ثمار الأوراق

ثمار الأوراق

(ثمار الأوراق) : منتدى إسلامي / تعليمي / دعوي على عقيدة (أهل السنة و الجماعة) ، يهتم بنشر العلم الشرعي و العربية و التاريخ الإسلامي و كل ما ينفع المسلم


    شرح (شرح السنة للإمام البربهاري) للشيخ محمد طه شعبان

    شاطر

    أحمد
    إدارة ثمار الأوراق
    إدارة ثمار الأوراق

    عدد الرسائل : 16657
    الموقع : القاهرة
    نقاط : 38587
    تاريخ التسجيل : 17/09/2008

    شرح (شرح السنة للإمام البربهاري) للشيخ محمد طه شعبان

    مُساهمة من طرف أحمد في السبت أبريل 06, 2013 4:23 am

    الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله وبعد؛ فهذا شرحي على كتاب السنة للإمام البربهاري، أسأل الله تعالى أن ينفع به وأن يجعله في ميزان حسناتي، فهو ولي ذلك والقادر عليه.
    قال الإمام البربهاري رحمه الله تعالى: الحمد لله الذي هدانا للإسلام ومنَّ علينا به، وأخرجنا في خير أمة، فنسأله التوفيق لما يحب ويرضى، والحفظ مما يكره ويسخط.
    الشرح:
    قوله: (الحمد لله)؛ فالحمد معناه: الثناء على المحمود يصفاته اللازمة والمتعدية.([1])
    وبين الحمد والشكر خصوص وعموم: فالحمد أعم من الشكر من جهة أسبابه؛ لأنه يشمل الأسباب اللازمة والمتعدية؛ فيشمل الأسباب اللازمة كما قال تعالى: (وقل الحمد لله الذي لم يتخذ ولدا ولم يكن له شريك في الملك ولم يكن له ولي من الذل) الإسراء:111.
    وقال تعالى: (الحمد لله فاطر السموات والأرض جاعل الملائكة رسلا أولي أجنحة مثنى وثلاث ورباع يزيد في الخلق ما يشاء) فاطر: 1.
    وقال تعالى: (الحمد لله الذي له ما في السموات وما في الأرض وله الحمد في الآخرة وهو الحكيم الخبير) سبأ: 1.
    ويشمل الأسباب المتعدية، كما قال تعالى: (الحمد لله الذي خلق السموات والأرض وجعل الظلمات والنور) الأنعام: 1.
    وقال النبي صلى الله عليه وسلم: ((إن الله ليرضى عن العبد أن يأكل الأكلة فيحمده عليها، أو يشرب الشربة فيحمده عليها))([2]).
    وأما الشكر فلا يكون إلا للأسباب المتعدية فقط؛ تقول: شكرته لكرمه وفضله، ولا تقول: شكرته لقوته وفروسيته.
    والحمد أخص من الشكر من جهة أنواعه؛ لأن الحمد لا يكون إلا بالقول، وأما الشكر فيكون بالقلب والقول والفعل.([3])
    و(الألف) و(اللام) في قوله: (الحمد) للاستغراق، فتكون مستغرقة لجميع أنواع الحمد؛ فالله سبحانه وتعالى هو الذي له الحمد كله، وله الحمد المطلق، وأما المخلوق فلا يحمد إلا حمدا خاصا؛ فتقول: أحمد فلانا على كذا وكذا، ولا تقول: لفلان الحمد.
    و(اللام) في قوله: (لله) هي لام الاستحقاق؛ أي هو سبحانه المستحق للحمد المطلق، لا أحد سواه.([4])
    قوله: (الذي هدانا للإسلام)؛ أي: وفقنا لأن نكون مسلمين.
    فالهداية نوعان:
    النوع الأول: هداية التوفيق والإلهام والتسديد: وهذه مختصة بالله تعالى، لا يملكها أحد من المخلوقين، وقد خص بها سبحانه وتعالى عباده المؤمنين؛ بأن هداهم للإسلام، ووفقهم إلى طاعته.
    وهذه الهداية هي المذكورة في قوله تعالى: (إنك لا تهدي من أحببت ولكن الله يهدي من يشاء) القصص: 56.
    وقوله تعالى: (فمن يرد الله أن يهديه يشرح صدره للإسلام ومن يرد أن يضله يجعل صدره ضيقا حرجا كأنما يصعد في السماء) الأنعام: 126.
    وقوله تعالى: (أولئك الذين هدى الله فبهداهم اقتده) الأنعم: 90.
    وقوله تعالى: (وهدوا إلى الطيب من القول وهدوا إلى صراط الحميد) الحج: 24.
    وقوله تعالى: (أولئك على هدى من ربهم) البقرة: 5.
    وكما تقدم؛ فهذه الهداية مختصة بالله تعالى وحده؛ ولذلك فإن الله تعالى نفاها عن رسوله صلى الله عليه وسلم، قال تعالى: (إنك لا تهدي من أحببت ولكن الله يهدي من يشاء) القصص: 56.
    وقال تعالى: (أفأنت تسمع الصم أو تهدي العمي ومن كان في ضلال مبين) الزخرف:40.
    وقال تعالى: (إن تحرص على هداهم فإن الله لا يهدي من يضل) النحل: 37.
    وقال تعالى: (الحمد لله الذي هدانا لهذا وما كنا لنهتدي لولا أن هدانا الله) الأعراف: 43.
    وأما النوع الثاني من الهداية: فهي هداية الدلالة، والدعوة، والإرشاد.
    وهذه الهداية لله تعالى ولغيره من المرسلين والأنبياء والصالحين، ليرشدوا جميع البشر.
    وهذه الهداية هي المذكورة في قوله تعالى: (وهديناه النجدين) البلد: 10؛ أي: بينا له طريق الخير وطريق الشر.
    وقوله تعالى: (وأما ثمود فهديناهم فاستحبوا العمى على الهدى) فصلت: 17.
    وقوله تعالى: (هدى للمتقين) البقرة: 2.
    وقوله تعالى: (إن هذا القرآن يهدي للتي هي أقوم) الإسراء: 9؛ أي: أن القرآن يرشد إلى الطريق الأقوم الصحيح.
    وقوله تعالى: (ولكل قوم هاد) الرعد: 7.
    وقوله تعالى: (وإنك لتهدي إلى صراط مستقيم) الشورى: 52.
    وقوله تعالى: (وجعلنا منهم أئمة يهدون بأمرنا) السجدة: 24.

    [1])) ((مختصر تفسير ابن كثير))، أحمد شاكر، 1/58.

    [2])) صحيح: أخرجه مسلم: (2734).

    [3])) انظر: ((الفتاوى الكبرى لابن تيمية))، 4/378- 380، و((مختصر تفسير ابن كثير))، أحمد شاكر، 1/59،58.

    [4])) انظر: ((مختصر تفسير ابن كثير))، أحمد شاكر، 1/59.


    _________________


    قناتي على موقع يوتيوب :
    https://www.youtube.com/channel/UCm8N-tHwIFM7hPnwtLrBMpg
    مدونتي:
    https://ahmed26413.blogspot.com.eg/

    أحمد
    إدارة ثمار الأوراق
    إدارة ثمار الأوراق

    عدد الرسائل : 16657
    الموقع : القاهرة
    نقاط : 38587
    تاريخ التسجيل : 17/09/2008

    رد: شرح (شرح السنة للإمام البربهاري) للشيخ محمد طه شعبان

    مُساهمة من طرف أحمد في السبت أبريل 06, 2013 4:23 am

    قوله: (ومن علينا به)؛ المن هو: النعمة الثقيلة غير المقطوعة ولا المحدودة؛ قال تعالى: (لهم أجر غير ممنون) الانشقاق: 25؛ أي: غير محدود ولا معدود([1]).
    وقد يكون المن بالقول فقط؛ وهو مستقبح؛ ومنه قوله تعالى: (يمنون عليك أن أسلموا قل لا تمنوا علي إسلامكم) الحجرات: 17.
    والمقصود هنا: المعنى الأول؛ فإن الإسلام محض نعمة ومن وفضل من الله تعالى على عباده المسلمين، كما قال تعالى: (يمنون عليك أن أسلموا قل لا تمنوا علي إسلامكم بل الله يمن عليكم أن هداكم للإيمان إن كنتم صادقين) الحجرات: 17.
    ولا يقال: لماذا من الله على المسلمين بالإيمان وترك غيرهم، أليس في هذا ظلما لغيرهم؟
    قال ابن بي العز الحنفي –رحمه الله-:
    ((وَهَذَا السُّؤَالُ حَاصِلُهُ: لِمَ تَفَضَّلَ عَلَى هَذَا وَلَمْ يَتَفَضَّلْ عَلَى الْآخَرِ؟ وَقَدْ تَوَلَّى اللَّهُ سُبْحَانَهُ الْجَوَابَ عَنْهُ بِقَوْلِهِ: {ذَلِكَ فَضْلُ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ} [الْحَدِيدِ: 21] . وَقَوْلِهِ: {لِئَلَّا يَعْلَمَ أَهْلُ الْكِتَابِ أَلَّا يَقْدِرُونَ عَلَى شَيْءٍ مِنْ فَضْلِ اللَّهِ وَأَنَّ الْفَضْلَ بِيَدِ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ} [الْحَدِيدِ: 29] . وَلَمَّا سَأَلَهُ الْيَهُودُ وَالنَّصَارَى عَنْ تَخْصِيصِ هَذِهِ الْأُمَّةِ بِأَجْرَيْنِ وَإِعْطَائِهِمْ هُمْ أَجْرًا أَجْرًا، قَالَ: هَلْ ظَلَمْتُكُمْ مِنْ حَقِّكُمْ شَيْئًا؟ قَالُوا: لَا، قَالَ: فَذَلِكَ فَضْلِي أُوتِيهِ مَنْ أَشَاءُ([2])، وَلَيْسَ فِي الْحِكْمَةِ إِطْلَاعُ كُلِّ فَرْدٍ مِنْ أَفْرَادِ النَّاسِ عَلَى كَمَالِ حِكْمَتِهِ فِي عَطَائِهِ وَمَنْعِهِ، بَلْ إِذَا كَشَفَ اللَّهُ عَنْ بَصِيرَةِ الْعَبْدِ، حَتَّى أَبْصَرَ طَرَفًا يَسِيرًا مِنْ حِكْمَتِهِ فِي خَلْقِهِ، وَأَمْرِهِ وَثَوَابِهِ وَعِقَابِهِ، وَتَخْصِيصِهِ وَحِرْمَانِهِ، وَتَأَمَّلَ أَحْوَالَ مَحَالِّ ذَلِكَ، اسْتَدَلَّ بِمَا عَلِمَهُ عَلَى مَا لَمْ يَعْلَمْهُ.
    وَلَمَّا اسْتَشْكَلَ أَعْدَاؤُهُ الْمُشْرِكُونَ هَذَا التَّخْصِيصَ، قَالُوا: {أَهَؤُلَاءِ مَنَّ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنْ بَيْنِنَا} [الْأَنْعَامِ: 53] . فَتَأَمَّلْ هَذَا الْجَوَابَ، تَرَ فِي ضِمْنِهِ أَنَّهُ سُبْحَانَهُ أَعْلَمُ بِالْمَحَلِّ الَّذِي يَصْلُحُ لِغَرْسِ شَجَرَةِ النِّعْمَةِ فَتُثْمِرُ بِالشُّكْرِ، مِنَ الْمَحَلِّ الَّذِي لَا يَصْلُحُ لِغَرْسِهَا، فَلَوْ غُرِسَتْ فِيهِ لَمْ تُثْمِرْ، فَكَانَ غَرْسُهَا هُنَاكَ ضَائِعًا لَا يَلِيقُ بِالْحِكْمَةِ، كَمَا قَالَ تَعَالَى: {اللَّهُ أَعْلَمُ حَيْثُ يَجْعَلُ رِسَالَتَهُ} [الْأَنْعَامِ: 124]([3]))).
    ذن فإن الله تعالى يهدي من يشاء ويعصم ويعافي فضلا، ويضل من يشاء ويخذل ويبتلي عدلا، فجميع الخلق يتقلبون بين فضله وعدله سبحانه وتعالى، فمن من عليه بالإسلام فبفضله وكرمه سبحانه وله الحمد، ومن أضله فبفضله تعالى وله الحمد([4]).

    [1])) انظر: ((مفردات القرآن)) للراغب الأصفهاني، (477).

    [2])) روى البخاري (557)، عن ابن عمر رضي الله عنهما؛ أنه سَمِعَ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، يَقُولُ: " إِنَّمَا بَقَاؤُكُمْ فِيمَا سَلَفَ قَبْلَكُمْ مِنَ الأُمَمِ كَمَا بَيْنَ صَلاَةِ العَصْرِ إِلَى غُرُوبِ الشَّمْسِ، أُوتِيَ أَهْلُ التَّوْرَاةِ التَّوْرَاةَ، فَعَمِلُوا حَتَّى إِذَا انْتَصَفَ النَّهَارُ عَجَزُوا، فَأُعْطُوا قِيرَاطًا قِيرَاطًا، ثُمَّ أُوتِيَ أَهْلُ الإِنْجِيلِ الإِنْجِيلَ، فَعَمِلُوا إِلَى صَلاَةِ العَصْرِ، ثُمَّ عَجَزُوا، فَأُعْطُوا قِيرَاطًا قِيرَاطًا، ثُمَّ أُوتِينَا القُرْآنَ، فَعَمِلْنَا إِلَى غُرُوبِ الشَّمْسِ، فَأُعْطِينَا قِيرَاطَيْنِ قِيرَاطَيْنِ، فَقَالَ: أَهْلُ الكِتَابَيْنِ: أَيْ رَبَّنَا، أَعْطَيْتَ هَؤُلاَءِ قِيرَاطَيْنِ قِيرَاطَيْنِ، وَأَعْطَيْتَنَا قِيرَاطًا قِيرَاطًا، وَنَحْنُ كُنَّا أَكْثَرَ عَمَلًا؟ قَالَ: قَالَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ: هَلْ ظَلَمْتُكُمْ مِنْ أَجْرِكُمْ مِنْ شَيْءٍ؟ قَالُوا: لاَ، قَالَ: فَهُوَ فَضْلِي أُوتِيهِ مَنْ أَشَاءُ "


    [3])) ((شرح الطحاوية))، (436،435).

    [4])) انظر: السابق.


    _________________


    قناتي على موقع يوتيوب :
    https://www.youtube.com/channel/UCm8N-tHwIFM7hPnwtLrBMpg
    مدونتي:
    https://ahmed26413.blogspot.com.eg/

    أحمد
    إدارة ثمار الأوراق
    إدارة ثمار الأوراق

    عدد الرسائل : 16657
    الموقع : القاهرة
    نقاط : 38587
    تاريخ التسجيل : 17/09/2008

    رد: شرح (شرح السنة للإمام البربهاري) للشيخ محمد طه شعبان

    مُساهمة من طرف أحمد في السبت أبريل 06, 2013 4:23 am

    قوله: (وأخرجنا في خير أمة)؛ قال تعالى: (كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ) آل عمران: 110.
    قال ابن كثير –رحمه الله-:
    ((يُخْبِرُ تَعَالَى عَنْ هَذِهِ الْأُمَّةِ الْمُحَمَّدِيَّةِ بِأَنَّهُمْ خير الأمم، فقال تعالى: (كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ) روى الْبُخَارِيُّ: عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ الله عنه : (كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ)؛ قَالَ: ((خَيْرَ النَّاسِ لِلنَّاسِ تَأْتُونَ بِهِمْ فِي السَّلَاسِلِ فِي أَعْنَاقِهِمْ حَتَّى يَدْخُلُوا فِي الْإِسْلَامِ([1]))) ، وَهَكَذَا قَالَ ابن عباس، ومجاهد، وعطية العوفي، وعكرمة، وعطاء، والربيع بن أنس، (كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ) يَعْنِي: خَيْرَ النَّاسِ لِلنَّاسِ، وَالْمَعْنَى أَنَّهُمْ خَيْرُ الْأُمَمِ وَأَنْفَعُ النَّاسِ لِلنَّاسِ، وَلِهَذَا قَالَ: (تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ).
    وقال العلامة الفوزان -حفظه الله-: ((تأمل قوله: (للناس)؛ فخير هذه الأمة لايقتصر عليها؛ وإنما يتعدى للناس بالدعوة، والجهاد، والتعليم، والإرشاد؛ لا يكفي أن يتعلم الإنسان ويعمل في نفسه ويترك الآخرين، بل لا بد أن ينشر الدعوة، وينشر العلم، وينشر الخير، ويدعوا لإلى الله، ويأمر بالمعروف وينهى عن المنكر، فيكون عضوا عاملا في مجتمع المسلمين.
    قوله: (أخرجت للناس)؛ معناه: ما أخرجوا لأنفسهم فقط؛ وإنما أخرجهم الله للناس([2]))).

    [1])) ((مختصر تفسير ابن كثير))، أحمد شاكر، 1/357،365.

    [2])) ((شرح السنة للبربهاري)) للشيخ الفوزان، (12،11).


    _________________


    قناتي على موقع يوتيوب :
    https://www.youtube.com/channel/UCm8N-tHwIFM7hPnwtLrBMpg
    مدونتي:
    https://ahmed26413.blogspot.com.eg/

    أحمد
    إدارة ثمار الأوراق
    إدارة ثمار الأوراق

    عدد الرسائل : 16657
    الموقع : القاهرة
    نقاط : 38587
    تاريخ التسجيل : 17/09/2008

    رد: شرح (شرح السنة للإمام البربهاري) للشيخ محمد طه شعبان

    مُساهمة من طرف أحمد في السبت أبريل 06, 2013 4:23 am

    قوله: (فنسأله التوفيق لما يحب ويرضى)؛ أي: نسأله الإعانة على الطاعة؛ فالتوفيق معناه: الإعانة والهداية، وهو خلاف الخذلان والإضلال، والذي هو: سلب التوفيق وسلب الإعانة.
    وقد فسر بعضهم التوفيق بأنه: خلق الفعل في العبد.
    وهذا خطأ، فالتوفيق أمر زائد عن مجرد خلق الفعل.
    قال الشيخ صالح آل الشيخ –حفظه الله-:
    ((التوفيق: عند أهل السنة والجماعة هو إمداد الله - عز وجل - بعونه، إمداد الله - عز وجل - العبد بعونه -يعني بإعانته- وتسديده وتيسير الأمر وبذل الأسباب المعينة عليه.
    فإذاً التوفيق فَضْلْ لأنَّهُ إعانة.
    * وأما الخذلان: فهو سلب التوفيق، فهو سلب الإعانة.
    يعني التوفيق إعطَاءٌ، مَنٌّ، كَرَمٌ.
    وأما الخذلان فهو عَدْلٌ وسلبٌ.
    لأنَّ العبد أعطاه الله - عز وجل - القُدَرْ، أعطاه الصفات، أعطاه ما به يُحَصِّلُ الهدى، أعطاه الآلات، يَسَّرَ له، أنزل عليه الكتب، فلذلك هو بالآلات التي معه قامت عليه الحجة.
    لكِنَّ الله - عز وجل - يُنعم على من يشاء من عباده بالتوفيق فيعينهم ويسدِّدُهُم ويفتح لهم أسباب تحصيل الخير.
    ويمنع من شاء ذلك فلا يُسَدِّدُهُ ولا يُعِينُهُ ولا يفتح له أسباب الخير بل يتركه ونفسه.
    وهذا معنى أنه - عز وجل - يخذل؛ يعني لا يُعِين، يترك العبد وشأنه ونفسه.
    ومعلومٌ أنّ العبد عنده آلات يُحَصِّلُ بها الأشياء لكن هناك أشياء ليست في يده.
    هناك أشياء لا يمكن له أن يُحَصِّلَهَا، فهذه بيد من؟
    بيد الله - عز وجل -.
    لأنَّ الإنسان مرتبط قَدَرُهْ بأشياء كثيرة من الأسباب التي تفتح له باب الخير.
    مثل مثلاً أن يكون ذا أصحابٍ أو أن يُيَسَّرَ له أصحاب يعينونه على الخير.
    مثل أن لا يكون في طبعه الخَلْقِي مزيد شهوة، إما شهوة كِبِرْ من كبائر القلوب أو من كبائر البدن، هذه الأشياء موجودة فيه خَلْقاً، خارجة عن اختياره وتصرفه.
    فالله - عز وجل - يُوَفِّقْ بعض العباد بمعنى يعينهم على الأمر الذي يريدونه، إذا انفَتَحَ له بابُ خَيرٍ وأَرَادَهُ فَيُحِسُّ العبد أنه أُعين على ذلك، إذا أَرَادَ فِعْلَ أَمْرٍ ما من الخير يَسَّرَ الله - عز وجل - له أسباباً تعينه فانفتح له طريق الخير.
    وآخَرُ حَضَرَتْهُ الشياطين وغلبته على مُرَادِهِ وأَطَاعَهَا؛ لأنه لم يُزَوَّد بِوِقَايَة، بإعانة، بتوفيق يمنعه من ذلك.
    فإذاً صار عندنا أنَّ مسألة إضلال الله - عز وجل - مَن يشاء هو بخذلان الله - عز وجل - العباد.
    وهداية الله - عز وجل - من يشاء بتوفيق الله - عز وجل - بعض العباد، يعني أعان هذا وترك ذاك ونفسه.
    كونه - عز وجل - أعان هذا هو بمشيئته.
    فإذاً من يشأ الله يُضْلِلْهُ يعني: يَسْلُبُ عنه التوفيق فيَخْذُلُهُ فينتج من ذلك أنَّ الله - عز وجل - سَلَبَ عنه إعانته، سَلَبَ عنه تسديده، سَلَبَ عنه أسباب الخير، سَلَبَ عنه غَلْقْ أبواب الشر من الكفر وما دونه.
    فإذاً يكون ضالاً، لاهٍ هو بفعل نفسه؛ لأنَّهُ وُكِلَ إلى نفسه، لأنَّ الله - عز وجل - لم يَمُنْ على هذا بمزيد توفيق.
    فإذاً مسألة الإضلال في كلام أهل السنة والجماعة عدل، ومسألة الهداية فضْل.
    ولهذا أعظم الفضل والنعمة والإحسان نعمة التوفيق، الذي هو في الحقيقة نعمة الهداية.
    فإذاً نقول: إنّ ربنا - عز وجل - مَنَّ على عباده المؤمنين فوفّقهم، أَعَانَهُم، سَدَّدَهُم، هَيَّأَ لَهُمْ الأسباب التي توصلهم إلى الخير، حبَّبَ لهم العلم، حبّب لهم الجهاد، حبّب لهم الحكمة، حبّب لهم الأمر والنهي، حبّب لهم أهل الخير إلى آخره([1]).
    وهذا التوفيق درجات أيضاً ففي البداية يكون فتح باب:
    - وبعض الناس إذا انْفَتَحَ له باب التوفيق نَفْسُهُ فيها قُبح فتنازعه للشر فيكون بين هذا وهذا.
    - وآخر نَفْسُهُ فيها خير، فَمِنَ الخير الذي معه أنَّهُ ينتقل من توفيقٍ إلى توفيقٍ أعظم منه حتى يصل بسبب عمله أنَّ الله - عز وجل - يُنْعِمْ عليه بتوفيقٍ زائد ثم بتوفيقٍ زائد ثم بتوفيقٍ زائد، مثل ما جاء في الحديث الصحيح الذي رواه البخاري وغيره «وما تقرّب إلي عبدي بشيء أحبّ إليّ مما افترضته عليه، ولا يزال عبدي يتقرّب إليّ بالنوافل حتى أحبه، فإذا أحببته كنت سمعه -يعني وُفِّقَ في سمعه- الذي يسمع به وبصره الذي يبصر به ويده التي يبطش بها ورجله التي يمشي بها»
    هذا كله توفيق، ومزيد إعانة في هذه الجوارح.
    إذاً فحقيقة إضلال الله - عز وجل - من شاء ليست جبراً، وهداية الله - عز وجل - من شاء سبحانه وتعالى ليست جبراً.
    وإنما العبد عنده آلات، خوطب بالتكليف وعنده الآلات، ولو كانت جبراً لصارت التكاليف -بعث الرسل، إنزال الكتب، الأمر والنهي، الجهاد- لكان كل ذلك عبثاً.
    والله - عز وجل - منزّه عن العبث؛ لأنَّ العبث سلب الحكمة وشر والله - عز وجل - الشر ليس إليه، لا في ذاته ولا في أفعاله ولا في صفاته - عز وجل - {لَوْ أَرَدْنَا أَن نَتَّخِذَ لَهْوًا لاتَّخَذْنَاهُ مِنْ لَدُنَّا إِنْ كُنَّا فَاعِلِينَ بَلْ نَقْذِفُ بِالحَقِّ عَلَى البَاطِلِ فَيَدْمَغُهُ فَإذَا هُوَ زَاهِقٌ} [الأنبياء:17-18] .
    فالله سبحانه وتعالى مُنَزَّهٌ عن العبث.
    يُضلِ ْجبراً ويسلب العبد الاختيار بالمرة ثم يُحَاسبه ويُنْزِل عليه الكتب ويرسل الرسل ويأمره بالتكاليف كيف يكون ذلك؟([2]))).
    قوله: (والحفظ مما يكره ويسخط)؛ فكما دعوناه سبحانه وتعالى بأن يوفقنا إلى ما يحب ويرضى، كذلك نسأله تعالى أن يحفظنا من أن نقع فيما يكرهه ويسخطه سبحانه وتعالى، وألا ييسر لنا أسباب الوقوع في المعاصي والذنوب.
    [1])) كما قال تعالى: (ولكن الله حبب إليهم الإيمان وزينه في قلوبهم وكره إليهم الكفر والفسوق والعصيان أولئك هم الراشدون فضلا من الله ونعمة والله ليم حكيم)، الحجرات: 8،7.
    قال ابن كثير رحمه الله: (( (فضلا من الله ونعمة)؛ أي هذا العطاء الذي منحكموه هو فضل منه عليكم، ونعمة من لدنه، (والله عليم حكيم)؛ أي عليم بمن يستحق الهداية ممن يستحق الغواية، حكيم في أقواله وأفعاله وشرعه وقدره)). ((مختصر تفسير ابن كثير))، أحمد شاكر، 1/315.

    [2])) ((شرح الطحاوية))، للشيخ صالح آل الشيخ، 1/377- 375، باختصار يسير.


    _________________


    قناتي على موقع يوتيوب :
    https://www.youtube.com/channel/UCm8N-tHwIFM7hPnwtLrBMpg
    مدونتي:
    https://ahmed26413.blogspot.com.eg/

    أحمد
    إدارة ثمار الأوراق
    إدارة ثمار الأوراق

    عدد الرسائل : 16657
    الموقع : القاهرة
    نقاط : 38587
    تاريخ التسجيل : 17/09/2008

    رد: شرح (شرح السنة للإمام البربهاري) للشيخ محمد طه شعبان

    مُساهمة من طرف أحمد في السبت أبريل 06, 2013 4:24 am

    ((اعلموا أن الإسلام هو السنة، والسنة هي الإسلام، ولا يقوم أحدهما إلا بالآخر.
    فمن السنة لزوم الجماعة، فمن رغب غير الجماعة وفارقها فقد خلع ربقة الإسلام من عنقه، وكان ضالا مضلا)).
    الشرح:
    قوله: (اعلموا أن الإسلام هو السنة، والسنة هي الإسلام، ولا يقوم أحدهما إلا بالآخر)؛ السنة عند الفقهاء: ما يرادف المستحب، وهي في اصطلاح المحدثين: ما ورد عن النبي صلى الله عليه وسلم من قول، أو فعل –والفعل يشمل الترك- أو تقرير. وهذا هو المقصود هنا.
    فقوله: (اعلموا أن الإسلام هو السنة، والسنة هي الإسلام، ولا يقوم أحدهما إلا بالآخر)؛ يعني أنهما متلازمان، ولا يمكن بحال أن يكون للإنسان دين إن كان معتقدا بالإسلام دون السنة، أو معتقدا بالسنة دون الإسلام؛ فالإيمان بالله هو مقتضى شهادة أن لا إله إلا الله، والإيمان بالسنة هو مقتضى شهادة أن محمدا رسول الله، ولا يدخل الإنسان الإسلام إلا بهاتين الشهادتين([1]).
    الأدلة من الكتاب على وجوب العمل بالسنة:
    قال تعالى: (وما آتاكم الرسول فخذوه وما نهاكم عنه فانتهوا)، الحشر:7.
    وقال تعالى: (وما كان لمؤمن ولا مؤمنة إذا قضى الله ورسوله أمرا أن يكون لهم الخيرة من أمرهم ومن يعص الله ورسوله فقد ضل ضلالا مبينا)، الأحزاب: 36.
    وقال تعالى: (لقد كان لكم في رسول الله أسوة حسنة لمن كان يرجو الله واليوم الآخر)، الأحزاب: 21.
    وقال تعالى: (فليحذر الذن يخالفون عن أمره أن تصيبهم فتنة أو يصيبهم عذاب أليم)، النور: 63.
    فهذه أدلة من كتاب الله على ضرورة الأخذ بالسنة؛ فمن لم يعمل بها، فهو في الحقيقة لم يؤمن ولم يعمل بما في كتاب الله.
    وقد قَالَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: " أَلَا إِنِّي أُوتِيتُ الْكِتَابَ وَمِثْلَهُ مَعَهُ، أَلَا إِنِّي أُوتِيتُ الْقُرْآنَ وَمِثْلَهُ مَعَهُ، أَلَا يُوشِكُ رَجُلٌ يَنْثَنِي شَبْعَانًا عَلَى أَرِيكَتِهِ يَقُولُ: عَلَيْكُمْ بِالْقُرْآنِ، فَمَا وَجَدْتُمْ فِيهِ مِنْ حَلَالٍ فَأَحِلُّوهُ، وَمَا وَجَدْتُمْ فِيهِ مِنْ حَرَامٍ فَحَرِّمُوهُأَلَا لَا يَحِلُّ لَكُمْ لَحْمُ الْحِمَارِ الْأَهْلِيِّ، وَلَا كُلُّ ذِي نَابٍ مِنَ السِّبَاعِ، أَلَا وَلَا لُقَطَةٌ مِنْ مَالِ مُعَاهَدٍ إِلَّا أَنْ يَسْتَغْنِيَ عَنْهَا صَاحِبُهَا، وَمَنْ نَزَلَ بِقَوْمٍ، فَعَلَيْهِمْ أَنْ يَقْرُوهُمْ، فَإِنْ لَمْ يَقْرُوهُمْ، فَلَهُمْ أَنْ يُعْقِبُوهُمْ بِمِثْلِ قِرَاهُم([2]).
    وعَنْ العِرْبَاضِ بْنِ سَارِيَةَ رضي الله عنه، قَالَ: صَلَّى لَنَا رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الْفَجْرَ، ثُمَّ أَقْبَلَ عَلَيْنَا، فَوَعَظَنَا مَوْعِظَةً بَلِيغَةً، ذَرَفَتْ لَهَا الْأَعْيُنُ، وَوَجِلَتْ مِنْهَا الْقُلُوبُ، قُلْنَا أَوْ قَالُوا: يَا رَسُولَ اللهِ، كَأَنَّ هَذِهِ مَوْعِظَةُ مُوَدِّعٍ، فَأَوْصِنَا. قَالَ: " أُوصِيكُمْ بِتَقْوَى اللهِ وَالسَّمْعِ وَالطَّاعَةِ وَإِنْ كَانَ عَبْدًا حَبَشِيًّا، فَإِنَّهُ مَنْ يَعِشْ مِنْكُمْ يَرَى بَعْدِي اخْتِلَافًا كَثِيرًا، فَعَلَيْكُمْ بِسُنَّتِي وَسُنَّةِ الْخُلَفَاءِ الرَّاشِدِينَ الْمَهْدِيِّينَ، وَعَضُّوا عَلَيْهَا بِالنَّوَاجِذِ، وَإِيَّاكُمْ وَمُحْدَثَاتِ الْأُمُورِ، فَإِنَّ كُلَّ مُحْدَثَةٍ بِدْعَةٌ، وَإِنَّ كُلَّ بِدْعَةٍ ضَلَالَةٌ" ([3]).
    قوله: (فمن السنة لزوم الجماعة، فمن رغب غير الجماعة وفارقها فقد خلع ربقة الإسلام من عنقه، وكان ضالا مضلا).
    أولا: ما هو المراد بالجماعة؟
    قال الشاطبي رحمه الله:
    فَاخْتَلَفَ النَّاسُ فِي مَعْنَى الْجَمَاعَةِ الْمُرَادَةِ فِي هَذِهِ الْأَحَادِيثِ عَلَى خَمْسَةِ أقوال:
    أَحَدُهَا: أَنَّهَا السَّوَادُ الْأَعْظَمُ مِنْ أَهْلِ الْإِسْلَامِ وَهُوَ الَّذِي يَدُلُّ عَلَيْهِ كَلَامُ أَبِي غَالِبٍ: إِنَّ السَّوَادَ الْأَعْظَمَ هُمُ النَّاجُونَ مِنَ الْفِرَقِ، فَمَا كَانُوا عَلَيْهِ مَنْ أَمْرِ دِينِهِمْ فَهُوَ الْحَقُّ، وَمَنْ خَالَفَهُمْ مَاتَ مِيتَةً جَاهِلِيَّةً، سَوَاءٌ خَالَفَهُمْ فِي شَيْءٍ مِنَ الشَّرِيعَةِ أَوْ فِي إِمَامِهِمْ وَسُلْطَانِهِمْ، فَهُوَ مُخَالِفٌ لِلْحَقِّ.
    وَمِمَّنْ قَالَ بهذا أبو مسعود الأنصاري، وعبد الله بن مَسْعُودٍ، فَرَوَى أَنَّهُ لَمَّا قُتِلَ عُثْمَانُ سُئل أَبُو مَسْعُودٍ الْأَنْصَارِيُّ عَنِ الْفِتْنَةِ، فَقَالَ: عَلَيْكَ بِالْجَمَاعَةِ فَإِنَّ اللَّهَ لَمْ يَكُنْ لِيَجْمَعَ أُمَّةَ مُحَمَّدٍ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَلَى ضَلَالَةٍ، واصبر حتى يستريح برٌّ ، أو يستراح من فاجر.
    والثاني: أَنَّهَا جَمَاعَةُ أَئِمَّةِ الْعُلَمَاءِ الْمُجْتَهِدِينَ، فَمَنْ خَرَجَ عمّا عليه جماعة علماء الأمة مات ميتة جاهلية، لأن الله تعالى، جعلهم حُجَّةً عَلَى الْعَالَمِينَ، وَهُمُ الْمَعْنِيُّونَ بِقَوْلِهِ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ: "إِنَّ اللَّهَ لَنْ يَجْمَعَ أُمَّتِي عَلَى ضَلَالَةٍ"، وَذَلِكَ أَنَّ الْعَامَّةَ عَنْهَا تَأْخُذُ دينها، وإليها تفزع في النَّوَازِلِ، وَهِيَ تَبَعٌ لَهَا، فَمَعْنَى قَوْلِهِ: "لَنْ تجتمع أمتي على ضلالة ": لَنْ يَجْتَمِعَ عُلَمَاءُ أُمَّتِي عَلَى ضَلَالَةٍ.
    وَمِمَّنْ قَالَ بِهَذَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ الْمُبَارَكِ، وَإِسْحَاقُ بْنُ رَاهَوَيْهِ، وَجَمَاعَةٌ مِنَ السَّلَفِ وَهُوَ رَأْيُ الْأُصُولِيِّينَ، فَقِيلَ لِعَبْدِ اللَّهِ بْنِ الْمُبَارَكِ: مَنِ الْجَمَاعَةُ الَّذِينَ يَنْبَغِي أَنْ يُقْتَدَى بِهِمْ؟ قَالَ: أَبُو بَكْرٍ وَعُمَرُ - فَلَمْ يَزَلْ يَحْسِبُ حَتَّى انْتَهَى إِلَى مُحَمَّدِ بْنِ ثَابِتٍ وَالْحُسَيْنِ بْنِ وَاقِدٍ - فَقِيلَ: هَؤُلَاءِ مَاتُوا: فَمَنِ الْأَحْيَاءُ؟ قَالَ أَبُو حَمْزَةَ السُّكَّرِيُّ([4]).
    وَالثَّالِثُ: أَنَّ الْجَمَاعَةَ هِيَ الصَّحَابَةُ عَلَى الْخُصُوصِ، فَإِنَّهُمُ الَّذِينَ أَقَامُوا عِمَادَ الدِّينِ وَأَرْسَوْا أَوْتَادَهُ، وَهُمُ الَّذِينَ لَا يَجْتَمِعُونَ عَلَى ضَلَالَةٍ أَصْلًا، وَقَدْ يُمْكِنُ فِيمَنْ سِوَاهُمْ ذَلِكَ، وَمِمَّنْ قَالَ بِهَذَا الْقَوْلِ عُمَرُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ، فَرَوَى ابْنُ وَهْبٍ عَنْ مَالِكٍ قَالَ: كَانَ عُمَرُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ يَقُولُ: سَنَّ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَوُلَاةُ الْأَمْرِ مِنْ بَعْدِهِ سُنَنًا، الْأَخْذُ بِهَا تَصْدِيقٌ لِكِتَابِ اللَّهِ، وَاسْتِكْمَالٌ لِطَاعَةِ اللَّهِ، وَقُوَّةٌ عَلَى دِينِ اللَّهِ، لَيْسَ لِأَحَدٍ تَبْدِيلُهَا وَلَا تَغْيِيرُهَا، وَلَا النَّظَرُ فِيما خالفها! مَنِ اهْتَدَى بِهَا مُهْتَدٍ، وَمَنِ اسْتَنْصَرَ بِهَا مَنْصُورٌ، وَمَنْ خَالفَهَا اتَّبَعَ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ، وَوَلَّاهُ اللَّهُ مَا تَوَلَّى، وَأَصْلَاهُ جَهَنَّمَ وَسَاءَتْ مَصِيرًا. فَقَالَ مَالِكٌ: فَأَعْجَبَنِي عَزْمُ عُمَرَ عَلَى ذَلِكَ.
    فَعَلَى هَذَا الْقَوْلِ فَلَفْظُ الْجَمَاعَةِ مُطَابِقٌ لِلرِّوَايَةِ الْأُخْرَى فِي قَوْلِهِ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ: مَا أَنَا عَلَيْهِ وَأَصْحَابِي.
    وَالرَّابِعُ: أَنَّ الْجَمَاعَةَ هِيَ جَمَاعَةُ أَهْلِ الْإِسْلَامِ، إِذَا أَجْمَعُوا عَلَى أَمْرٍ فَوَاجِبٌ عَلَى غَيْرِهِمْ مِنْ أَهْلِ الْمِلَلِ اتِّبَاعُهُمْ، وَهُمُ الَّذِينَ ضَمِنَ اللَّهُ لِنَبِيِّهِ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ أَنْ لَا يَجْمَعَهُمْ عَلَى ضَلَالَةٍ، فَإِنْ وَقَعَ بَيْنَهُمُ اخْتِلَاف فَوَاجِبٌ تَعَرُّفُ الصَّوَابِ فِيمَا اخْتَلَفُوا فِيهِ.
    وَكَأَنَّ هَذَا الْقَوْلَ يَرْجِعُ إِلَى الثَّانِي وَهُوَ يَقْتَضِي أَيْضًا مَا يَقْتَضِيهِ، أَوْ يَرْجِعُ إِلَى الْقَوْلِ الْأَوَّلِ وَهُوَ الْأَظْهَرُ، وَفِيهِ مِنَ الْمَعْنَى مَا فِي الْأَوَّلِ مِنْ أَنَّهُ لَابُدَّ مِنْ كَوْنِ الْمُجْتَهِدِينَ فِيهِمْ.
    وَالْخَامِسُ: مَا اخْتَارَهُ الطَّبَرِيُّ الْإِمَامُ مِنْ أَنَّ الْجَمَاعَةَ جَمَاعَةُ الْمُسْلِمِينَ إِذَا اجْتَمَعُوا عَلَى أَمِيرٍ، فَأَمَرَ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ بِلُزُومِهِ وَنَهَى عَنْ فِرَاقِ الْأُمَّةِ فِيمَا اجْتَمَعُوا عَلَيْهِ مِنْ تَقْدِيمِهِ عَلَيْهِمْ.
    فَهَذِهِ خَمْسَةُ أَقْوَالٍ دَائِرَةٌ عَلَى اعْتِبَارِ أَهْلِ السُّنَّةِ وَالِاتِّبَاعِ، وَأَنَّهُمُ الْمُرَادُونَ بِالْأَحَادِيثِ([5]).
    ومن نظر في هذه الأقوال وجدها كلها ترجع إلى معنيين:
    الأول: أن الجماعة هي ما اجتمع عليه النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه من عقيدة وعمل؛ ولذا في حديث الافتراق أنهم سألوه عن الفرقة الناجية؟ فقال: ((هي الجماعة([6]))).
    وفي لفظ: ((ما أنا عليه وأصحابي([7]))).
    وبهذا المعنى تعرف أن الفرق والطوائف والجماعات خرجت عن مفهوم الجماعة؛ جماعة المسلمين، فليست عقائدهم عقيدة النبي صلى الله عليه وسلم، ولا مناهجهم منهجه، ولا سبلهم سبيله، فهم خالفوه؛ فمنهم من أوغل في المخالفة، ومنهم من دون ذلك، لكن من خالفهم بشيء فهو ليس معهم، فعَنْ سَهْلِ بْنِ سَعْدٍ، قَالَ: قَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «إِنِّي فَرَطُكُمْ عَلَى الحَوْضِ، مَنْ مَرَّ عَلَيَّ شَرِبَ، وَمَنْ شَرِبَ لَمْ يَظْمَأْ أَبَدًا، لَيَرِدَنَّ عَلَيَّ أَقْوَامٌ أَعْرِفُهُمْ وَيَعْرِفُونِي، ثُمَّ يُحَالُ بَيْنِي وَبَيْنَهُمْ»
    قَالَ أَبُو حَازِمٍ: فَسَمِعَنِي النُّعْمَانُ بْنُ أَبِي عَيَّاشٍ، فَقَالَ: هَكَذَا سَمِعْتَ مِنْ سَهْلٍ؟ فَقُلْتُ: نَعَمْ، فَقَالَ: أَشْهَدُ عَلَى أَبِي سَعِيدٍ الخُدْرِيِّ، لَسَمِعْتُهُ وَهُوَ يَزِيدُ فِيهَا: "فَأَقُولُ إِنَّهُمْ مِنِّي، فَيُقَالُ: إِنَّكَ لاَ تَدْرِي مَا أَحْدَثُوا بَعْدَكَ، فَأَقُولُ: سُحْقًا سُحْقًا لِمَنْ غَيَّرَ بَعْدِي"([8]).
    فهؤلاء مسلمون لكنهم يذادون عن حوض النبي صلى الله عليه وسلم؛ لأنهم أحدثوا بعده صلى الله عليه وسلم، وفارقوه في العقيدة والعمل والمنهج.
    وأما المعنى الثاني: فهو أن الجماعة هي: الاجتماع على أمير واحد، وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم: "ثَلَاثٌ لَا يُغِلُّ عَلَيْهِنَّ قَلْبُ امْرِئٍ مُسْلِمٍ: إِخْلَاصُ الْعَمَلِ لِلَّهِ، وَالنُّصْحُ لِأَئِمَّةِ الْمُسْلِمِينَ، وَلُزُومُ جَمَاعَتِهِمْ"([9]).
    [1])) انظر: ((النبذ على شرح السنة)) ، للعبيلان، (13).
    [2])) صحيح: أخرجه أبو داوود (4604)، وابن ماجه (12)، وأحمد (17174)، وصححه الألباني في ((صحيح الجامع))، (2643).
    [3])) صحيح: أخرجه أبوداود (4607)، والترمذي (2676)، وابن ماجه (42)، وأحمد (17144)، وصححه الألباني في((ظلال الجنة))، (58).
    [4])) هو الإمام الحافظ محمد بن ميمون المروزي أبو حمزة السكري عالم مرو، من شيوخ ابن المبارك، وأقران حسين بن واقد، وسمي بالسكري لحلاوة كلامه، توفي سنة 167هـ. انظر: الجرح والتعديل (8 81)، وطبقات ابن سعد (7 373)، وتاريخ بغداد (3 266 ـ 269)، والسير (7 385).
    [5])) ((الاعتصام))، 2/770- 776، باختصار.
    ([6]) صحيح: أخرجه ابن ماجه (3992، 3993)، وصححه الألباني في ((الصحيحة))، (204).
    [7])) حسن: أخرجه الترمذي (2641)، وقال: ((هَذَا حَدِيثٌ مُفَسَّرٌ حسن غَرِيبٌ لَا نَعْرِفُهُ مِثْلَ هَذَا إِلَّا مِنْ هَذَا الْوَجْهِ))، وحسنه الألباني في ((المشكاة))، (171)، ((الصحيحة))، (1348).
    [8])) متفق عليه: أخرجه البخاري (6583)، ومسلم (2291).
    [9])) صحيح: أخرجه ابن ماجه (230)، وصححه الألباني في ((صحيح ابن ماجه))، (188).


    _________________


    قناتي على موقع يوتيوب :
    https://www.youtube.com/channel/UCm8N-tHwIFM7hPnwtLrBMpg
    مدونتي:
    https://ahmed26413.blogspot.com.eg/

    أحمد
    إدارة ثمار الأوراق
    إدارة ثمار الأوراق

    عدد الرسائل : 16657
    الموقع : القاهرة
    نقاط : 38587
    تاريخ التسجيل : 17/09/2008

    رد: شرح (شرح السنة للإمام البربهاري) للشيخ محمد طه شعبان

    مُساهمة من طرف أحمد في السبت أبريل 06, 2013 4:24 am

    ثانيا: الأدلة من الكتاب والسنة على وجوب لزوم الجماعة:
    1- قال تعالى: (يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله حق تقاته ولا تموتن إلا وأنتم مسلمون واعتصموا بحبل الله جميعا ولا تفرقوا)، آل عمران: 102،103.
    قال ابن مسعود رضي الله عنه: (واعتصموا بحبل الله جميعا ولا تفرقوا): الجماعة([1]).
    وقال الطبري رحمه الله: ((وتمسَّكوا بدين الله الذي أمركم به، وعهده الذي عَهده إليكم في كتابه إليكم، من الألفة والاجتماع على كلمة الحق، والتسليم لأمر الله))([2]).
    وقال ابن كثير رحمه الله: ((وَقَوْلُهُ: (وَلا تَفَرَّقُوا) أمَرَهُم بِالْجَمَاعَةِ وَنَهَاهُمْ عَنِ التَّفْرِقَةِ، وَقَدْ وَرَدَتِ الأحاديثُ الْمُتَعَدِّدَةُ بِالنَّهْيِ عَنِ التَّفَرُّقِ وَالْأَمْرِ بِالِاجْتِمَاعِ وَالِائْتِلَافِ ... وَقَدْ ضُمِنتْ لَهُمُ العِصْمةُ، عِنْدَ اتِّفَاقِهِمْ، مِنَ الْخَطَأِ، كَمَا وَرَدَتْ بِذَلِكَ الْأَحَادِيثُ الْمُتَعَدِّدَةُ أَيْضًا، وخِيفَ عَلَيْهِمُ الِافْتِرَاقُ، وَالِاخْتِلَافُ، وَقَدْ وَقَعَ ذَلِكَ فِي هَذِهِ الْأُمَّةِ فَافْتَرَقُوا عَلَى ثَلَاثٍ وَسَبْعِينَ فِرْقَةً، مِنْهَا فِرْقَةٌ نَاجِيَةٌ إِلَى الْجَنَّةِ ومُسَلمة مِنْ عَذَابِ النَّارِ، وَهُمُ الَّذِينَ عَلَى مَا كَانَ عَلَيْهِ رسولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَأَصْحَابُهُ))([3]).
    2- وقَالَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: "إِنَّ اللهَ يَرْضَى لَكُمْ ثَلَاثًا، وَيَكْرَهُ لَكُمْ ثَلَاثًا، فَيَرْضَى لَكُمْ: أَنْ تَعْبُدُوهُ، وَلَا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا، وَأَنْ تَعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللهِ جَمِيعًا وَلَا تَفَرَّقُوا، وَيَكْرَهُ لَكُمْ: قِيلَ وَقَالَ، وَكَثْرَةَ السُّؤَالِ، وَإِضَاعَةِ الْمَالِ"([4]).
    قال النووي رحمه الله: ((وَأَمَّا الِاعْتِصَامُ بِحَبْلِ اللَّهِ فَهُوَ التَّمَسُّكُ بِعَهْدِهِ وَهُوَ اتِّبَاعُ كِتَابِهِ الْعَزِيزِ وَحُدُودِهِ وَالتَّأَدُّبِ بِأَدَبِهِ وَالْحَبْلُ يُطْلَقُ عَلَى الْعَهْدِ وَعَلَى الْأَمَانِ وَعَلَى الْوَصْلَةِ وَعَلَى السَّبَبِ وَأَصْلُهُ مِنَ اسْتِعْمَالِ الْعَرَبِ الْحَبْلَ فِي مِثْلِ هَذِهِ الْأُمُورِ لِاسْتِمْسَاكِهِمْ بِالْحَبْلِ عِنْدَ شَدَائِدِ أُمُورِهِمْ وَيُوصِلُونَ بِهَا الْمُتَفَرِّقَ فَاسْتُعِيرَ اسْمُ الْحَبْلِ لِهَذِهِ الْأُمُورِ وَأَمَّا قَوْلُهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَلَا تَفَرَّقُوا فَهُوَ أَمْرٌ بِلُزُومِ جَمَاعَةِ الْمُسْلِمِينَ وَتَأَلُّفِ بَعْضِهِمْ بِبَعْضٍ وَهَذِهِ إِحْدَى قَوَاعِدِ الْإِسْلَام))([5]).
    وقال صلى الله عليه وسلم: "ثَلَاثُ خِصَالٍ لَا يَغِلُّ عَلَيْهِنَّ قَلْبُ مُسْلِمٍ أَبَدًا: إِخْلَاصُ الْعَمَلِ لِلَّهِ، وَمُنَاصَحَةُ وُلَاةِ الْأَمْرِ، وَلُزُومُ الْجَمَاعَةِ، فَإِنَّ دَعْوَتَهُمْ تُحِيطُ مِنْ وَرَائِهِمْ"([6]).
    3- وقال صلى الله عليه وسلم: «أُوصِيكُمْ بِأَصْحَابِي، ثُمَّ الَّذِينَ يَلُونَهُمْ، ثُمَّ الَّذِينَ يَلُونَهُمْ، ثُمَّ يَفْشُو الكَذِبُ حَتَّى يَحْلِفَ الرَّجُلُ وَلَا يُسْتَحْلَفُ، وَيَشْهَدَ الشَّاهِدُ وَلَا يُسْتَشْهَدُ، أَلَا لَا يَخْلُوَنَّ رَجُلٌ بِامْرَأَةٍ إِلَّا كَانَ ثَالِثَهُمَا الشَّيْطَانُ، عَلَيْكُمْ بِالجَمَاعَةِ وَإِيَّاكُمْ وَالفُرْقَةَ فَإِنَّ الشَّيْطَانَ مَعَ الوَاحِدِ وَهُوَ مِنَ الِاثْنَيْنِ أَبْعَدُ، مَنْ أَرَادَ بُحْبُوحَةَ الجَنَّةِ فَلْيَلْزَمُ الجَمَاعَةَ، مَنْ سَرَّتْهُ حَسَنَتُهُ وَسَاءَتْهُ سَيِّئَتُهُ فَذَلِكَ الْمُؤْمِنُ»([7]).
    قال الإمام الشافعي -رحمه الله- بعد ذكر هذا الحديث: ((قال: فما معنى أمر النبي بلزوم جماعتهم؟
    قلت: لا معنى له إلا واحد.
    قال: فكيف لا يحتمل إلا واحداً؟
    قلت: إذا كانت جماعتهم متفرقة في البلدان، فلا يقدر أحدٌ أن يلزم جماعةَ أبدانِ قومٍ متفرقين، وقد وُجِدَت الأبدان تكون مجتمعة من المسلمين والكافرين والأتقياء والفُجَّار، فلم يكن في لزوم الأبدان معنى، لأنه لا يمكن، ولأن اجتماع الأبدان لا يصنع شيئاً فلم يكن للزوم جماعتهم معنى، إلا ما عليهم جماعتهم من التحليل والتحريم والطاعة فيهما.
    ومن قال بما تقول به جماعةُ المسلمين فقد لزم جماعتهم، ومن خالف ما تقول به جماعةُ المسلمين فقد خالف جماعتهم التي أُمِرَ بلزومها([8]))).
    4- وعن حُذَيْفَةَ بْن اليَمَانِ رضي الله عنهما َقال: كَانَ النَّاسُ يَسْأَلُونَ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَنِ الخَيْرِ، وَكُنْتُ أَسْأَلُهُ عَنِ الشَّرِّ مَخَافَةَ أَنْ يُدْرِكَنِي، فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنَّا كُنَّا فِي جَاهِلِيَّةٍ وَشَرٍّ، فَجَاءَنَا اللَّهُ بِهَذَا الخَيْرِ، فَهَلْ بَعْدَ هَذَا الخَيْرِ مِنْ شَرٍّ؟ قَالَ: «نَعَمْ» قُلْتُ: وَهَلْ بَعْدَ ذَلِكَ الشَّرِّ مِنْ خَيْرٍ؟ قَالَ: «نَعَمْ، وَفِيهِ دَخَنٌ» قُلْتُ: وَمَا دَخَنُهُ؟ قَالَ: «قَوْمٌ يَهْدُونَ بِغَيْرِ هَدْيِي، تَعْرِفُ مِنْهُمْ وَتُنْكِرُ» قُلْتُ: فَهَلْ بَعْدَ ذَلِكَ الخَيْرِ مِنْ شَرٍّ؟ قَالَ: «نَعَمْ، دُعَاةٌ إِلَى أَبْوَابِ جَهَنَّمَ، مَنْ أَجَابَهُمْ إِلَيْهَا قَذَفُوهُ فِيهَا» قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، صِفْهُمْ لَنَا؟ فَقَالَ: «هُمْ مِنْ جِلْدَتِنَا، وَيَتَكَلَّمُونَ بِأَلْسِنَتِنَا» قُلْتُ: فَمَا تَأْمُرُنِي إِنْ أَدْرَكَنِي ذَلِكَ؟ قَالَ: تَلْزَمُ جَمَاعَةَ المُسْلِمِينَ وَإِمَامَهُمْ، قُلْتُ: فَإِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُمْ جَمَاعَةٌ وَلاَ إِمَامٌ؟ قَالَ «فَاعْتَزِلْ تِلْكَ الفِرَقَ كُلَّهَا، وَلَوْ أَنْ تَعَضَّ بِأَصْلِ شَجَرَةٍ، حَتَّى يُدْرِكَكَ المَوْتُ وَأَنْتَ عَلَى ذَلِكَ»([9]).
    قال ابن حجر رحمه الله: ((وَفِي الْحَدِيثِ أَنَّهُ مَتَى لَمْ يَكُنْ لِلنَّاسِ إِمَامٌ فَافْتَرَقَ النَّاس أحزابا، فَلَا يتبع أحدا فِي الفُرقة، وَيَعْتَزِلُ الْجَمِيعَ إِنِ اسْتَطَاعَ ذَلِكَ خَشْيَةً مِنَ الْوُقُوعِ فِي الشَّرِّ([10]))).
    5- وعَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ رضي الله عنهما قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «يَدُ اللَّهِ مَعَ الجَمَاعَةِ»([11]).
    وفي رواية: «وَإِنَّ الشَّيْطَانَ مَعَ مَنْ فَارَقَ الْجَمَاعَةَ يَرْكُضُ»([12]).
    6- وقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ «الْجَمَاعَةُ رَحْمَةٌ، وَالْفُرْقَةُ عَذَابٌ»([13]).
    7- قَالَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: "وَأَنَا آمُرُكُمْ بِخَمْسٍ اللهُ أَمَرَنِي بِهِنَّ: بِالْجَمَاعَةِ، وَالسَّمْعِ، وَالطَّاعَةِ، وَالْهِجْرَةِ، وَالْجِهَادِ فِي سَبِيلِ اللهِ، فَإِنَّهُ مَنْ خَرَجَ مِنَ الْجَمَاعَةِ قِيدَ شِبْرٍ فَقَدْ خَلَعَ رِبْقَةَ الْإِسْلَامِ مِنْ عُنُقِهِ إِلَّا أَنْ يَرْجِعَ، وَمَنْ دَعَا بِدَعْوَى الْجَاهِلِيَّةِ، فَهُوَ مِنْ جُثَاءِ جَهَنَّمَ" قَالُوا: يَا رَسُولَ اللهِ، وَإِنْ صَامَ، وَإِنْ صَلَّى؟ قَالَ: "وَإِنْ صَامَ، وَإِنْ صَلَّى، وَزَعَمَ أَنَّهُ مُسْلِمٌ، فَادْعُوا الْمُسْلِمِينَ بِأَسْمَائِهِمْ بِمَا سَمَّاهُمُ اللهُ عَزَّ وَجَلَّ الْمُسْلِمِينَ الْمُؤْمِنِينَ عِبَادَ اللهِ عَزَّ وَجَلَّ"[14])).
    [1])) أخرجه الطبري في ((التفسير))، 3/378.
    [2])) السابق.
    [3])) ((تفسير ابن كثير))، 1/367.
    [4])) صحيح: أخرجه مسلم (1715).
    [5])) ((شرح مسلم))، 12/252.
    [6])) صحيح: أخرجه أحمد (21590)، عن زيد ابن ثابت، وابن ماجه (3056)، عن جبير ابن مطعم، وصححه الألباني في ((الصحيحة))، 1/761.
    [7])) صحيح: أخرجه الترمذي (2165)، وقال: ((هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ غَرِيبٌ مِنْ هَذَا الوَجْهِ، وَقَدْ رَوَاهُ ابْنُ المُبَارَكِ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ سُوقَةَ، وَقَدْ رُوِيَ هَذَا الحَدِيثُ مِنْ غَيْرِ وَجْهٍ عَنْ عُمَرَ عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم))، وابن ماجه (2363)، وأحمد (114)، وصححه الألباني في ((صحيح الجامع))، (2546).
    [8])) ((الرسالة))، (473).
    [9])) متفق عليه: أخرجه البخاري (3606)، ومسلم (1847).
    [10])) ((فتح الباري))، 13/37.
    [11])) صحيح: أخرجه الترمذي (2166)، وقال: ((هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ غَرِيبٌ لَا نَعْرِفُهُ مِنْ حَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ إِلَّا مِنْ هَذَا الوَجْهِ))، وصححه الألباني في ((ظلال الجنة))، (8180)، و((المشكاة))، (173).
    [12])) النسائي في ((الكبرى))، (3469)، عَنْ عَرْفَجَةَ بْنِ ضُرَيْحٍ الْأَشْجَعِيِّ، وصححه الألباني في ((صحيح الجامع))، (3621).
    [13])) إسناده حسن: أخرجه أحمد (18449)، وقال الألباني في ((ظلال الجنة))، حديث رقم (93): إسناده حسن ورجاله ثقات وفي أبي وكيع واسمه الجراح بن مليح كلام يسير.
    [14])) صحيح: أخرجه أحمد (17170)، والطيالسي (1258)، وأبو يعلى (1571)، وابن خزيمة (1895)، وصححه الألباني في ((صحيح الجامع))، (1724).


    _________________


    قناتي على موقع يوتيوب :
    https://www.youtube.com/channel/UCm8N-tHwIFM7hPnwtLrBMpg
    مدونتي:
    https://ahmed26413.blogspot.com.eg/

    أحمد
    إدارة ثمار الأوراق
    إدارة ثمار الأوراق

    عدد الرسائل : 16657
    الموقع : القاهرة
    نقاط : 38587
    تاريخ التسجيل : 17/09/2008

    رد: شرح (شرح السنة للإمام البربهاري) للشيخ محمد طه شعبان

    مُساهمة من طرف أحمد في السبت أبريل 06, 2013 4:25 am

    ثالثا: الأدلة من الكتاب والسنة على ذم التفرق والاختلاف، والتحذير منهما:
    1- قال الله تعالى: (وَلا تَكُونُوا كَالَّذِينَ تَفَرَّقُوا وَاخْتَلَفُوا مِنْ بَعْدِ مَا جاءَهُمُ الْبَيِّناتُ وَأُولئِكَ لَهُمْ عَذابٌ عَظِيمٌ يَوْمَ تَبْيَضُّ وُجُوهٌ وَتَسْوَدُّ وُجُوهٌ فَأَمَّا الَّذِينَ اسْوَدَّتْ وُجُوهُهُمْ أَكَفَرْتُمْ بَعْدَ إِيمانِكُمْ فَذُوقُوا الْعَذابَ بِما كُنْتُمْ تَكْفُرُونَ وَأَمَّا الَّذِينَ ابْيَضَّتْ وُجُوهُهُمْ فَفِي رَحْمَتِ اللَّهِ هُمْ فِيها خالِدُونَ)، آل عمران: 105- 107.
    قال ابن جرير الطبري رحمه الله: ((يعني بذلك جل ثناؤه: (ولا تكونوا)، يا معشر الذين آمنوا (كالذين تفرقوا) من أهل الكتاب (واختلفوا) في دين الله وأمره ونهيه (من بعد ما جاءهم البينات)، من حجج الله، فيما اختلفوا فيه، وعلموا الحق فيه فتعمدوا خلافه، وخالفوا أمرَ الله، ونقضوا عهده وميثاقه جراءة على الله (وأولئك لهم)، يعني: ولهؤلاء الذين تفرقوا، واختلفوا من أهل الكتاب من بعد ما جاءهم (عذاب) من عند الله (عظيم)، يقول جل ثناؤه: فلا تتفرقوا، يا معشر المؤمنين، في دينكم تفرُّق هؤلاء في دينهم، ولا تفعلوا فعلهم، وتستنوا في دينكم بسنتهم، فيكون لكم من عذاب الله العظيم مثل الذي لهم))([1]).
    وقال القرطبي رحمه الله: ((فَمَنْ بَدَّلَ أَوْ غَيَّرَ أَوِ ابْتَدَعَ فِي دِينِ الله مالا يَرْضَاهُ اللَّهُ وَلَمْ يَأْذَنْ بِهِ اللَّهُ، فَهُوَ مِنَ الْمَطْرُودِينَ عَنِ الْحَوْضِ الْمُبْتَعِدِينَ مِنْهُ الْمُسَوَّدِي الْوُجُوهِ، وَأَشَدُّهُمْ طَرْدًا وَإِبْعَادًا مَنْ خَالَفَ جَمَاعَةَ الْمُسْلِمِينَ وَفَارَقَ سَبِيلَهُمْ، كَالْخَوَارِجِ عَلَى اخْتِلَافِ فِرَقِهَا، وَالرَّوَافِضِ عَلَى تَبَايُنِ ضَلَالِهَا، وَالْمُعْتَزِلَةِ عَلَى أَصْنَافِ أَهْوَائِهَا، فَهَؤُلَاءِ كُلُّهُمْ مُبَدِّلُونَ وَمُبْتَدِعُونَ، وَكَذَلِكَ الظَّلَمَةُ الْمُسْرِفُونَ فِي الْجَوْرِ وَالظُّلْمِ وَطَمْسِ الْحَقِّ وَقَتْلِ أَهْلِهِ وَإِذْلَالِهِمْ، وَالْمُعْلِنُونَ بِالْكَبَائِرِ الْمُسْتَخِفُّونَ بِالْمَعَاصِي، وَجَمَاعَةُ أَهْلِ الزَّيْغِ وَالْأَهْوَاءِ وَالْبِدَعِ، كُلٌّ يُخَافُ، عَلَيْهِمْ أن يكونوا عنوا بالآية، والخبر كَمَا بَيَّنَّا))([2]).
    وقال ابن كثير رحمه الله: (( (يَوْمَ تَبْيَضُّ وُجُوهٌ وَتَسْوَدُّ وُجُوهٌ) يَعْنِي: يَوْمَ الْقِيَامَةِ؛ حِينَ تَبْيَضُّ وُجُوهُ أَهْلِ السُّنَّةِ وَالْجَمَاعَةِ، وَتَسْوَدُّ وُجُوهُ أَهْلِ البِدْعَة وَالْفُرْقَةِ، قَالَهُ ابْنُ عَبَّاسٍ، رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا))([3]).
    2- قال تعالى: (وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا فَاتَّبِعُوهُ وَلا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَنْ سَبِيلِهِ ذَلِكُمْ وَصَّاكُمْ بِهِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ)، الأنعام: 153.
    3- وقال تعالى: (إِنَّ الَّذِينَ فَرَّقُوا دِينَهُمْ وَكانُوا شِيَعاً لَسْتَ مِنْهُمْ فِي شَيْءٍ إِنَّما أَمْرُهُمْ إِلَى اللَّهِ ثُمَّ يُنَبِّئُهُمْ بِما كانُوا يَفْعَلُونَ)، الأنعام: 159.
    قال الطبري رحمه الله: ((إن الله أخبر نبيه صلى الله عليه وسلم أنه بريء ممن فارق دينه الحق وفرقه، وكانوا فرقًا فيه وأحزابًا شيعًا، وأنه ليس منهم، ولا هم منه))([4]).
    وقال: ((قوله: (لست منهم في شيء) ، إعلام من الله نبيَّه محمدًا صلى الله عليه وسلم أنه من مبتدعة أمته الملحدة في دينه بريء، ومن الأحزاب من مشركي قومه، ومن اليهود والنصارى))([5]).
    4- وقال تعالى: (فَتَقَطَّعُوا أَمْرَهُمْ بَيْنَهُمْ زُبُرًا كُلُّ حِزْبٍ بِمَا لَدَيْهِمْ فَرِحُونَ)، المؤمنون: 53.
    5- وقال تعالى: (وَلا تَكُونُوا مِنَ الْمُشْرِكِينَ مِنَ الَّذِينَ فَرَّقُوا دِينَهُمْ وَكانُوا شِيَعاً كُلُّ حِزْبٍ بِما لَدَيْهِمْ فَرِحُونَ)، الروم: 32،31.
    6- وقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «افْتَرَقَتِ الْيَهُودُ عَلَى إِحْدَى وَسَبْعِينَ فِرْقَةً، فَوَاحِدَةٌ فِي الْجَنَّةِ، وَسَبْعُونَ فِي النَّارِ، وَافْتَرَقَتِ النَّصَارَى عَلَى ثِنْتَيْنِ وَسَبْعِينَ فِرْقَةً، فَإِحْدَى وَسَبْعُونَ فِي النَّارِ، وَوَاحِدَةٌ فِي الْجَنَّةِ، وَالَّذِي نَفْسُ مُحَمَّدٍ بِيَدِهِ لَتَفْتَرِقَنَّ أُمَّتِي عَلَى ثَلَاثٍ وَسَبْعِينَ فِرْقَةً، وَاحِدَةٌ فِي الْجَنَّةِ، وَثِنْتَانِ وَسَبْعُونَ فِي النَّارِ» ، قِيلَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ مَنْ هُمْ؟ قَالَ: «الْجَمَاعَةُ»([6]).
    وقد تقدت أحاديث أخرى عن النبي صلى الله عليه وسلم فيها ذم للفرقة.
    رابعا: الآثار الواردة عن السلف في لزوم الجماعة، وذم التفرق والاختلاف، والتحذير منهما:
    وقد ورد في ذلك آثار كثيرة عن السلف الصالح، منها:
    عَنْ سُوَيْدِ بْنِ غَفَلَةَ قَالَ: أَخَذَ عُمَرُ بِيَدِي فَقَالَ: يَا أَبَا أُمَيَّةَ إِنِّي لَا أَدْرِي لَعَلَّنَا لَا نَلْتَقِي بَعْدَ يَوْمِنَا هَذَا، اِتَّقِ اَللَّهَ رَبَّك إِلَى يَوْمٍ تَلْقَاهُ كَأَنَّكَ تَرَاهُ وَأَطِعْ اَلْإِمَامَ وَإِنْ كَانَ عَبْدًا حَبَشِيًّا مُجَدَّعًا، إِنْ ضَرَبَكَ فَاصْبِرْ، وَإِنْ أَهَانَك فَاصْبِرْ، وَإِنْ أَمَرَكَ بِأَمْرٍ يُنْقِصُ دِينَكَ فَقُلْ:سمعا وطَاعَة، دَمِي دُونَ دِينِي، وَلَا تُفَارِقْ اَلْجَمَاعَةَ([7]).
    وعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ رضي الله عنهما, في قَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى (يَوْمَ تَبْيَضُّ وُجُوهٌ وَتَسْوَدُّ وُجُوهٌ) [آل عمران: 106] : فَأَمَّا الَّذِينَ ابْيَضَّتْ وُجُوهُهُمْ فَأَهْلُ السُّنَّةِ وَالْجَمَاعَةِ , وَأَمَّا الَّذِينَ اسْوَدَّتْ وُجُوهُهُمْ فَأَهَلُ الْبِدَعِ وَالْأَهْوَاءِ([8]).
    وعن ثَابِت بْن الْعَجْلَانِ , قَالَ: «أَدْرَكْتُ أَنَسَ بْنَ مَالِكٍ , وَابْنَ الْمُسَيِّبِ , وَالْحَسَنَ الْبَصْرِيَّ , وَسَعِيدَ بْنَ جُبَيْرٍ , وَالشَّعْبِيَّ , وَإِبْرَاهِيمَ النَّخَعِيَّ , وَعَطَاءَ بْنَ أَبِي رَبَاحٍ , وَطَاوُسًا , وَمُجَاهِدًا , وَعَبْدَ اللَّهِ بْنَ أَبِي مُلَيْكَةَ , وَالزُّهْرِيَّ , وَمَكْحُولًا , وَالْقَاسِمَ أَبَا عَبْدِ الرَّحْمَنِ , وَعَطَاءً الْخُرَاسَانِيَّ , وَثَابِتًا الْبُنَانِيَّ , وَالْحَكَمَ بْنَ عُتْبَةَ , وَأَيُّوبَ السِّخْتِيَانِيَّ , وَحَمَّادًا , وَمُحَمَّدَ بْنَ سِيرِينَ , وَأَبَا عَامِرٍ» , - وَكَانَ قَدْ أَدْرَكَ أَبَا بَكْرٍ الصِّدِّيقَ - , وَيَزِيدَ الرَّقَاشِيَّ , وَسُلَيْمَانَ بْنَ مُوسَى , كُلُّهُمْ يَأْمُرُونَنِي فِي الْجَمَاعَةِ , وَيَنْهَوْنَنِي عَنْ أَصْحَابِ الْأَهْوَاءِ"([9]).
    وعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ , قَالَ: «أَمَرَ اللَّهُ الْمُؤْمِنِينَ بِالْجَمَاعَةِ وَنَهَاهُمْ عَنِ الِاخْتِلَافِ وَالْفُرْقَةِ, وَأَخْبَرَهُمْ بِمَا هَلَكَ مَنْ كَانَ قَبْلَهُمْ بِالْمِرَاءِ وَالْخُصُومَاتِ»([10]).
    وعَنْ ثَابِتِ بْنِ قُطْبَةَ, قَالَ: سَمِعْتُ ابْنَ مَسْعُودٍ وَهُوَ يَخْطُبُ وَهُوَ يَقُولُ: «يَا أَيُّهَا النَّاسُ عَلَيْكُمْ بِالطَّاعَةِ وَالْجَمَاعَةِ , فَإِنَّهُمَا السَّبِيلُ فِي الْأَصْلِ إِلَى حَبْلِ اللَّهِ الَّذِي أَمَرَ بِهِ , وَإِنَّ مَا تَكْرَهُونَ فِي الْجَمَاعَةِ خَيْرٌ مِمَّا تُحِبُّونَ فِي الْفُرْقَةِ»([11]).
    وعَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: (وَإِنِّي لَغَفَّارٌ لِمَنْ تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ صَالِحًا ثُمَّ اهْتَدَى) [طه: 82], قَالَ: «لُزُومُ السُّنَّةِ وَالْجَمَاعَةِ»([12]).
    وعَنِ الْأَوْزَاعِيِّ , قَالَ: " كَانَ يُقَالُ: " خَمْسٌ كَانَ عَلَيْهَا أَصْحَابُ مُحَمَّدٍ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَالتَّابِعُونَ بِإِحْسَانٍ: لُزُومُ الْجَمَاعَةِ, وَاتِّبَاعُ السُّنَّةِ, وَعِمَارَةُ الْمَسَاجِدِ , وَتِلَاوَةُ الْقُرْآنِ , وَالْجِهَادُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ"([13]).
    وقال الطحاوي في عقيدته: ونتبع السنة والجماعة، ونجتنب الشذوذ والخلاف والفرقة.
    وقال أيضا: ونرى الجماعة حقا وصوابا، والفرقة زيغا وعذابا.
    خامسا: لا يلزم أن تكون الجماعة هي الكثرة:
    قال عَبْدُ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ: «إِنَّمَا الْجَمَاعَةُ مَا وَافَقَ طَاعَةَ اللَّهِ وَإِنْ كُنْتَ وَحْدَكَ»([14]).
    وعن يُوسُفَ بْن أَسْبَاطٍ قال: سَمِعْتُ سُفْيَانَ الثَّوْرِيَّ يَقُولُ: «إِذَا بَلَغَكَ عَنْ رَجُلٍ بِالْمَشْرِقِ صَاحِبِ سُنَّةٍ وَآخَرَ بِالْمَغْرِبِ, فَابْعَثْ إِلَيْهِمَا بِالسَّلَامِ وَادْعُ لَهُمَا, مَا أَقَلَّ أَهْلَ السُّنَّةِ وَالْجَمَاعَةِ»([15]).
    وَسُئِلَ ابْنُ الْمُبَارَكِ عَنِ الْجَمَاعَةِ؟ فَقَالَ: أَبُو بَكْرٍ، وَعُمَرُ.
    فَقِيلَ لَهُ: قَدْ مَاتَ أَبُو بَكْرٍ، وَعُمَرُ، قَالَ: فَفُلانٌ وَفُلانٌ، قِيلَ: قَدْ مَاتَ فُلانٌ وَفُلانٌ؟ قَالَ ابْنُ الْمُبَارَكِ: أَبُو حَمْزَةَ السُّكَّرِيُّ جَمَاعَةٌ([16]).
    وَقَالَ سُفْيَانُ: لَوْ أَنَّ فَقِيهًا عَلَى رَأْسِ جَبَلٍ لَكَانَ هُوَ الْجَمَاعَةَ([17]).
    قال ابن أبي شامة، رحمه الله: "وحيث جاء الأمر بلزوم الجماعة، فالمراد به لزوم الحق واتباعه، وإن كان المتمسك بالحق قليلا والمخالف كثيرا؛ لأن الحق هو الذي كانت عليه الجماعة الأولى من عهد النبي -صلى الله عليه وسلم- وأصحابه -رضي الله عنهم- ولا نظر إلى كثرة أهل الباطل بعدهم"([18]).
    وسيأتي ذكر علامات أهل السنة، وسيما أهل البدعة، فيما سيأتي من كلام الإمام البربهاري رحمه الله.
    [1])) ((تفسير الطبري))، 3/385.
    ([2]) ((تفسير القرطبي))، 4/165.
    [3])) ((تفسير ابن كثير))، 1/396.
    [4])) ((تفسير الطبري))، 10/33، ط هجر.
    [5])) السابق 10/35.
    [6])) تقدم تخريجه.
    [7])) أخرجه ابن أبي زمنين في ((أصول السنة))، برقم (205)، والخلال في ((السنة))، برقم (54).
    [8])) أخرجه الطبري في ((التفسير))، 3/385، والآجري في ((الشريعة))، برقم (2074)، واللالكائي في ((شرح السنة))، (74).
    [9])) أخرجه اللالكائي في ((شرح اعتقاد أهل السنة))، (239).
    [10])) السابق (212).
    [11])) السابق (159).
    [12])) السابق (72).
    [13])) السابق (48)، والبغوي في ((شرح السنة))، 1/209.
    [14])) أخرجه اللالكائي في ((شرح اعتقاد أهل السنة))، (160).
    [15])) السابق (50).
    [16])) ((شرح السنة)) للبغوي، 1/216.
    [17])) السابق 1/279.
    [18])) ((الباعث على إنكار البدع والحوادث))، (19).


    عدل سابقا من قبل أحمد في السبت أبريل 06, 2013 4:26 am عدل 1 مرات


    _________________


    قناتي على موقع يوتيوب :
    https://www.youtube.com/channel/UCm8N-tHwIFM7hPnwtLrBMpg
    مدونتي:
    https://ahmed26413.blogspot.com.eg/

    أحمد
    إدارة ثمار الأوراق
    إدارة ثمار الأوراق

    عدد الرسائل : 16657
    الموقع : القاهرة
    نقاط : 38587
    تاريخ التسجيل : 17/09/2008

    رد: شرح (شرح السنة للإمام البربهاري) للشيخ محمد طه شعبان

    مُساهمة من طرف أحمد في السبت أبريل 06, 2013 4:25 am

    ((والأساس الذي تُبنى عليه الجماعة، وهم أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم ورحمهم الله أجمعين، وهم أهل السنة والجماعة، فمن لم يأخذ عنهم فقد ضل وابتدع، وكل بدعة ضلالة، والضلالة وأهلها في النار)).
    الشرح:
    قوله: (والأساس الذي تُبنى عليه الجماعة، وهم أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم ورحمهم الله أجمعين، وهم أهل السنة والجماعة)؛ تقدم أن الجماعة ترجع إلى معنيين: الاجتماع على الإمام، والاجتماع على ما كان عليه النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه من عقيدة وعمل؛ ولذا في حديث الافتراق أنهم سألوه عن الفرقة الناجية؟ فقال: ((هي الجماعة([1]))).
    وفي لفظ: ((ما أنا عليه وأصحابي([2]))).
    ومن نظر في الأول وجده يرجع إلى الثاني؛ فكل أمور الشريعة من عقيدة وعمل، واجتماع على الإمام، راجعة إلى ما كان عليه صحابة النبي صلى الله عليه وسلم.
    قوله: (فمن لم يأخذ عنهم فقد ضل وابتدع)؛ من لم يأخذ عن الصحابة رضوان الله عليهم، عقيدتهم، وطريقتهم، ومنهجهم، فليس من أهل السنة والجماعة، وهو ضال مبتدع؛ وذلك لأن الله تعالى أمرنا باتباعهم، وعدم الخروج عن دائرتهم.
    وإليك الأدلة على ذلك:
    1- قال تعالى: (وَالسَّابِقُونَ الْأَوَّلُونَ مِنَ الْمُهاجِرِينَ وَالْأَنْصارِ وَالَّذِينَ اتَّبَعُوهُمْ بِإِحْسانٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ وَأَعَدَّ لَهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي تَحْتَهَا الْأَنْهارُ خالِدِينَ فِيها أَبَداً ذلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ)، التوبة: 100.
    قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله: ((فَقَدْ رَضِيَ اللَّهُ عَنْ السَّابِقِينَ رِضًا مُطْلَقًا وَرَضِيَ عَمَّنْ اتَّبَعَهُمْ بِإِحْسَانِ))([3]).
    قلت: وذلك لأن السابقين، وهم: الصحابة رضوان الله عليهم، كانوا لا يحيدون عن الإحسان، بل كان الإحسان هو ديدنهم وطريقتهم، وأما غيرهم ممن جاء بعدهم، فمنهم المحسن، ومنهم المسيء، والله عز وجل لن يرضى إلا عن المحسن منهم، وهو من اتبع سبيل الصحابة الكرام.
    2- عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بن مسعود رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، قَالَ: ((خَيْرُ النَّاسِ قَرْنِي، ثُمَّ الَّذِينَ يَلُونَهُمْ، ثُمَّ الَّذِينَ يَلُونَهُمْ))([4]).
    فدل على أن الصحابة رضوان الله عليهم هم أفضل الناس؛ فوجب اتباعهم.
    3- عَنْ أَبِي مُوسَىَ الأشعري رضي الله عنه قالَ: صَلَّيْنَا الْمَغْرِبَ مَعَ رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، ثُمَّ قُلْنَا: لَوْ جَلَسْنَا حَتَّى نُصَلِّيَ مَعَهُ الْعِشَاءَ قَالَ فَجَلَسْنَا، فَخَرَجَ عَلَيْنَا، فَقَالَ: «مَا زِلْتُمْ هَاهُنَا؟» قُلْنَا: يَا رَسُولَ اللهِ صَلَّيْنَا مَعَكَ الْمَغْرِبَ، ثُمَّ قُلْنَا: نَجْلِسُ حَتَّى نُصَلِّيَ مَعَكَ الْعِشَاءَ، قَالَ «أَحْسَنْتُمْ أَوْ أَصَبْتُمْ» قَالَ فَرَفَعَ رَأْسَهُ إِلَى السَّمَاءِ، وَكَانَ كَثِيرًا مِمَّا يَرْفَعُ رَأْسَهُ إِلَى السَّمَاءِ، فَقَالَ: «النُّجُومُ أَمَنَةٌ([5]) لِلسَّمَاءِ، فَإِذَا ذَهَبَتِ النُّجُومُ أَتَى السَّمَاءَ مَا تُوعَدُ، وَأَنَا أَمَنَةٌ لِأَصْحَابِي، فَإِذَا ذَهَبْتُ أَتَى أَصْحَابِي مَا يُوعَدُونَ، وَأَصْحَابِي أَمَنَةٌ لِأُمَّتِي، فَإِذَا ذَهَبَ أَصْحَابِي أَتَى أُمَّتِي مَا يُوعَدُونَ»([6]).
    فدل على أن الصحابة رضوان الله عليهم هم أمان هذه الأمة، وميزانها الذي يُعول عليه؛ وذلك لأنهم شاهدوا النبي صلى الله عليه وسلم، وعايشوه، وأخذوا عنه مباشرة، من غير واسطة قد تفسد عليهم النصوص؛ سواء من جهة الثبوت، أو من جهة الفهم.
    قال النووي رحمه الله: ((قَوْلُهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ (وَأَصْحَابِي أَمَنَةٌ لِأُمَّتِي فَإِذَا ذَهَبَ أَصْحَابِي أَتَى أُمَّتِي مَا يُوعَدُونَ) مَعْنَاهُ: مِنْ ظُهُورِ الْبِدَعِ وَالْحَوَادِثِ فِي الدِّينِ وَالْفِتَنِ فِيهِ))([7]).
    4- وعَنْ العِرْبَاضِ بْنِ سَارِيَةَ رضي الله عنه، قَالَ: صَلَّى لَنَا رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الْفَجْرَ، ثُمَّ أَقْبَلَ عَلَيْنَا، فَوَعَظَنَا مَوْعِظَةً بَلِيغَةً، ذَرَفَتْ لَهَا الْأَعْيُنُ، وَوَجِلَتْ مِنْهَا الْقُلُوبُ، قُلْنَا أَوْ قَالُوا: يَا رَسُولَ اللهِ، كَأَنَّ هَذِهِ مَوْعِظَةُ مُوَدِّعٍ، فَأَوْصِنَا. قَالَ: " أُوصِيكُمْ بِتَقْوَى اللهِ وَالسَّمْعِ وَالطَّاعَةِ وَإِنْ كَانَ عَبْدًا حَبَشِيًّا، فَإِنَّهُ مَنْ يَعِشْ مِنْكُمْ فسيَرَى اخْتِلَافًا كَثِيرًا، فَعَلَيْكُمْ بِسُنَّتِي وَسُنَّةِ الْخُلَفَاءِ الرَّاشِدِينَ الْمَهْدِيِّينَ، وَعَضُّوا عَلَيْهَا بِالنَّوَاجِذِ، وَإِيَّاكُمْ وَمُحْدَثَاتِ الْأُمُورِ، فَإِنَّ كُلَّ مُحْدَثَةٍ بِدْعَةٌ، وَإِنَّ كُلَّ بِدْعَةٍ ضَلَالَةٌ" ([8]).
    فأمر النبي صلى الله عليه وسلم باتباع سنته وسنة الخلفاء الراشدين، بل بالغ صلى الله عليه وسلم في ذلك حتى أمر أن يُعض عليها بالنواجذ.([9])
    ومما ورد عن السلف رحمهم الله ورضي عنهم في الحث على لزوم منهج الصحابة رضوان الله عليهم، والتحذير من الميل عنهم:
    عَنْ قَتَادَةَ قَالَ: قَالَ ابْنُ مَسْعُودٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ «مَنْ كَانَ مِنْكُمْ مُتَأَسِّيًا فَلْيَتَأَسَّ بِأَصْحَابِ مُحَمَّدٍ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ؛ فَإِنَّهُمْ كَانُوا أَبَرَّ هَذِهِ الْأُمَّةِ قُلُوبًا وَأَعْمَقَهَا عِلْمًا وَأَقَلَّهَا تَكَلُّفًا وَأَقْوَمَهَا هَدْيًا وَأَحْسَنَهَا حَالًا، قَوْمًا اخْتَارَهُمُ اللَّهُ تَعَالَى لِصُحْبَةِ نَبِيِّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَاعْرِفُوا لَهُمْ فَضْلَهُمْ وَاتَّبِعُوهُمْ فِي آثَارِهِمْ؛ فَإِنَّهُمْ كَانُوا عَلَى الْهُدَى الْمُسْتَقِيمِ»([10]).
    وعَنْ زِرِّ بْنِ حُبَيْشٍ، عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ مَسْعُودٍ رضي الله عنه، قَالَ: "إِنَّ اللهَ نَظَرَ فِي قُلُوبِ الْعِبَادِ، فَوَجَدَ قَلْبَ مُحَمَّدٍ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ خَيْرَ قُلُوبِ الْعِبَادِ، فَاصْطَفَاهُ لِنَفْسِهِ، فَابْتَعَثَهُ بِرِسَالَتِهِ، ثُمَّ نَظَرَ فِي قُلُوبِ الْعِبَادِ بَعْدَ قَلْبِ مُحَمَّدٍ، فَوَجَدَ قُلُوبَ أَصْحَابِهِ خَيْرَ قُلُوبِ الْعِبَادِ، فَجَعَلَهُمْ وُزَرَاءَ نَبِيِّهِ، يُقَاتِلُونَ عَلَى دِينِهِ، فَمَا رَأَى الْمُسْلِمُونَ حَسَنًا، فَهُوَ عِنْدَ اللهِ حَسَنٌ، وَمَا رَأَوْا سَيِّئًا فَهُوَ عِنْدَ اللهِ سَيِّئٌ"([11]).
    وكتب عمر بن عبد العزيز رحمه الله إِلَى عَدِيِّ بْنِ أَرْطَأَةَ كتابا فقال: ((مِنْ عَبْدِ اللَّهِ عُمَرَ أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ إِلَى عَدِيِّ بْنِ أَرْطَأَةَ أَمَّا بَعْدُ: فَإِنِّي أَحْمَدُ إِلَيْكَ اللَّهَ الَّذِي لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ أَمَّا بَعْدُ: فَإِنِّي أُوصِيكَ بِتَقْوَى اللَّهِ، وَالِاقْتِصَادِ فِي أَمْرِهِ، وَاتِّبَاعِ سُنَّةِ نَبِيِّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وَتَرْكِ مَا أَحْدَثَ الْمُحْدِثُونَ مِمَّا قَدْ جَرَتْ سُنَّتُهُ، وَكُفُوا مُؤْنَتَهُ، فَعَلَيْكُمْ بِلُزُومِ السُّنَّةِ، فَإِنَّ السُّنَّةَ إِنَّمَا سَنَّهَا مَنْ قَدْ عَرَفَ مَا فِي خِلَافِهَا مِنَ الْخَطَأِ وَالزَّلَلِ، وَالْحُمْقِ وَالتَّعَمُّقِ، فَارْضَ لِنَفْسِكَ مَا رَضِيَ بِهِ الْقَوْمُ لِأَنْفُسِهِمْ، فَإِنَّهُمْ عَنْ عِلْمٍ وَقَفُوا، وَبِبَصَرٍ نَافِذٍ قَدْ كَفَوْا، وَلَهُمْ كَانُوا عَلَى كَشْفِ الْأُمُورِ أَقْوَى وَبِفَضْلٍ لَوْ كَانَ فِيهِ أَجْرِي فَلَئِنْ قُلْتُمْ: أَمْرٌ حَدَثَ بَعْدَهُمْ، مَا أَحْدَثَهُ بَعْدَهُمْ إِلَّا مَنِ اتَّبَعَ غَيْرَ سُنَّتَهُمْ، وَرَغِبَ بِنَفْسِهِ عَنْهُمْ، إِنَّهُمْ لَهُمُ السَّابِقُونَ، فَقَدْ تَكَلَّمُوا مِنْهُ بِمَا يَكْفِي، وَوَصَفُوا مِنْهُ مَا يَشْفِي، فَمَا دُونَهُمْ مُقَصِّرٌ، وَمَا فَوْقَهُمْ مُخْسِرٌ، لَقَدْ قَصُرَ عَنْهُمْ آخَرُونَ فَضَلُّوا وَإِنَّهُمْ بَيْنَ ذَلِكَ لَعَلَى هُدًى مُسْتَقِيمٍ))([12]).
    قوله: (فمن لم يأخذ عنهم فقد ضل وابتدع، وكل بدعة ضلالة، والضلالة وأهلها في النار)؛ لقول النبي صلى الله عليه وسلم: ((فَإِنَّهُ مَنْ يَعِشْ مِنْكُمْ فسيَرَى اخْتِلَافًا كَثِيرًا، فَعَلَيْكُمْ بِسُنَّتِي وَسُنَّةِ الْخُلَفَاءِ الرَّاشِدِينَ الْمَهْدِيِّينَ، وَعَضُّوا عَلَيْهَا بِالنَّوَاجِذِ، وَإِيَّاكُمْ وَمُحْدَثَاتِ الْأُمُورِ، فَإِنَّ كُلَّ مُحْدَثَةٍ بِدْعَةٌ، وَإِنَّ كُلَّ بِدْعَةٍ ضَلَالَةٌ)) ([13]).

    ([1]) صحيح: أخرجه ابن ماجه (3992، 3993)، وصححه الألباني في ((الصحيحة))، (204).

    [2])) حسن: أخرجه الترمذي (2641)، وقال: ((هَذَا حَدِيثٌ مُفَسَّرٌ حسن غَرِيبٌ لَا نَعْرِفُهُ مِثْلَ هَذَا إِلَّا مِنْ هَذَا الْوَجْهِ))، وحسنه الألباني في ((المشكاة))، (171)، ((الصحيحة))، (1348).

    [3])) ((مجموع الفتاوى))، 11/573.

    [4])) متفق عليه: أخرجه البخاري (3651)، ومسلم (2533).

    [5])) قال النووي رحمه الله: ((الْأَمَنَةُ بِفَتْحِ الْهَمْزَةِ وَالْمِيمِ وَالْأَمْنُ وَالْأَمَانُ بِمَعْنًى وَمَعْنَى الْحَدِيثِ أَنَّ النُّجُومَ مَا دَامَتْ بَاقِيَةً فَالسَّمَاءُ بَاقِيَةٌ فَإِذَا انْكَدَرَتِ النُّجُومُ وَتَنَاثَرَتْ فِي الْقِيَامَةِ وَهَنَتِ السَّمَاءُ فَانْفَطَرَتْ وَانْشَقَّتْ وَذَهَبَتْ))، ((شرح مسلم))، 16/83.

    [6])) صحيح: أخرجه مسلم (2531).

    [7])) ((شرح مسلم))، 16/83.

    [8])) صحيح: أخرجه أبوداود (4607)، والترمذي (2676)، وابن ماجه (42)، وأحمد (17144)، وصححه الألباني في((ظلال الجنة))، (58).

    [9])) وهناك أدلة أخرى استدل بها العلماء، نحو؛ قوله تعالى: (كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ)، آل عمران: 110، وقوله تعالى: (وَكَذلِكَ جَعَلْناكُمْ أُمَّةً وَسَطاً لِتَكُونُوا شُهَداءَ عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيداً)، البقرة: 143، وقوله تعالى: (فَإِنْ آمَنُوا بِمِثْلِ مَا آمَنْتُمْ بِهِ فَقَدِ اهْتَدَوْا وَإِنْ تَوَلَّوْا فَإِنَّما هُمْ فِي شِقاقٍ)، البقرة: 137.

    [10])) أخرجه ابن عبد البر في ((جامع بيان العلم وفضله))، (1810)، وأخرجه الآجري في ((الشريعة))، (1161)، (1984)، وابن عبد البر في ((جامع بيان العلم وفضله))، (1807)، عن الحسن البصري رحمه الله.

    [11])) أخرجه أحمد في ((المسند))، (3600)، وفي ((فضائل الصحابة))، (541)، والطيالسي (243)، والطبراني في ((الكبير))، (8582)، والآجري في ((الشريعة))، (1146،1145،1144)، وسنده حسن، وبنحوه الحاكم في المستدرك (4465)، وقال: هَذَا حَدِيثٌ صَحِيحُ الْإِسْنَادِ، وَلَمْ يُخَرِّجَاهُ.

    [12])) أخرجه أبوداود (4612)، وأحمد في ((الزهد))، (1709)، وابن بطه في ((الإبانة))، (1833)، والبيهقي في ((القضاء والقدر))، (539).

    [13])) تقدم.


    _________________


    قناتي على موقع يوتيوب :
    https://www.youtube.com/channel/UCm8N-tHwIFM7hPnwtLrBMpg
    مدونتي:
    https://ahmed26413.blogspot.com.eg/

      الوقت/التاريخ الآن هو السبت ديسمبر 03, 2016 10:37 am