لتقديم الجار في هذا قد أفاد التخصيص وأن النظر لا يكون إلا لله، مع جودة الصياغة وتناسق السجع .
    الثاني – ما يفيد زيادة في المعنى فقط نحو (بل الله فاعبد وكن من الشاكرين ) فتقديم المفعول في هذا لتخصيصه بالعبادة، وأنه ينبغي ألا تكون لغيره، ولو أخر ما أفاد الكلام ذلك.
    الثالث – ما يتكافأ فيه التقديم والتأخير وليس لهذا الضرب شيء من الملاحة كقوله
    وكانت يدى ملأى به ثم اصبحت «بحمد إلهي» وهي منه سليب
    فتقديره: ثم أصبحت وهي منه سليب بحمد إلهي.
    الرابع – ما يختل به المعنى ويضطرب، وذلك هو التعقيد اللفظي – أو المعاظلة التي تقدمت، كتقديم الصفة على الموصوف، والصلة على الموصول، أو نحو ذلك من الانواع التي خرجت عن الفصاحة – ومنها قول الفرزدق .
    إلى ملك ما أمه من محارب أبوه ولا كانت كليب تصاهره
    فتقديره: إلى ملك أبوه ما أمه من محارب، أي ما أم أبيه منهم، ولا شك أن هذا لا يفهم من كلامه للنظرة الأولى، بل يحتاج إلى تأمل وتريث ورفق، حتى يفهم المراد منه.
    ([243]) قيل (الحيوان) هو الانسان – و (الجماد ) الذي خلق منه هو النطفة . وحيرة البرية فيه هو الاختلاف في إعادته للحشر – وهو يريد أن الخلائق تحيرت في المعاد الجسماني، يدل لذلك قوله قبله
    بان أمر الآله واختلف الناس فداع إلى ضلال وهادي
    ([244]) بشرط أن تكون أداة العموم غير معمولة للفعل الواقع بعدها كما مثل – فان كانت معمولة للفعل بعدها: سواء تقدمت لفظا أو تأخرت، نحو: كل ذنب لم أصنع – ولم آخذ كل الدراهم، أفاد الكلام سلب العموم ونفى الشمول غالباَ .
    ([245]) وذلك يكون في ثلاثة مواضع:
    الأول – ان يكون المسند اليه معرفة ظاهرة بعد نفي، نحو: ما فؤاد فعل هذا .
    الثاني – أن يكون المسند اليه معرفة مضمرة بعد نفي، نحو: ما أنا قلت ذلك.
    الثالث – أن يكون المسند إليه نكرة بعد نفي، نحو: ما تلميذ حفظ الدرس .
    ([246]) وذلك في ستة مواضع
    الأول – ان يكون المسند اليه معرفة ظاهرة قبل نفي، نحو فؤاد ما قال هذا .
    الثاني – أن يكون المسند اليه معرفة ظاهرة مثبتة، نحو ع باس أمر بهذا .
    الثالث – ان يكون المسند اليه معرفة مضمرة قبل نفي، نحو انا ما كتبت الدرس .
    الرابع – أن يكون المسند اليه معرفة مضمرة مثبتة، نحو أنا حفظت درسي.
    الخامس – أن يكون المسند اليه نكرة قبل نفي، نحو رجل ما قال هذا
    السادس – أن يكون المسند اليه نكرة مثبتة، نحو تلميذ حضر اليوم في المدرسة واعلم أن ما ذكرناه هو مذهب عبد القاهر الجرجاني وهو الحق، وخالفه السكاكي .
    ([247]) فان قيل: لماذا اشترط أن يكون المسند فعلا، وهل إذا كان المسند وصفا مشتملا على ضمير نحو: أنت بخيل – لم يكن كالفعل في إفادة التقوية.
    أقول: لما كان ضمير الوصف لا يتغير: تكلما، وخطايا، وغيبة، فهو شبيه بالجوامد وكانت تقويته قريبة من الفعل، لا مثلها تماماً .
    ([248]) وانما ذكر المسند بعد المسند اليه لأن المسند محكوم به – والمسند اليه محكوم عليه، والمحكوم به مؤخر عن المحكوم عليه طبعا – فاستحق ذلك الترتيب وضعا.
    ومبحث الذكر: لم يتعرض له كثير كأبي هلال العسكري، والامام عبد القاهر ولعله يتعلق كثيرا بالنحو: لا بالبلاغة.
    ([249]) على أن التعريف بلام الجنس لا يفيد أحيانا القصر – كقول الخنساء:
    إذا قبح البكاء على قتيل وجدت بكاءك الحسن الجميل
    فالخنساء: لا تقصد قصر الجنس على بكاء قتيلها، ولكنها تريد أن تثبت له، وتخرجه من جنس بكاء غيره من القتلى – فهو ليس من القصر في شيء
    ([250]) قدم حرف النفي وهو «ما» على لفظ العموم وهو (كل) ليدل على عموم السلب – والمعنى لا يكفيك جميع ما على الأرض إذا كنت طامعا.
    ([251]) إذا كان المسند فعلا منفياً ووسط المسند اليه بين الفعل وحرف النفي كما في هذا المثال وهو (ما أنا قلت ) دل ذلك على التخصيص، والمعنى لست القائل لذلك الشعر وحدي، بل شاركني فيه غيري . ولذلك يعد من الخطأ الذي لا يستقيم معه معنى، أن تقول ما أنا فعلت هذا، ولا غيري، لأن معنى ما أنا فعلت – يفيد من نفسه نفي الفعل عنك وثبوته لغيرك – فقولك ولا غيري، يكون تناقضاً كما سبق بيانه .
    ([252]) قدم الجار والمجرور في قوله (بالحلم سد ) ليدل على التخصيص – أي أنك تسود بالحلم لا بغيره، وكذا إذا تقدم الظرف، وما أشبههما، مما رتبته التأخير: كما سلف .
    ([253]) قدم العدد وهو ثلاثة وأخر المعدود ليشوق اليه، لان الانسان إذا سمع العدد مجموعا يشتاق إلى تفصيل آحاده.
    ([254]) قدم الجار والمجرور بعد الاستفهام في قوله أفي الحق أن يعطي – ليدل على أن ذلك المقدم هو محط الانكار فتحليل المعنى: أنه لا ينكر الاعطاء، ولكنه ينكر أن يعد ذلك حقا وصوابا مع حرمانه هو .
    ([255]) قدم أداة العموم على أداة السلب في قوله (كل ليس يعدو ) ليدل على عموم السلب – أي أن الناس واحداً واحداً يشملهم حكم الموت ولا مفر منه .
    ([256]) قدم المفعول على الفعل في قوله (الله فاعبد) ليدل على التخصيص أي أعبد الله ولا تعبد غيره.
    ([257]) قدم الجار والمجرور على الفعل في قوله (بك اقتدت ) ليدل على التخصيص أي أن الاقتداء كان بك لا بغيرك.
    ([258]) الاطلاق والتقييد: وصفان للحكم، فالأطلاق أن يقتصر في الجملة على ذكر (المسند والمسند إليه) حيث لا غرض يدعو إلى حصر الحكم، ضمن نطاق معين بوجه من الوجوه – نحو: الوطن عزيز، والتقييد أن يزاد على المسند والمسند إليه شيء يتعلق بهما، أو بأحدهما، مما لو أغفل لفاتت الفائدة المقصودة، أو كان الحكم كاذباً نحو: الولد النجيب يسر أهله.
    ([259]) اعلم أن التقييد: يكون لتمام الفائدة، لما تقرر من أن الحكم كلما زاد قيده زاد خصوصية، وكلما زاد خصوصية زادت فائدته، لا فرق بين مسند إليه أو مسند أو غيرهما، كما لا فرق بين تقييده بالتوابع – أو غيرها.
    ([260]) يكفي في التوضيح: أن يوضح الثاني الأول، عند الاجتماع، وإن لم يكن أوضح منه عند الانفراد، نحو عليّ زين العابدين، ونحو: عسجد ذهب.
    ([261]) قد تجىء الفاء للتعقيب في الذكر: دون الزمان – إما مع ترتيب ذكر الثاني على الأول: كما في تفصيل الاجمال في قوله تعالى: «ونادى نوح ربه فقال رب إن ابني من أهلي» – ونحو قوله تعالى: «ادخلوا أبواب جهنم خالدين فيها فبئس مثوى المتكبرين» وإما بدون ترتيب: وذلك عند تكرير اللفظ الأول – نحو: بالله – فبالله وقد تجىء ثم للتراخي في الذكر: دون الزمان – إما مع الترتيب المذكور نحو:
    ان من ساد ثم ساد أبوه ثم ساد قبل ذلك جده
    ونحو: هو الكلب وابن الكلب والكلب جده ولا خير في كلب تناسل من كلب
    فان الغرض ترتيب درجات حال الممدوح في البيت الأول، فابتدأ بسيادته، ثم بسيادة أبيه، ثم بسيادة جده، وإما بدون ترتيب، نحو: «وما أدراك ما يوم الدين ثم ما أدراك ما يوم الدين» .. ولاستبعاد مضمون جملة عن مضمون جملة أخرى، نحو: «ثم انشأناه خلقا آخر» فنزلوا الترتيب في هذه الأمور منزلة الترتيب الزماني، المستفاد منها باصل الوضع، وإذا يكون استعمالها في هذه الأمور مجازاً
    ([262]) لكن الحق الذي عليه الجمهور: أن بدل الغلط لا يقع في كلام البلغاء.
    ([263]) فالجملة تنعقد من الاسم والخبر – أو من المفعولين اللذين أصلهما مبتدأ وخبر ويكون الناسخ قيداً – فاذا قلت، رأيت الله أكبر كل شيء، فمعناه (الله أكبر كل شيء على وجه العلم واليقين، وهكذا.
    ([264]) ولذا: لا يقال إن طلعت الشمس أزرك: لأن طلوع الشمس مقطوع بوقوعه، وإنما يقال إذا طلعت الشمس أزورك – قال أبو تمام
    إن يكن في الأرض شيء حسن فهو في دور بني عبد الملك
    ([265]) قال السكاكي: قد يقيد الفعل بالشرط لاعتبارات تستدعى التقييد به ولا يخرج الكلام تقيييده به عما كان عليه من الخبرية والانشائية – فالجزاء إن كان خبرا: فالجمة خبرية نحو إن جئتني أكرمك أي أكرمك لمجيئك، وإن كان إنشاء فالجملة انشائية، نحو إن جاءك خليل فأكرمه، أي أكرمه وقت مجيئه، فالحكم عنده في الجمل المصدرة بأن وأمثالها في الجزاء، وأما نفس الشرط فهو قيد للمسند فيه، وقد خرجته الأداة عن الخبرية واحتمال الصدق والكذب.
    ([266]) أي ففيه تغليب لمن لم يقطع له بالسفر على من قطع له به، فاستعملت (إن) في المجزوم: وهو من قطع له به بسبب تغليبه على من لم يقطع له به – وهذا السبب مساغ لذكر (إن) – واعلم أن التغليب (الذي هو أن يعطى أحد المصطحبين، أو المتشاكلين حكم الآخر) باب واسع يجري في أساليب كثيرة لنكات عديدة، سمحت بها المطولات في هذا المقام، واعلم أيضاً: أن المقصود بالذات من جملتي الشرط والجواب: هو جملة الجواب فقط، وأما جملة الشرط فهي قيد لها، فاذا قلت إن زارني سليم أكرمته فالمقصود أنك ستكرم سليما، ولكن في حال زيارته لك، فتعد الجملة اسمية أو فعلية أو خبرية أو إنشائية: باعتبار الجواب كما سبق توضيحه مفصلا: فارجع إليه إن شئت
    ([267]) وقد تستعمل (إن) في غير الاستقبال لفظا ومعنى – وذلك فيما إذا قصد بها تعليق الجزاء على حصول الشرط الماضي حقيقة كقول أبي العلاء المعري
    فيا وطني إن فاتني بك سابق من الدهر فلينعم بساكنك البال
    وقد تستعمل (إذا) أيضا في الماضي حقيقة نحو: «حتى إذا ساوى بين الصدفين» وللاستمرار نحو: «وإذا لقوا الذين آمنوا قالوا آمنا» .
    ([268]) أي امتنع عنتكم، أي وقوعكم في جهد وهلاك بسبب امتناع استمراره فيما مضى على اطاعتكم.
    ([269]) نزل وقوفهم على النار في يوم القيامة منزلة الماضي: فاستعمل فيه (إذ ) ولفظ الماضي وحينئذ فكان الظاهر أن يقال (ولو رأيت ) بلفظ الماضي – لكن عدل عنه إلى المضارع تنزيلا للمستقبل الصادر عمن لا خلاف في خبره، منزلة الماضي الذي علم وتحقق معناه – كأنه قيل: قد انقضى هذا الأمر وما رأيته – ولو رأيته لرأيت أمرا فظيعا
    ([270]) أي ما لم يكن تعلق فعل المشيئة بالمفعول غريبا كقوله
    فلو شئت أن أبكى دما لبكيته عليه ولكن ساحة الصبر أوسع
    وأعددته ذخراً لكل ملمة وسهم المنايا بالذخائر أولع
    فان تعلق فعل المشيئة ببكاء الدم غريب فلذا لم يحذف المفعول ليتقرر في نفس السامع .
    ([271]) هذا التعميم وإن أمكن بذكر المفعول على صيغة العام، لكن يفوت الاختصار المطلوب .
    ([272]) أي ما يرادفها في المعنى كالارادة والمحبة .
    ([273]) أي فالغرض مجرد إثبات العلم ونفيه، بدون ملاحظة تعلقه بمعلوم عام أو خاص – والمعنى: لا يستوي من ثبتت له حقيقة العلم، ومن لم تثبت له، فلو قدر له مفعول، وقيل: هل يستوي الذين يعلمون الدين، والذين لا يعلمونه، لفات هذا الغرض
    ([274]) وذلك لان المناسب لقمام عرض العبادة له تعالى تخصيصها به، لا مجرد الإخبار بأن العبادة له، فاستفادة التخصيص من التقديم إنما هي بحسب المقام، لا بأصل الوضع .
    ([275]) لأن الجائزة مأخوذة، والآخذ لها الوزير الذي فيه معنى الفاعلية التي تستدعي حق التقدم .
    ([276]) ومن طرق القصر التي ليست مشهورة الاستعمال لفظ: وحده، أو: فقط. أو: لا غير، أو: ليس غير، أو: مادة الاختصاص، أو: مادة القصر، أو: توسط ضمير الفصل، أو: تعريف المسند اليه أو: تقديم المسند اليه على خبره الفعلي أحياناً، وغير ذلك وهذه الطرق خالية من اللطائف البلاغية وقد أوصلها (جلال الدين السيوطي) في كتابه (الاتقان في علوم القرآن) إلى أربعة عشر طريقا.
    أهمها الطرق الأربعة المشهورة الاستعمال – وهي تختلف مع بعضها من أوجه كثيرة .
    منها – أن (لا ) العاطفة لا تجتمع مع النفي والاستثناء: لأن شرط المنفي بها لا يكون منفيا صريحاً قبلها بغيرها فلا تقول: ما عليّ إلا مجتهد لا متكاسل – ولذا عيب على الحريري قوله.
    لعمرك ما الانسان إلا ابن يومه على ما تحلى


    _________________


    قناتي على موقع يوتيوب :
    https://www.youtube.com/channel/UCm8N-tHwIFM7hPnwtLrBMpg
    مدونتي:
    https://ahmed26413.blogspot.com.eg/

    أحمد
    إدارة ثمار الأوراق
    إدارة ثمار الأوراق

    عدد الرسائل : 16657
    الموقع : القاهرة
    نقاط : 38587
    تاريخ التسجيل : 17/09/2008

    رد: جواهر البلاغة في المعاني والبيان والبديع للسيد أحمد الهاشمي

    مُساهمة من طرف أحمد في السبت أبريل 13, 2013 5:35 am


    ([395]) يريد الشاعر وصف العقاب بكثرة اصطياده الطيور – فشبه الطري من قلوب الطير بالعتاب – واليابس منها بالحشف البالي والعناب شجر له حب كحب الزيتون، وأحسنه الأحمر الحلو.
    ([396]) ففيه التشبيه الملفوف حيث جمع في الشطر الأول صنيع الخير، ومعرفته، وهما متلازمان – ثم أتى في الشطر الثاني بالمشبه بهما أعنى وقود الشمع والنظر إلى نوره.
    ([397]) امرأة فرعاء: كثيرة الشعر. وأسحم: اسود من سحم كتعب.
    ([398]) الميس: الرحل. والإنقاض: قيل صوت الفراريج الضئيل، وقيل صوت الحيوان والنقض صوت الموتان كالرحل، والفراريج: جمع فروج وهو فرخ الدجاجة. وتقدير البيت: كأن أصوات أواخر الميس من إيغالهن بنا إنقاض الفراريج.
    ([399]) المدام: الخمر، والصوب: من صاب المطر يصوب إذا انصب بكثرة ونزل، والخزامى: نبت طيب الرائحة. والعلل الشرب الثاني، يقال: علل بعد نهل.
    ([400]) رخيم الحواشي. مختصر الأطراف، والهراء (بضم الهاء) المنطق الكثير وقيل المنطق الفاسد الذي لا نظام له.
    ([401]) الثناء يشبه بالعطر، ولكنه اعتبر المعقول كأنه محسوس وجعله كالأصل لذلك المحسوس مبالغة، وتخيله شيئاً له رائحة، وشبه العطر به.
    ([402]) الدهان الجلد الأحمر.
    ([403]) الكشح: ما بين الخاصرة إلى الضلع (الأضلاع وآخرها) وهو من لدن السرة إلى المتن. الجديل الزمام المجدول من أدم. وقيل حبل من أدم، أو شعر في عنق البعير. ومخصر: دقيق. السقي: البردي واحده سقية. المذلل الذي ذلل بالماء حتى طاوع كل من مد إليه يده. قال الوزير أبو بكر عاصم بن أيوب في شرحه لديوان امرئ القيس: شبه كشح المرأة بالزمام في اللين والتثني واللطافة. وشبه ساقها ببردي قد نبت تحت نخل، والنخل تظلله من الشمس. والوجه بالبياض.
    ([404]) الأراك شجر من الحمض يستاك بقضبانه، واحدته أراكة، وجمعها أرائك.
    ([405]) العيس، كرام الابل ن وقيل: الابل البيض، يخالط بياضها شقره، أو ظلمة خفية، والاطلال جمع طلل وهو الشاخص من آثار الديار، والرسم ما كان لاصقاً بالأرض من آثار الديار، وأخلاق، جمع خلق (بفتح اللام) وهو الثوب البالي، والمسلسل، الرقيق – من تسلسل الثوب لبس حتى رق.
    ([406]) الفجاج جمع فج الطريق الواسع الواضح بين جبلين، والكفة: ما يصاد به (الشبكة) والحابل الصياد.
    ([407]) الصدغ (بضم الصاد) ما بين العين والأذن، والشعر المتدلى على هذا الموضع هو المراد هنا، والثغر تطلق على الفم، وعلى الأسنان في منابتها- والمراد الثاني.
    ([408]) الأغيد، الناعم البدن، والمجدول، المطوي غير المسترخي – والمراد لازمه، وهو ضامر البطن والخصرتين، والوشاح شبه قلادة ينسج من جلد عريض يرصع بالجواهر تشده المرأة في وسطها أو على المنكب الأيسر معقوداً تحت الأبط الأيمن للزينة، والمنضد، المنظم، والبرد، حب الغمام، والاقاح بفتح الهمزة وضما نبات له زهر أبيض، في وسطه كتلة صغيرة صفراء، واوراق زهره مفلجة صغيرة، واحدته قحوانة (بضم القاف).
    ([409]) إما «حقيقة» كالبأس في قولك «زيد كالأسد» وإما «تخيلاً» كما في قوله:
    يا من له شعر كحظي أسود جسمي نحيل من قراقك أصفر
    فان وجه الشبه فيه بين الشعر والحظ هو السواد. وهما يشتركان فيه، لكنه يوجد في المشبه تحقيقا. ولا يوجد في المشبه به الا على سبيل التخييل، لانه ليس من ذوات الألوان: ثم اعلم أن وجه الشبه، إما داخل في حقيقة الطرفين وذلك في تشبه ثوب بآخر، في جنسهما أو نوعهما أو فصلهما كقولك هذا القميص مثل ذلك في كونهما كتاناً أو قطناً، وإما خارج عن حقيقتهما وهو ما كان صفة لهما «حقيقة» وهي قد تكون حسية كالحمرة في تشبيه الخد بالورد، وقد تكون عقلية كالشجاعة في تشبيه الرجل بالأسد، أو «إضافية» وهي ما ليست هيئة متقررة في الذات، بل هي معنى متعلقاً بها كالجلاء في تشبيه البينة بالصبح. ثم إن وجه التشبيه قد يكون واحداً وقد يكون بمنزلة الواحد «لكونه مركباً من متعدد» وقد يكون متعدداً، وكل من ذلك قد يكون حسياً وقد يكون عقلياً.
    «أما الواحد» فالحسي منه كالحمرة في تشبيه الخد بالورد، والعقلي كالنفع في تشبيه العلم بالحياة.
    «وأما المركب»: فالحسي منه قد يكون مفرد الطرفين، كما في قوله:
    وقد لاح في الصبح الثريا كما ترى كعنقود ملاحية حين نورا
    فان وجه الشبه فيه هو الهيئة الحاصلة من التئام الحبب البيض الصغيرة المستديرة المرصوص بعضها فوق بعض على الشكل المعلوم. وكلا الطرفين مفرد، وهما الثريا والعنقود. وقد يكون مركب الطرفين كما في قوله:
    والبدر في كبد السماء كدرهم ملقى على ديباجة زرقاء
    فإن وجه الشبه فيه هو الهيئة الحاصلة من طلوع صورة بيضاء مشرقة مستديرة في رقعة زرقاء مبسوطة، وكلا الطرفين مركب أولهما من البدر والسماء، والثاني من الدرهم والديباجة. وقد يكون مختلف الطرفين كقوله:
    وحدائق لبس الشقيق نباتها كالأرجوان منقطاً بالعنبر
    فإن وجه الشبه هو الهيئة الحاصلة من انبساط رقعة حمراء قد نقطت بالسواد منثوراً عليها. والمشبه مفرد وهو الشقيق. والمشبه به مركب من الأرجوان والعنبر. وكقوله:
    لا تعجبوا من خاله في خده كل الشقيق بنقطة سوداء
    فان وجه الشبه فيه هو الهيئة الحاصلة من طلوع نقطة سوداء مستديرة في وسط رقعة حمراء مبسوطة، والمشبه مركب من الخال والخد، والمشبه به مفرد وهو الشقيق والعقلي من المركب كما في قوله:
    المستجير بعمرو عند كربته كالمستجير من الرمضاء بالنار
    فان وجه الشبه فيه هو الهيئة الحاصلة من الالتجاء من الضار إلى ما هو أضر منه طمعا في الانتفاع به – ووجه الشبه مركب من هذه المتعددات في الجميع، والرمضاء الأرض التي اسخنتها حرارة الشمس الشديدة، والمراد (بعمرو) هنا هو جساس ابن مرة البكرى، يقال أنه لما رمى كليب بن ربيعة التغلبي وقف على رأسه فقال له: (يا عمرو) أغثى بشربة ماء – فأتم قتله، واما المتعدد – فالحسى منه كما في قوله
    مهفهف وجنتاه كالخمر لونا وطعما
    والعقلى: كالنفع والضرر في قوله:
    طلق شديد البأس راحته كالبحر فيه النفع والضرر
    فان وجه الشبه فيهما متعدد وهو اللون والطعم في الأول – والنفع والضرر في الثاني – وقد يجىء المتعدد مختلفا كما في قوله
    هذا أبو الهيجاء كالسيف في الرونق والمضاء
    فان وجه الشبه فيه هو الرونق وهو حسي – والمضاء وهو عقلي، وأبو الهيجاء لقب عبد الله بن حمدان العدوى، والهيجاء من أسماس الحرب
    والعلم أن الحسي لا يكون طرفاه إلا حسييين – واما العقلى: فلا يلزمه كونهما عقليين لأن الحسي يدرك بالعقل، خلافا للعقلى فانه لا يدرك بالحس .
    ([410]) يقرع: يضرب
    ([411]) الانس محركة: من تأنس به جمعه آناس، ولغة في الانس بالكسر، والمحل الجدب.
    ([412]) الحاجب المانع والبوتقة الوعاء الذي يذيب فيه الصائغ الذهب.
    ([413]) قضب جمع قضيب وهو السيف القطاع.
    ([414]) الكواكب هنا السيف .
    ([415]) الطل المطر الضعيف والجلنار زهر الرمان واحدته جلناره (فارسي معرب)
    ([416]) لما ادعى أنه ليس منهم مع إقامته بينهم، وكان ذلك يكاد يكون مستحيلا في مجرى العادة، ضرب لذلك المثل بالذهب، فان مقامه في التراب، وهو أشرف منه .
    ([417]) الديباجتان الخدان، والسرمد الدائم.
    ([418]) (التشبيه ) يفيد التفاوت، وأما (التشابه ) فيفيد التساوي بلفظ تشابه، وتماثل وتشاكل، وتساوى، وتضارع، وكذا بقولك: كلاهما سواء – لا بما كان له فاعل ومفعول به: مثل شابه، وساوى، فان في هذا الحاق الناقص بالزائد .
    ([419]) وقد يليها غير المشبه به إذا كان التشبيه مركبا – أي هيئة منتزعة من متعدد وذكر بعد الكفاف بعض ما تنتزع منه تلك الهيئة كقوله تعالى (واضرب لهم مثل الحياة الدنيا كماء أنزلناه من السماء فاختلط به نبات الأرض فأصبح هشيما تذروه الرياح ) فان المراد تشبيه حال الدنيا في حسن نضارتها وبهجة روائها في المبدأ، وذهاب حسنها وتلاشي رونقها شيئاً فشيئاً في الغاية، بحال النبات الذي يحسن من الماء، فتزهو خضرته، ثم يبس شيئاً فشيئاً، ثم يتحكم فتطيره الرياح، فيصير كأن لم يكن شيئاً مذكوراً، بجامع الهيئة الحاصلة في كل من حسن واعجاب ومنفعة، يعقبها التلف والعدم.
    ([420]) وسمى مرسلا: لارساله عن التأكيد .
    ([421]) الأصيل الوقت بين العصر إلى المغرب – واللجين الفضة .
    ([422]) ومن التشبيه البليغ أن يكون المشبه به مصدراً مبيناً للنوع نحو: أقدم الجندي إقدام الأسد، وراغ المدين روغان الثعلب، ومنه أيضاً إضافة المشبه به المشبه، نحو لبس فلان ثوب العافية، ومنه أيضاً أن يكون المشبه به حالا نحو: حمل القائد على أعدائه أسداً
    ([423]) والتشبيه لهذا الغرض يكثر في العلوم والفنون لمجرد البيان والايضاح، فلا يكون فيه حينئذ أثر للبلاغة لخلوه من الخيال وعدم احتياجعه إلى التفكير، ولكنه لا يخلو من ميزة الاختصار في البيان، وتقريب الحقيقة إلى الأذهان، كقوله: الأرض كالكرة .
    ([424]) ويكثر في تشبيه الأمور المعنوية بأخرى تدرك بالحس: نحو التعلم في الصغر كالنقش في الحجر.
    ([425]) تنافر القلوب وتوادها من الأمور المعنوية، ولكن الشاعر نظر إلى ما في المشبه به من قوة الظهور والتمام، فانتقل بالسامع من تنافر القلوب الذي لا ينتهي إذا وقع، إلى كسر الزجاجة الذي لا يجبر إذا حصل، فصور لك الأمر المعنوي بصورة حسية .
    ([426]) أي أنه لا استغراب في فوقانك للانام مع أنك واحد منهم – لأن لك نظيراً وهو (المسك) فانه بعض دم الغزال وقد فاق على سائر الدماء – ففيه تشبيه حال الممدوح بحال المسك تشبيها ضمنيا – والتشبيه الضمني هو تشبيه لا يوضع فيه المشبه والمشبه به في صورة من صور التشبيه المعروفة، بل يلمحان في التركيب لافادة أن الحكم الذي أسند إلى المشبه ممكن، نحو: المؤمن مرآة المؤمن .
    ([427]) الحمولة ما يحمل فيه ويوضع والمقصد من التشبيه وجود شيء أسود داخل أبيض واعلم أن التشبيه يعود فيه الغرض إلى المشبه يكون وجه شبهه أتم وأعرف في المشبه به، منه في المشبه، كما في السكاكي، وعليه جرى أبو العلاء المعري في قوله (ظلمناك في تشبيه صدغيك بالمسك) وقاعدة التشبيه نقصان ما يحكى – وشراح التلخيص اشترطوا الأعرفية ولم يشترطوا الاتمية، وفي المطول والأطول ما يلفت النظر – فارجع اليهما .
    ([428]) التشبيه المقلوب: ويسمى المنعكس، هو ما رجع فيه وجه الشبه إلى المشبه به وذلك حين يراد تشبيه الزائد بالناقص ويلحق الأصل بالفرع للمبالغة، وهذا النوع جار على خلاف العادة في التشبيه، ووارد على سبل الندور وانما يحسن في عكس المعنى المتعارف كقول البحتري
    في طلعة البدر شيء من محاسنها وللقضيب نصيب من تثنيها
    والمتعارف تشبيه الوجوه الحسنة بالبدور، والقامات بالقضيب في الاستقامة، والتثنى لكنه عكس ذلك مبالغة – هذا إذا أريد الحاق كامل بناقص في وجه الشبه، فان تساويا حسن العدول عن (التشبيه) إلى الحكم (بالتشابه ) تباعداً واحترازا من ترجيح أحد المتساويين على الآخر، كقول أبي اسحاق الصابي
    تشابه دمعي اذ جرى و مدامتي فمن مثل ما في الكأس عيني تسكب
    فو الله ما أدرى أبا لخمر أسلبت جفوني أم من عبرتي كنت أشرب
    وكقول الصاحب بن عباد
    رق الزجاج وراقت الخمر فتشابها وتشاكل الامر
    فكأنما خمر ولا قدح وكأنما قدج ولا خمر .
    ([429]) يقرب من هذا النوع ما ذكره الحلبي في كتاب حسن التوسل وسماه «تشبيه التفضيل» وهو أن يشبه شيء بشيء لفظاً أو تقديراً، ثم يعدل عن التشبيه لادعاء أن المشبه أفضل من المشبه به – كقوله:
    حسبت جمالها بدراً منيراً وأين البدر من ذاك الجمال
    ([430]) فالحميري أراد أن يوهم أن وجه الخليفة أتم من غرة الصباح اشراقا ونورا
    ([431]) فالبحتري أراد أن يوهم أن يد الخليفة أقوى تدفقاً بالعطاء من البركة بالماء .
    ([432]) الطل، الندى .
    ([433]) الحندس: الظلام.
    ([434]) النطع: بساط من جلد .
    ([435]) الدنف: من برح به العشق .
    ([436]) المعهد: المنزل الذي إذا نأى عنه القوم رجعوا إليه.
    ([437]) بان: فارق .
    ([438]) التشبيه مع ما فيه من ميزة الايجاز في اللفظ يفيد المبالغة في الوصف، ويخرج الخفي إلى الجلي والمعقول إلى المحسوس، ويجعل التافه نفيساً، والنفيس، تافها ويدني البعيد من القريب، ويزيد المعنى وضوحا، وبكسبه تأكيدا، فيكون أوقع في النفس وأثبت، وله روعة الجمال والجلال.
    ([439]) هو السموءل بن حيان اليهودي، يضرب به المثل في الوفاء، وهو من شعراء الجاهلية، توفي سنة 62 ق . هـ .
    ([440]) هو أمير المؤمنين وخليفة المسلمين وأحد السابقين إلى الاسلام الأولين، اشتهر بعدله وتواضعه وزهده، وقد نصر الله به الاسلام وأعزه، وتوفي سنة 23 هـ .
    ([441]) هو الأحنف بن قيس من سادات التابعين، كان شهماً حليماً، عزيزاً في قومه إذا غضب غضب له مائة ألف سيف، لا يسألون لماذا غضب، توفى سنة 67 هـ .
    ([442]) هو قس بن ساعدة الأيادي، خطيب العرب قاطبة، ويضرب به المثل في البلاغة والحكمة .
    ([443]) حكيم مشهور آتاه الله الحكمة، أي الاصابة في القول والعمل .
    ([444]) رجل اشتهر بالعي، اشترى غز الامرة بأحد عشر درهما، فسئل عن ثمنه فمد أصابع كفيه يريد عشرة، وأخرج لسانه ليكملها أحد عشر، ففر الغزال، فضرب به المثل في العي .
    ([445]) هو لقب أبي الودعات يزيد بن ثروان القيسي، يضرب به المثل في الحمق .
    ([446]) هو غامد بن الحرث، خرج مرة للصيد فأصاب خمسة حمر بخمسة أسهم، وكان يظن كل مرة أنه مخطىء، فغضب وكسر قوسه، ولما أصبح رأى الحمر مصروعة والأسهم مخضبة بالدم، فندم على كسر قوسه، وعض على إبهامه فقطعها.
    ([447]) لقب رجل من بني هلال، اسمه مخارق، وكان مشهوراً بالبخل واللؤم.
    ([448]) شاعر مخضرم، كان هجاء مراً، ولم يكد يسلم من لسانه أحد، هجا امه وأباه، ونفسه، وله ديوان شعر، وتوفي سنة 30 هـ .
    ([449]) أقول: إن المخلوقات كلها تفتقر الى أسماء، يستدل بها عليها، ليعرف كل منها باسمه، من أجل التفاهم بين الناس، وهذا يقع ضرروة لا بد منها، فالاسم الموضوع بازاء المسمى هو حقيقة له – فاذا نقل الى غيره صار مجازا، واعلم أنه ليس لكل مجاز (حقيقة ) يتفرع عنها، فلفظ (الرحمن ) استعمل مجازاً في المنعم، ولم يستعمل في معناه الوضعي، وهو: الرقيق القلب، ولكن الغالب أن يتفرع المجاز عن الحقيقة .
    ([450]) العلاقة هي المناسبة بين المعنى المنقول عنه والمنقول اليه، وسميت بذلك: لان بها يتعلق ويرتبط المعنى الثاني بالأول، فينتقل الذهن من الأول للثاني – وباشتراط ملاحظة العلاقة، يخرج الغلط، كقولك: خذ هذا الكتاب، مشيراً إلى فرس مثلا، إذ لا علاقة هنا ملحوظة .
    ([451]) القرينة: هي الامر الذي يجعله المتكلم دليلا على أنه أراد باللفظ غير ما وضع له، فهي تصرف الذهن عن المعنى الوضعي، الى المعنى المجازي – وبتقييد القرينة بمانعة الخ خرجت (الكناية ) فان قرينتها لا تمنع من أرادة المعنى الأصلي – والقرينة إما لفظية – أو حالية، فاللفظية: هي التي يلفظ بها في التركيب – والحالية: هي التي تفهم من حال المتكلم، أو من الواقع
    وأما القرينة التي تعين المراد من المجاز، فليست شرطا، واعلم أن كلا من المجاز والكناية في حاجة الى قرينة، ولكنها في المجاز مانعة، وفي الكناية غير مانعة .
    ([452]) سمى (مرسلا) لاطلاقه عن التقييد بعلاقة واحدة مخصوصة، بل له علاقات كثيرة، واسم العلاقة يستفاد من وصف الكلمة التي تذكر في الجملة – وليس المقصد من العلاقة إلا بيان الارتباط والمناسبة، فالفطن يرى ما يناسب كل مقام، وقيل سمى (مرسلا) لأنه أرسل عن دعوى الاتحاد المعتبرة في الاستعارة
    ([453]) وكقول الشاعر: له أياد على سابغة أعدُّ منها ولا أعددها
    وكقوله: قامت تظللني من الشمس نفس أحب إلى من نفسي
    قامت تظللني ومن عجب شمس تظللني من الشمس
    فائدة: القصد من العلاقة: أنما هو تحقق الارتباط – والذكي يعرف مقال كل مقام، ثم ان (العلاقة) قيل تعتبر من جهة المعنى المنقول عنه، الذي هو الحقيقي – وقيل تعتبر من جهة المعنى المنقول اليه، لأنه المدار – وقيل تعتبر من جهتهما، رعاية لحقيهما.
    واعلم أن اللفظ الواحد: قد يكون صالحاً بالنسبة الى معنى واحد، لأن يكون مجازا مرسلا، واستعارة باعتبارين.
    ([454]) سعى عقليا، لأن النجوز فيهم من (العقل ) لا من (اللغة) كما في المجاز اللغوي .
    ([455]) أبا المسك: كنية كافور الاخشيدي، والبيض السيوف، يقول: أرجو منك أن تنصرني على أعدائي، وأن توليني عزاً أتمكن به منهم، وأخضب سيوفي بدمائهم .
    ([456]) يقول: وأرج أن أبلغ بك يوماً يغتاظ فيه حسادى، لما يرون من إعظامك لقدرى، وكذلك أرجو أن أبلغ بك حالة تساعدني على الانتقام منهم، فأتنعم بشقائي في حربهم .
    ([457]) يعوذها يحصنها، ورقية ما يرقى بها الانسان من عين حاسد.
    ([458]) يجوز أن تكون «عاصم» مستعملة في حقيقتها، ويكون المغنى: لا شيء يعصم الناس من قضاء الله إلا من رحمه الله منهم، فانه تعالى هو الذي يعصمه .
    ([459]) في قوله أهلكنا الليل والنهار، مجاز عقلي، علاقته السببية، فقد نسب الاهلاك الى الليل والنهار، مع ان فاعله هو الله تعالى، وهذان سببان فيه .
    ([460]) في قوله منزل عامر بنعم الله، مجاز عقلي، علاقته المفعولية، اذ قد اسند اسم الفاعل الى المفعول في المعنى .
    ([461]) في قوله أنشأ وزير المعارف عدة مدارس، مجاز عقلي: علاقته السببية، اذ نسب الانشاء الى الوزير – وهو السبب فقط .
    ([462]) في قوله مشرب عذب، نسب العذوبة الى المكان، لا الى الماء مجاز، لعلاقة المكانية
    ([463]) العصبية والشديدة: خطوب اليوم وحوادثه، لا هو: فوصفه بذلك وصف للزمان، فهو مجاز: علاقته الزمانية.
    ([464]) ستج الربح الى التجارة، والرابح هو صاحبها، لا هي: فهو مجاز: علاقته المفعولية .
    ([465]) المجاز المرسل: يوسع اللغة، ويعين على الافتنان في التعبير، ويساعد الكاتب والخطيب على ايراد المعنى الواحد بصور مختلفة، وقد تدعو اليه: كما في (الطراز ) حلية لفظية، من تقفية، أو ضرورة شعرية، أو مشاكلة، أو اختصار، أو خفة في لفظه، وكثيراً ما يكون الداعي اليه راجعاً إلى المعنى.
    ([466]) الانافي عظيم الانف – عن البلاغة الواضحة .
    ([467]) تمطى تمدد، والصلب عظم في الظهر من لدن الكاهل إلى العجب، والعجز مؤخر الجسم، والكلكل الصدر، أو ما بين الترقوتين .
    ([468]) الأرزاء المصائب، والغشاء الغلاف، والنبال السهام .
    ([469]) النصال حدائد السهام .
    ([470]) فأصل الاستعارة: تشبيه حذف أحد طرفيه، ووجه شبهه، وأداته – ولكنها أبلغ منه، لان التشبيه مهما تناهى في المبالغة، فلا بد فيه من ذكر المشبه، والمشبه به وهذا اعتراف بتباينهما، وان العلاقة ليس الا التشابه والتداني، فلا تصل الى حد الاتحاد بخلاف الاستعارة ففيها دعوى الاتحاد والامتزاج، وان المشبه والمشبه به صارا معنى واحدا، يصدق عليهما لفظ واحد – فالاستعارة (مجاز لغوي) لا عقلي، علاقته المشابهة واعلم ان حسن الاستعارة «غير التخييلية» لا يكون الا برعاية جهات التشبيه وذلك بأن يكون وافياً بافادة الغرض منه، لأنها مبنية عليه، فهي تابعة له حسنا وقبحا.
    ([471]) يعني أن الاستعارة تقتضي ادخال المشبه في جنس المشبه به، ولذلك لا تكون علما، لان الجنس يقتضي العموم، والعلم ينافي ذلك بما فيه من التشخص، الا إذا كان العلم يتضمن وصفية قد اشتهر بها «كسحبان» المشهور بالفصاحة، فيجوز فيه ذلك، لأنه يستفيد الجنسية من الصفة نحو: سمعت اليوم سحبان، أي خطيبا فصيحا – وهلم جرا
    ([472]) (معنى تصريحية) أي مصرح فيها باللفظ الدال على المشبه به، المراد به المشبه وتسمى أيضاً تحقيقية، و (معنى مكنية) أي مخفى فيها لفظ المشبه به، استغناء بذكر شيء من لوازمه – فلم يذكر فيها من أركان التشبيه، سوى المشبه.
    ([473]) أي وهذا مذهب السلف، وكذا (الزمخشري) صاحب الكشاف، وأما مذهب (السكاكي) فظاهر كلامه يشعر بأن الاستعارة بالكناية لفظ المشبه أي كلفظ المنية في نحو «أظفار المنية نشبت بفلان» المستعمل في المشبه به، بادعاء أنه عينه وبيان ذلك: أنه بعد تشبيه معنى المنية، وهو الموت، بمعنى السبع – تدعى أن المشبه عين المشبه به، وحينئذ يصير للشبه به (فردان) – أحدهما حقيقي، والآخر ادعائي فالمنية: مراد بها السبع، بادعاء السبعية لها، وانكار أن تكون شيئا آخر غير السبع بقرينة اضافة الاظفار التي هي من خواص المشبه به وهو السبع – وأنكر (السكاكي ) (التبعية ) بمعنى أنها مرجوحة عنده – واختار ردها إلى قرينة المكنية – ورد قرينتها إلى نفس المكنية – ففي نطقت الحال مثلا، يقدر القوم: إن نطقت، استعارة تبعية واحلال قرينة لها – وهو يقول: إن الحال استعارة بالكناية، ونطقت قرينتها وفي كلامه من وجهين .
    (الأول ) إن لفظ المشبه، لم يستعمل إلا في معناه الحقيقي، فلا يكون استعارة .
    (الثاني ) أنه صرح بأن نطقت مستعارة للامر الوهمي، أي المتوهم اثباته للحال، تشبيها بالنطق الحقيقي، فيكون استعارة، والاستعارة في الفعل لا تكون إلا تبعية فيلزمه القول بالتبعية – وأجيب عنه بأجوبة تطلب من المطولات .
    وأما مذهب (الخطيب ) فانه يقول: أن الاستعارة بالكناية، هي التشبيه المضمر أركانه سوى المشبه المدلول عليه، باثبات لازم المشبه به للمشبه، ويلزم على مذهبه أنه لا وجه لتسميتها استعارة، لأن الاستعارة هي اللفظ المستعمل في غير ما وضع له لعلاقة المشابهة – أو استعمال اللفظ المذكور – والتشبيه غير ذلك: بل هو فعل من افعال النفس .
    (تنبيه ) المشبه: في مواد الاستعارة بالكناية، لا يجب أن يكون مذكوراً بلفظ المشبه به – فيجوز ذكره بغير لفظه، كأن يشبه شيء كالنحافة واصفرار اللون، بأمرين كاللباس، والطعم المر البشع، ويستعمل لفظ أحد الأمرين فيه، ويثبت له شيء من الوازم الآخر، كما في قوله تعالى (فاذاقها الله لباس الجوع والخوف ) فان شبه ما غشى الانسان عند الجوع والخوف من النحافة واصفرار اللون، باللباس، لاشتماله على اللابس واشتمال أثر الضرر على من به ذلك، فاستعير له اسمه – وشبه ما غشى الانسان عند الجوع، أي ما يدرك من أثر الضرر، باعتبار أنه مدرك من حيث الكراهية بما يدرك من الطعم المر البشع، حتى أوقع عليه الاذاقة – فتكون الآية مشتملة على تخييلا بالنسبة للمكنية، وتكون تجريداً بالنسبة إلى المصرحة، لانها تلائم المشبه، وهو النحافة والاصفرار، لانها مستعارة للاصابة – وكثرت فيها حتى جرت مجرى الحقيقة ـ ويقال شبه ما غشى الانسان عند الجوع والخوف من أثر الضرر، باللباس، بجامع الاشتمال في كل، واستعير اسم المشبه به للمشبه، على سبيل الاستعارة التصريحية وطريق اجراء الاستعارة الثانية، أن يقال شبه ما غشى الانسان عند الجوع والخوف من أثر الضرر، بالطعم المر البشع، بجامع الكراهة في كل، واستعير لفظ المشبه به للمشبه، ثم حذف واثبت له شيء من لوازمه وهو (الاذاقة) على سبيل الاستعارة المكنية، واثبات الاذاقة المتحقققة، واستعيرت المتحققة، للمتخيلة، على سبيل الاستعارة التخييلية، على مذهب (السكاكي ).
    ([474]) اعلم أن المذاهب في التخييلية أربعة
    (الأول) مذهب السلف، والخطيب: وهو أن جميع أفراد قرينة المكنية مستعملة في حقيقتها، والتجوز إنما هو في (الاثبات لغير ما هو له ) المسمى استعارة تخييلية، فهما متلازمان، وهي من المجاز العقلي.
    (الثاني ) مذهب السكاكي: وهو أن قرينة المكنية، تارة تكون تخييلية، أي مستعارة لأمر وهمي: كأظفار المنية، وتارة تكون تحقيقية، أي مستعارة لأمر محقق «كابلعي ماءك» وتارة تكون حقيقة «كأنبت الربيع البقل» فلا تلازم بين التخييلية والمكنية، بل يوجد كل منهما بدون الآخر – وقد استدل السكاكي: على انفراد التخييلية عن المكنية بقوله
    لا تسقني ماء الملام فانني صب قد استعذبت ماء بكائي
    فانه قد توهم: أن للملامة شيئا شبيهاً بالماء، واستعار اسمه له استعارة تخييلية غير تابعة للمكنية، ورده العلامة (الخطيب ) بأنه لا دليل له فيه، لجواز أن يكون فيه استعارة بالكناية، فيكون قد شبه الملام، بشيء مكروه، له ماء، وطوى لفظ المشبه به، ورمز اليه بشيء من لوازمه، وهو الماء، على طريق التخييل .
    وأن يكون من باب إضافة المشبه به إلى المشبه، والأصل لا تسقني الملام الشبيه بالماء وأيضا: لا يخفى ما في مذهب السكاكي من التعسف، أي الخروج عن الطريق الجادة، لما فيه من كثرة الاعتبارات – وذلك: أن المستعير يحتاج إلى أمر وهمي، واعتبار علاقة بينه وبين الأمر الحقيقي، واعتبار قرينة دالة على أن المراد من اللفظ، الأمر الوهمي، فهذه اعتبارات ثلاثة، لا يدل عليها دليل، ولا تمس إليها حاجة.
    (الثالث مذهب صاحب الكشاف) وهو أنها تكون تارة مصرحة تحقيقية، وتارة تكون تخييلية – أي مجازاً في الاثبات .
    (الرابع – مذهب صاحب السمرقندية) وهو مثل مذهب صاحب الكشاف غير أن الفرق بينهما: أن مدار الأقسام عند صاحب الكشاف على الشيوع، وعدمه وعند صاحب (السمرقندية) على الامكان وعدمه.
    (تنبيه) الفرق: بين ما يجعل قرينة للمكنية وبين ما يجعل نفسه تخييلا على مذهب السكاكي – أو استعارة تحقيقية: على مذهب صاحب الكشاف في بعض المواد، وعلى مختار (صاحب السمرقندية) كذلك – أو إثباته تخييلا على مذهب (السلف، وصاحب الكشاف) في بعض المواد – وعلى مختار صاحب السمرقندية ) كذلك – وبين ما يجعل زائداً عليها (قوة الاختصاص) أي الارتباط بالمشبه به – فأيهما أقوى ارتباطاً به فهو (القرينة) وما سواه (ترشيح ) – (وذلك ) كالنشب في قولك (مخالب المنية نشبت بفلان ) فان (المخالب) أقوى اختصاصاً وتعلقاً بالسبع، من (النشب ) لأنها ملازمة له دائماً، بخلاف النشب .
    ([475]) يقال في إجراء الاستعارة في الآية الأولى – شبهت الضلالة بالظلمة، بجامع عدم الاهتداء في كل، واستعير اللفظ الدال على المشبه به، وهو الظلمة، للمشبه وهو الضلالة، على طريق الاستعارة التصريحية الأصلية .
    ([476]) ويقال في إجراء الاستعارة في الآية الثانية 0- شبه الذل بطائر، واستعير لفظ المشبه به وهو الطائر، للمشبه وهو الذل – على طريق الاستعارة المكنية الأصلية ثم حذف الطائر، ورمز اليه بشيء من لوازمه، وهو الجناح .
    ([477]) مثال الاستعارة التصريحية في الفعل، نطقت الحال بكذا – وتقريرها أن يقال: شبهت الدلالة الواضحة، بالنطق، بجامع إيضاح المعنى في كل، واستعير النطق للدلالة الواضحة، واشتق من النطق بمعنى الدلالة الواضحة نطقت بمعنى دلت، على سبيل الاستعارة التصريحية التبعية – ونحو: (يحيي الأرض بعد موتها)، يقدر تشبيه تزيينها بالنبات ذي الخضرة والنضرة – بالأحياء بجامع الحسن أو النفع في كل – ويستعار الاحياء للتزيين، ويشتق من الاحياء بمعنى التزيين يحيى بمعنى يزين، استعارة تبعية لجريانها في الفعل تبعاً لجريانها في المصدر – هذا إذا كانت الاستعارة في الفعل باعتبار مدلول صيغته، أي (مادته وهو الحدث ) وأما إذا كانت باعتبار مدلول (هيئته وهو الزمن) كما في قوله تعالى (أتى أمر الله) فتقريرها أن يقال: شبه الاتيان في المستقبل، بالاتيان في الماضي، بجامع تحقق الوقوع في كل، واستعير الاتيان في الماضي للاتيان في المستقبل واشتق منه اتى بمعنى يأتى، على سبيل الاستعارة التصريحية التبعية – ونحو (ونادى أصحاب الجنة ) أي ينادي – شبه النداء في المستقبل، بالنداء في الماضي، بجامع تحقق الوقوع في كل، ثم استعير لفظ النداء في الماضي للنداء في المستقبل، ثم اشتق منه نادى بمعنى ينادى – ونحو قوله تعالى (من بعثنا من مرقدنا هذا ) ان قدر المرقد للرقاد مستعاراً للموت، فالاستعارة أصلية، وإن قدر لمكان الرقاد مستعاراً للقبر، فالاستعارة تبعية لانها في اسم المكان، فلا يستعار المرقد للقبر إلا بعد استعارة الرقاد للموت – ومثال الاستعارة في اسم الفاعل، لزيد قاتل عمراًَ، إذا كان عمرو مضروباً ضرباً شديداً – وإجراء الاستعارة فيهما أن يقال: شبه الضرب الشديد بالقتل بجامع شدة الايذاء في كل واستعير اسم المشبه به للمشبة، واشتق من القتل بمعنى الضرب الشديد قاتل أو مقتول، بمعنى ضارب أو مضروب، على سبيل الاستعارة التصريحية التبعية – ومثالها في الصفة المشبهة – هذا حسن الوجه، مشيراً إلى قبيحه – وإجراء الاستعارة فيه أن يقال – شبه القبح، بالحسن، بجامع تأثر النفس في كل، واستعير الحسن للقبح تقديراً، واشتق من الحسن بمعنى القبح حسن بمعنى قبيح، على سبيل الاستعارة التصريحية التبعية التهكمية ومثال الاستعارة في أفعل التفضيل – هذا أقتل لعبيده من زيد – أي أشد ضرباً لهم منه – ومثال اسم الزمان والمكان – هذا مقتل زيد – مشيراً إلى مكان ضربه أو زمانه – ومثال اسم الآلة – هذا مفتاح الملك: مشيراً إلى وزيره، واجراؤها أن يقال – شبهت الوزارة بالفتح للابواب المغلقة، بجامع التوسل إلى المقصود في كل، واستعير الفتح للوزارة، واشتق منه مفتاح بمعنى وزير – ومثال اسم الفعل المشتق – نزال، بمعنى انزل تريد به أبعد فتقول شبه معنى البعد، بمعنى النزول، بجامع مطلق المفارقة في كل واستعير لفظ النزول لمعنى البعد، واشتق منه نزال بمعنى أبعد – ومثال اسم الفعل غير لمشتق «صه» بمعنى اسكت عن الكلام، تريد به اترك فعل كذا – فتقول شبه ترك الفعل، بمعنى السكوت، واستعير لفظ السكوت لمعنى ترك الفعل، واشتق منه اسكت بمعنى اترك الفعل – وعبر بدل اسكت بصه – ومثال المصغر «رجيل» لمتعاطى ما لا يليق – ومثال المنسوب «قرشي» للمتخلق بأخلاق قريش وليس منهم، ومثال الاستعارة في الحرف قوله تعالى (فالتقطه آل فرعون ليكون لهم عدواً وحزناً ) واجراؤها أن يقال شبهت المحبة والتبنى، بالعداوة والحزن واللذين هما العلة الغائية للالتقاط بجامع مطلق الترتب، واستعيرت اللام من المشبه به للمشبه على طريق الاستعارة التصريحية التبعية، واعلم أن اللام لم تستعمل في معناها الأصلي وهو العلة، لأن علة التقاطهم له ان يكون لهم ابنا، وانما استعملت مجازاً (لعاقبة الالتقاط ) وهي كونه لهم عدواً، فاستعيرت العلة للعاقبة، بجامع أن كلا منهما مترتب على الالتقاط، ثم استعيرت اللام تبعا لاستعارتها، فالمستعار منه العلة، والمستعار له العاقبة، والترتب على الالتقاط هو الجامع، والقرينة على المجاز استحالة التقاط الطفل ليكون عدواً، وكقوله تعالى (ولأصلبنكم في جذوع النخل ) واجراؤها أن يقال شبه مطلق استعلاء بمطلق ظرفية بجامع التمكن في كل، فسرى التشبيه من الكليين للجزئيات التي هي معاني الحروف فاستعير لفظ «في» الموضوع لكل جزئي من جزئيات الظرفية، لمعنى «على» على سبيل الاستعارة التصريحية التبعية – ومثال المكنية التبعية في الاسم المشتق يعجبني أراقة الضارب دم الباغي، واجراء الاستعارة أن يقال شبه الضرب الشديد بالقتل، بجامع الايذاء في كل، واستعير القتل للضرب الشديد، واشتق من القتل قاتل بمعنى ضارب ضربا شديداً، ثم حذف وأثبت له شيء من لوازمه وهو الاراقة على سبيل الاستعارة المكنية التبعية – ومثالها في الاسم المبهم قولك لجليسك المشغول عنك، أنت مطلوب منك أن تسير إلينا الآن – شبه مطلق مخاطب بمطلق غائب فسرى التشبيه للجزئيات واستعير الثاني للأول، ثم استعير بناء على ذلك ضمير الغائب للمخاطب، وحذف وذكر المخاطب، ورمز إلى المحذوف بذكر لازمه، وهو طلب السير منه إليك، واثباته له تخييل .
    واعلم أن استعارة الاسماء المبهمة أعني الضمائر واسماء الاشارة والموصولات تبعية، لأنها ليست باسم جنس لا تحقيقاً ولا تأويلا – ولأنها لا تستقل بالمفهومية لأن معانيها لا تتم ولا تصلح لأن يحكم عليها بشيء ما لم تصحب تلك الألفاظ في الدلالة عليها ضميمة تتم بها – كالاشارة الحسية والصلة، والمرجع – فلابد أن تعتبر التشبيه أولا في كليات تلك المعاني الجزئية، ثم سريانه فيها لتبني عليه الاستعارة – مثلا في استعارة لفظ «هذا» لأمر معقول، يشبه المعقول المطلق في قبول التمييز بالمحسوس المطلق فيسرى التشبيه إلى الجزئيات فيستعار لفظ هذا من المحسوس الجزئي للمعقول الجزئي الذي سرى إليه التشبيه، فهي استعارة تبعية – والاستعارة في الضمير والموصول المؤنث – أو بموصولها عنه لشبهه بها، أو عكسه، فتشبه المذكر المطلق، بالمؤنث، كالتعبير عن المذكر بضمير المطلق، فيسرى التشبيه، فتستعير الضمير، أو الموصول، للجزء الخاص .
    ([478]) يقال في اجرائها شبه اللزوم الشديد، بالركوب، بجامع السلطة والقهر – واستعير لفظ المشبه به وهو الركوب للمشبه وهو اللزوم، ثم اشتق من الركوب بمعنى اللزوم ركب بمعنى لزم، على طريق الاستعارة التصريحية التبعية .
    ([479]) يقال في اجرائها شبه مطلق ارتباط بين مهدي وهدى – بمطلق ارتباط بين مستعلى ومستعلى عليه بجامع التمكن في كل، فسرى التشبيه من الكليين للجزئيات ثم استعيرت «على» من جزئي من جزئيات المشبه به، لجزئي من جزئيات المشبه على طريق الاستعارة التصريحية التبعية .
    ([480]) يقال في اجرائها شبهت الاذاقة باللباس، واستعير الالباس للاذاقة، بجامع الاشتمال في كل، واشتق منه ألبس بمعنى أذاق، على طريق الاستعارة التصريحية التبعية – ثم حذف لفظ المشبه به، ورمز اليه بشيء من لوازمه، وهو اللباس، على طريق الاستعارة المكنية
    ([481]) قد يراد بالاستعارة المعنى المصدري: أي استعمال اللفظ في غير ما وضع له، فيكون اللفظ مستعاراً، والمشبه به مستعاراً منه، والمشبه مستعاراً له .
    ([482]) إذا لم يكن اللازم كذلك، اعتبر ترشيحاً – فالفرق بين الترشيح والتخييل:
    (أ) أن الترشيح يكون في المصرحة والمكنية: والتخييل، إنما يكون في المكنية.
    (ب) أن التخييل به كمال المشبه به، أو قوامه في وجه الشبه، ولا يكون إلا كذلك .
    ([483]) وعلى مذهبهم لا تكون التخييلية (مجازاً لغوياً ) لأنها فعل من أفعال النفس، وهو الاثبات، والمجاز اللغوي من عوارض الألفاظ، وعلى مذهبهم أيضاً تتلازم المكنية والتخييلية، إلا أن أحدهم وهو (الزمخشري) انفرد من بينهم بأن قال إن قرينة المكنية قد تكون تحقيقية إذا كان للمشبه لازم يشبه لازم المشبه به نحو «ينقضون عهد الله» فقد شبه العهد بالحبل بجمع أن كلا يصل بين شيئين ويربطهما: فالعهد يربط المتعاهدين كما يربط الشيئان بالحبل، ثم حذف لفظ المشبه به، وهو الحبل واستعير النقض وهو فك طاقات الحبل، لأبطال العهد، بجامع الافساد في كل (استعارة أصلية تحقيقية) ثم اشتق من النقض ينقضون بمعنى يبطلون، على سبيل الاستعارة، (التحقيقية التبعية ) فالزمخشري يجمع بين المكنية والتحقيقية أحياناً، على أن التحقيقية ليست مقصودة لذاتها، وإنما جاءت تبعا للمكنية، للدلالة عليها، فلا تلازم عنده بين المكنية والتخييلية، إلا أن يدعى أن القرينة (تصريحية ) باعتبار المعنى المقصود في الحالة الراهنة (تخييلية ) باعتبار الاشعار بالأصل، أما غيره من السلف فتقول: شبه العهد بالحبل، وحذف لفظ الحبل، ورمز إليه بلازمه، وهو النقض، وإثبات النقض للعهد تخييل .
    ([484]) من هذا التعريف نفهم أولا: أن (القزويني ) يخالف السلف في تعريف المكنية ويتفق معهم في قرينتها، ونفهم ثانيا أن المكنية والتخييلية عند القزويني فعلان من أفعال النفس هما التشبيه والاثبات، فليسا من المجاز اللغوي، لأنه من عوارض الألفاظ وتكون التخييلية عند (القزويني) والقوم (مجازاً عقليا) لما فيها من اثبات الشيء لغير ما هو له، وإنما سموها (استعارة) لما فيها من نقل اللازم من ملائمه الأصلي، وهو المشبه به إلى المشبه، وسموها تخييلية لأن اللازم لما نقل من المشبه به إلى المشبه صار السامع يخيل إليه أن المشبه من جنس المشبه به، ونفهم ثالثاً أن لفظ اللازم في المكنية حقيقة عند (القزويني ) .
    ([485]) تقرير الاستعارة على مذهب (السكاكي ) أن يقال: شبهنا المنية التي هي الموت المجرد عن ادعاء السبعية، بالسبع الحقيقي، وادعينا أنها فرد من أفراده، وأن للسبع فردين فردا متعارفا وهو الحيوان المفترس، وفردا غير متعارف وهو الموت الذي ادعيت له السبعية، واستعير اسم المشبه وهو المنية بمعنى ذلك الفرد غير المتعارف، أعني الموت الذي ادعيت له السبعية، فصح بهذا أنه قد أطلق اسم المشبه، وهو المنية، وأريد به المشبه به، وهو السبع .
    ([486]) يرى (السكاكي ) أن التخييلية قد توجد من غسير المكنية كقولهم: أظفار المنية التي كالسبع نشبت بفلان ففي أظفار (استعارة تخييلية ) وجدت مع تشبيه صريح ولكن هذا بعيد إذ لم يوجد له نظير في الكلام العربي «فالفرق بين السكاكي وغيره أن السكاكي يرى أن كل مكنية معها تخييلية ولا عكس، وغيره (إلا الزمخشري ) يقول إنهما متلازمتان .
    ([487]) كذلك يدخل فيه الاسم المبهم، فقد جعل بعضهم استعارة الاشارة والضمير والموصول من التبعية، لأن كلا من هذه المبهمات ليس من اسم الجنس لا تحقيقا ولا تأويلا، إذ أن معانيها جزئية – والأصلية: مختصة باسم الجنس، فاذا قلت: هذا رأي حسن فقد استعرت اسم الاشارة من المحسوس للمعقول، ويقال: شبه المعقول مطلقا بالمحسوس مطلقا في قبول التمييز والتعبير، فسرى التشبيه من الكليات إلى الجزئيات فاستعير لفظ (هذا) من جزئي المشبه به لجزئي المشبه استعارة تبعية، لقصد المبالغة في بيان تعيين المعقول، وإذا قلت لنسوة: إني منتظركم، فقد شبهت مطلق مخاطبة فيها عظمة بمطلق مخاطب فيه عظمة بجامع العظمة في كل فسرى التشبيه من الكليين إلى الجزئيات، فاستعير ضمير جماعة الذكور من جزئي المشبه به لجزئي المشبه، استعارة تبعية، وكذا إذا استعملت في المؤنث ما وضع من اسماء الموصول في المذكر.
    وإذا عاد الضمير أو اسم الاشارة على مجاز، نحو: زارني هذا الأسد فاكرمته فليس فيهما تجوز بناء على أن وضعهما أن يعودا على ما يراد بهما من حقيقة أو مجاز، وقيل فيهما تجوز تبعاً لما يرجعان إليه ويكونان مستعارين بناء على التشبيه والاستعارة في مرجعهما، فيدخلان في التبعية.
    ([488]) لو دخلت أن المصدرية على فعل مستعار نحو: يسؤني أن يطغى الماء على قربتي، فالحق أنها تبعية وأن المستعار هو الفعل وحده وهو الذي حل محل يكثر أو يعلو، والعبرة باللفظ، والمصدر غير ملفوظ به، و«أن» إنما آلة في السبك أتى بها لغرض هو تاويل مدخولها بمصدر، فاذا أدى بها هذا الغرض طرحت كما تطرح الآلة إثر إتمام العمل الذي يؤدي بها، وقال بعضهم إنها أصلية نظراً للمصدر المؤول.
    ([489]) يراد بالصفة: اسم الفاعل واسم المفعول والصفة المشبهة واسم التفضيل ويلحق بها المصغر والمنسوب كرجل إذا أريد به رجل كبير يتعاطى مالا يليق به وكقرشي لمصري يتخلق بأخلاق القرشيين فان استعارتهما تابعة لاستعارة مصدرين لمشتقين، يؤدي هذان اللفظان معناهما وهما صغير ومنتسب إلى قريش، شبه فعل ما لا يليق، بالصغر، بجامع أن كلا يسقط الهيبة، واستعير لفظ الصغر لفعل مالا يليق ثم اشتق منه صغير بمعنى فاعل ما لا يليق، ثم عبر عن فاعل ما لا يليق بلفظ رجيل، أو شبه رجيل، أو شبه مطلق فعل ما لا يليق، بمطلق الصغر، فسرى التشبيه إلى فردى المشبه والمشبه به وهما فاعل ما لا يليق ورجيل، ثم استعير بناء على التشبيه الحاصل بالسريان رجيل للكبير الذي يفعل فعل الصغير، وشبه التخلق بأخلاق قريش بالانتساب إليهم واستعير الانتساب للتخلق واشتق منه المنتسب بمعنى المتخلق بأخلاقهم ثم عبر عن هذا بلفظ يؤديه وهو «قرشي» على سبيل الاستعارة التصريحية التبعية.
    ([490]) شبه الضرب بالقتل بجامع شدة الايذاء في كل ثم استعير للضرب الشديد على سبيل الاستعارة التصريحية الأصلية، ثم اشتق منه «مقتال» بمعنى آلة الضرب على سبيل الاستعارة التبعية، وشبه الاعراض عن سوء القول وعدم سمعه بالصمم بجامع عدم تأثر النفس بالقول في كل، وكذا شبه الاغضاء عن العورات بالعمى، بجامع عدم تأثر النفس بالمرئي في كل .
    ([491]) لأن كلا من الطغيان والنطق من شأن الانسان.
    ([492]) لأن الضرب من شأن الخيام، لا من شأن الذلة التي هي أمر معنوي.
    ([493]) لأن القتل والاحياء لا يقعان إلا على ذي روح، والبخل والسماح معنويان لا روح فيهما، فدل هذا: على أن المراد بالقتل الازالة، وبالاحياه الاكثار، شبه الازالة بالقتل بجامع ما يترتب على كل من العدم، والاكثار بالاحياء بجامع إظهار المتعلق في كل .
    ([494]) القرينة تعلق الفعل «صبح» بمرهفات وهي مفعولي به ثان يقال، صبحه كقطع سقاه الصبوح، وهو شراب الغداة، ومرهفات أي سيوفا مرهفات، يقال ارهف السيف إذا حدده ورققه، وأباده أهلكه، والارومة الأصل، والضمير في أرومتها للخزرجية، وفي «ذووها» للمرهفات – يقول: أيدنا أصول هذه القبيلة بسيوفنا المرهفات، ونزل التضاد منزلة التناسب، فشبه الاساءة إلى الخزرجية صباحاً بالاحسان إليهم، وتقديم الصبوح لهم، بجامع إدخال السرور على النفس في كل، وإن كان ادعائيا في المشبه، ثم استعار لفظ المشبه به للمشبه على سبيل الاستعارة التصريحية الأصلية العنادية التهكمية، ثم اشتق من الصبوح بمعنى الضرب بالمرهفات «صبح» بمعنى ضرب بها على سبيل الاستعارة التبعية.
    ([495]) الجفن غطاء العين وغلاف السيف استعير لأكمام الزهر بجامع التغطية في كل، وكنى بسريان النوم فيها عن ذيولها، وإيقاظ مصدر أيقظ، مستعار لتفتيح الزهر وإيجاد النضرة والبهجة فيه، وقد حسن التعبير بالألفاظ مجيئه بعد النوم والأجفان، والمعنى: تهب الرياح على بساتين الحزن فتكسوها تفتيحا وحسنا ونضارة .
    ([496]) قوله بعذاب: قرينة على أن «بشر» مستعار، لأن التبشير إخبار بما يسر فلا يناسب تعلقه بالعذاب، وقوله: «بما تؤمر» كذلك لأنه معنوي والصدع للمحسوس، كما أن الحق معنوي أيضاً، فكل منها كان صارفا عن المعنى الأصلي للفعل إلى المعنى المجازي .
    ([497]) هذا على أن مرقد اسم مكان، وإلا فالاستعارة أصلية كما تقدم .
    ([498]) إيضاح: مثل الابتداء والظرفية والاستعارة معان كلية، يصح أن تكون مستقلة بالفهم، يحكم بها وعليها، وتكون مقصودة لذاتها، ولكن الابتداء المفهوم من لفظ «من» ابتداء مخصوص لم يقصد لذاته، بل الغرض منه الربط بين معنيين مستقلين بالفهم: هما السير والبصرة في قولك: سرت من البصرة، ولذا كان جزئيا بالنسبة للابتداء الأول، وما قيل في الابتداء يقال نظيره في الظرفية والعلة الغائية والاستعلاء، وغيرها من المعاني التي تستفاد من الحروف نحو: في، واللام، وعلى فأي معنى يستفاد من الحرف في جملة ما، يعتبر جزئيا من كليه، غير مقصود لذاته، بل للربط بين معنيين مستقلين، وتعتبر الحروف حينئذ روابط بين المعاني المقصودة .
    ([499]) العداوة والحزن علة واقعية للالتقاط .
    ([500]) العلة الغائية لفعل هي التي تحمل على تحصيله لتحصل بعد حصوله كتبني فرعون لموسى، ومحبة موسى إياه، لأن فرعون وآله إنما كفوله بعد التقاطه لذلك.
    ([501]) إلا أن الترتب في الغائبة (رجائي أو تقديري) وفي العداوة والحزن (واقعي).
    ([502]) جزئي المشبه هنا هو ترتب العداوة والحزن الخاصين المتعلقين (بموسى) .
    ([503]) جزئي المشبه به هنا هو ترتب علة الالتقاط الخاصة: وهي تبنى موسى والمحبة، لأنهما متقدمان على كفالته بعد الالتقاط، ومرتبان عليه في الخارج .
    ([504]) شبه مطلق ارتباط بين مستعل ومستعلى عليه، بمطلق ارتباط بين ظرف ومظروف، بجامع التمكن، أو مطلق الارتباط في كل، فسرى التشبيه من الكليين إلى الجزئيات، فاستعير لفظ «في» من جزئيات المشبه به، لجزئي من جزئيات المشبه استعارة تبعية.
    ([505]) شبه مطلق ارتباط بين مهدي وهدى، بمطلق ارتباط بين مستعل ومستعلى عليه، بجامع مطلق الارتباط في كل، فسرى التشبيه من الكليين إلى الجزئيات، فاستعير لفظ «على» من جزئيات المشبه به، لجزئي المشبه، استعارة تبعية .
    ([506]) شبه مطلق ملابسة الانسان للنعمة، بمطلق ملابسة بين ظرف ومظروف بجامع مطلق الملابسة في كل، فسرى التشبيه من الكليين إلى الجزئيات، فاستعير لفظ «في» من جزئيات المشبه به، لجزئي من جزئيات المشبه، استعارة تبعية .
    ([507]) الجامع في الاستعارة: بمثابة (وجه الشبه) في التشبيه، وهو ما قصد اشتراك الطرفين فيه، وسمى جامعاً لأنه جمع المشبه في أفراد المشبه به تحت مفهومه وأدخله في جنسه ادعاء، ولابد أن يكون في المستعار منه أقوى، لأن الاستعارة مبنية على المبالغة في التشبيه، والمبالغة فيه توجب ابلاغ المشبه لما هو أكمل.
    وينقسم الجامع إلى داخل وخارج – فالأول – ما كان داخلا في مفهوم الطرفين، نحو قوله تعالى «قطعناهم في الأرض أمماً» فاستعير التقطيع الموضوع لازالة الاتصال بين الأجسام الملتصق بعضها ببعض، لتفريق الجماعة، وإبعاد بعضها على بعض، والجامع إزالة الاجتماع، وهي داخلة في مفهومها، وهي في القطع أشد والثاني، وهو ما كان خارجا عن مفهوم الطرفين، نحو: رأيت أسداً.
    أي رجلا شجاعاً، فالجامع وهي الشجاعة أمر عارض للأسد، لا داخل في مفهومه، وينقسم الجامع أيضا باعتباره وباعتبار الطرفين، إلى ستة أقسام – لأن الطرفين إما حسيان وإما عقليان (أو المستعار منه حسي والمستعار له عقلي أو بالعكس ) والجامع في الأول من الصور الأربع تارة يكون حسيا وتارة يكون عقليا وأخرى مختلفا، وفي الثلاث الأخيرة لا يكون إلا عقليا .
    مثال ما إذا كان الطرفان حسيين والجامع كذلك قوله تعالى (فأخرج لهم عجلا جسداً له خوار) فان المستعار منه ولد البقرة، والمستعار له الحيوان المصوغ من (حلى القبط ) بعد سبكها بنار السامري، وإلقاء التراب المأخوذ من أثر فرس جبريل (عليه السلام)، والجامع لهما الشكل والخوار، فانه كان على شكل ولد البقر، مما يدرك بحاسة البصر «ويحث بعضهم بأن ابدال جسداً من عجلا يمنع الاستعارة».
    ومثال ما إذا كان الطرفان حسيين، والجامع عقلي – قوله تعالى (وآية لهم الليل نسلخ منه النهار فاذا هم مظلمون ) أي نكشف ونزيل الضوء من مكان الليل، وموضع ظلمته، فان المستعار منه أعنى السلخ وهو كشط الجلد وإزالته عن الشاة ونحوها والمستعار له: إزالة الضوء عن مكان الليل وموضع ظلمته: وهما حسيان.
    والجامع لهما ما يعقل من ترتب أمر على آخر بحصوله عقبه، كترتب ظهور اللحم على السلخ والكشط، وترتب حصول الظلمة على ازالة ضوء النهار عن مكان ظلمة الليل، والترتب عقلي – واجراء الاستعارة – شبه كشف الضوء عن الليل، بكشط الجلد عن نحو الشاة، بجامع ترتب ظهور شيء على شيء في كل، واستعير لفظ المشبه به وهو «السلخ» للمشبه، وهو كشف الضوء، واشتق منه «نسلخ» بمعنى نكشف، على طريق الاستعارة التصريحية التبعية، ومثال ما إذا كان الطرفان حسيين، والجامع بعضه حسي، وبعضه عقلي، قولك رأيت بدراً يضحك – تريد شخصاً مثل «البدر» في حسن الطلعة وعلو القدر، فحسن الطلعة حسي، وعلو القدر عقلي – ومثال ما إذا كان الطرفان عقليين ولا يكون الجامع فيهما إلا عقلياً، كباقي الأقسام، قوله تعالى (من بعثنا من مرقدنا) فان المستعار منه «الرقاد» أي النوم، والمستعار له الموت والجامع بينهما عدم ظهور الأفعال الاختيارية، (والجميع عقلي ) – واجراء الاستعارة: شبه الموت بالنوم، بجامع عدم ظهور الفعل في كل، واستعير لفظ المشبه به للمشبه على طريق الاستعارة التصريحية الأصلية – وقال بعضهم عدم ظهور الفعل في الموت أقوى، وشرط الجامع أن يكون في المستعار منه أقوى، فليجعل الجامع هو «البعث» الذي هو في النوم أظهر، وقرينة الاستعارة أن هذا الكلام كلام الموتى، مع قوله «هذا ما وعد الرحمن وصدق المرسلون» وعلى هذا يقال: شبه الموت بالرقاد، بجامع عدم ظهور الفعل في كل، واستعير الرقاد للموت واشتق منه «مرقد» اسم مكان الرقاد بمعنى قبر اسم مكان الموت، على طريق الاستعارة التصريحية التبعية – ومثال ما إذا كان المستعار منه حسيا، والمستعار له عقليا، قوله تعالى (فاصدع بما تؤمر ) فان المستعار منه كسر الزجاجة، وهو أمر حسي، باعتبار متعلقة، والمستعار له التبليغ جهراً والجامع التأثير الذي لا يمكن معه رد كل منهما إلى ما كان عليه «أي أظهر الأمر إظهاراً لا ينمحى – كما أن صدع الزجاجة لا يلتئم واجراء الاستعارة: شبه التبليغ جهراً بكسر الزجاجة، بجامع التأثير الشديد في كل واستعير المشبه به وهو «الصدع» للمشبه وهو التبليغ جهراً – واشتق منه إصدع بمعنى بلغ جهراً، على طريق الاستعارة التصريحية التبعية - ومثال ما إذا كان المستعار منه عقليا، والمستعار له حسيا، قوله تعالى (إنا لما طغى الماء حملناكم في الجارية) فان المستعار له كثرة الماء كثرة مفسدة وهي حسية، والمستعار منه التكبر، والجامع الاستعلاء المفرط، وهما عقليان، واجراء الأستعارة، شبهت كثرة الماء المفرطة، بمعنى الطغيان، وهو مجاوزة الحد، بجامع الاستعلاء المفرط في كل واستعير لفظ المشبه به، وهو الطغيان للمشبه وهو الكثرة المفرطة، واشتق منه طغى بمعنى كثر كثرة مفرطة، على طريق الاستعارة التصريحية التبعية.
    «تنبيه» الاستعارة المكنية تنقسم أيضا الى أصلية، والى تبعية، والى مرشحة والى مجردة، والى مطلقة، كما انقسمت التصريحية الى مثل ذلك.
    فالمكنية الاصلية – هي ما كان المستعار فيها اسما غير مشتق، كالسبع المتقدم والتبعية – هي ما كان المستعار فيها اسما مشتقا، فلا تكون في الفعل ولا في الحرف ومثالها في الاسم المشتق – يعجبني إراقة الضارب دم الظالم، فقد شبه الضرب الشديد بالقتل، بجامع الايذاء في كل، واستعير القتل للضرب الشديد، ثم حذف ورمز أليه بشيء من لوازمه، وهو الاراقة، على طريق الاستعارة المكنية التبعية – فالاستعارة التخييلية عند الجمهور: هي نفس اثبات اللازم المستعمل في حقيقته – وهي من المجاز العقلي، وإنما سميت استعارة: لانه استعير ذلك الاثبات من المشبه به، للمشبه، وسميت تخييلية لان اثباته للمشبه خيل اتحاده مع المشبه به، فقولنا أظفار المنية نشبت بفلان فلفظ «أظفار» في هذا التركيب مستعمل في حقيقته «وانما التجوز في اثباته للمنية» أي أن ذلك الأثبات إثبات الشيء الى غير ما هو له – فعند الجمهور: التخييلية لا تفارق المكنية، لأنها قرينتها .والاستعارة المكنية المرشحة – هي ما قرنت بما يلائم المشبه فقط، نحو – نطق لسان الحال بكذا – شبهت «الحال» بمعنى الانسان واستعير لفظ المشبه به، للمشبه وحذف ورمز اليه بشىء من لوازمه وهو «لسان» واثبات اللسان للحال تخييل، وهو القرينة، والنطق ترشيح، لأنه يلائم المشبه به فقط
    وترشيح المكنية فيه خلاف مبسوط في المطولات، والمكنية المجردة – هي ما قرنت بما يلائم المشبه فقط، نحو: نطقت الحال الواضحة بكذا – فالوضوح تجريد، لأنه يلائم المشبه الذي هو انسان فقط.
    والمكنية المطلقة – هي التي لم تقترن بشيء يلائم المشبه ولا المشبه به – أو قرنت بما يلائمهما معاً – نحو نطقت الحال بكذا – ونطق لسان الحال الواضحة بكذا ففي الأول – شبهت الحال بانسان واستعير لها اسمه وحذف ورمز إليه بشيء من لوازمه وهو النطق، واثبات النطق للحال تخييل، وهي مجردة لانها لم تقترن بشيء يلائمها وفي الثاني – شبهت الحال بانسان واستعير له اسمه «وحذف ورمز اليه بشيء من لوازمه وهو «لسان» واثباته للحال تخييل، وهو القرينة، والنطق ترشيح، لأنه يلائم المشبه به، والوضوح تجريد، لأنه يلائم المشبه – ولما تعارضا سقطا، وتنقسم المكنية أيضا إلى عادية – نحو – أنشبت المنية أظفارها بفلان – لأنه لا يمكن اجتماع طرفيها في شيء واحد (يكون منية وسبعا)، ووفافية – نحو نطقت الحال بكذا – لأنه يمكن اجتماع طرفيها في شيء واحد. كالحال مع الانسان .
    ([508]) المجاز المركب: هو تركيب استعمل في ما يشبه بمعناه الأصلي (تشبيه التمثيل ) .
    ([509]) سميت تمثيلية مع أن التمثيل عام في كل استعارة، للاشارة إلى عظم شأنها كأن غيرها ليس فيه تمثيل أصلا – إذ الاستعارة التمثيلية مبينة على تشبيه التمثيل، ووجه الشبه فيه هيئة منزعة من متعدد – لهذا كان أدق أنواع التشبيه، وكانت الاستعارة المبنية عليه أبلغ أنواع الاستعارات – ولذلك كان كل من تشبيه التمثيل، والاستعارة التمثيلية غرض البلغاء.
    ([510]) أصل المثل: أن امرأة كانت متزوجة بشيخ غني فطلبت طلاقها منه في زمن الصيف لضعفه – فطلقها وتزوجت بشاب فقير، ثم طلبت من مطلقها لبنا وقت الشتاء فقال لها ذلك المثل – واجراء الاستعارة في المثل الأول، أن يقال: شبهت هيئة من فرط في أمر زمن امكان تحصيله، بهيئة المرأة التي طلقت من الشيخ اللابن، ثم رجعت إليه، تطلب منه اللبن شتاء، بجامع التفريط في كل، واستعير الكلام الموضوع للمشبه به للمشبه، على طريق الاستعارة التمثيلية واجراء الاستعارة في المثل الثاني، أن يقال: شبهت هيئة من يتردد في أمر بين أن يفعله وألا يفعله بهيئة من يتردد في الدخول، فتارة يقدم رجله، وتارة يؤخرها بجامع الحيرة في كل، واستعير الكلام الموضوع للمشبه به للمشبه، على طريق الاستعارة التمثيلية.
    واجراء الاستعارة في المثل الثالث، شبهت هيئة من يظلم من وجهين، بهيئة رجل باع آخر تمراً رديئاً وناقص الكيل بجامع الظلم من وجهين في كل واستعير الكلام الموضوع للمشبه به للمشبه، على طريق الاستعارة التمثيلية.
    واجراء الاستعارة في المثل الرابع: شبهت هيئة الرجل المتستر تحت أمر ليحصل على أمر خفي يريده – بهيئة الرجل المسمى (قصيراً ) حين جدع أنفه ليأخذ بثأر (جذيمة) من (الزباء ) بجامع الاحتيال في كل واستعير الكلام الموضوع للمشبه به للمشبه، على طريق الاستعارة التمثيلية.
    واجراء الاستعارة في المثل الخامس، أن يقال شبهت هيئة رجل كريم الأصل عزيز النفس، الذي لا يفضل الدنايا على الرزايا عند ما تزل به القدم، بهيئة المرأة التي تفضل جوعها على إجارتها للارضاع عند فقرها بجامع ترجيح الضرر على النفع في كل، واستعير الكلام الموضوع للمشبه به للمشبه، على طريق الاستعارة التمثيلية.
    واجراء الاستعارة في المثل السادس، شبهت هيئة من يريد أن يعمل عملا وحده وهو عاجز عنه، بهيئة من يريد أن يصفق بيد واحدة، بجامع العجز في كل، واستعير الكلام الموضوع للمشبه به، للمشبه، على سبيل الاستعارة التمثيلية .واجراء الاستعارة في المثل السابع، شبهت هيئة الرجل الذي يحصل بوجوده فصل المشكلات، بهيئة نبي الله موسى عليه السلام، مع سحرة فرعون، بجامع حسم النزاع في كل، واستعير الكلام الموضوع للمشبه به للمشبه على طريق الاستعارة التمثيلية، واجراء الاستعارة في المثل الثامن، شبهت هيئة الرجل الذي لا يقول إلا الحق ولا يخبر إلا بالصدق، بهيئة المرأة المسماة «جذام» بجامع الصدق في كل، واستعير الكلام الموضوع للمشبه به للمشبه، على طريق الاستعارة التمثيلية .
    ([511]) أصل هذا المثل: أن قوماً اجتمعوا للتشاور في الصلح بين حيين من العرب قتل رجل من أحدهما رجلا من الآخر، وبينما خطباؤهم يتكلمون، إذا بجارية تدعى (جهيزة ) أقبلت فأخبرتهم أن أولياء المقتول ظفروا بالقاتل، فقتلوه: فقال أحدهم (قطعت جهيزة قول كل خطيب ) فذهب قوله مثلا.
    ([512]) واجراء الاستعارة في المثل التاسع: شبهت حال المصلح يبدأ الاصلاح ثم يأتي غيره فيبطل عمله، بحال البنيان ينهض به حتى إذا أوشك أن يتم جاء من يهدمه، والجامع هو الحالة الحاصلة من عدم الوصول الى الغاية، لوجود ما يفسد على المصلح اصلاحه، ثم حذف المشبه، واستعير التركيب الدال على المشبه به للمشبه .
    ([513]) الأمثال: هي عبارات موجزة مأثورة، يشبه الناس بها جديد أحوالهم بقديمها – وهي نوعان: حققة، وفرضية فالحقيقة – هي ما حدث موردها في الوجود، والفرضية، ما لم يحدث موردها في الوجود وانما اخترعت على لسان حيوان أو غيره، ولكل مثل (مورد ) وهو الحالة القديمة التي قيل فيها لأول مرة ولكل مثل (مضرب ) وهو الحالة الجديدة التي استعير لها وكما تكون الأمثال نثراً تكون شعراً – وتضرب كما وردت دون تغيير في لفظها.

    الاستعارة التمثيلية

    تشبيه التمثيل
    1- الاستعارة التمثيلية لا تكون الا في التراكيب.
    2- الاستعارة التمثيلية نوع من المجاز فهي لذلك أبلغ منه
    3- الاستعارة التمثيلية تحتاج الى قرينة تمنع من ارادة المعنيى الأصلي.
    4- الاستعارة التمثيلية يحذف منها المشبه والأداة، ولا يبقى فيها من أركان التشبيه الا ما كان مشبها به فقط
    5- الاستعارة التمثيلية تصلح مشبها به دون حذف، والتشبيه معها أكثر ما يكون غير تمثيل

    1- تشبيه التمثيل يذكر فيه المشبه، والأداة
    2- تشبيه التمثيل يجوز أن يكون بين مفردين مثل: المنافق كالحرباء.
    3- تشبيه التمثيل لا يصلح استعارة دون حذف
    4- تشبيه التمثيل لا يحتاج الى قرينة معه تدل على حقيقته.

    5- تشبيه التمثيل نوع من
    الحقيقة.



    ([514]) وتنقسم التمثيلية إلى قسمين تحقيقة وتخييلية – فالتحقيقية هي المنتزعة من عدة امور متحققة موجودة خارجا – كما في الأمثلة السابقة – والتخييلية هي المنتزعة من عدة أمور متخيلة مفروضة لا تحقق لها في ا لخارج ولا في الذهن، وتسمى الأولى «تمثيلية تحقيقية» والثانية «تمثيلية تخييلية» كقوله تعالى (إنا عرضنا الامانة على السموات والأرض والجبال فأبين أن يحملنها واشفقن منها) الآية على احتمال فيها فانه لم يحصل عرض وإباء واشفاق منها حقيقة، بل هذا تصوير وتمثيل، بأن يفرض تشبيه حال التكاليف في ثقل حملها وصعوبة الوفاء بها، بحال أنها عرضت على هذه الأشياء، مع كبر أجرامها، وقوة متانتها، فامتنعن وخفن من حملها، بجامع عدم تحقق الحمل في كل، ثم استعير التركيب الدال على المشبه به، للمشبه استعارة تمثيلية، ونحو قوله تعالى (فقال لها وللارض ائتيا طوعا أو كرها قالتا أتينا طائعين) فان معنى أمر المساء والأرض بالاتيان وامتثالهما أنه أراد تكوينهما فكانتا كما اراد، فالغرض تصوير تأثير قدرته فيهما وتأثرهما عنها – وتمثيل ذلك بحالة الآمر المطاع لهما واجابتهما له بالطاعة فرضاً وتخييلا من غير أن يتحقق شيء من الخطاب والجواب، هذا أحد وجهين في الآيتين كما في (الكشاف) فارجع اليه.
    ([515]) شبه الفجر بانسان يتبسم، فتظهر أسنانه مضيئة لامعة – والقدر المشترك بينهما (البريق واللمعان) واستعار اللفظ الدال على المشبه به للمشبه، ثم حذف المشبه واشار اليه بشيء من لوازمه وهو الضحك – على طريق الاستعارة بالكناية،و اثبات الضحك استعارة تخييلية .
    ([516]) شبه حوادث الدهر بالعض، بجامع التأثير والأيلام من كل – واستعار اللفظ الدال على المشبه به للمشبه واشتق من العض وهو المصدر، عض بمعنى آلم على سبيل الاستعارة التصريحية التبعية، وذكر الناب ترشيح .
    ([517]) في كلمة «على» استعارة تصريحية تبعية، فقد شبه مطلق ارتباط بين حسيب وحسيب بمطلق ارتباط بين مستعل ومستعلى عليه، بجامع التمكن والاستمرار في كل ثم استعيرت «على» من جزئي من جزئيات الأول – لجزئي من جزئيات الثاني، على سبيل الاستعارة التبعية التصريحية .
    ([518]) شبه الدلالة بالقول، بجامع ايضاح لامراد في كل – واستعار اللفظ الدال على المشبه به للمشبه، واشتق من القول بمعنى الدلالة (قائل) بمعنى دال، على طريق الاستعارة التصريحية التبعية – والقرينة نسبة القول إلى الدقات.
    ([519]) شبه المتساقط من فيها (باللؤلؤ) بجامع البياض والتنسيق في كل – واستعار اللفظ الدال على المشبه به للمشبه – ثم شبه الدمع النازل من عينيه (بالعقيق) بجامع الحمرة، واستعار اللفظ الدال على المشبه به للمشبه – والقرينة كلمتا بكت، وفاضت وذكر العقد ترشيح.
    ([520]) شبه التواد (بالتقارب ) بجامع الألفة في كل منهما – ثم استعير التقارب للتواد، واشتق منه تقارب بمعنى تواد – والقرينة كلمة القلوب وهي استعارة مطلقة .
    ([521]) شبه المنى (بسكين قاطع ) بجامع الاجاز وانهاء المقطوع في كل، واستعار اللفظ الدال على المشبه، به للمشبه وحذفه ورمز اليه بشيء من لوازمه وهو يقطع على سبيل الاستعارة المكنية الأصلية المطلقة، ويقطع استعارة تخييلية وكذا شبه الهم (بانسان ) واستعار اللفظ الدال على المشبه به للمشبه وحذفه ورمز اليه بشيء من لوازمه وهو الذراع، على سبيل الاستعارة المكنية الأصلية المرشحة والقرينة كلمة الذراع، ويتوسد ترشيح .
    ([522]) شبه الشر (بأسد متحفز للوثوب ) فيكشر عن أنيابه، بجامع الاستعداد للهجوم في كل – واستعار اللفظ الدال على المشبه به للمشبه، وحذفه ورمز اليه بشيء من لوازمه وهو الناجذان على طريق الاستعارة المكنية المرشحة – والقرينة كلمت ناجذيه وكلمة أيدي ترشيح، ثم شبه مشيهم (بالطيران) بجامع السرعة في كل منهما – واستعار اللفظ الدال على المشبه به للمشبه واشتق من الطيران طار بمعنى أسرع، على سبيل الاستعارة التصريحية التبعية المطلقة – والقرينة اسناد الطيران اليهم .
    ([523]) شبه السحاب الذي يستر الشمس، بالمغفر الذي يستر الرأس – بجامع الستر في كل، واستعار اللفظ الدال على المشبه به للمشبه، على سبيل الاستعارة التصريحية الاصلية المطلقة – والقرينة كلمة شمس .
    ([524]) المشبه المعروف بانسان له يد تعطي – والجامع الاعطاء في كل منهما وحذفه ورمز لايه بشيء من لوازمه وهو اليد على سبيل الاستعارة المكنية الأصلية المرشحة، والقرينة كلمة يد – وهي الاستعارة التخييلية، وشلت ترشيح.
    ([525]) شبه تمكنه عليه الصلاة والسلام من الهدى والأخلاق الشريفة والثبوت عليها (يتمكن من علا دابة يصرفا كيف شاء) بجامع التمكن والاستقرار في كل فسرى التشبيه من الكليين للجزئيات التي هي معاني الحروف، فاستعير لفظ «على» الموضوع للاستعلاء الحسي للارتباط والاستعلاء المعنوي على سبيل الاستعارة التصريحية التبعية.
    ([526]) شبه لحاق الموت به (بالسقى ) بجامع الوصول في كل – واستعار اللفظ الدال على المشبه به للمشبه، ثم اشتق من السقى سقى على سبيل الاستعارة التصريحية التبعية والقرينة إلى ذلك نسبة السقي إلى الردى وأيضاً قد شبه الموت بانسان له ثنايا يضحك منها فتلمع وتضىء – والجامع البريق واللمعان، واستعار اللفظ الدال على المشبه به للمشبه ثم حذفه ورمز إليه بشيء من لوازمه وهو التنايا، على سبيل الاستعارة المكنية الاصلية المرشحة – والثناي استعارة تخييلية – وأو مض ترشيح .
    ([527]) شبه القصد إلى الشيء والتوجه له، بالفراغ والخلوص من الشواغل – بجامع الاهتمام في كل، واستعار اللفظ الدال على المشبه به للمشبه، ثم اشتق من الفراغ بمعنى الخلو: نفرغ – على سبيل الاستعارة التصريحية التبعية، والقرينة حالية .
    ([528]) في كلمة «في» استعارة تصريحية تبعية، فقد شبهت «في» التي تدل على الارتباط «بفي» التي تدل على الظرفية بجامع التمكن في كل فسري التشبيه من الكليين إلى الجزئيات فاستعيرت في من الثاني للاول على سبيل الاستعارة التصريحية التبعية – والقرينة على ذلك كلمة الضلال.
    ([529]) شبه العيون بالنهر بجامع الصب الكثير في كل منهما – واستعار اللفظ الدال على المشبه به للمشبه ثم حذفه ورمز اليه بشيء من لوازمه وهو فاض، على سبيل الاستعارة الأصلية المكنية وفاض قرينتها وهي الاستعارة التخييلية، وكذا شبه السرور والاريحية بالضحك بجامع ما تجده النفس عند كل من المسرة – واستعار اللفظ الدال على المشبه به للمشبه، ثم اشتق من الضحك بمعنى السرور ضحك بمعنى سر – على سبيل الاستعارة التصريحية التبعية.
    ([530]) الصريع المطروح على الأرض، وتقاضاه أصله تنقاضاه بحذف إحدى التاءين وهو من قولهم: تقاضى الدائن دينه إذا قبضه، والحشاشة بقية الروح في المريض والجريح – يصفه بأنه ملقى على الأرض بلفظ النفس الأخير من حياته .
    ([531]) توضيح المقام: أنه إذا أطلق اللفظ، وكان المراد منه غير معناه – فلا يخلو إما: أن يكون معناه الأصلي مقصودا أيضا، ليكون وسيلة إلى المراد وإما: ألا يكون مقصوداً – فالأول – الكناية – والثاني – المجاز، فالكناية: هي أن يريد المتكلم اثبات معنى من المعاني: فلا يذكره باللفظ الموضوع له ولكن يجىء إلى معنى هو مرادفه، فيومىء به إلى المعنى الأول، ويجعله دليلا عليه أو الكناية هي اللفظ الدال على ما له صلة بمعناه الوضعي، لقرينة لا تمنع من ارادة الحقيقة، كفلان نقي الثوب، أي مبرأ من العيب، كلفظ «طويل النجاد» المراد به طول القامة، فانه يجوز أن يراد منه طول النجاد أي علاقة السيف أيضا، فهي تخالف المجاز من جهة إمكان إيراد المعنى الحقيقي مع إرادة لازمه، بخلاف المجاز فانه لا يجوز فيه ارادة المعنى الحقيقي لوجود القرينة المانعة من ارادته، ومثل ذلك قولهم «كثير الرماد» يعنون به أنه كثير القرى والكرم، وقول الحضرمي: قد كان تعجب بعضهن براعي حتى رأين تنحنحى وسعالى
    كنى عن كبر السن بتوابعه، وهي التنحنح والسعال
    وقولهم: المجد بين ثوبيه والكرم بين برديه – وقوله
    ان السماحة والمروءة والندى في قبة ضربت على ابن الحشرج
    وقوله: ومابك في من عيب فاني جبان الكلب مهزول الفصيل
    فان «جبان الكلب» كناية – وكذا «مهزول الفصيل» والمراد منهما ثبوت الكرم، وكل واحدة على حدتها تؤدي هذا المعنى، وقد جاء عن العرب كنايات كثيرة كقوله:
    بيض المطابخ لا تشكو إماؤ همو طبخ القدور ولا غسل المناديل
    ويروي أن خلافا وقع بين بعض الخلفاء ونديم له في مسألة، فاتفقا على تحكيم بعض أهل العلم، فاحضر، فوجد الخليفة مخطئاً، فقال: القائلون بقول أمير المؤمنين أكثر (يريد الجهال ) وإذا كان الرجل أحمق قيل – نعته لا ينصرف، ونظر البديع الهمذاني إلى رجل طويل بارد – فقال: قد أقبل ليل الشتاء، ودخل رجل على مريض يعوده وقد اقشعر من البرد – فقال ما تجد (فديتك) قال أجدك (يعني البرد ) وإذا كان الرجل ملولا قيل: هو من بقية قوم موسى، وإذا كان ملحداً، قيل قد عبر (يريدون جسر الايمان ) وإن كان يسىء الأدب في المؤاكلة قبل: تسافر يده على الخوان ويرعى أرض الجيران، ويقال عمن يكثر الاسفار: (فلان ) لا يضع العصا على عاتقه – وجاء في القرآن الكريم (أيحب أحدكم أن يأكل لحم أخيه ميتاً ) فانه كنى عن الغيبة يأكل الانسان لحم الانسان، وهذا شديد المناسبة لأن الغيبة إنما هي ذكر مثالب الناس وتمزيق أعراضهم وتمزيق العرض مماثل لأكل الانسان لحم من يغتابه ومن أمثال العرب: قولهم: لبست لفلان جلد النمر، وجلد الأرقم – كناية عن العداوة، وكذلك قولهم (قلبت له ظهر المجن ) كناية عن تغيير المودة، ويقول القوم: فلان برىء الساحة، إذا برؤوه من تهمة – ورحب الذراع، إذا كان كثير المعروف – وطويل الباع في الأمر، إذا كان مقتدرا فيه – وقوى الظهر، إذا كثر ناصروه، ومن ذلك أن (المنصور) كان في بستان له، أيام محاربته (ابراهيم بن عبد الله بن الحسن ) فنظر إلى شجرة خلاف فقال للربيع، ما هذه الشجرة، فقال طاعة يا أمير المؤمنين فتفاءل المنصور به، وعجب من ذكائه، ومثل ذلك: أن رجلا مر في صحن دار (الرشيد) ومعه حزمة خيزران، فقال الرشيد للفضل بن الربيع، ما ذاك فقال (عروق الرماح) يا أمير المؤمنين، وكره أن يقول «الخيزران» لموافقته اسم (والدة الرشيد) ومن كلامهم «فلان طويل الذيل» يريدون أنه غني من الحال، وعليه قول الحريري
    أن الغريب الطويل الذيل ممتهن فكيف حال غريب ماله قوت
    وكذلك قولهم: فلان طاهر الثوب – أي منزه عن السيئات، وفلان دثن الثوب أي متلوث بها – قال امرؤ
    القيس ثياب بني عوف طهارة نقية وأوجههم عند المشاهد غرات
    ويقولون: فلان غمر الرداء – إذا كان كثير المعروف عظيم العطايا، قال كثير
    غمر الرداء إذا تبسم ضاحكا غلقت لضحكته رقاب المال
    ومن الكنايات اللطيفة : ما ذكرها الأدباء في الشيب والكبر، فيقولون: عرضت لفلان فترة، وعرض له ما يمحو ذنوبه، واقمر ليله، ونور غصن شيابه، وفضض الزمان أبنوسه – وجاءه النذير، وقرع ناجذ الحلم، وارتاض بلجام الدهر، وأدرك زمان الحنكة، ورفض غرة الصبا، ولبى دواعي الحجي، ومن كناياتهم عن الموت: استأثر الله به، وأسعده بجواره، ونقله إلى دار رضوانه ومحل غفرانيه، واختار له النقلة من دار البوار إلى دار الأبرار، ومن الكنايات أيضاً أن يقام وصف الشيء مقام اسمه كما ورد في القرآن الكريم (وحملناه على ذات أولاح ودسر ) يعني السفينة، فوضع صفتها موضع تسميتها، كما ورد (إذ عرض عليه بالعشي الصافنات الجياد ) يعني الخيل، وقال بعض المتقدمين .
    سألت قتيبة عن أبيها صحبة في الروح هل ركب الاغر الاشقرا
    يعني هل قتل، لأن الاغر الاشقر، وصف الدم، فأقامه مقام اسمه
    ([532]) قصدت الخنساء وصف صخر بطول القامة والشجاعة، فعدلت عن التصريح بما أرادت إلى الاشارة اليه بطول النجاد لأنه يلزم من طول حمالة السيف طول قامة صاحبه، أو طول القامة يلزمه الشجاعة غالباً – كما أرادت وصفه بالعزة والسيادة فلم تصرح بقصدها وصرحت بما يستدعي ما أرادت فقالت: (رفيع العماد ) فرفعة العماد تستلزم أنه عظيم المكانة في قومه على الشأن بين عشيرته، لجريان العادة بذلك، وعمدت إلى وصفه بالجود والكرم، فقالت (كثير الرماد) تشير كثرة الايقاد للاطعام، وهذا يلزمه الكرم.
    ([533]) أي يكون المكنى عنه فيها ذاتا ملازمة للمعنى المفهوم من الكلام .
    ([534]) ضمير أتبعتها يعود على الطعنة، وأضللت أخفيت، والنصل حديدة السيف واللب العقل، والرعب الفزع، والخوف – واعلم أن الكناية، إما حسنة – وهي ما جمعت بين الفائدة ولطف الاشارة كما في الأمثلة السابقة وإما قبيحة – وهي ما خلت عن الفائدة المرادة، وهي معيبة لدى أرباب البيان كقول المتنبي
    إني على شغفي بما في خمرها لأعف عما في سراويلاتها
    كناية عن النزاهة والعفة، الا أنها قبيحة لسوء تأليفها وقبح تركيبها .
    ([535]) الصلال جمع صل يالكسر ضرب من الحيات صغير أسود لا نجاة من لدغته والرقش جمع رقشاء، وهي التي فيها نقط سوداء في بياض، والحية الرقشاء من أشد الحيات إيذاء
    ([536]) الأرقم الحية فيها سواد وبياض .
    ([537]) المجن الترس، وقلب له ظهر المجن مثل يضرب لمن كان لصاحبه على مودة ورعاية، ثم حال عن العهد وتغيرت أحواله .
    ([538]) عريض الوساد أي طويل العنق إلى درجة الافراط، وهذا مما يستدل به على البلاهة وقلة العقل .
    ([539]) الغمم غزارة الشعر، حتى تضيق منه الجبهة، أو القفا – وكان بزعم العرب: أن ذلك دليل على الغباوة.
    ([540]) الجرذان جمع جرذ وهو ضرب من الفأر.
    ([541]) بلقيس: بكسر الباء ملكة سبأ، وسبأ عاصمة قديمة لبلاد اليمن .
    ([542]) الأعقاب جمع عقب وهو مؤخر القدم، والكلوم الجراح، يقول: نحن لا نولى فنجرح في ظهورنا فتقطر دماء كلومنا على أعقابنا، ولكنا نستقبل السيوف بوجوهنا، فان جرحنا قطرت الدماء على أقدامنا.
    ([543]) الشادن ولد الغزال، والضيغم الاسد، اراد بالباكي بأجفان الشادن المرأة الحسناء، وبالباكي بأجفان الضغم الرجل الشجاع، يقول كم من نساء ورجال بكوا على فراقي، وجزعوا لارتحالي .
    ([544]) القرط ما يعلق في شحمة الأذن والحسام السيف القاطع، والمصمم الذي يصيب المفاصل ويقطعها، يقول لم تكن المرأة الحسناء بأجذع على فراقي من الرجل الشجاع .
    ([545]) ذات عرق موضع بالبادية وهو مكان احرام أهل العراق.
    ([546]) الضن البخل، والمن الامتنان بتعداد الصنائع .
    ([547]) تهمى تسيل، وتاتلق تلمع .
    ([548]) الغيم الركلام المتراكم، ولج وألح كلاهما بمعنى استمر .
    ([549]) البديع فعيل بمعنى مفعل، أو بمعنى مفعول – ويأتي البديع بمعنى اسم الفاعل في قوله تعالى «بديع السموات والأرض» أي مبدعها .
    ([550]) وجوه التحسين أساليب وطرق معلومة وضعت لتزيين الكلام وتنميقه وتحسين الكلام بعلمي المعاني والبيان «ذاتي» وتحسين الكلام بعلم البديع «عرضي» ووجوه التحسين: إما معنوية - وإما لفظية، وأدخل المتأخرون فيهما أنواعا كثيرة فالبديع المعنوي هو الذي وجبت فيه رعاية المعنى دون اللفظ، فيبقى مع تغيير الالفاظ كقوله:
    أتطلب صاحبا لاعيب فيه وأنت لكل من تهوى ركوب
    ففي هذا القول ضربان من البديع (هما الاستفهام والمقابلة ) لا يتغيران بتبدل الألفاظ، كما لو قلت مثلا: كيف تطلب صديقاً منزها عن كل نقص، مع أنك أنت نفسك ساع وراء شهواتك !
    والبديع اللفظي – هو ما رجعت وجوه تحسينه إلى اللفظ دون المعنى، فلا يبقى الشكل إذا تغير اللفظ – كقوله:
    إذا ملك لم يكن ذاهبه فدعه فدولته ذاهبه
    فانك إذا أبدلت لفظة (ذاهبة ) بغيرها ولو بمعناها يسقط الشكل البديعي بسقوطها، وملخص القول أن المحسنات المعنوية هي ما كان التحسين بها راجعاً إلى المعنى أولا وبالذات، وان حسنت اللفظ تبعاً – والمحسنات اللفظية هي ما كان التحسين بها راجعاً إلى اللفظ بالاصالة، وان حسنت المعنى تبعاً، وقد أجمع العلماء: على أن هذه المحسنات خصوصا اللفظية منها، لا تقع موقعها من الحسن، ألا إذا طلبها المعنى، فجاءت عفواً بدون تكلف، والا فهي مبتذلة .
    ([551]) التورية أن يطلق لفظ له معنيان، أحدهما قريب غير مراد، والآخر بعيد هو المراد، ويدل عليه بقرينة يغلب أن تكون خفية لا يدركها الا الفطن، وتنقسم التورية إلى أربعة أقسام – مجردة، ومرشحة ومبينة ومهيأة .
    (2) فالمجردة – هي التي لم تقترن بما يلائم المعنيين: كقول الخليل لما سأله الجبار عن زوجته: فقال «هذه أختي» - أراد أخوة الدين، وكقوله (وهو الذي يتوفاكم بالليل ويعلم ما جرحتم بالنهار) .
    (3) المرشحة – هي التي اقترنت بما يلائم المعنى القريب، وسميت بذلك لتقويتها به، لأن القريب غير مراد، فكانه ضعيف، فاذا ذكر لازمه تقوى به، نحو (والسماء بنيناها بأيد) فانه يحتمل (الجارحة) وهو القريب، وقد ذكر من لوازمه البنيان على وجه الترشيح:، ويحتمل (القدرة ) وهو البعيد المقصود، وهي قسمان باعتبار ذكر اللازم قبلها أو بعدها.
    (3) والمبنية هي ما ذكر فيها لازم المعنى البعيد – سميت بذلك لتبيين المورى عنه، بذكر لازمه، إذ كان قبل ذلك خفياً، فلما ذكر لازمه تبين: نحو
    يا من رآني بالهموم مطوقا وظللت من فقدي غصونا في شجون
    أتلومني في عظم نوحي والبكا شأن المطوق أن ينوح على غصون
    وهي أيضا قسمان باعتبار ذكر اللازم قبل أو بعد .
    (4) والمهيأة – هي التي لا تقع التورية فيها إلا بلفظ قبلها أو بعدها، فهي قسمان أيضاً.
    فالأول – وهو ما تتهيأ بلفظ قبل، نحو قوله
    وأظهرت فينا من سماتك سنة فأظهرت ذاك الفرض من ذلك الندب
    فالفرض والندب معناهما القريب الحكمان الشرعيان، والبعيد، الفرض، معناه العطاء، والندب، معناه الرجل السريع في قضاء الحوائج، ولولا ذكر السنة لما تهيأت التورية ولا فهم الحكمان .
    والثاني – وهو ما تتهيأ بلفظ بعد: كقول الامام على رضي الله تعالى عنه في الاشعث بن قيس، أنه كان يحرك الشمال باليمين، فالشمال معناها القريب ضد اليمين، والبعيد جمع شملة، ولولا ذكر اليمين بعده لما فهم منه السامع معنى اليد الذي به التورية: ومن المجردة قوله
    حملناهمو طراً على الدهم بعدما خلعنا عليهم بالطعان ملابسا
    فان الدهم له معنيان – قريب: وهو الخيل الدهم، وليس مراداً، وبعيد، وهو القيود الحديد السود، وهو المراد، ومن المرشحة قوله تعالى (ولا يدينون دين الحق حتى يعطوا الجزية عن يد وهم صاغرون) فان المراد من اليد الذلة، وقد اقترنت بالاعطاء الذي يناسب المعنى القريب، وهو العضو.
    ([552]) يريد أن كف (شبيب وسيفه متنافران، لا يجتمعان، لأن شيباً كان قيسياً، والسيف يقال له (يماني) فوري به عن الرجل المنسوب الى اليمين، ومعلوم ما بين قيس واليمن من التنافر، فظاهر قوله (يماني ) أنه رجل منسوب الى اليمين، ومراده البعيد الدلالة على السيف، لأن كلمة يماني من أسمائه.
    ([553]) ملخص الاستخدام: هو أن يؤتى بلفظ له معنيان، فيراد به أحدهما، ثم يراد بضميره المعنى الآخر – كقول الشاعر .
    وللغزالة شيء من تلفته ونورها من ضيا خديه مكتسب
    أراد الشاعر: بالغزالة الحيوان المعروف، وبضمير (نورها) الغزالة بمعنى الشمس
    وكقوله رأى العقيق فأجرى ذاك ناظره متيم لج في الاشواق خاطره
    وكقوله إذا لم أبرقع بالحيا وجه عفتي فلا أشبهته راحتي بالتكرم
    ولا كنت ممن يكسر الجفن بالوغى إذا أنا لم أغضضه عن رأى محرم
    وقال الآخر في الدعاء، أقر الله عين الأمير وكفاه شرها، وأجرى له عذبها، وأكثر لديه تبرها – وكقول الشاعر:
    رحلتم بالغداة فبت شوقا أسائل عنكم في كل ناد
    أراعي النجم في سيرى إليكم ويرعاه من البيدا جوادي
    ([554]) ويسمى بالمطابقة، وبالتضاد، وبالتطبيق، وبالتكافؤ، وبالتطابق – وهو أن يجمع المتكلم في كلامه بين لفظين، يتنافى وجود معناهما معاً في شيء واحد، في وقت واحد، بحيث، يجمع المتكلم في الكلام بين معنيين متقابلين، سواء أكان ذلك التقابل: تقابل الضدين، أو النقيضين، أو الايجاب والسلب، أو التضايف .
    ([555]) والطباق ضربان: أحدهما طباق الايجاب: وهو ما لم يختلف فيه الضدان ايجابا وسلبا نحو (قل اللهم مالك الملك تؤتى الملك من تشاء وتنزع الملك ممن تشاء وتعز من تشاء وتذل من تشاء)
    وكقوله حلو الشمائل وهو مر باسل يحمى الذمار صبيحة الارهاق
    وثانيهما طباق السلب: وهو ما اختلف فيه الضدان ايجابا وسلبا، بحيث يجمع بين فعلين من مصدر واحد - أحدهما مثبت مرة، والآخر منفي تارة أخرى في كلام واحد – نحو (يستخفون من الناس ولا يستخفون من الله) ونحو (لا يعلمون ظاهراً من الحياة الدنيا) (وقل هل يستوي الذين يعلمون والذين لا يعلمون)، أو أحدهما أمر، والآخر نهى نحو (اتبعوا ما أنزل اليكم من ربكم ولا تتبعوا من دونه أولياء) ونحو: (فلا تخشوا الناس واخشون)، وملخص الطباق الذي هو الجمع بين معنيين متقابلين في كلام واحد، وهو نوعان .
    (1) طباق سلب – وهو أن يجمع بين فعلين، من مصدر واحد، أحدهما مثبت، والآخر منفي، وأحدهما أمر، والآخر نهي .
    (2) طباق الايجاب – وهو ما كان تقابل المعنيين فيه بالتضاد، ويلحق بالطباق، ما بني على المضادة، تأويلا في المعنى، نحو (يغفر لمن يشاء ويعذب من يشاء ) فان التعذيب لا يقابل المغفرة صريحاً لكن على تاويل كونه صادراً عن المؤاخذة التي هي ضد المغفرة، أو تخييلا في اللفظ باعتبار أصل معناه – نحو (من تولاه فانه يضله ويهديه الىعذاب السعير ) أي يقوده فلا يقابل الضلالة بهذا الاعتبار ولكن لفظه ياقبلها في أصل معناه، وهذا يقال له «إيهام» التضاد .
    ([556]) وتسمى: بالتناسب، والتوافق، والائتلاف.
    ([557]) فالسامع: إذا وقف على قوله تعالى «قبل طلوع الشمس» بعد الاحاطة بما تقدم، علم أنه «وقبل الغروب» وكذلك البصير بمعاني الشعر وتأليفه، إذا سمع المصراع الأول (أحلت دمى – الخ ) علم أن العجز (وحرمت – الخ) ليس إلا ما قاله الشاعر
    ([558]) من الأشياء ما له صفة ثابتة، ذات علة معروفة، أو غير معروفة: كزلزلة الأرض، وسقوط المطر من السحب، ومقاتلة الأعداء، وبزوغ القمر وأقواله، ونحو: ذلك، فيلتمس الأدباء لها عللا أخرى، فيها طرافة وحسن، يزداد بها المعنى الذي يريدون تقريره جمالاً وشرفاً، فحسن التعليل: هو استنباط علة مناسبة للشيء غير حقيقة، بحيث تكون على وجه لطيف بليغ، يحصل بها زيادة في المقصود.
    ([559]) أي أن السحائب لا تقصد محاكاة جودك بمطرها لأن عطاءك المتتابع أكثر من مائها وأغزر، ولكنها حمت حسداً لك، فالماء الذي ينصب منها هو عرق تلك الحمى – فالرحضاء عرق الحمى .
    وكقوله: لم يطلع البدر إلا من تشوقه إليك حتى يوافى وجهك النضرا
    ولا تغيب إلا عند خجلته لما رآك فولى عنك واستترا
    وكقوله: سألت الأرض لم كانت مصلى ولم جعلت لنا طهراً وطيبا
    فقالت غير ناطقة لأني حويت لكل انسان حبيبا
    وكقوله: عيون تبر كأنها سرقت سواد أحداقها من الغسق
    فان دجا ليلها بظلمته تضمها خيفة من السرق
    وكقوله: ما زلزلت مصر من يكد يراد بها وانما رقصت من عدله طربا
    وكقوله: لا تنكروا خفقان قلبي والحبيب لدىّ حاضر
    ما القلب إلا داره دقت له فيها البشائر
    وكقوله: أرى بدر السماء يلوح حبنا ويبدو ثم يلتحف السحابا
    وذاك لأنه لما تبدى وابصر وجهك استحيا وغابا
    وكقوله: لم تؤذن الدنيا به في صروفها يكون بكاء الطفل ساعة يولد
    وكقوله: ولو لم تكن ساخطا لم أكن أذم الزمان وأشكو الخطوبا
    وكقوله: قد طيب الأفواه طيب ثنائه من أجل ذا تجد الثغور عذابا
    ([560]) ومثله قول ابن المعتز:
    قالوا اشتكت عينه فقلت لهم من كثرة القتل نالها الوصب
    حمرتها من دماء من قتلت والدم في السيف شاهد عجب
    وكقوله: فلئن بقيت لأرحلن بغزوة تحوى الغنائم أو يموت كريم
    وكقوله: عداتي لهم فضل على ومنة فلا أذهب الرحمن عني الأعاديا
    هموا بحثوا عن زلتي فاجتنبتها وهم نافسوني فاكتسبت المعاليا
    وكقوله: لو لم يكن أقحوانا ثغر مبسمها ما كان يزداد طيبا ساعة السحر
    ([561]) أي يشر الكأس بكف الجواد – انتزع منه جواداً يشرب هو بكفه على طريق الكناية، لأن الشرب بكف غير البخيل يستلزم الشرب بكف الكريم وهو لا يشرب إلا بكف نفسه، فاذاً هو ذلك الكريم ومن التجريد خطاب المرء نفسه: كقول المتنبي
    لا خيل عندك تهديها ولا مال فليسعد النطق ان لم تسعد الحال .
    أي الغنى – فقد انتزع من نفسه شخصاً آخر وخاطبه، وهذا كثير في كلام الشعراء، وانما سمى هذا النوع تجريداً لأن العرب تعتقد أن في الانسان معنى كامناً فيه كأنه حقيقته، فتخرج ذلك المعنى الى ألفاظها مجرداً عن الانسان، كأنه غيره، وفائدة هذا النوع (مع التوسع ) أن يثبت الانسان لنفسه مالا يليق التصريح بثبوته له


    _________________


    قناتي على موقع يوتيوب :
    https://www.youtube.com/channel/UCm8N-tHwIFM7hPnwtLrBMpg
    مدونتي:
    https://ahmed26413.blogspot.com.eg/

    أحمد
    إدارة ثمار الأوراق
    إدارة ثمار الأوراق

    عدد الرسائل : 16657
    الموقع : القاهرة
    نقاط : 38587
    تاريخ التسجيل : 17/09/2008

    رد: جواهر البلاغة في المعاني والبيان والبديع للسيد أحمد الهاشمي

    مُساهمة من طرف أحمد في السبت أبريل 13, 2013 5:37 am

    انتهيت من نقل الكتاب كاملا و سوف أراجعه إن شاء الله على نسختي الورقية طبعة مكتبة الآداب (مصر) لأن هذا المنقول نقلته من بعض مواقع الشيعة


    _________________


    قناتي على موقع يوتيوب :
    https://www.youtube.com/channel/UCm8N-tHwIFM7hPnwtLrBMpg
    مدونتي:
    https://ahmed26413.blogspot.com.eg/

      الوقت/التاريخ الآن هو الإثنين ديسمبر 05, 2016 7:58 pm