ثمار الأوراق

ثمار الأوراق

منتدى تعليمي يهتم باللغة العربية علومها وآدابها.


    صفحات من كتاب مبادىء علم السياسة

    شاطر
    avatar
    أحمد
    إدارة ثمار الأوراق
    إدارة ثمار الأوراق

    عدد الرسائل : 16864
    الموقع : القاهرة
    نقاط : 39037
    تاريخ التسجيل : 17/09/2008

    صفحات من كتاب مبادىء علم السياسة

    مُساهمة من طرف أحمد في الأحد مارس 31, 2013 1:01 pm

    صفحات من كتاب مبادىء علم السياسة


    الإهداء
    إلى الجيل العربي الجديد.. على أمل أن يهتم أكثر بالسياسة، والعلوم السياسية، لأهميتها العظمى.. ودورها الرائد الخطير، في حياة البشر.

    لقد آن الآوان لإدراك أن الجهل بالسياسة، أو انحرافها، أو عدم الاكتراث بها، سيعني: شقاء مريعًا، وتخلفًا شنيعًا، في كل مجالات الحياة.

    مقدمة الطبعة الثالثة
    يسرني أن أخط هذه الـ (مقدمة)، للطبعة الثالثة، من كتابي (مبادئ علم السياسة)، الذي صدرت الطبعة الأولى منه عام 1417هـ، كما أن الطبعة الثانية هي الآن على وشك النفاد، وذلك دليل على أن هذا الكتاب قد حظي ـ ولله الحمد ـ بقبول حسن.. في الوسط الأكاديمي والثقافي، المحلي والعربي، وذلك شجعني مرة أخرى على إعادة نشر الكتاب، وإصدار طبعة ثالثة منه.. أكثر اختصارًا، فكان هذا الكتاب الذي بين يديك، أيها القارئ العزيز.

    وبما أن الطبعة الثانية استمرت ـ رغم ـ إيجازها ـ في الاتسام بتوسع مواضيعها، وشموليتها، واحتواءها على شيء من التعمق، فقد قررت ـ استجابة لرأي عينة من الطلاب والطالبات المعينين ـ اختصار تلك الطبعة أكثر.. وإصدار هذه الطبعة، من هذا الكتاب، أكثر إيجازًا وتبسيطًا.. لعل مواضيعها تكون أيسر منالاً، للطلاب المبتدئين.

    وما زال المؤلف يعتقد أن المضمون الذي أتت عليه الطبعة الأولى مناسب ومبسط.. للطلاب الجادين، المبتدئين في دراسة السياسة. وليس في هذه الطبعة جديد يذكر، عدا حذف البعض من صفحات الطبعة الثانية.. وبالتحديد، تم حذف الصفحات التالية من الطبعة الثانية:
    (1) 26 ـ 36
    (2) 54 ـ 66
    (3) 108 ـ 127
    (4) 188 ـ 194
    (5) 250 ـ 257
    (6) 264 ـ 266
    (7) 279 ـ 284
    (8) 316 ـ 366
    (9) 384 ـ 399
    بالإضافة إلى اختصارات أخرى، هنا وهناك.

    أي نحو 140 صفحة وهو ما يعادل حوالي 32% من حجم الطبعة الثانية. وأضحى حجم الطبعة الثالثة يساوي أقل من 60% من كامل حجم الطبعة الأولى. ولعل هذا الحذف يرضي طلاب الاختصار، ومؤيديه.

    أتمنى أن تكون محتويات هذه الطبعة أسهل تحصيلاً.. وأن تشد الطالب إلى مواضيع علم السياسة الهامة والشيقة، وتجعله يحاول الاستزادة.. وبالتالي اللجوء إلى مراجع أكثر شمولاً وعمقًا وتفصيلاً، الأمر الذي يسهم في دعم الثقافة السياسية العربية، وهي الغاية التي ندعي ـ بصدق ـ أننا نسعى إليها. والله ولي التوفيق


    المؤلف:
    ص. ي . ف
    جدة: في 2/9/1422هـ
    الموافق 17/11/2001م

    تمهيد
    وضعت مواضيع هذا الكتاب، حسب التسلسل التقليدي المعتاد، لورودها في أكثر مراجع علم السياسة، العربية والعالمية. وبما أنه كتاب موجز ـ رغم ما قد يرى البعض فيه من ضخامة في الحجم ـ فقد اقتصر على ثلاثة أجزاء، يوضحها فهرست هذا الكتاب، ويبين أهم تفاصيلها.

    ـ إن الجزء الأول، وهو بعنوان: "السياسية".. و"علم السياسية"، يحتوي على المواضيع الرئيسية.. التي تمثل البداية المنطقية، التي ترد ـ عادة ـ في معظم كتب المدخل.. لدراسة السياسة. ويتضمن هذا الجزء ثلاثة فصول.

    يهتم الفصل الأول، بتقديم تعريف لـ "السياسة"، و"علم السياسة"، وعناصر علم السياسة، والمعرفة السياسية. (بأنواعها)، وأهمية علم السياسة، ومجاله، وعلاقته بالعلوم الاجتماعية الأخرى…إلخ.

    وفي الفصل الثاني،نلخص أهم مناهج البحث العلمي.. المتبعة الآن في دراسة السياسة، دراسة علمية. ونلقي بعض الضوء، على مدى "علمية" علم السياسة، حاضرًا ومستقبلاً. وفي الفصل الثالث، نقدم نبذة، عن تطور الفكر السياسي، أو الفلسفة السياسية.. في محاولة لتوضيح ماهية المعرفة الفلسفية السياسية.

    ـ الجزء الثاني، وهو بعنوان: التنظيم السياسي. ويحتوي ـ هو الآخر ـ على ثلاثة فصول. حيث نناقش في الفصل الأول، مفهوم "الدولة" وعناصرها، وأصلها، وأنواعها، وأهم وظائفها… إلخ.

    وفي الفصل الثاني، نوجز المفهوم العام لـ "النظام السياسي".. والإطار التحليلي العام، المقترح لدراسة ذلك النظام.

    وفي الفصل الثالث، من هذا الجزء، نتطرق إلى تحليل "المؤسسات" السياسية الرسمية، وغير الرسمية. حيث نقدم (في المبحث الأول)، تعريفًا وتوضيحًا عامًا لـ "الحكومة"، وعناصرها ومكوناتها، وأعمالها، وأنواعها…إلخ.

    وفي المبحث الثاني، من الفصل الثالث هذا، نطرح تعريفًا عامًا، بأهم القوى السياسية غير الرسمية، ويقصد بها: الأحزاب السياسية، وجماعات الضغط، والرأي العام.
    * * *
    ـ أما الجزء الثالث والأخير، وهو بعنوان: العلاقات الدولية، فيتضمن فصلين موجزة، حيث يقدم الفصل الأول العلاقات الدولية، ويعرف بدراستها أما الفصل الثاني فهو يتناول موضوعًا مختلفًا وهو: التنظيم الدولي.


    الفهرس
    الموضوع الصفحة

    ـ الإهداء (1)
    ـ مقدمة الطبعة الثالثة (2)
    ـ تمهيد
    ـ الفهرست (المحتويات)
    ـ فهرست الجداول والأشكال
    الجزء الأول: السياسة.. و”علم السياسة”..
    الفصل الأول: المعرفة السياسية..
    علم السياسة
    المبادئ والقواعد
    علم السياسة، لماذا؟!
    أهمية "السياسة"
    مجال السياسة
    علاقة علم السياسة بالعلوم الأخرى
    المعرفة السياسية
    التحليلات السياسية المختلفة
    * * *
    ـ الفصل الثاني: مناهج ومداخل البحث العلمي في دراسة السياسة
    المنهج التقليدي (أو المناهج التقليدية)
    المنهج التجريبي (الحديث)
    الفصل الثالث: نبذة عن تطور الفكر السياسي
    نماذج من الفلسفة السياسية التقليدة
    ـ العصور القديمة: أفلاطون
    ـ العصور الوسطى: مارسيليو بادو، عبدالرحمن بن خلدون
    ـ العصور الحديثة: ميكافيللي ، جان جاك روسو
    الجزء الثاني: التنظيم السياسي
    الفصل الأول: مفهوم "الدولة"
    المبحث الأول: الدولة وعناصرها الرئيسة
    المبحث الثاني: أصل الدولة ومبررها
    المبحث الثالث: أشكال الدولة
    (أ‌) الاتحاد الشخصي
    (ب‌) الاتحاد الفعلي
    (ج) الاتحاد الكونفدرالي
    (د) الاتحاد الفيدرالي
    المبحث الرابع: وظيفة الدولة (ممثلة بحكومتها)
    (أولاً) ـ المذهب الفردي
    (ثانيًا) ـ المذهب الاشتراكي
    (ثالثًا) ـ المذهب الاجتماعي
    الفصل الثاني: النظام السياسي والإطار التحليلي العام المقترح لدراسته
    الفصل الثالث: عناصر النظام السياسي
    ـ المبحث الأول: المؤسسات السياسية الرسمية
    ـ تعريف "الحكومة"
    ـ العلاقة بين السلطات الثلاثاء
    ـ الدستور
    ـ السلطة التشريعية
    ـ السلطة التنفيذية
    ـ السلطة القضائية
    ـ أنواع الحكومات
    ـ التصنيف الحديث للحكومات

    ـ المبحث الثاني: المؤسسات السياسية غير الرسمية
    (أ‌) الأحزاب السياسية
    (ب‌) جماعات الضغط
    (ج) الرأي العام

    الجزء الثالث: العلاقات الدولية
    الفصل الأول: العلاقات الدولية ودراستها
    ـ مقدمة
    ـ المبحث الأول: علم العلاقات الدولية
    ـ العلاقات الدولية: تعاون وصراع..
    ـ أطراف العلاقات الدولية
    ـ علاقة علم العلاقات الدولية بـ “علم السياسة” والعلوم الأخرى
    ـ المبحث الثاني : النظام العالمي.. وتطوراته المحتملة
    الفصل الثاني : التنظيم الدولي المعاصر
    ـ المنظمات الدولية
    ـ عصبة الأمم
    ـ هيئة الأمم المتحدة
    ـ مصادر ومراجع الكتاب



    فهرست الجداول والأشكال(الجدول/ الشكل) الصفحة
    جدول رقم (1): هيئة الأمم المتحدة.. والأجهزة المرتبطة بها
    شكل رقم (2): التحديد التقريبي للحد الأمثل للسكان
    شكل رقم (2): "منحنى وظيفة الحكومة"
    شكل رقم (3): تفاعل النظام السياسي مع بيئته ـ كما يرى إيستون
    شكل رقم (4): تفاعل النظام السياسي مع بيئته ـ كما يرى إيستون:شكل مفصل
    شكل رقم (5): الصورة العامة التي يتفاعل بها النظام السياسي مع بيئته
    شكل رقم (6): منحنى العلاقات الثنائية بين دولتين معينتين أو طرفين معينين من أطراف العلاقات الدولية.




    الجزء الأول::"السياسة"... و”علم السياسة”
    يمكن اعتبار محتويات هذا الجزء، أهم المواضيع، التي ينبغي للمبتديء في دراسة السياسة. الإلمام بها. فمواضيع هذا الجزء، تعتبر المدخل الأول والمعبر الرئيس، لدراسة "السياسة".. دراسة علمية وموضوعية، إنها ـ أي هذه المواضيع ـ أهم أسس الدراسة العلمية لظاهرة السلطة السياسية.
    وهذا الجزء يحتوي على ثلاث فصول: في الفصل الأول، نقدم تعريفًا عامًا وموجزًا، لـ "السياسة" و”علم السياسة”، والمعرفة السياسية، بصفة عامة، وأهم ما يتعلق بأسس علم السياسة، وماهيته. أما في الفصل الثاني، فنوجز أهم الأساليب والطرق العلمية.. التي تتبع الآن، كوسائل.. لدراسة السياسة، دراسة علمية مجردة. وفي الفصل الثالث، من هذا الجزء، نورد نبذة عن المعرفة السياسية الفلسفية التقليدية.. موجزين بعض النماذج من الأفكار السياسية، عبر مختلف العصور.

    الفصل الأول::المعرفة السياسية
    السياسة (Politics)، هي من الإنسان وإليه.. وللإنسان سلوك سياسي، كما أن له سلوك اقتصادي واجتماعي.. إلخ، إن سلوك الإنسان السياسي يتداخل مع كل سلوكياته الأخرى.. فالسياسة ليست مقتصرة على الدولة وشؤونها فقط.. بل إنها موجودة في معظم تصرفات وسلوكيات الإنسان، ومع ذلك، اصطلح على أن يشمل "علم السياسة"، السلطة السياسية دون غيرها من أشياء سياسية أخرى، أو سلطات أخرى.
    ويفترض أن الفرد لا يمكن أن يعيش (عيشًا طبيعًا) إلا في جماعة.. حتى يستطيع الحصول على معظم احتياجاته، ويتمكن من إشباع رغباته المختلفة.. لهذا، وجدت الجماعة.. والجماعة الكبرى (الدولة)، لا يمكن أن تفي بأهم الأغراض من تكوينها، إلا إذا نظمت، وقامت بها سلطة تدير شــؤونها، بما يحقق أكبر قدر ممكن من الخير والسـعادة لأعضائها(1).
    وبهذا أن نقول بأن فكرة "السلطة السياسية" تبلورت منذ أن بدأ الإنسان يفكر في "تنظيم" (Organize) المجتمعات التي يقيمها.. حيث نتج عن هذا التفكير، ما يعرف الآن بـ "المعرفة السياسية".
    فالإنسان كائن اجتماعي.. لا يمكن أن يعيش إلا في جماعة. وهو كائن مفكرـ حيث يتميز بـ (العقل).. هاتان الخاصيتان جعلتاه كائنا سياسيا، أيضًا، شاء أم أبى، تذكر أو نسى. إن "المعرفة السياسية" (ومنها علم السياسة)، ظهرت كوليد لحاجة الإنسان إلى الجماعة.. وضرورة تنظيم وإدارة هذه الجماعة (سياستها).. وقدرة الإنسان على التفكير والتأمل ـ لأنه يمتلك العقل.
    والمعرفة السياسية تتناول أهم ظاهرة في حياة الإنسان العامة (الاجتماعية).. وهي ظاهرة السلطة السياسية من تأثير بالغ، على كل المجالات وجوانب الحياة الأخرى.
    ولتعريف "علم السياسة"، نرى التطرق ـ بإيجاز ـ إلى تعريف كل من "العلم" و "السياسة".


    تعريف "العلم" (Science):
    للعلم تعريفات عدة، نقتطف منها التالي فقط:
    العلم هو مجموعة من المبادئ والقواعد(1) ، التي أثبت التجريب صحتها، والتي تتعلق بجانب ما معين، من جوانب الحياة المتعددة.
    العلم هو مجموعة متراكمة من المعرفة، التي تم برهنة صحتها موضوعيًا.. والتي تتعلق بالإنسان، أو الطبيعة، أو المجتمع.
    العلم هو: الأفكار المتتالية المترابطة، وكذلك الوسائل، التي عن طريقها يتم الحصول على هذه الأفكار (المعرفة) (2) .
    وعندما نأخذ بالتعريف الأول فقط (بغرض التبسيط)، نجد أن أي علم يمكن توضيحه وتحديده بسحب هذا التعريف عليه. فـ "علم الفيزياء" (مثلاً) هو:
    مجموعة من المبادئ والقواعد، التي أثبت التجريب صحتها، والتي تتعلق بـ (الفيزياء) أو المادة الطبيعية.
    أما "علم الاجتماع" مثل آخر، فيمكن تعريفه بأنه:ـ
    مجموعة من القواعد والأحكام، التي أثبت التجريب صحتها، والتي تتعلق بـ "الاجتماع الإنساني" موضوع علم الاجتماع.
    ..... وهكذا بالنسبة لكل العلوم الأخرى.
    * * *
    إذًا، وعندما نسحب نفس التعريف المذكور، على دراسة السياسة، دراسة علمية، يمكن القول بأن علم السياسة (Political Science)، هو عبارة عن:ـ
    مجموعة من المبادئ والقواعد التي أثبت التجريب صحتها، والتي تتعلق بـ "السياسة".
    فإذا اعتبرت "الدولة" هي موضوع "علم السياسة"، يصبح تعريف "علم السياسة" هو: مجموعة من المبادئ والقواعد التي أثبت التجريب صحتها، والتي تتعلق بـ "السلطة".
    ويلاحظ أن هذا التعريف، يربط "العلم" والمبادئ العلمية، بالتجريب (Empricism) وهو يعني أن أي افتراض لا يمكن إثبات صحته إلا بالتجربة العلمية والبرهنة الموضوعية. وربما يعترض البعض على ربط العلم بالتجريب دائمًا. ولكن هذا الربط هو السائد الآن، في دراسة العلوم الاجتماعية، بصفة عامة، وعلم السياسة منها على وجه الخصوص. ويمكن أن نصف هذا التعريف بـ "النمطية"، لقابليته لتعريف أي علم، بإيجاز وتبسيط.
    * * *
    تعريف "السياسة":

    لغويًا، توحي لفظة "سياسة"، بشيء يتعلق بالشؤون العامة للبشر. وفي اللغة العربية، اشتقت كلمة "سياسة" من كلمة "سوس" بمعنى: رئاسة.

    و"ساس" الأمر، أي قام به. والسياسة تعني القيام بأمر من أمور الناس بما يصلحه. (وكلمة أمر شائعة الاستعمال بمعنى حكم ودولة) (1) .

    وفي الأصل اللاتيني، تعني لفظة "سياسة" تدبير شؤون الدولة، أو المدينة. وأصبحت الآن تعني كل ما يتعلق بشؤون الدولة، والعلاقات بين الدول، وخطط الأفراد والجماعات، الهادفة إلى تحقيق أهداف معينة(2) .

    ويمكن تعريف "السياسة" أيضًا، بأنها: الأهداف التي تسعى جهة، (أو حكومة) ما، لتحقيقها تجاه جهة أو جهات معينة) والوسائل التي تتبعها، أو تفكر في إتباعها تلك الجهة، لتحقيق تلك الأهداف.

    فالسياسة التعليمية مثلاً لجهة ما هي الأهداف التعليمية التي تسعى تلك الجهة لتحقيقها، تجاه جهة أو قطاع معين، والوسائل التي تستخدمها تلك الجهة، لتحقيق أهدافها. ويلاحظ هنا، أن كلمة "سياسة" استعملت بمعنى الخطة ـ الخطة التعليمية. وهكذا وتكتسب كلمة "سياسة" المعنى السياسي (السلطوي)، إذا تعلقت ـ بشكل أو بآخر ـ بظاهرة السلطة السياسية.

    فسياسة حكومة (أ) نحو البلد (ب) مثلاً، يمكن تعريفها بأنها: الأهداف التي تسعى حكومة (أ) لتحقيقها قبل أو تجاه البلد (ب)، والوسائل التي تتبعها "أو تفكر في اتباعها حكومة (أ)"، لتحقيق تلك الأهداف. كما يمكن القول، بأن ما يعرف بـ الاستراتيجية (Strategy)، هي وسائل تحقيق الأهداف، وسبل الوصول إليها، وضمانها.

    والواقع، أنه يصعب ـ حتى الآن ـ تعريف السياسة تعريفًا دقيقًا موحدًا وشاملاً، تتفق عليه غالبية علماء ودارسي السياسة. وذلك يرجع ـ بصفة أساسية ـ إلى صعوبة تحديد الظاهرة أو الظواهر، التي تشتمل عليها السياسة.

    ومن أبرز التعريفات لـ "السياسة"، تلك التي تقول: إن السياسة هي العلاقة بين الحكام والمحكومين، أو أنها "الدولة" وكل ما يتعلق بها من شؤون مختلفة ومتنوعة. أو أنها السلطة الكبرى، في المجتمعات الإنسانية، وكل ما له علاقة بتلك الظاهرة ـ السلطة(1) .
    * * *
    وهناك تعريفات عدة، لظاهرة "السلطة"، المتعددة الأبعاد والمتشبعة الجوانب. ولن نلج في خضم هذه التعريفات.. ولكن لنلجأ إلى أحدها فقط.. حيث يمكن تعريف "السلطة" بأنها:

    قدرة (أ) على جعل (ب) يعمل، أو لا يعمل، ما يريده (أ)، سواء أراد (ب) ذلك أو لم يرد(2) .

    ويمكن بالتالي، تعريف السلطة السياسية بأنها: القدرة على جعل المحكوم يعمل أو لا يعمل، أشياء معينة، سواء أراد المحكوم أو لم يرد.

    إنها علاقة طاعة.. فيها يعترف الفرد بحق آخر أو آخرين، في ممارسة تنظيم وإدارة حياته العامة، أو بعض جوانبها. والسلطة السياسية (Political Authority) هي نوع من أنواع "السلطات" المختلفة.. كسلطة الأب على أبنائه، وسلطة المدير (الإداري) على مرؤسيه...إلخ.

    غير أن السلطة السياسية تتميز عن غيرها من السلطات الأخرى، بأنها:

    أ ـ عامة .. تشمل قراراتها وتلزم كل المجتمع.

    ب ـ تحتكر وسائل الإكراه الرئيسية في المجتمع، كالجيش والشرطة... إلخ.

    ج ـ تحظى بـ "الشرعية" (Legitimacy)، أي قبول المحكومين واعترافهم بها، كمرجع أعلى، سواء كان ذلك عن رضاء، أو كراهية واضطرار.

    ولو خالف شخص ما قاعدة قانونية معينة، فعند ذلك يبرز احتمال قيام السلطة بمعاقبة ذلك الشخص. فالسلطة مستمدة "أساسيًا" من القدرة الضمنية والصريحة، على معاقبة الخارجين على القوانين. وتكون السلطة (ممثلة في الحكومة ـ مثلاً) مدعمة أكثر، كلما تزايدت قدرتها على معاقبة الخارجين على القانون، وفرض النظام. وإن الاحتمال الضمني بمعاقبة الخارجين على القانون لا يصبح قائمًا أو كبيرًا إذا لم يقترن بوجود قدرة فعلية على فرض القانون والنظام(1) .

    وهذا لا يعني أن معظم الناس يطيع القانون لأنه يخشى عقاب مخالفته فقط، بل يمكن القول بأن معظم أفراد الشعوب وخاصة المتحضرة، يتمشى بالقانون ويحترمه لأنه يعتقد ويؤمن بأن القوانين التي وضعت لتنظيم الحياة العامة، للمجتمع ـ ورغم ما قد يكون بها من "قصور" في رأيه ـ إنما هدفها هو منع الفوضى وسيادة قانون الغاب... حيث يسيطر القوي على الضعيف.

    إن "الشرعية" تعني (في كثير من الحالات) كما ذكرنا آنفًا، خضوع المحكومين وقبولهم بالحكومة القائمة.. سواء كان ذلك القبول نابعًا من رضا فعلي، أو أنه رضا المضطر والمكره. وعنصر "الشرعية"، بذلك، يصبح عنصرًا مهمًا، من عناصر "السلطة السياسية"، كما تتمثل في "الحكومة".

    لذلك، تسعى كل حكومة للحفاظ على شرعيتها وتدعيمها، بشتى الوسائل الممكنة، وفي مقدمة هذه الوسائل: استخدام القوة لفرض الشرعية، أو محاولة إرضاء رغبات الشعب، وترجمة تطلعاته إلى سياسات وسلوكيات حكومية فعلية.. لكسب رضاه وقبوله الطوعي.


    وفي كلتا الحالتين، نجد أن الشرعية هي عنصر أساسي، لوجود الحكومة.. وأن أساس "الشرعية" هذه، هو قبول المحكومين بـ "الحكومة"... ويمكن أن يكون هذا القبول مفروضًا أو طوعيًا، اعتمادا على طبيعة ونوع الحكومة القائمة. فـ "قبول" المحكومين هو، إذًا، المصدر الرئيس لشرعية الحكومة(1) . ويشيع استخدام لفظي "السلطة السياسية" (Political Authority) و"القوة السياسية" Political Power كلفظين مترادفين، لهما معنى واحد. ولكن لفظ “السلطة السياسية” يقترن بغطاء قانوني معين، بينما القوة السياسية يمكن أن تكون قانونية، ويمكن أن لا تكون كذلك.
    * * *
    ـ علم السياسة:

    إن (علم السياسة)، هو ذلك العلم الذي يتناول ظاهرة "السياسية"، في المجتمعات الإنسانية، بالدراسة (العلمية).. بهدف فهمها، واكتساب القدرة على شرح المتغيرات المختلفة، التي تتعلق بها، وتفسير العلاقات المتنوعة، بين تلك المتغيرات، والتنبؤ بتقلباتها المختلفة.

    ويختلف تعريف "علم السياسة" بالطبع، باختلاف الزاوية التي ينظر منها المعرف إلى هذا العلم. لذلك، توجد حاليًا عشرات التعريفات لـ "علم السياسة". فإذا نظرنا إلى علم السياسة من الزاوية الحركية، نجد أن تعريف "ديفيد إيستون" لعلم السياسة، والذي ينص على أن: علم السياسة هو: دراسة عملية التوزيع السلطوي للقيم المختلفة، من أجل المجتمع(2) ، هو أكثر التعريفات قبولاً وانتشارًا الآن لـ "السياسة". والمقصود من كلمة "دراسة" هو: الدراسة العلمية.. أي الدراسة التي تقوم على أساس منهج بحث علمي سليم.

    وعندما نأخذ بتعريف "إيستون"، يمكن أن نقول بأن (عملية التوزيع السلطوي للقيم المختلفة، من أجل المجتمع)، تعني: السلطة السياسية.. في وضعها الحركي (Dynamic).

    فـ "السياسة"، هي (بصفة أساسية) عملية اتخاذ القرارات (الملزمة)، التي تحدد توزيع القيم (المادية والمعنوية)، في المجتمع، وتتضمن كذلك الإجراءات التي تؤدي إلى تنفيذ تلك القرارات، وكل ما يتعلق بهذه العملية. و"علم السياسة" يرصد تلك العملية، محللاً إياها... تحليلاً علميًا(1) .

    وبذلك يمكن صياغة تعريف "إيستون" لعلم السياسة، ليصبح كالتالي:ـ

    علم السياسة هو: الدراسة العلمية (وما ينتج عنها من مبادئ وقواعد)، لظاهرة السلطة السياسية (بمعناها الموجز أعلاه)، وكل ما يتعلق بها.

    وعرف "هارولد لاسويل" علم السياسة، بأنه: دراسة النفوذ وأصحاب النفوذ. أو أنه: دراسة السلطة التي تحدد من يحصل على ماذا (من القيم المختلفة)، ومتى، وكيف(2) .

    وعرفت "العلوم السياسية"، بأنها: "علوم الظاهرة السياسية"، أيًا كان نوعها. وعلى هذا، ففي الماضي، حيث اعتبرت الدولة هي الظاهرة السياسية المهمة، كانت الدولة هي محور دراسة العلوم السياسية. فتناول بذلك المهتمون بالعلوم السياسية، الدولة من جميع الجوانب... سواء فيما يتعلق بنظامها الداخلي، أو علاقتها الخارجية. وفي فترة لاحقة، أعتبرت ظاهرة السلطة السياسية، هي الظاهرة السياسية المتميزة... فأصبحت، بذلك، مدار التحليل، في العلوم السياسية. والآن نجد أن العلماء السياسيين يعتبرون "القدرة" (Political Power)، هي الظاهرة السياسية، الجديرة بالاهتمام... (3).

    ويلاحظ أن صاحب هذا التعريف، يفرق بين مصطلحي السلطة السياسية، و"القدرة السياسية".

    ويستطرد صاحب التعريف السابق (د.علي شمبش)، قائلاً :ـ

    إن تعريف العلوم السياسية. يدور مع التطور الذي مرت به العلوم السياسية، كأحد حقول المعرفة الإنسانية. ولا أحد يستطيع الإدعاء بأن تعريف العلوم السياسية على أنها علوم القدرة... كظاهرة سياسية، هو نهاية المطاف. فقد يستجد في الحقل، ما يثبت أن هناك ظاهرة سياسية، أجدر بأن توليها العلوم السياسية، إهتماماتها. وبهذا نستطيع القول أنه مهما تغيرت المفاهيم والإطارات، التي يدور فيها موضوع العلوم السياسية، فستظل هذه العلوم هي علوم الظاهرة السياسية، مهما كانت، وأينما كانت، ومتى كانت(1) .

    وعرف علم السياسة، بأنه: (العلم الاجتماعي، الذي يتحدث في الصلة العامة، بين الناس، وبعضهم.. في ظل الهيئة الكبرى، التي ينتظمون تحتها، والتي تسمى الدولة) (2) .

    وعرفت "السياسة" بأنها:

    (هي القيام على الجماعة، بما يصلحها... في حدود مفاهيمها الأخلاقية. إنها الممارسة الفعلية، لمسؤولية عامة، رسمية، أو غير رسمية، تنبثق من صميم حياة الجماعة ككل. وتهتم بشؤونها، المستجدة في الدولة والحكومة) (3) .

    و"علم السياسة" ـ بموجب هذا التعريف ـ هو: العلم الذي يتناول دراسة هذه العملية، دراسة علمية(4) .

    وتقول "دورثي بيكلز" محاولة تعرف "علم السياسة":ـ

    (إن دراسة السياسة، والتي تسمى علم السياسة، تنشأ، عندما يتساءل الباحثون، عن "الأسس" (Rules)، التي يحكم بموجبها... أو التي حكم بناء عليها، في السابق. وكذلك، عندما يتساءل الباحثون: ما إذا كانت تلك الأسس ينبغي قبولها، الآن، أم لا. ولماذا تسود بعض المجتمعات أسسًا مختلفة. وما إذا كان بالإمكان إيجاد أسس ومبادئ، للحكم، بالنسبة لمجتمع معين. وما إذا كان يمكن اكتشاف أسس عامة... للحكم، يمكن تطبيقها، على كل المجتمعات) (5) .
    * * *
    مما سبق، يمكن أن نقول بأن العلم يعني: مجموعة من المبادئ والقواعد، التي أثبت التجريب صحتها، والتي تتعلق بجانب ما معين من جوانب الحياة. كما يعني: الدراسة العلمية (وما يتمخض عنها من مبادئ وقواعد علمية) لظاهرة من ظواهر الكون.

    أما السياسة، فتعني ظاهرة السلطة السياسية. أو تعنى: عملية صنع القرارات الملزمة، لكل مجتمع... تلك القرارات التي تتناول قيمًا مادية ومعنوية مختلفة. (أو: عملية التوزيع السلطوي للقيم المختلفة، من أجل كل المجتمع، كما قال إيستون).

    لذلك، يمكن أن نقدم التعريفات التالية لـ"علم السياسة". فكل من هذه التعريفات يعرف علم السياسة بأنه:ـ

    (1) ـ مجموعة من المبادئ والقواعد، التي أثبت التجريب صحتها، والتي تتعلق بالسلطة السياسية.

    (2) مجموعة من المبادئ والقواعد، التي أثبت التجريب صحتها، والتي تتعلق بعملية صنع القرارات الملزمة لكل المجتمع.. تلك القرارات التي تتناول قيمًا مادية ومعنوية مختلفة.

    (3) الدراسة العلمية (وما يتمخض عنها من مبادئ وقواعد علمية) لظاهرة السلطة السياسية، وما يتصل بها.

    (4) الدراسة العلمية (وما يتمخض عنها من مبادئ وقواعد علمية) لعملية صنع القرارات الملزمة لكل المجتمع... وهي القرارات التي تتناول قيمًا مادية ومعنوية مختلفة.

    * * *

    وبهذا، نرى أن "السلطة السياسية"، وكل ما يتعلق بها، هي الأقرب لأن تكون ظاهرة (أو مادة وموضوع) علم السياسة. أو كما يقال، "مفهوم الأساس" "لعلم السياسة" (1) .

    ولما كانت ظاهرة السلطة السياسية، وكل ما يتعلق بها، هي ظاهرة إنسانية اجتماعية، أو هي "سلوك الإنسان السياسي"، فإن علم السياسة، الذي يتناول دراسة هذه الظاهرة، يصنف ـ عادة ـ ضمن العلوم التي تعني بدراسة السلوك الإنساني بكل جوانبه، وهي التي يطلق عليها ـ عادة ـ "العلوم الاجتماعية".

    وعلى ذلك تكون مناهج البحث المتبعة في دراسة "السياسة"، هي ـ بصفة عامة ـ المناهج المتبعة في دراسة معظم تلك العلوم، كما سنوضح في الفصل الثاني.



    المبادئ والقواعد:

    يمكن القول أن المقصود بـ "المبادئ والقواعد"، في علم السياسة، هو: النظرية العلمية، وما يسمى بـ "الأدوات التحليلية الأخرى"، وأهمها: المفهوم، والنموذج، والإطار التحليلي. ويضيف البعض إلى هذه "الأدوات" ما يعرف بـ "الافتراض".

    أما "المبادئ والنظريات" في الفلسفة السياسية، فيقصد بها غالبًا: "الاستنتاجات" التي يخرج بها فلاسفة السياسة، والتي تقوم غالبًا على الاستنباط... أو العبارات والأقوال (أو التحليلات) التي يقدمها الفلاسفة، والقائمة ـ أساسًا ـ على مقدمات قيمية معينة، يسلم الفيلسوف بصحتها(1) .


    إذًا، الفارق الرئيسي بين "مبادئ وقواعد علم السياسة"، و"مبادئ وقواعد الفلسفة السياسية"، هو أن مبادئ وقواعد علم السياسة قد تم إثبات صحتها بالتجريب، في ظل الإطار الذي توجد فيه، بينما لم يتم تحديد مدى صحة مبادئ وقواعد الفلسفة السياسية، لتظل مجرد "افتراضات"، تتعلق بـ "السلطة السياسية".
    * * *
    علم السياسة، لماذا؟

    ولو تساءلنا: لماذا ندرس السياسة، دراسة علمية.. أو لماذا ندرس "علم السياسة"، أو نتخصص فيه، فإن الإجابة العامة على هذا التساؤل هي: إننا نفعل ذلك، لتحقيق هدف رئيسي هام، هو: فهم الظاهرة السياسية. هذه الظاهرة التي يمكن القول بأنها أهم الظواهر الإنسانية ـ الاجتماعية في حياة الإنسان العامة فللسياسة (الإدارة العامة للمجتمع) تأثير واضح (سلبًا وإيجابًا)، على كل جوانب الحياة، والسلوك الإنساني بعامة.

    وأن أهمية "علم السياسة" تنبع من أهمية الظاهرة التي يتناولها... هذه الظاهرة التي يتحتم على الإنسان فهمها فهمًا علميًا جيدًا، حتى يتمكن من التأثير فيها، بما يتلاءم وغاياته، ومصالحه.

    وكأي علم آخر، فإن هدف علم السياسة، هو: الكشف عن الحقيقة، في مجال موضوعه (الظواهر السياسية).. أي معرفة "ما هو كائن" ـ معرفة موضوعية (علمية). ويمكن استخدام هذه المعرفة لتحديد وتوضيح "ما يجب أن يكون" في مجال الظواهر السياسية المعنية...

    فبعد معرفة ما هو كائن، على أساس علمي، يمكن معرفة وتوضيح وتحديد "أفضل" ما يجب أن يكون... إن معرفة ما هو كائن تعطي قدرة على التأثير (الإيجابي والسلبي) في الظواهر السياسية المعنية. وهذه هي صورة الاستفادة العلمية من دراسة مبادئ وقواعد علم السياسة. فالمعرفة العلمية بنتيجة قيام تنظيم معين (مثلاً) لحكومة معينة، في ظروف معينة، تساعد على الإحاطة بأمر "تعديل" ذلك التنظيم، أو التأثير فيه، بما يحقق أهدافًا معينة... وهكذا.
    * * *
    ويرى حسن صعب أننا ـ كأفراد وجماعات ـ بحاجة دائمة إلى التأمل.... في مسلماتنا السياسية، ومراجعتها. وإن دراسة السياسة يمكن أن تساعدنا على تحقيق ذلك. على أن نبدأ بدراسة الواقع.. ثم ننطلق من معرفة الواقع السياسي إلى "أفكار جديدة".. لأن علم السياسة ـ في رأيه ـ هو: (علم المراجعة المنهجية المستمرة، أو علم النقد المنهجي الدائم، للمسلمات والأحوال والأنظمة السياسية) (1) .

    إن "الفساد السياسي" ـ في رأيه ـ لا يزاح بالتنديد به، بل إن دراسة السياسة، دراسة علمية، هي السبيل لامتلاك الوسيلة القادرة على القضاء على ذلك الفساد، وتوجيه الحياة وجهة الخير التي نتمناها(2) . ويستطرد حسن صعب قائلاً: (إن علينا أن نعرف السياسة، ونلم بها... لنتوصل إلى تحسين أوضاعنا.. وتحسين ملابسات السياسة. وهذا ما يحاول علم السياسة أن يقوم به) (3) .

    إن ما يقوله حسن صعب يدعم القول بأن المعرفة السياسية ـ بصفة عامة ـ تتم على مرحلتين: مرحلة "ما هو كائن"... أي دراسة الواقع على علاته (العلم)، ومرحلة "ما يجب أن يكون" (الفن أو التطبيق). وعلم السياسة هو وسيلة لغاية، يمكن القول بأنها تتضمن "تحسين الواقع الإنساني"... أو تحسين الحياة البشرية، عن طريق "تحسين" القوة الرئيسية التي تتحكم في المجتمع وتوجهه ـ السلطة السياسية. أو بمعنى أدق، يمكن القول، بأن هذه الغاية تتمثل في محاولة امتلاك إمكانية التأثير الفعلي في الواقع ـ سلبًا وإيجابًا.

    ويرى البعض، أن الهدف من تدريس "علم السياسة" ـ هو تربية "المواطن الصالح" سياسيًا.. أي المواطن الذي يلم بالواقع السياسي لمجتمعه والعالم المحيط به.. بما يمكنه من اكتساب القدرة على التأثير في ذلك الواقع ـ كما هو "مطلوب" ـ والتعامل معه، من منطلق سليم.

    وإذا سلمنا، بأن معرفة "ما هو كائن"، لا تتم (بالمضمون السليم)، إلا بدراسة الواقع، دراسة موضوعية مجردة، فإن "ما يجب أن يكون"، يتحدد (غالبًا) بناء على أسس فلسفية معينة، يمكن أن تختلف طبيعتها، من شخص لآخر، ومن دارس لآخر.

    وفي سبيل تكوين القيم، التي تحدد "ما يجب أن يكون" تظهر إشكالية.. تتمحور حول الكيفية، التي يتم بها ذلك. وبالنظر إلى المسألة، من بعد آخر، نثير تساؤلاً هامًا، هو: ما هي حدود دور عالم ومدرس السياسة عند تدريسه للسياسة؟! هل يتدخل مدرسو السياسة، للتأثير في طلابهم، وتعليمهم "ما يجب أن يكون"... جنبًا إلى جنب مع "ما هو كائن"؟! أم يترك للمتلقين ذلك، ليحددونه بأنفسهم، وبناء على قيمهم الخاصة؟!

    هنا نجد ثلاثة آراء رئيسية مختلفة، هي:ـ(1)

    (أ‌) دور مدرس السياسة يجب أن يكون موضوعيًا بحتا: ويصر أصحاب هذا الرأي على أن دراسة السياسة يجب أن تركز فقط على "ما هو كائن"، وتترك تحديد ما يجب أن يكون جانبًا، حتى تصبح دراسة علمية بحتة. ويصر معظم السلوكيين، على هذا الرأي... تأكيدًا منهم على "موضوعية" دراسة السياسة، التي يجب (ويمكن) أن تكون دراسة "علمية" مجردة ـ في رأيهم.

    (ب‌) دور مدرس السياسة، يجب أن يكون توجيهيًا: ويرى أصحاب هذا الاتجاه، أن دراسة السياسة يجب أن تقترن بهدف معين... هو "تحسين" الحياة الإنسانية عن طريق القضاء على أكبر قدر ممكن من "الفساد السياسي".

    (ج) دور مدرس السياسة يجب أن يكون موضوعيًا ـ توجيهيًا: وفحوى هذا الرأي، هي أن تدريس السياسة يجب أن يبدأ بدراسة "ما هو كائن" ـ أي دراسة النظريات السياسية، والواقع السياسي ـ دراسة موضوعية . ثم يقوم مدرسوا السياسة، بعرض "ما يجب أن يكون" ـ في رأيهم ـ كإجتهاد شخصي منهم.... لمساعدة المتلقين على تحديد واتخاذ المواقف المناسبة، تجاه الواقع السياسي المعني. (*)
    * * *
    إن عالم السياسة هو كالطبيب. فكما أن الطبيب يعني بدراسة الجسم البشري، بهدف "علاجه" وحمايته، وخاصة متى مرض، فإن عالم السياسة يعني بدراسة الواقع السياسي، بهدف "تحسينه" ـ بناء على قيم معينه، متفق على صلاحيتها ـ عبر "تقويم" انحرافات الواقع، ومحاولة القضاء على أكبر قدر ممكن من "عيوبه".

    إن النظريات، التي يتوصل إليها علماء السياسة، يمكن أن تساعد في تقديم فهم "أفضل"، للواقع السياسي، للمجتمعات المختلفة وللعالم ككل. ويمكن استخدام هذا الفهم (العلم)، للسمو بالإنسان، وصيانة كرامته، وحماية بقاءه، وتوفير الرفاه له. فما أحوج مجتمعات وعالم اليوم، الذي يئن تحت وطأة امتهان الإنسان، وتسخيره لأغراض تحط من قيمته، وتعيق نموه، بشكل صحي، وتعرضه للتهديد المستمر بالفناء، ما أحوج عالم اليوم إلى مثل هذا الفهم... لدرء خطر التدهور والهلاك، عن البشرية.

    واقتصار (علم السياسة) ـ بأكمله ـ على دراسة (ما هو كائن)، وترك تحديد (ما يجب أن يكون)، لغير علماء السياسة، أمر يعني حرمان المجتمعات (علميًا)، من (خبرة) علماء السياسة، وإمكانية مساهمة هذه الخبرة، في تحديد وتحقيق أفضل (ما يجب أن يكون) ـ أي أفضل واقع سياسي ممكن.

    وعلى أي حال، فإن "العلم"، يتطلب الفصل التام ـ ما أمكن ـ بين دراسة "ما هو كائن"، وعملية تحديد ودراسة "ما يجب أن يكون".

    عالم السياسة المسلم:

    إن "العلم" هو "العلم"... لهذا، لا يمكن ـ في رأينا ـ الحديث (مثلاً) عن علم فيزياء إسلامي، وآخر مسيحي... أو علم سياسة يهودي، وآخر إسلامي. في مرحلة الفكر (مرحلة ما يجب أن يكون) فقط، يمكن أن يكون هناك فكر إسلامي... وآخر غير إسلامي...إلخ، اعتمادًا على ماهية وطبيعة "القيم"، التي يقوم عليها الفكر المعني.

    وحتى تكون معلوماته ومعرفته موضوعية، فإنه يجب على عالم السياسة المسلم، والمهتم بدراسة السياسة، والبحث العلمي فيها، أن يراعي الفصل بين ما هو كائن، في السياسة، وما ينبغي أن يكون. فدراسة "ما هو كائن"، يجب أن تكون موضوعية مجردة. أما في مرحلة تحديد ودراسة "ما يجب أن يكون"، فإن المسلم ـ بصفة عامة ـ لا يملك إلا أن يبني ويقيم كل "ما يجب أن يكون"، على التعاليم والمبادئ الإسلامية الصحيحة ـ إذا كان يريد أن يكون مسلمًا بحق. وينسحب ذلك على عالم السياسة المسلم. فالأخير يجب أن يقيم "ما يجب أن يكون"، بناء على المبادئ الإسلامية، المتعلقة بالسياسة والاجتماع. ولعل محور اهتمام العالم السياسي المسلم هو كيفية تحديد وتحقيق "النموذج السياسي الإسلامي"، في الواقع الفعلي، وضمان استمراريته، وتطويره.

    والخلاصة، أنه يمكن القول بأن هدف دراسة السياسة النهائي، ينبغي أن يكون ـ في رأينا ـ هو اكتساب القدرة الفعالة، على "التحليل التوجيهي" (المبني على قيم معينة محدودة)، القائم على الدراسة العلمية لـ "ما هو كائن"، في الواقع السياسي. وتلك هي مهمة عالم ودارس السياسة، ومسئوليته.
    * * *
    أما ممارسة السياسة كأن يصبح الواحد "سياسيًا" (Politician)، فهي شيء مختلف عن الدراسة العلمية للسياسة والتفقه فيها ـ كما هو معروف. وهناك شبه اتفاق بين علماء السياسة على أن ممارسة السياسة هي عبارة عن مزيج من العلم والفن: استعداد خاص، يمكن أن يصقله العلم (علم السياسة) ويبلوره... ونستنتج من ذلك، أن أي شخص، يمكن أن يمارس السياسة... ولكن مدى نجاحه أو فشله في مجال السياسة يعتمد على عدة عناصر ومتغيرات، أهمها قدراته الشخصية، ومدى علمه بالسياسة، والظواهر السياسية...

    وفي الولايات المتحدة وغيرها من دول الغرب، غالبًا ما يشار إلى الحاصل على درجة علمية في مجال السياسة بـ "عالم سياسة" (Political Scientist). وهناك اعتقاد بأن "عالم السياسة" يمكن أن يكون: ـ

    ـ باحثًا علميًا في مجال السياسة.

    ـ مصلحًا اجتماعيًا: أي عارفًا بأهم قضايا ومشاكل المجتمع، والحلول والبدائل الممكنة.

    ـ قياديًا أو إداريًا.

    ـ دبلوماسيًا.


    ومن بين تعريفات "علم السياسة" كما ذكرنا، القول بأن "علم السياسة هو علم المراجعة المنهجية للمسلمات والنظم الاجتماعية القائمة" (1) . وتبعًا لذلك، فإن عالم السياسة يمكن أن يعمل في ميدان الخدمة العامة (وحتى في القطاع الخاص) بشتى جوانبه. ومن الضروري أن يتضمن أي برنامج جامعي لدراسة السياسة مواد عن الحقول التي يمكن لعالم السياسة أن يعمل فيها.
    * * *
    أهمية السياسة:

    تبسيطًا، يمكن القول أن للحياة العامة ثلاث مجالات (Fields) رئيسية، هي: السياسة، الاقتصاد، الاجتماع، (ويشمل المجال الأخير كل ما عدا الأمور السياسية والاقتصادية). وإذا فصلنا مجال الأمن العسكري عن المجال السياسي، تصبح لدينا أربعة مجالات (أو حقول) رئيسية للحياة العامة، أي تلك التي تتعلق بكل المجتمع. وهذه المجالات متداخلة فيما بينها، ولكل مجال مئات الجوانب.

    ومعروف، منذ أقدم العصور، بأن إدارة المجتمع (سياسته) تعتبر أهم عامل، في تحديد مدى قوة ذلك المجتمع. فتلك الإدارة يمكن أن تعمل (إيجابًا)، لرقي ذلك المجتمع وتطوره، ويمكن أن تعمل (سلبًا) بما يؤدي إلى تخلفه، أو انهياره..

    ولقد استقر رأي كثير من علماء السياسة والعلاقات الدولية خاصة، على أن مدى قوة أي دولة يتحدد بالعناصر الستة التالية: (1) .

    (أ‌) البيئة والموقع الجغرافي.

    (ب‌) كم ونوع السكان.

    (ج) الموارد الطبيعية (الاقتصادية).

    (د) القيادة السياسية (السياسة).

    (هـ) القوة الصناعية.

    (و) القوة العسكرية.

    وكلما توفر كل من هذه العناصر بشكل إيجابي، كلما ساهم ذلك (إيجابًا) في تقوية الدولة. والعكس صحيح..

    وضمن عناصر القوى (على كل المستويات)، تظهر القيادة السياسية (السياسة)، كأبرز هذه العناصر. فالسياسة هي: "محصلة" لكل مجالات وجوانب الحياة. وهذا ما يجعل "السياسة" أهم ظاهرة (إنسانية ـ اجتماعية)، في حياة الإنسان العامة.

    فالمجالين الاجتماعي والاقتصادي، وفروعهما الكثيرة، يظلا من أهم محددات سلوك المجتمع.. أي مجتمع، وتحديد مكانته، ووضعه، ضمن المجتمعات الأخرى. ولكن مجال "السياسة"، يظل الأهم.. بسبب أن السياسة تعني إدارة نشاطات وفعاليات المجالين الاقتصادي والاجتماعي... وتلك الإدارة يمكن أن تقود المجتمع إلى القوة والرفعة... أو إلى الضعف والتخلف.

    وهناك العديد جدًا من الأمثلة ـ اليومية ـ التي تؤيد هذا الاستنتاج... لذلك، يمكن أن نقول: "فتش عن السياسة".. عندما نكون بصدد تقييم مدى قوة أي دولة، أو تحليل وضعها الاقتصادي والاجتماعي العام. فالوضع الذي تكون عليه أي دولة، يمكن رد سببه الأساسي إلى سياستها أولاً.... كما يسيطر عنصر (مجال) "السياسة" في معظم الأحداث الكبرى.

    وهناك ما يعرف بـ "التنمية" التي تعني ـ ضمن ما تعني غالبًا ـ محاولات الرقي (الإيجابي) بمستوى مجتمع أو شعب ما، ليكون في مستوى من القوة، يضارع أو يشابه أمثاله، من الشعوب الأخرى المعاصرة له. ولقد استقر رأي كثير من العلماء على أن لهذه التنمية أبعادًا أربعة. فهناك تنمية اقتصادية، وأخرى اجتماعية، وتنمية سياسية، وأخرى أمنية. تلك هي المجالات الرئيسية الأربعة للحياة العامة، كما ذكرنا آنفًا.

    ولا بد عند الشروع في "التنمية"، من العمل في كل هذه المجالات الأربعة (المترابطة)، مجتمعة. إذ لابد وأن يكون هناك توازنًا فيما بينها، فلا يطغى الاهتمام بمجال منها على المجالات الأخرى. فالتنمية الاقتصادية (مثلاً)، لابد وأن يصاحبها تنمية اجتماعية وسياسية وأمنية ملاءمة، وإلا اختل التوازن.. وتعثرت التنمية. وفي أكثر الحالات، لا يمكن الشروع في التنمية الاقتصادية المتكاملة والتنمية الاجتماعية الشاملة، دون أن يلازم ذلك تنمية سياسية ملاءمة ـ على اعتبار أن بالإمكان إدراج مجال "الأمن" ضمن مجال السياسة.
    * * *
    إن "علم السياسة" يستمد أهميته من أهمية وخطورة مادته “السلطة السياسية”، بالنسبة للحياة البشرية. ولعل أبرز مظاهر أهمية "السياسة" (الشؤون السياسية)... وأكثر ما يوضح تلك الأهمية هو أن الأخبار والأحداث السياسية تحتل دائمًا المقدمة... في اهتمامات الناس، وتلفت جل نظرهم، وتستحوذ على فكر معظمهم. وذلك، لأن الأحداث السياسية تؤثر في معظم مجالات وجوانب الحياة ـ تقريبًا. لهذا تأتي الأخبار السياسية أولاً.. وفي المقدمة... بالنسبة لبقية الأخبار والأحداث.
    * * *
    مجال (Scope) علم السياسة: (*) .

    ذكرنا أن مادة علم السياسة (أو موضوعه الرئيسي) هي ظاهرة "السلطة السياسية"... ولكن هذه الظاهرة متشعبة كثيرًا... فللسلطة السياسية عدة أوجه، وجوانب... وتغطية هذه الأوجه والجوانب، تعنى التحدث عن "مجال" (Scope) علم السياسة... أي المواضيع (المتعلقة بالسلطة السياسية) التي يختص علم السياسة بدراستها، دراسة علمية.

    ورغم عدم وجود اتفاق تام، فيما بين علماء السياسة المعاصرين، بشأن "مجال" علم السياسة (كما ينبغي أن يكون)، إلا أن هناك تحديدات عامة، لهذا المجال، تحظى بقبول واسع، في الأوساط العلمية السياسية (الأكاديمية). ونذكر فيما يلي، بعضًا من أهم تلك التحديدات... كما نشير إلى (مكانة) الفلسفة السياسية، ضمن مجال "مواضيع" علم السياسة.
    * * *
    حاولت لجنة متخصصة في العلوم السياسية، عقدت تحت رعاية منظمة التعليم والثقافة والعلوم، التابعة لهيئة الأمم المتحدة (اليونسكو)، تحديد (موضوع) علم السياسة، ومجالات البحث فيه. فأصدرت ـ سنة 1948 ـ قائمة تشمل موضوعات البحث العلمي الرئيسية، في علم السياسة. وحددت الموضوعات الرئيسية بأربع، هي:ـ(1) .

    (أ‌) النظرية السياسية: ويشمل النظرية السياسية، بمفهومها العلمي، والفلسفة السياسية ـ أو "تاريخ الأفكار السياسية".

    (ب‌) النظم السياسية: ويشمل دراسة الدستور والتنظيمات السياسية العامة، وفي مقدمتها الحكومة، والإدارة العامة. كما يشمل منهج "الحكومات المقارنة"، كمدخل للدراسة المقارنة، للحكومات المختلفة، بتنظيماتها المتنوعة.

    (ج) الأحزاب والكتل السياسية: ويتضمن الأحزاب السياسية، وجماعات الضغط المختلفة، ودراسة الرأي العام.

    (د) العلاقات الدولية: ويشمل دراسة السياسة الدولية، والتنظيم الدولي، والقانون الدولي.

    ويهمنا هنا تسليط بعض الضوء على ما تعتبره لجنة "اليونسكو" تلك "النظرية السياسية".
    * * *
    معروف أن الاتجاه الحالي السائد في دراسة السياسة يسعى للتفريق بين "النظرية السياسية"، التي يجب أن تكون قائمة على منهج البحث التجريبي، و"الفلسفة" السياسية، التي تقوم أساسًا على المنهج الاستدلالي (أو التقليدي). لذا، فإن اعتبار كل من النظرية السياسية والفلسفة السياسية ـ بالمعنى الدقيق السائد، لكل منهما ـ شيئًا واحدًا، هو أمر لم يعد مقبولاً.. من قبل غالبية علماء السياسة المعاصرين.

    حتى تلك اللجنة ـ لجنة اليونسكو ـ يبدو أنها لا تعني الخلط المطلق، بين الفلسفة السياسية، والنظرية السياسية ـ بمعناها العلمي. فعلى الرغم من إدراجها الواضح لكل منهما تحت مسمى واحد، إلا أن تلك اللجنة حاولت التأكيد على الفارق بين الاثنين. حيث جاء في تقرير تلك اللجنة، أن "النظرية السياسية"، تعني: "دراسة الأساس الفلسفي، والفكري للسياسة، مع الأخذ في الاعتبار أن النزعة العلمية للدراسة السياسية، تتضح عند التمييز بين الفلسفة السياسية، والنظرية السياسية. فإذا استعملت نظرية مقابل فلسفة، كان القصد من هذا الاستعمال التأكيد على علمية النظرية" (1) .

    وقد رأت تلك اللجنة ـ كما يبدو ـ أن صعوبة التنظير (التجريبي) في مجال السياسة، تستلزم إبقاء النظريات السياسية ضمن الفلسفة السياسية ـ في الأربعينيات، على الأقل وقد أيد الكثير من علماء السياسة، هذا الإبقاء، بل وإن كثيرًا منهم قد أعتبره أمرًا حتميًا مطلقًا وأبديًا.
    * * *
    علاقة علم السياسة بالعلوم الأخرى(1) :

    بدأ علم السياسة، أول ما بدأ، كـ "فلسفة سياسية". وما زالت صلته بالفلسفة مستمرة... بدليل استمرار استخدام المنهج التقليدي في دراسة السياسة، ذلك المنهج الذي يقوم على أساس فلسفي واضح. مما يجعل استنتاجاته أقرب إلى الفلسفة منها إلى العلم. وهذه الحقيقة جعلت استنتاجات علم السياسة (القواعد والأحكام)، تتأرجح بين العلم (التجريب)، والفلسفة. وتتأكد صلة علم السياسة بـ "الفلسفة" إذا سلمنا بما جاء في الفقرة السابقة، الخاصة بمناقشة "مجال" علم السياسة.

    أما العلوم، فإن لمعظمها علاقة وطيدة بـ"علم السياسة". وتعددت تقسيمات العلوم ـ كما هو معروف. ولعل أوجز تصنيفات العلوم ذلك التصنيف الذي يقسمها (أي العلوم) إلى ثلاثة أقسام رئيسية هي:

    (أ‌) العلوم الطبيعية: وهي العلوم التي تتناول كل ما عدا الرياضيات والسلوك الإنساني.

    (ب‌) العلوم الاجتماعية: وهي العلوم التي تتناول دراسة السلوك الإنساني بشتى جوانبه.

    (ج) الرياضيات: وتنصب على دراسة المنطق.. الطبيعي.

    إن وجود علاقة مباشرة، بين علمين معينين، تعني (ضمن ما تعني) الحقائق الهامة التالية:ـ
    أن الفهم الأفضل للعلم الأول، يعتمد كثيرًا على فهم العلم الثاني (ممثلاً في بعض استنتاجاته ـ على الأقل). والعكس صحيح.
    إن أي تقدم يحدث في العلم الأول (وأي فائدة يحققها مثل هذا التقدم)، يمكن أن تساهم إيجابيًا في إفادة وإثراء العلم الثاني.. وهكذا.
    ونوجز فيما يلي أسس العلاقة بين علم السياسة وبقية العلوم

    (أ‌) علاقة علم السياسة بالعلوم الطبيعية:

    تأتي صلة العلوم الطبيعية بالعلوم الاجتماعية، من حقيقة وجود التأثير الملموس لمعرفة "الأشياء" على السلوك الإنساني، وفعاليات الجنس البشري. فالإنسان هو القاسم المشترك الأعظم بين شتى فروع المعرفة. فكل العلوم هي من الإنسان وإليه.

    وعندما نحاول معرفة صلة علم السياسة بالعلوم الطبيعية، نجد أن هناك علاقة، ولكن غير مباشرة، بين علم السياسة وكل العلوم الطبيعية. فلو أخذنا الكيمياء (مثلاً)، نجد أن لهذا العلم دورًا خطيرًا في حياة البشرية. ذلك أنه يسهم ـ بشكل أساسي ـ في كل منتجات الإنسان المادية ـ تقريبًا، وخاصة المنتجات الصناعية والزراعية والمنتجات العسكرية، والأدوية والعقاقير المختلفة، ومعظم ماله صلة بالطب.

    ويعني علم الكيمياء بدراسة المادة وفهم خواصها، وذلك تمهيدًا لإيجاد الوسائل الفعالة لفصل المواد من خاماتها، وتحضير مركبات جديدة مختلفة، من المواد، يستخدمها الإنسان لأغراضه. ولا تخفى أهمية اكتشافات هذا العلم، بالنسبة للرفاه والوجود البشري. فما تتمخض عنه أبحاث الكيمياء من استحداث أدوية وعقاقير ووسائل، تساعد على تخفيض معدل الوفيات وتحسين النسل، أو العكس، لها صلة بصحة واستمرارية المجتمع، وبالتالي بنشاطه السياسي. وقس على ذلك الكثير من العلوم الطبيعية الأخرى.

    علاقة علم السياسة بالعلوم الاجتماعية:

    بعد الانفصال التدريجي للعلوم الاجتماعية الحالية عن الفلسفة، يقال بأن كل تلك العلوم كانت تشكل علمًا اجتماعيًَا واحدًا، ثم ما لبثت بعد ذلك أن تشعبت إلى أقسام كثيرة ـ وفروع أكثر. بحيث تخصص كل قسم في دراسة جانب واحد معين من جوانب الحياة. هذا التشعب أفاد ـ ولا شك ـ المهتمين بهذه العلوم وضاعف من فائدتها العملية للحياة الإنسانية، كما سبق أن قلنا. ولكن العلوم الاجتماعية مهما تعددت وتشعبت، تظل مرتبطة مع بعضها البعض ارتباطًا وثيقًا، بسبب كونها كلها تتناول دراسة السلوك الإنساني. فالتعريف السائد لـ "العلوم الاجتماعية" هو: "دراسة الإنسان في المجتمع"، أو كما قال موريس دوفرجيه: "العلوم الاجتماعية هي العلوم التي تعني بالظواهر الاجتماعية". ويعني: الظواهر التي تتمخض عن سلوك الإنسان الاجتماعي ـ كما ذكرنا آنفًا.

    فالعلاقة بين علم السياسة وكل العلوم الاجتماعية هي علاقة وطيدة وعضوية ومباشرة. وخاصة فيما بين علم السياسة من ناحية وكل من: الجغرافيا، التاريخ، الاقتصاد، علم الاجتماع، علم النفس، الأنثروبولوجي، القانون.

    إن العلاقة بين علم السياسة وكل هذه العلوم ـ تتضح في:

    ـ إن فهم السياسة يعتمد كثيرًا على فهم كل من: الجغرافيا، التاريخ، الاقتصاد، علم الاجتماع، علم النفس، الأنثروبولوجي، القانون، والعكس صحيح.

    ـ إن أي تقدم في البحث العلمي يحرزه أي من هذه العلوم الثمانية يمكن أن ينعكس إيجابيًا على بقية العلوم، المصنفة ضمن هذه المجموعة.

    (ج) علاقة علم السياسة بالرياضيات:

    إن على دارسي وعلماء السياسة المعاصرين الإلمام بكل من أصول الرياضيات والإحصاء ومبادئ استخدام العقل الإلكتروني، حتى يتمكنوا من تطبيق "الأسلوب الكمي" عند اللزوم. وبرغم أهمية الأسلوب الكمي، إلا أن استعماله يجب أن يتم بحذر. من هنا، فإن العلاقة بين الرياضيات (ممثلة في أصول الرياضيات + مبادئ الإحصاء + مبادئ استخدام الحاسب الآلي)، هي علاقة من جانب واحد. إن دارس السياسة يجب عليه ـ بذلك ـ أن يعرف شيئًا من الرياضيات. أما دارس الأخيرة، فليس محتمًا عليه دارسة شيء من "السياسة".


    فالرياضيات هي ـ في الأساس ـ وسيلة أو أداة، يمكن أن يستعملها دارسو وعلماء السياسة، ويستفيدون من تطبيقها في دراستهم للسياسية وأبحاثهم فيها. وهذا هو مضمون علاقة علم السياسة بالعلوم الرياضية ـ بصفة عامة وموجزة.
    * * *
    المعرفة الإنسانية والمعرفة السياسية:

    يمكن القول بأن المعرفة الإنسانية (بصدد أي موضوع أو مجال) هي عبارة عن: محاولة فهم الأشياء. أو هي: "مجموعة من المعاني والمعتقدات والأحكام والمفاهيم والتصورات الفكرية التي تتكون لدى الإنسان، نتيجة محاولاته المتكررة لفهم الظواهر المحيطة به" (1) .

    وقد ذكرنا تعريفات "العلم". ورأينا أن العلم يمكن أن يعرف بأنه: مجموعة من القواعد والمبادئ التي أثبت التجريب صحتها، والتي تتعلق بجانب ما معين من جوانب الحياة. كما يعرف بأنه: عملية الكشف عن الحقيقة، بأسلوب موضوعي مجرد. أو هو: المعرفة في جانب ما معين من جوانب الحياة، تكتسب عن طريق التجربة والملاحظة(1) .

    ومن الضروري أن تكون قواعد ومبادئ العلم قد بلغت درجة عالية ومقبولة (من قبل العلماء المختصين) من الصدق والثبات، وإمكانية التدليل، وبرهنة المضمون. من الضروري توفر هذه الصفة في تلك القواعد والأحكام، حتى يمكن اعتبارها علمًا. فهدف العلم. هو البحث والكشف عن "الحقيقة" و"الحقيقة" فقط.

    والفلسفة تتضمن الكثير من المبادئ والأحكام (النظريات)، ولكن معظم تلك المبادئ والأحكام الفلسفية، قائم على استنباط يعتمد على "مقدمات" لم يثبت البحث العلمي صحتها، لأسباب مختلفة. مما يجعل تلك المبادئ والأحكام غير علمية، رغم "منطقية" الكثير منها ـ ذا سلمنا بما تقوم عليه من مقدمات.

    ومع ذلك، تشكل الفلسفة جزءًا هامًا من المعرفة. فالمعرفة مجالها يتسع، ليشمل كل أنواع "المعرفة" (أو الخبرة) الإنسانية. لذا، فالمعرفة تتضمن نواح علمية وأخرى غير علمية(2) . هذا ويمكن ـ للتبسيط ـ تقسيم المعرفة الإنسانية إلى ثلاثة أنواع رئيسية: وذلك بناءًا على التطور التاريخي العام للمعرفة الإنسانية، أو السلوك الإنساني الخاص باكتساب المعرفة، ومنهج البحث المستخدم للوصول إلى تلك المعرفة. ونستعرض في ما يلي بإيجاز هذه الأطوار/ المراحل (أو الأنواع) الثلاث(3) :ـ

    (1) ما يمكن أن نطلق عليه "المعرفة البديهية" (Common Sense):

    وهي المعرفة التي يكتسبها الإنسان نتيجة لعيشه في هذه الدنيا. وهي ذلك النوع من المعرفة المتوفرة لدى الإنسان العادي. ومصدر هذا النوع من المعرفة هو الحياة اليومية، للأفراد والمجتمعات، والمعطيات البيئية والإنسانية التي تحيط بها. ويعتمد اكتساب مثل هذه المعرفة على الحواس... والخبرة الذاتية، أو عامل الصدفة. وهي أدنى أنواع المعرفة، وأبسطها. حيث لا يبذل في سبيل اكتسابها جهد عقلي كبير. وبذلك تمتاز بالبساطة والسطحية، وغلبة السذاجة والعاطفة والبدائية والتقلب. ومع ذلك، فهي الأساس لنوعي المعرفة التاليين اللذين يسموان (عقليًا) عليها، لأنها بمثابة الخطوة الأولى (الملاحظة) لاكتساب معارف أرقى.

    ومن الأمثلة لذلك، آراء العامة في المسائل السياسية والاقتصادية والاجتماعية المختلفة. والفكرة أو (الرأي) السياسي للإنسان العادي، أو رأيه في السياسة، كما هي، وكما يجب أن تكون. أن كل إنسان (تقريبًا) هو مفكر سياسي، سواء أدرك ذلك أم لم يدرك. ويمكن القول، أن الأفكار السياسية التي يعتنقها الشخص (مهما كانت ومهما كانت درجة منطقيتها) تكون الأساس الذي يشكل "الاتجاه" السياسي لذلك الشخص. ويجب أن لا نظن أن الفكرة أو الرأي السياسي للشخص العادي، هو "خاطئ" دائمًا، فقد يبرهن البحث العلمي، صحة الكثير مما يعتقد أنه آراء "سطحية". ومما يدل على أهمية السياسة، والتصاقها بحياة الإنسان، هو أن معظم اللقاءات العفوية بين اثنين أو أكثر من الناس، لا تخلو من حديث ما في أمر من أمور السياسة. وتعرض في تلك اللقاءات بعض الأفكار والآراء و"النظريات" السياسية.

    وقد مرت على الإنسان قرون طويلة ـ كما هو معروف ـ وهو معتمد على هذا النوع من المعرفة فقط، رغم تزايد رصيد الإنسان منه باستمرار، وارتفاع مستواه.. نتيجة للتطور والتقدم المستمر في العلوم ووسائل الاتصالات.

    (2) المعرفة الفلسفية: ويطلق عليها أيضًا مسمى "المعرفة الاستنباطية" (المنطلقة من مقدمات ومسلمات معينة) التي تعتمد على التأمل العقلي. وهي النوع الذي يمثل الخطوة الإنسانية التالية الحاسمة نحو العلم والتقدم الحضاري. حيث إنها تعكس النضج الفكري للإنسان. وهي أرقى من المعرفة البديهية، وأصعب (بذلك) على فهم الإنسان العادي، لأنها تحتاج إلى جهد عقلي أعلى من إمكانية الحواس.

    وتعتبر الحضارة الإغريقية القديمة مصدر أول فلسفة إنسانية منظمة ومتكاملة. وقد تمخض عن الفلسفة ظهور العلم ـ بمعناه التجريبي الحديث. وظلت الفلسفة حتى العصر الحديث أهم طرق اكتساب المعرفة، إلى أن ظهر العلم التجريبي. وإن أي جزء من الفلسفة يبرهن التجريب العلمي (المقبول) صحته، يخرج تلقائيًا من دائرة الفلسفة إلى دائرة العلم(1) .(3) المعرفة العلمية: وهي أرقى أنواع المعرفة الإنسانية: لكونها أثبتها وأصدقها. ويتم اكتسابها عن طريق التجريب المجرد، وبذلك فإنها تمتاز بـ"الموضوعية". وتعكس هذه المعرفة النضج الفكري الإنساني. ويدين الإنسان في ما توصل إليه من قدرة هائلة على إخضاع البيئة التي يعيش فيها لأغراضه المختلفة، لهذا النوع من المعرفة. وعندما ننظر حولنا، الآن، نجد أن فائدة هذا النوع من المعرفة تتمثل في التقنية المذهلة التي أفاد الأخذ بها الإنسان (حضاريًا) أيما فائدة، وفي القواعد العلمية النظرية والتطبيقية المختلفة(1) .

    إذًا، يمكن القول (تبسيطًا) أن التطور الفكري العام للإنسان، بدأ بالنوع الأول، ثم تدرج إلى الثاني، وصولاً إلى الثالث. ولا يعني ذلك أن الإنسان قد وصل إلى النهاية والغاية. حيث إن السيادة النسبية للعلم في معظم المجتمعات الإنسانية الحالية، واستئثاره باهتمام إنساني متزايد، لا يعني نهاية المطاف. فمازال مشوار الإنسان مع العلم طويلاً، بل إنه مشوار أزلي. فما أقل ما نعلم، وأكثر ما نجهل.

    كما أن أنواع المعرفة الثلاثة هذه تظل (مجتمعة) متواجدة بصفة دائمة، في كل زمان ومكان. وإنما أردنا ـ بهذا التقسيم ـ إظهار المراحل التي قطعها الفكر البشري، ليستقر في مرحلة العلم. حيث لا يتصور وجود مرحلة معرفية بعد العلم. كما أن وصول الإنسان إلى مرحلة "العلم"، لم ولن يعني أفول الفكر البديهي و"الفلسفي" ـ لأنهما باقيان ما بقي إنسان على وجه البسيطة.
    * * *
    المعرفة السياسية:

    هي ما يكتسبه الإنسان من معرفة ودراية تتعلق بالسلطة السياسية. أو هي كل نص مكتوب، يتعلق بالسياسة. إن أهم ما يميز الإنسان عن غيره من المخلوقات هو "العقل".. كما أن الإنسان كائن اجتماعي سياسي. فالإنسان يحتاج إلى العيش في مجتمع. وتكوين المجتمع يحتاج ـ كما وضحنا ـ إلى تنظيم. من هنا بدأ الإنسان يفكر في السلطة السياسية. وقد نتج عن هذا التفكير ما يمكن تسميته بـ "المعرفة السياسية".. وبناء على التقسيم المذكور أعلاه لـ "المعرفة الإنسانية" يمكن تقسيم المعرفة السياسية (بدورها) كالتالي:ـ

    ـ أطوار/ أنواع المعرفة السياسية:

    (1) المعرفة السياسية البديهية: هي ما يكتسبه الإنسان (عن طريق حواسه الطبيعية) نتيجة لعيشه في هذه الحياة من معرفة تتعلق بالسياسة. وهي أبسط أنواع المعرفة السياسية، ومن أكثر أنواع المعرفة الإنسانية انتشارًا... بسبب اهتمام غالبية الناس بالسياسة، لتأثيرها الواضح على كل جوانب الحياة. إن المعرفة البديهية السياسية تكاد تكون موجودة لدى كل إنسان راشد تقريبًا. فالسياسة من أولى الاهتمامات الإنسانية.. لذا، فهي محور اهتمام الإنسان دائمًا... كما تتضمن المعرفة السياسية البديهية الواقع السياسي المعنى، على علاته.

    (2) المعرفة السياسية الفلسفية: هي انطباع الإنسان عن أمور سياسية، ومحاولته صياغة وتحديد ما يجب أن تكون عليه (في رأيه) كل أو بعض تلك الأمور.


    (3) المعرفة العلمية السياسية: هي أرقى أنواع المعرفة السياسية. وتتمثل في "الاستنتاجات" التي تم إثبات صحتها بالتجريب، من قبل المجهود الذهني الإنساني. وهذه المعرفة هي لب العلوم السياسية، ومكونها الأساسي. ويمكن أن نقول بأن التطور المعرفي لـ "علم السياسة" (عبر تاريخه الطويل) قد سار بذلك التدرج. وبدأ علم السياسة يأخذ طابع "العلمية"، بالمفهوم الحديث لـ "العلم"، عقـب انتهـاء الحـرب العالمية الثانية، في عام 1945م(1).
    ***
    التحليلات السياسية المختلفة:

    يمكن تعريف التحليل (Analysis) بأنه: عملية تطبيق إجراءات فكرية منظمة معينة، على المعلومات المتوفرة للمحلل عن موضوع ما، بهدف معرفة ما يمكن أن تعنيه تلك المعلومات. أو هو: عملية تنظيم معلومات معينة، تمهيدًا لعمل واحد أو أكثر من العمليات التالية: الوصف، التقييم، التنبؤ، التوجيه(2) .

    ويمكن تقسيم التحليل بصفة عامة، والتحليل السياسي بصفة خاصة، إلى عدة أقسام. حيث أن هناك معايير عديدة، يمكن بناء على كل منها تقسيم التحليل. ومن ثم يمكن أن تتعدد نتائج التقسيم، وتتعدد بالتالي أنواع التحليلات . فبناء على مدى علمية التحليل، يمكن تقسيم التحليلات إلى قسمين رئيسيين: تحليل علمي وتحليل غير علمي. فإذا كان التحليل قائمًا على إتباع صحيح لمناهج البحث العلمي، فإنه يصبح تحليلاً علميًا. ولا يصبح كذلك، إذا كان غير قائم على منهج بحث علمي سليم. إذًا، الاستخدام الصحيح لمناهج البحث، هو الذي يعطي للتحليل صفة "العلمية" ومضمونها.

    وبناء على أنواع المعرفة الرئيسية الثلاثة المذكورة آنفًا، يمكننا تقسيم "التحليل" إلى ثلاثة أنواع رئيسية أيضًا، هي كالتالي:ـ

    (1) التحليل البديهي: وهو التحليل القائم أساسًا على المعرفة البديهية لشخص أو أشخاص معينين. وفي مجال السياسة، يمكن القول بأن التحليل البديهي السياسي، هو التحليل القائم أساسًا على المعرفة البديهية للمحلل... سواء كان مخصصًا في دراسة السياسة، أو غير متخصص. أي التحليل القائم فقط على معرفة الواقع (كما يتصوره المحلل) نتيجة لمتابعة ذلك الواقع، متابعة عادية عامة. وتنتشر مثل هذه التحليلات السياسية، في الصحف اليومية والمجلات الأسبوعية العادية وغيرها من وسائل الإعلام، في شتى البلدان.

    (2) التحليل السياسي الفلسفي: وهو التحليل القائم أساسًا على المعرفة الفلسفية، لشخص أو أشخاص معينين. وفي مجال السياسة، يمكن القول بأنه التحليل القائم بصفة رئيسية، على المعرفة الفلسفية للمحلل.. سواء كان متخصصًا في دراسة السياسة أو غير متخصص. أي التحليل القائم على رؤية واقع معين كما يتصوره المحلل، ولـ "ما يجب أن يكون" عليه ذلك الواقع. ويعتمد مدى إقناع هذا التحليل على مدى منطقيته، أو منطقية "المقدمات"، التي يقوم عليها.

    التحليل العلمي: وهو (في رأينا) التحليل القائم أساسًا على المعرفة العلمية (نظريات علمية معينة)، والتحليل الأكثر مصداقية وصحة. وفي مجال السياسة ، يمكن القول بأن التحليل العلمي السياسي هو: التحليل القائم على المعرفة العلمية السياسية للمحلل. إذ غالبًا ما يصدر مثل هذا التحليل عن المتخصصين في دراسة السياسة. فهو تحليل لواقع معين، يكتب أو يقال بالاستناد إلى نظريات علمية سياسية معينة. كما يتضمن البحث القائم على استخدام سليم لمناهج البحث العلمي.

    وتنطبق صفة التحليل العلمي السياسي أيضًا على التحليل الوصفي الموضوعي، القائم على حقائق مجردة. ومكان هذا النوع من التحليلات السياسية أساسًا هو الدوريات العلمية المتخصصة في نشر البحوث العلمية السياسية.

    وهذا التقسيم للتحليلات السياسية يفسر قيام الكثير من المتعلمين والمثقفين، المتخصصين في مجالات أخرى (غير السياسة) بكتابة ونشر تحليلات سياسية متنوعة. فأي متعلم، يمكن أن يكتب تحليلات بديهية سياسية، وكذلك تحليلات فلسفية سياسية. أما التحليلات العلمية السياسية، فلا تصدر (غالبًا) إلا عن متخصصين وعلماء في السياسة. ومن المهم جدًا أن نلم بهذه الأنواع ونعرف طبيعة وخصائص كل منهم.. حتى يمكن أن نميز بين أنواع الأحاديث والمقالات (التحليلات) السياسية.. وخاصة فيما يتعلق بمدى "مصداقية" كل حديث...



    الفصل الثاني
    مناهج ومداخل البحث العلمي في دراسة السياسة
    من بين تعريفات (العلم) أيضًا، أنه: عملية الكشف عن الحقيقة.

    وإذا كان الكشف عن الحقيقة، هو غاية العلم، فإن وسيلته... لتحقيق تلك الغاية هي استخدام وتوظيف مناهج البحث العلمي المختلفة (1) . وبذلك، يمكن أن نعرف "منهج البحث العلمي" (Research Method) بأنه: طريقة للكشف عن الحقيقة. فالمنهج هو أسلوب دراسة الظواهر المختلفة بكل جوانبها، دراسة علمية موضوعية.

    وكثيرًا ما يستعمل لفظًا "منهج" و"مدخل" (Research Approach)، كمترادفين. والبعض يستخدم مصطلح "مدخل" بمعنى أوسع، من معنى المنهج. إن كليهما "وسيلتان"، للكشف عن الحقيقة. ولكن نرى أن المنهج يعتبر أكثر شمولاً وتحديدًا. أما المدخل، فيمكن أن يجمع بين مبادئ مناهج مختلفة معينة، في بوتقة واحدة... تستخدم كطريقة وأسلوب للبحث(2) .

    فالمنهج له قواعد وأصول معينة وثابتة ـ تقريبًا. أما "المدخل": فقد يتم تحديده ـ عادة ـ في مقدمة البحث، ويمكن أن يقوم على أسس... كثيرًا ما تكيف لتلائم طبيعة البحث ـ موضوع العمل ـ وإن تطلب ذلك جمعها بين مبادئ منهجين بحثيين أو أكثر(3) .

    إن تعريف أي علم يحدد ـ كما ذكرنا ـ مادته، أو "الظاهرة" التي تكون موضوع ذلك العلم الأساسي. وبناء على طبيعة موضوع العلم، يتم تعيين وتحديد "المناهج" التي يجب أن تتبع لدراسته. وبما أن ظاهرة (مادة) العلوم السياسية “السلطة السياسية” هي ظاهرة إنسانية ـ اجتماعية، فإن هناك أكثر من منهج بحث علمي، لدراستها ـ حال معظم الظواهر الاجتماعية.

    وإن منهج البحث المتبع في دراسة أي موضوع أو ظاهرة يحدد مدى "علمية" النتائج والنظريات التي تتمخض عن تلك الدراسة. و"علم السياسة" هو علم حديث النشأة نسبيًا، رغم قدم المعرفة السياسية، قدم وجود المجتمعات البشرية. و"استنتاجات" (نظريات) علم السياسة مازالت ضعيفة المصداقية ـ نسبيًا، كما أشرنا.

    والسبب الرئيسي لذلك، يعود إلى عدم إمكانية إخضاع معظم الظواهر السياسية للدراسة التجريبية الدقيقة ـ أي صعوبة دراسة تلك الظواهر، باتباع منهج بحث علمي محدد ودقيق. وذلك راجع ـ بالطبع ـ إلى طبيعة الظاهرة السياسية، الإنسانية الاجتماعية.

    لذلك، أمكن القول بأن علم السياسة عانى ومازال، من صعوبة ـ إن لم نقل استحالة ـ وجود منهج بحث علمي تجريبي دقيق... يؤدي إتباعه إلى الخروج بـ "نظريات" علمية، لها مصداقية مشابهة، كما للنظريات العلمية في العلوم الطبيعية ـ أي العلوم التي يكون موضوعها غير الإنسان(1) .

    ويمكن حصر أهم الصعوبات الرئيسية التي تواجه دارس السياسة، دراسة تجريبية، وتعيق محاولاته، كي يكون علميًا (بحتًا) فيما يلي:ـ
    طبيعة الظاهرة السياسية نفسها: فكونها ظاهرة إنسانية ـ اجتماعية، يعني أنها تتعلق بدراسة سلوك الإنسان السياسي... وغالبًا ما يصعب إخضاع هذا السلوك للدراسة العلمية البحتة.
    عينة الدراسة: كثيرًا ما لا تعكس "العينة" (Sample) في البحوث الاجتماعية طبيعة وخصائص "المجتمع" الذي أخذت منه. الأمر الذي يؤدي إلى احتمال الخروج باستنتاجات قد لا تكون دقيقة.
    الباحث: إن عالم السياسة (الباحث العلمي السياسي) هو جزء من الواقع، الذي يحاول دراسته. وبالتالي، يوجد الاحتمال الأكيد(تقريبًا) بأن تتلون نتائج الدراسة بوجهات نظر ذلك العالم، وخلفيته العقائدية والأخلاقية.
    ندرة بعض المعلومات: كثيرًا ما يصعب على الباحث السياسي الحصول على كل المعلومات التي يحتاج إليها بحثه، في مجال الظواهر السياسية... بسبب "سرية" تلك المعلومات، أو عدم صحتها... أو نحو ذلك.
    * * *
    وباختصار، يمكن القول بأن هناك منهجان علميان رئيسيان لدراسة السياسة (دراسة علمية)، وهما:ـ

    (أ‌) المنهج التقليدي (Traditional Method):

    ويقوم هذا المنهج ـ بصفة أساسية ـ على مقدرة "التقييم الإنتقادي" للباحث... أي أن الباحث يكتب عن السياسة... معتمدًا على فهمه الذاتي وتصوره الشخصي، ونظرته إلى ما هو "صحيح"، وما هو "خاطيء". حيث يتناول موضوعًا فيحدد طبيعته، ثم قد يحاول توضيح "ما يجب أن يكون" عليه الموضوع محل التناول(1) .

    ويعتمد هذا المنهج على الاستدلال، ويقوم على أساس فلسفي واضح. وأنصار استخدامه يسمون بـ "التقليديين". والاستدلال (أو الاستنباط) يعني ـ وبصفة عامة ـ الانطلاق من "مسلمات" معينة (كما يعتبرها الباحث)، وترتيب نتائج (واستنتاجات)، بناء على تلك المقدمات، أو المسلمات(2) .

    والمنهج المتبع في إظهار الفلسفة السياسية، هو (المنهج التقليدي) ـ بصفة رئيسية ـ بجانبه الفلسفي خاصة ـ المدخل الفلسفي. لذا؛ فإن استخدام هذا المنهج، في أي وقت، سينتج عنه استنتاجات شبيهة باستنتاجات الفلاسفة السياسيين المعروفين... فلو قمنا بدراسة موضوع سياسي معين، باتباع هذا المنهج، فإن استنتاجاتنا قد تكون أقرب إلى الفلسفة، منها إلى العلم، مهما حاولنا التزام "الموضوعية".

    إن علماء السياسة "التقليديين" لا يقلون حرصًا على "علمية" علم السياسة، عن علماء السياسة "التجريبيين". فهم ينادون دائمًا بضرورة الارتقاء بـ "علمية" علم السياسة. ولكن التقليديين يؤمنون بأن مادة علم السياسة لا تحتمل سوى استخدام المنهج التقليدي، لدراستها، لكونها ظاهرة إنسانية اجتماعية. ولذلك، يرفضون المنهج التجريبي، أو أي منهج آخر، غير التقليدي.

    إن أساس المنهج التقليدي هو فلسفي ـ كما قلنا . وهذا المنهج ـ بذلك ـ يعني بإعطاء تفسيرات شبه ذاتية لما هو كائن. وغالبًا ما تنتهي تحليلات معظم التقليديين بإيراد "ما يجب أن تكون" عليه الشؤون السياسية، محل الدراسة(3) . ولكن قد ينظر إلى الظواهر المدروسة من منظار قانوني أساسًا (المدخل القانوني)، حيث تركز الدراسة على (ما يجب أن يكون) من الناحية القانونية.

    ويعتبر "المدخل التاريخي" (Historical Approach) من أقدم أساليب دراسة السياسة. وهو يعتمد على افتراض أن "التاريخ يكرر نفسه"... حيث أن ما كان صحيحًا في الماضي يمكن أن يكون صحيحًا الآن، إذا توفرت نفس الشروط والظروف(1) . ويتضمن هذا المدخل الوصف التاريخي، أيضًا.

    كما أن هناك المدخل التأسيسي أو المؤسساتي (Institutional Approach)، الذي يعني تركيز التحليل على المؤسسات السياسية المختلفة... وتوضيح الوظائف التي تقوم بها، وتحليل العلاقات والتفاعلات فيما بينها. ويعود هذا الاتجاه في دراسة السياسة إلى أرسطو، فهو الذي إبتدع دراسة دساتير بعض الدول، أو المدن، ومؤسساتها، تمهيدًا للمقارنة فيما بينها، وفهمها. غير أن استخدام هذا المدخل (بمضمونه التقليدي) بشكل منتظم، كأداة تحليلية سياسية لم يبدأ إلا في القرن التاسع عشر، وفي الولايات المتحدة الأمريكية(2) .

    فلقد شهد القرن التاسع عشر الحرب الأهلية الأمريكية، الأمر الذي دفع علماء السياسة آنذاك، إلى محاولة نبذ المدخل الفلسفي، في دراسة السياسة، ودراستها ـ بدلاً من ذلك ـ عن طريق دراسة المؤسسات، والتنظيمات (الرسمية) ـ وفيما بعد ـ غير الرسمية ومما ساعد على تبلور ذلك المدخل في أمريكا استتباب الأمور السياسية، بعد الحرب الأمريكية الأهلية، واعتقاد الكثير من المفكرين الأمريكيين، أنه بتأسيس و"نجاح" حكومة الولايات المتحدة الأمريكية، فإن "أفضل" أنواع الحكومات، قد تحقق. لذا، تحول الاهتمام إلى فحص وتحليل المؤسسات السياسية القائمة فعلاً، بتفرعاتها المختلفة(3) .

    ويبدأ هذا المدخل ـ التأسيسي ـ بدراسة القانون الدستوري وتقييمه. وبذلك، فإن التقييم كثيرًا ما يقوم على معايير معينه، تستند إلى تفضيلات الباحث. والواقع، أن معظم التأسيسيين أعلنوا صراحة أن استخدامهم للمدخل التأسيسي هو بهدف الفهم، ومن ثم الإصلاح... متمثلاً في محاولاتهم المستمرة، لتحديد وتوضيح "الحكومة الجيدة". وبقى "المدخل التأسيسي" سائدًا حتى نهاية الحرب العالمية الثانية، حيث بدأت سيادة المنهج السلوكي.

    والخلاصة، أنه عندما يتلون تصور الباحث (لأحداث الماضي أو للمؤسسات السياسية المختلفة ودورها)، بميوله الخاصة واتجاهه العقائدي والإيديولوجي، فإن المدخلين التاريخي والتأسيسي، يصبحان جزءًا لا يتجزأ، من المنهج التقليدي، في دراسة السياسة ـ حالهما حال المدخلين الفلسفي، والقانوني.
    * * *
    (ب‌) المنهج التجريبي : (Emperical Method) :

    يقوم هذا المنهج على الاستقراء (Induction) والتجريب، وعدم الإيمان بشيء ما لم يثبت البحث العلمي التجريبي صحته. وينتج عن استخدامه السليم غالبًا ـ "استنتاجات" علمية، أو شبه علميه. ويسمى أنصار استخدامه بـ "التجريبيين" (1) .

    لقد كان المنهج التقليدي (كما قلنا) أول وأقدم منهج يتبع في دراسة السياسة. ولهذا قلنا بأن "علم السياسة" بدأ أول ما بدأ، كـ "فلسفة سياسية"، لأن ما يتمخض عن اتباع المنهج التقليدي غالبًا (في دراسة السياسة) هو استنتاجات أقرب إلى الفلسفة، منها إلى العلم. واستمر المنهج التقليدي سائدًا، حتى نهاية الحرب العالمية الثانية ـ تقريبًا. حيث ظهر المنهج التجريبي الحديث، المناقض للمنهج التقليدي.

    لقد بدأ معظم علماء السياسة ـ عقب الحرب العالمية الثانية مباشرة ـ يفكرون في طرق أخرى مختلفة، يمكن عن طريقها شرح وتفسير الظواهر السياسية المختلفة، والتي عجزت المداخل التقليدية عن تيسير فهمها، فهمًا علميًا سليمًا. حيث بدأوا يركزون على دراسة السلوك الفعلي، ودراسته تجريبيًا، بدلاً من إتباع المداخل الفلسفية المختلفة.

    وقد عرف هذا المنهج بـ "المنهج السلوكي" أيضًا (Behavioral Method). وهو يقوم على مبادئ المدرسة السلوكية في دراسة العلوم الاجتماعية، والتي بدأت تسود دراسة الظواهر الاجتماعية منذ النصف الأخير من القرن العشرين.

    ويرجع البعض ظهور "السلوكية" الحديثة في دراسة السياسة، إلى عام 1880م، عندما ظهرت أول كتابات الفيلسوف ورجل السياسة الأمريكي "ودور ويلسون" (Wilson). حيث تطرق "ويلسون" إلى أهمية دراسة السلوك الفعلي للمؤسسات السياسية(2) . وسرعان ما انتشر هذا المنهج في دراسة العلوم الاجتماعية، بصفة عامة، وعلم السياسة بصفة خاصة. ويمكن إيجاز أهم أسباب انتشاره، في دراسة السياسة، إلى ما يلي(1) :

    (1) قصور وعجز المنهج التقليدي عن شرح وتفسير الظواهر السياسية، شرحًا علميًا وافيًا.

    (2) التقدم التقني الذي شهده العالم، منذ بداية القرن العشرين، اشتمل على تقدم هائل في تقنيات البحث العلمي ـ خاصة في مجال التحليلات الرياضية والإحصائية. كما تمخض عن ذلك التقدم استحداث استخدام الحاسب الآلي، وتقدم لم يسبق له مثيل، في وسائل الاتصالات. كل ذلك، أدى إلى توفير وسائل مريحة وأكثر دقة، لإجراء البحوث العلمية، سارع العلماء الاجتماعيين لاستغلالها، لجعل أبحاثهم أكثر دقة وموضوعية.

    وقد كان هارولد لا سويل (H. Lasswell) أول عالم سياسي حديث ينادي بان مجرد الوصف في دراسة السياسة لا يكفي، لاكتساب معرفة سياسة ذات قيمة . فالسياسة ـ في رأيه ـ يجب أن تحلل، ويكون محور التحليل، هو "السلوك" السياسي، وليس وصف الوحدات السياسية المختلفة. ومعروف، أن التحليل يتضمن تناول الأسباب والآثار.

    والسلوكية (Behavioralism) في دراسة "السياسة"، أصبحت الآن جزءًا كبيرًا متشعبًا، ولكنه أساسي، من منهج البحث في علم السياسة الحديث. ويمكن تلخيص أهم خصائصها فيما يلي:

    1) السلوكية تجعل من السلوك السياسي الإنساني محور تحليلها. فهي ترفض اعتبار التنظيمات السياسية الوحدة الأساسية للبحث ـ كما هو حال التأسيسية ـ وتؤكد أن سلوك الأفراد السياسي هو الوحدة الأساسية للبحث السياسي. وبذلك، فإن السلوكية تؤكد على "إنسانية" علم السياسة.

    وتبعًا لذلك، تفترض السلوكية أن الناس يتصرفون (Behave) بطريقة متشابهة، في الظروف (المختلفة) المتشابهة.

    2) تهتم السلوكية اهتماما عظيمًا بالتأكيد على المنهج العلمي التجريبي فهي تعمل على تطبيق ذلك المنهج في دراسة السلوك السياسي الإنساني. ويعتبر جون بيرجس (J. Burgess) ـ رئيس أول قسم حديث للعلوم السياسية في العالم ـ أول عالم سياسة حديث يؤكد بأن منهج البحث العلمي، الذي اتبع في دراسة العلوم الطبيعية ـ ابتداء من القرن السابع عشر الميلادي تقريبًا ـ وأثبت جدواه العظيمة، يمكن أن يطبق في دراسة السياسة كذلك(1) . وتحاول السلوكية تطويع المنهج التجريبي، لكي يتلاءم تطبيقه في دراسة الظواهر الإنسانية المختلفة.

    3) تأكيد السلوكية لوحدة العلوم الاجتماعية، وكون علم السياسة هو جزء فقط من تلك الوحدة. لذا، كان على علماء السياسة ـ حسب رأي هذه المدرسة ـ فهم العلوم الاجتماعية الأخرى (ممثلة في استنتاجاتها الهامة)، والاستعانة بذلك في دراساتهم للسياسة. فلفهم السلوك الإنساني السياسي، بمختلف أبعاده، فإن على عالم السياسة الاستفادة من الاستنتاجات المختلفة عن السلوك الإنساني، والتي يمكن أن تقدمها العلوم الاجتماعية المختلفة.

    4) تعرف السلوكية وتوضح بأن هدف "علم السياسة" هو إقامة نظريات تجريبية ممنهجة، تسهل فهم السياسة، فهمًا دقيقًا. وبذلك، فإنها تحصر النظرية السياسية في "النظريات" التجريبية. وتحاول السلوكية دائمًا الفصل بين ما يسمى بـ "القيم" و"الحقائق" في دراسة السياسة. غير أن تلك المحاولة لم تحقق ـ حتى الآن ـ نجاحًا ملموسًا.

    5) السلوكية تطالب بإتباع أسلوب أكثر دقة و"علمية" في عمليات ملاحظة وتصنيف وقياس المعلومات (Data). وهي تؤكد على استعمال الإحصاء، أو الوسائل الكمية (Quantitative) في البحث، وتحليله على أسس كمية، ما أمكن. وتعكس "استنتاجات" (Findings) السلوكيين بعض النظريات والمفاهيم التي تم تكوينها باتباع هذا الأسلوب، والتي يمكن أن يكون لها دور هام في فهم السياسة. مما حدا بالبعض إلى القول بأن السلوكيين قد جعلوا علم السياسة أكثر دقة وعلمية، من أي وقت مضى. ونجد الآن معظم جامعات العالم وقد تبنت هذا المنهج، في دراسة السياسة(2) .

    ومن أهم المداخل العلمية، التي تمخضت عنها المدرسة السلوكية، في علم السياسة، ما يسمى بـ "المدخل أو التحليل البنائي ـ الأدائي" (Structural-Functional Analysis). وهذا المدخل يجمع بين السلوك والتنظيم (السياسي)، ولكنه (في المنهج السلوكي) يركز على السلوك المترابط لكل من المجتمع، وتنظيماته السياسية. وكذلك الأداء المتوقع للتنظيمات السياسية المختلفة.

    وهذا "المدخل" يسهل مقارنة أجزاء متشابهة في أنظمة سياسية مختلفة، ببعضها، مما قد يمكن من استنتاج تعميمات عن تفاعل المجتمعات المختلفة مع نظمها السياسية. وبهذا، يمكن استخدام هذا المدخل في دراسة السياسة، والحكومات المقارنة.


    وقد ظهر هذا المنهج ـ بشكل واضح ـ في الستينات، مع ظهور كتاب لكل من "الموند" و"كولمان"، اللذين يقال إنهما أول من استخدمه في دراسة الأنظمة السياسية في الدول المتقدمة، والدول النامية(1) .
    * * *
    خطوات المنهج التجريبي:

    ويتبع السلوكيون، في دراستهم للسياسة، خطوات المنهج التجريبي، والذي يستعمل في العلوم الطبيعية، بشكل مختلف. وتتلخص تلك الخطوات فيما يلي:
    الملاحظة: ومن ثم تحديد المشكلة ـ أو مشكلة البحث.
    إقامة افتراض معين يحاول شرح تلك المشكلة. ويحاول الباحثون، المتبعون لهذا المنهج، تناول الافتراضات التي تكون قابلة للتجريب والاختبار.
    التجريب: أي ملاحظة الواقع المعنى.. لفحص مدى صحة ذلك الافتراض (الذي ورد في الخطوة الثانية) للتأكد من مدة صحته. وذلك يتم عبر التحليل التجريبي، والذي يتضمن ـ في معظم الحالات ـ جمع أكبر قدر ممكن من المعلومات عن مشكلة البحث، ثم تحليلها ـ غالبًا باستخدام الأساليب الإحصائية والكمية.
    وكثيرًا ما يتبع أسلوب الدراسة الميدانية، لجمع المعلومات، كعمل استقصاء (Survey) ـ عن موضوع البحث ـ مع فئة ـ "عينة" من الناس...إلخ. المهم، أن على الباحث أن يتبع أسلوب البحث العلمي وإجراءاته، إذا أراد لدراسته أن تكون ذات قيمة.

    والنتيجة: يوضحها الباحث ـ في النهاية ـ بتحديد إجراءات وخطوات بحثه، ثم توضيح ما إذا كان افتراضه صحيحًا أم خاطئًا، أم كان بحاجة إلى تعديل معين. وقد لا تتيح "النتيجة" للباحث أن يصدر حكمًا كهذا، لعدم ثقته في النتائج التي توصل إليها ـ عن طريق بحثه. وهنا تلزم الإشارة منه إلى ذلك. ويمكنه أن يحدد انطباعه وتكهنه عن النتائج التي يعتقد أنها ستكون النتائج الفعلية.

    ويمكن أن ينتج عن البحث نظرية جديدة ـ إذا كان موضوعه وخطواته جديرة بذلك ـ أو تدعيم أو دحض لنظرية أو مفاهيم قائمة. وليس من السهل اكتشاف، وبلورة نظريات "صحيحة" في علم السياسة الناشيء. حيث إنه يكون ـ عادة ـ أمام "الاستنتاجات" المختلفة، التي تتمخض عنها أغلب البحوث السياسية، طريق طويل قبل أن يثبت مدى صحتها ـ بشكل عام (Universal). أي مدى صحتها في ذاتها ـ إن كانت مستحدثة لأول مرة ـ أو مدى تدعيمها، أو نقضها (الأكيدين) لنظريات أو استنتاجات قائمة.

    ويعتبر التكرار (أي تكرار إجراء نفس البحث تحت ظروف مشابهة، ومن قبل باحثين آخرين) أهم محك، لتحديد مدى صحة وأهمية نظرية أو افتراض ما، يتعلق بالسياسة. على أي حال، يمكن القول بأن مدى أهمية النظرية في علم السياسة يتحدد بناءً على عوامل عديدة، أهمها(1) :
    هل بالإمكان "اختبار" هذه النظرية. أي هل يمكننا اختبار فروض هذه النظرية، ومن ثم تأكيد صحة تلك الفروض، أو برهان بطلانها؟
    هل هذه النظرية مفهومة من قبل قطاعات واسعة في المجتمع العلمي (المتخصص)؟
    هل هذه النظرية تزيد معرفتنا في موضوع ما أو لا؟
    إن مقابلة أي نظرية لهذه التساؤلات بالإيجاب، تؤكد سلامة الإجراءات، والعكس صحيح.
    * * *
    وقد قامت "السلوكية" على أساس أن الظواهر السياسية تدرس بهدف الكشف عن خصائصها... لا


    _________________


    قناتي على موقع يوتيوب :
    https://www.youtube.com/channel/UCm8N-tHwIFM7hPnwtLrBMpg
    مدونتي:
    https://arabicfraed.blogspot.com.eg/
    avatar
    أحمد
    إدارة ثمار الأوراق
    إدارة ثمار الأوراق

    عدد الرسائل : 16864
    الموقع : القاهرة
    نقاط : 39037
    تاريخ التسجيل : 17/09/2008

    رد: صفحات من كتاب مبادىء علم السياسة

    مُساهمة من طرف أحمد في الأحد مارس 31, 2013 1:01 pm



    _________________


    قناتي على موقع يوتيوب :
    https://www.youtube.com/channel/UCm8N-tHwIFM7hPnwtLrBMpg
    مدونتي:
    https://arabicfraed.blogspot.com.eg/

      الوقت/التاريخ الآن هو الثلاثاء ديسمبر 12, 2017 8:27 pm