ثمار الأوراق

ثمار الأوراق

منتدى تعليمي يهتم باللغة العربية علومها وآدابها.


    سيرة إمام الجزائر : عبد الحميد بن باديس (رحمه الله)

    شاطر
    avatar
    أحمد
    إدارة ثمار الأوراق
    إدارة ثمار الأوراق

    عدد الرسائل : 16840
    الموقع : القاهرة
    نقاط : 38991
    تاريخ التسجيل : 17/09/2008

    سيرة إمام الجزائر : عبد الحميد بن باديس (رحمه الله)

    مُساهمة من طرف أحمد في الجمعة نوفمبر 20, 2009 4:30 am

    بسم الله الرحمن الرحيم

    أولا : محاضرة رائعة يلقيها الشيخ المؤرخ محمد بن موسى الشريف في سيرة ابن باديس (رحمه الله) :

    http://www.islamway.com/?iw_s=Lesson&iw_a=view&lesson_id=54202

    أتمنى أن تستمعوا إليه أولا .
    _____________

    ثانيا : سأنقل لكم موضوعا كتبه أخي الجزائري أ / ياسر الزناتي في موقع (التاريخ الإسلامي)

    جزاه الله عنا خيرا ، و نفعني و إياكم بالموضوع الرائع


    _________________


    قناتي على موقع يوتيوب :
    https://www.youtube.com/channel/UCm8N-tHwIFM7hPnwtLrBMpg
    مدونتي:
    https://arabicfraed.blogspot.com.eg/
    avatar
    أحمد
    إدارة ثمار الأوراق
    إدارة ثمار الأوراق

    عدد الرسائل : 16840
    الموقع : القاهرة
    نقاط : 38991
    تاريخ التسجيل : 17/09/2008

    رد: سيرة إمام الجزائر : عبد الحميد بن باديس (رحمه الله)

    مُساهمة من طرف أحمد في الجمعة نوفمبر 20, 2009 4:34 am

    مولده و نسبه
    هو عبد الحميد بن محمد المصطفى بن المكي بن محمد كحول بن الحاج علي النوري بن محمد بن محمد بن عبد الرحمان بن بركات بن عبد الرحمان بن باديس الصنهاجي. ولد بمدينة قسنطينة يوم الأربعاء 11 ربيع الثاني 1307 هـ الموافق لـ 4 من ديسمبر 1889 م على الساعة الرابعة بعد الظهر، وسجل يوم الخميس 12 ربيع الثاني 1307 هـ الموافق لـ 5 ديسمبر 1889 م في سجلات الحالة المدنية التي أصبحت منظمة وفي أرقى صورة بالنسبة لذلك العهد كون الفرنسيين أتموا ضبطها سنة 1886 م.
    كان عبد الحميد الابن الأكبر لوالديه، فأمه هي : السيدة زهيرة بنت محمد بن عبد الجليل بن جلول من أسرة مشهور بقسنطينة لمدة أربعة قرون على الأقل، وعائلة "ابن جلول من قبيلة "بني معاف" المشهورة في جبال الأوراس، انتقل أحد أفرادها إلى قسنطينة في عهد الأتراك العثمانيين وهناك تزوج أميرة تركية هي جدة الأسرة (ابن جلول) ولنسبها العريق تزوجها والده محمد بن مصطفى بن باديس (متوفى 1951 م) الذي شغل منصب مندوبا ماليا وعضوا في المجلس الأعلى وباش آغا شرفيا، ومستشارا بلديا بمدينة قسنطينة ووشحت فرنسا صدره بميدالية Chevalier de la légion la légiond’honneur، وقد احتل مكانة مرموقة بين جماعة الأشراف وكان ذوي الفضل والخلق الحميد ومن حفظة القرآن الكريم، ويعود إليه الفضل في إنقاذ سكان منطقة واد الزناتي من الإبادة الجماعية سنة 1945 م على إثر حوادث 8 ماي المشهورة، وقد اشتغل بالإضافة إلى ذلك بالفلاحة والتجارة، وأثرى فيهما.
    أما اخوته الستة : الزبير المدعو المولود، العربي، سليم، عبد المليك، محمود وعبد الحق، والأختين نفيسة والبتول، فقد كانوا جميعا يحسنون اللغة الفرنسية باستثناء الأختين، وكان أخوه الزبير محاميا وناشرا صحفيا في صحيفة "صدى الأهالي" L'EchoIndigéne ما بين 1933 – 1934 م. كما تتلمذ الأستاذ عبد الحق على يد أخيه الشيخ عبد الحميد بالجامع الأخضر وحصل على الشهادة الأهلية في شهر جوان سنة 1940 م على يد الشيخ مبارك الميلي بعد وفاة الشيخ بن باديس بحوالي شهرين.
    ومن أسلاف عبد الحميد المتأخرين جده لأبيه : الشيخ "المكي بن باديس" الذي كان قاضيا مشهورا بمدينة قسنطينة وعضوا في المجلس العام وفي اللجنة البلدية، وقد احتل مقاما محترما لدى السكان بعد المساعدات المالية التي قدمها لهم خاصة أثناء المجاعة التي حلت بالبلاد فيما بين 1862 – 1868 م ودعي إلى الاستشارة في الجزائر وباريس، وقد تقلد وساما من يد "نابليون الثالث" (تقلد رئاسة فرنسا من 1848-1852 م وإمبراطور من 1852-1870 م)، وعمه "حميدة بن باديس" النائب الشهير عن مدينة قسنطينة أواخر القرن التاسع عشر الذي اشترك مع ثلاثة من زملائه النواب في عام 1891 م في كتابة عريضة بأنواع المظالم والاضطهادات التي أصبح يعانيها الشعب الجزائري في أواخر القرن التاسع عشر الميلاد من الإدارة الاستعمارية والمستوطنين الأوروبيين الذي استحوذوا على الأراضي الخصبة من الجزائريين وتركوهم للفقر والجوع وقاموا بتقديمها إلى أحد أعضاء مجلس الشيوخ الفرنسي الذي حضر إلى الجزائر من أجل البحث وتقصي الأحوال فيها كي يقدمها بدوره إلى الحكومة الفرنسية وأعضاء البرلمان الفرنسي في باريس وذلك بتاريخ 10 أفريل سنة 1891 أي بعد ولادة عبد الحميد بن باديس بحوالي ثلاثة سنوات فقط.
    أما من قبلهم من الأسلاف الذين تنتمي إليهم الأسرة الباديسية فكان منهم العلماء والأمراء والسلاطين، ويكفي أن نشير إلى أنهم ينتمون إلى أسرة عريقة في النسب كما يقول مؤلفا كتاب أعيان المغاربة المستشرقان Marthe et Edmond Gouvion والمنشور بمطبعة فوناتانا في الجزائر 1920, بأن ابن باديس ينتمي إلى بيت عريق في العلم والسؤدد ينتهي نسبه في سلسلة كعمود الصبح إلى بني باديس الذين جدهم الأعلى هو مناد بن مكنس الذي ظهرت علامات شرفه وسيطرته في وسط قبيلته في حدود القرن الرابع الهجري, وأصل هذه القبيلة كما يقول المستشرقان من ملكانة أو تلكانة وهي فرع من أمجاد القبيلة الصنهاجية العظيمة "البربرية" المشهورة في الجزائر والمغرب الإسلامي. ومن رجالات هذه الأسرة المشهورين في التاريخ الذين كان الشيخ عبد الحميد بن باديس يفتخر بهم كثيرا "المعز لدين الله بن باديس" (حكم: 406-454 هـ/1016-1062 م) الذي قاوم البدعة ودحرها، ونصر السنة وأظهرها، وأعلن مذهب أهل السنة والجماعة مذهبًا للدولة، مؤسس الدولة الصنهاجية وابن الأمير "باديس بن منصور" والى إفريقيا والمغرب الأوسط (حكم: 373-386 هـ/984-996 م) سليل الأمير "بلكين بن زيري بن مناد المكنى بأبي الفتوح والملقب سيف العزيز بالله الذي تولى الإمارة (361-373 هـ/971-984 م) إبان حكم الفاطمين.
    وفي العهد العثماني برزت عدة شخصيات من بينها قاضي قسنطينة الشهير أبو العباس حميدة بن باديس (توفى سنة 969 هـ/1561 م) قال عنه شيخ الإسلام عبد الكريم الفكون : "هو من بيتات قسنطينة وأشرافها وممن له الريّاسة والقضاء والإمامة بجامع قصبتها، وخَلَفُ سلف صالحين علماء حازوا قصب السبق في الدراية والمعرفة والولاية، وناهيك بهم من دار صلاح وعلم وعمل". وأبو زكرياء يحيى بن باديس بن الفقيه القاضي أو العباس "كان حييا ذا خلق حسن، كثير التواضع، سالم الصدر من نفاق أهل عصره، كثير القراءة لدلائل الخيرات ذا تلاوة لكتاب الله".
    وأبو الحسن علي بن باديس الذي اشتهر في مجال الأدب الصوفي بقسنطينة إبان القرن العاشر الهجري، السادس عشر الميلادي وهو صاحب القصيدة السينية التي نظمها في الشيخ "عبد القادر الجيلاني" مطلعها :


    ألا سر إلى بغداد فهي مني النفس وحدق لهمت عمن ثوى باطن الرمس

    والشيخ المفتي بركات بن باديس دفين مسجد سيدي قموش بقسنطينة في الفترة نفسها. وأبو عبد الله محمد بن باديس قال عنه الشيخ الفكون : "كان يقرأ معنا على الشيخ التواتي (محمد التواتي أصله من المغرب كانت شهرته بقسنطينة وبها انتشر علمه، كانت له بالنحو دراية ومعرفة حتى لقب بسيبويه زمانه، وله معرفة تامة بعلم القراءات) آخر أمره، وبعد ارتحاله استقل بالقراءة عليّا وهو من موثقي البلدة وممن يشار إليه". والشيخ أحمد بن باديس الذي كان إماما بقسنطينة أيام "الشيخ عبد الكريم الفكون" خلال القرن الحادي عشر الهجري، السابع عشر الميلادي.
    من هذه الأسرة العريقة انحدر عبد الحميد بن باديس، وكان والده بارًا به يحبه حبا جما ويعطف عليه ويتوسم النباهة وهو الذي سهر على تربيته وتوجيهه التوجيه الذي يتلاءم مع فطرته ومع تطلعات العائلة، كما كان الابن من جهته يجل آباه ويقدره و يبره. والحق أن "عبد الحميد" يعترف هو نفسه في آخر حياته بفضل والده عليه منذ أن بصر النور وذلك في حفل ختم تفسير القرآن سنة 1938 م، أمام حشد كبير من المدعوين ثم نشر في مجلة "الشهاب"، فيقول : "إن الفضل يرجع أولاً إلى والدي الذي ربّاني تربية صالحة ووجهني وجهة صالحة، ورضي لي العلم طريقة أتبعها ومشرباً أرده، وقاتني وأعاشني وبراني كالسهم وحماني من المكاره صغيراً وكبيراً، وكفاني كلف الحياة... فالأشكرنه بلسانه ولسانكم ما وسعني الشكر. ولأكلُ ما عجزت عنه من ذلك للَّه الذي لا يضيع أجر المحسنين».
    نشأته
    نشأ "عبد الحميد" في أحضان أسرة عريقة في العلم والجاه، وفي بيتها الكريم ترعرع معززا مكرما، لا ينقصه شيء من متاع الحياة الدنيا، وكان أبوه حريصا على أن يربيه تربية إسلامية خاصة؛ فلم يُدخله المدارس الفرنسية كبقية أبناء العائلات المشهورة، بل أرسل به للكتاب القرآني ككل الأطفال بالطريقة المألوفة المعروفة وهو في الخامسة من عمره، فحفظ القرآن وتجويده على يد الشيخ المقرئ محمد بن المدَّاسي وعمره لم يتجاوز الثالثة عشرة سنة، ونشأ منذ صباه في رحاب القرآن فشب على حبه والتخلُّق بأخلاقه. ولشدة إعجابه بجودة حفظه، وحسن سلوكه، قدمه ليصلي بالناس التراويح في رمضان بالجامع الكبير وعمره إحدى عشر سنة ليتعود على تحمل المسئولية، وقبله المصلون رغم صغر سنه وبقي يؤمهم ثلاثة أعوام.
    تلقى مبادئ العلوم العربية والإسلامية بجامع سيدي محمد النجار على مشائخ من أشهرهم العالم الجليل الشيخ "أحمد أبو حمدان الونيسي" ابتداء من عام 1903 الذي حبب إليه العلم، ووجهه الوجهة المثلى فيه، وهو من أوائل الشيوخ الذين لهم أثر طيب في اتجاهه الديني.
    و في سنة 1908 عزم أستاذه الشيخ "الونيسي" على الهجرة إلى المشرق العربي حين ذاق ذرعا بالحياة تحت وطأة الحكم الفرنسي الطاغي، و لشدة تعلق عبد الحميد بأستاذه قرر السفر معه أو اللحاق به مهاجرا في طلب العلم، غير أن آباه لم يوافقه على ذلك ووجهه إلى طلب العلم في تونس.
    حياته الزوجية
    تزوج الشيخ عبد الحميد بن باديس في سن مبكرة وهو لا يتجاوز الحادية عشرة من عمره حين تم عقد زواجه في 08 مارس 1901م بإحدى قريباته ابنة عمه "اليامنة بنت ابن باديس"، ولما بلغ الخامسة عشرة من عمره دخل بيت الزوجية في حدود 1904 م. أنجب عبد الحميد بن باديس من هذا الزواج المبكر ولدا سماه "إسماعيل"، ظل الابن يدرس عند أبيه "عبد الحميد" حتى حفظ القرآن وقبل أن يوجهه أبوه لطلب العلم، توفي في حادث مفاجئ ببندقية صيد في ضيعة جده إذ يقال إنه كان يتجوّل بالمزرعة شاهد أحد حراس المزرعة يعلق بندقيته المعبأة بالرصاص في جذع شجرة. فحملها إسماعيل بكل براءة وراح يلهو بها فخرجت رصاصة قاتلة استقرت بصدر الصغير، وذلك في 19 من رمضان عام 1337هـ الموافق لـ17 جوان 1919م .
    وهناك بالمدينة الكبيرة كان الشيخ عبد الحميد بن باديس يقدم دروسه لتلامذته داخل المسجد عندما تقدم منه أحد أصدقائه وأسرّ له الخبر المحزن، فأكمل الدرس حتى نهايته ثم انفرد في زاوية خاصة وراح يُذرف الدموع، وتكرر نفس المشهد عندما توفي شقيقه سليم، وكان حينها أيضا في حلقة تدريس.
    أما زوجته لم تستمر معه طيلة حياته حيث طلقها عندما طلبت أن تقيم وحدها بعيدا عن أسرة والده وكان هو يريد أن يبقيها ضمن أفراد عائلة أبيه حتى تتوفر لديه الحرية أكثر في الحركة والنشاط لأنه كان يقضي جل وقته في الدرس والخطابة والكتابة خارج البيت وبدخوله عالم الدعوة لم يعد يزور البيت إلا نادرا، مما أثار حفيظة الزوجة التي غادرت بيت أهل بن باديس، وعندما رجع ولم يجدها رفض رغم إلحاح والده الذهاب لإحضارها. وانتظر عدة أيام وعندما تأكد من عدم رجوعها للبيت لفظ كلمة الطلاق ورفض العودة عن قراره رغم محاولات أهل الزوجين وأكثر من ذلك رفض الزواج ثانية.
    تعليمه في جامع الزيتونة
    نظرا لما كان يبدو على "عبد الحميد" من فطنة و نباهة وميل إلى الجد في فترة التعلم التي سبقت ذهابه إلى تونس حرس أبوه على إرساله إلى جامع الزيتونة ليكمل تعليمه ويوسع معارفه، فسافر إلى تونس في نفس العام الذي هاجر فيه أستاذه "الونيسي" (1908 م) إلى المشرق تاركا الزوجة والولد في كفالة والديه، وسنه إذ ذاك تسعة عشرة عاما. وبعد ثلاث سنوات من الجد والاجتهاد تحصل على شهادة التطويع (كما كانت تدعى حين ذاك) عام 1911 م وقد نجح في امتحان التخرج نجاحا باهرا، إذ حصل على الرتبة الأولى ضمن قائمة جميع الناجحين في تلك الدورة، و كان الطالب الجزائري الوحيد الذي تخرج في دفعة تلك السنة من الجامع المعمور وذلك بناء على وجوده في رأس قائمة الناجحين التي نشرتها جريدة "المشير" التونسية، وأقام أثناء دراسته بمدرسة "النخلة" الكائنة بنهج الكتيبة رقم 11 قرب جامع الزيتونة، وكان يسكن بها أحد شيوخه وهو المرحوم "سعد السطيفي" وبقي بعد التخرج سنة أخرى يُدرس ويَدرس على عادة المتخرجين في ذلك العهد.
    والملفت للانتباه أن نظام الدراسة في الزيتونة قبل السنة التي التحق فيها "عبد الحميد" (1908 م) أن المّدة التي يقضيها الطالب لنيل أعلى شهادة هي سبع سنوات، ولكن يسمح للطالب المتمكن – بعد إجراء امتحان له – أن يتجاوز سنوات ويوضع في الصف الذي يؤهله له هذا الامتحان، غير أنه في السنة التي سافر فيها "عبد الحميد" ألغي هذا النظام، فأدى ذلك إلى إثارة طلاب الزيتونة، فتراجعت إدارة الجامع عن المرسوم، وأجّلت تطبيقه إلى السنة الموالية مما أتاح لعبد الحميد فرصة الالتحاق بالسنة الخامسة – بعد أن أجري له امتحان – فلم يدرس في جامع الزيتونة إلا ثلاث سنوات نال بمقتضاها الشهادة والسنة الرابعة قضاها مدرسا.
    وهناك في تونس خلال المدة التي قضاها في التعلم تعرف على كبار العلماء، وأخذ عنهم الثقافة العربية الإسلامية وأساليب البحث في التاريخ والحياة الاجتماعية، من أمثال الشيوخ : محمد الطاهر بن عاشور شيخ الإسلام الذي درس عليه ديوان الحماسة للبحتري، والعلامة الصدر محمد النخلي القيرواني الذي درس عليه التفسير، والعلامة الخضر بن الحسين الطولقي الجزائري التونسي الذي تلقى عليه المنطق وقرأ عليه كتاب التهذيب فيه، ومحمد بلحسين النجار بن الشيخ المفتي محمد النجار والشيخ محمد الصادق النيفر قاضي الجماعة الذي أخذ على يده الفقه، والبشير صفر ألمع المؤرخين والمصلحين التونسيين في القرن العشرين، وكان لكل واحد من هؤلاء تأثير خاص في جانب من جوانب شخصية ابن باديس، وقد عرف ابن باديس أثناء دراسته في الزيتونة بالنشاط، وكان يتميز بحب الاطلاع الواسع، كما يبدو من خلال اتصالاته ببعض العلماء خارج الزيتونة حيث كان يحضر بعض الدروس غير المقررة في برنامج الزيتونة فهو يخبرنا إنه حضر على الشيخ "خضر بن الحسين" دروسه في تفسير البيضاوي في داره بباب منارة في تونس.
    فقد تأثر كثيرا ببعض المشايخ الذين وجد في آرائهم وأفكارهم وأساليب تعليمهم ما يلائم طبعه وتطلعه، و ميله إلى الاجتهاد واستعمال العقل، مثل الشيخ محمد النخلي القيرواني الذي كان دائما يذكره ويثني على منهجه في التدريس، كما تأثر ببعض الأفكار الإصلاحية التي بدأت تروج في تونس بعد زيارة محمد عبده لها.
    عودته من تونس
    عاد الشاب "عبد الحميد" إلى بلاده يحمل شهادة التطويع (العالمية) فاستقبله أبوه في محطة القطار كما يستقبل العلماء والأعيان، كان مغتبطا أشد الاغتباط بنجاحه وبعودته، ولما انتهيا إلى المنزل صاح الأب بأم البنين آن لك أن تزغردي يا أم عبد الحميد فقد عاد ابنك عالما ليرفع من قيمة عائلته وأمته، ويزيدهما مجدا وشرفا، فأطلقتها الأم زغرودة عالية دوت أصداؤها في أرجاء البيت الفسيح، وقد أثر هذا الاستقبال في "عبد الحميد" أيما تأثير، فقد ظل يذكره بكثير من الاعتزاز... فقد حدث طلابه ذات يوم (في أواسط الثلاثينات) عن ذلك الاستقبال... واستشهد على ذلك بشواهد منها تقدير أبيه له، وفرحة أمه والزغرودة التي عبرت بها عن هذه الفرحة والتي كانت تعبيرا صادقا عن فرحة العائلة، " إن تلك الزغرودة التي قابلتني بها أمي يوم عدت من تونس ما تزال ترن في أذني، ولن أنساها ما حييت".
    بعد ذلك بدأ "عبد الحميد" نشاطه بالتفرغ للتعليم المسجدي في الجامع الكبير بقسنطينة، فباشر بعقد حلقات دراسية مثل التي شهدها في تونس وإلقاء دروس لبعض الطلبة من كتاب "الشفاء" للقاضي عياض، أما العامة فكان يقدم لهم دروسا في الوعظ والإرشاد، غير أن مدّة تعليمه في الجامع الكبير لم تظل، لأن مفتى المدينة الشيخ "المولد بن الموهوب" الإمام الخطيب بهذا الجامع، منعه من مواصلة التدريس، بحجة أنه لا يملك إذنا بذلك، والحقيقة أن الشاب عبد الحميد رُخِّص له في ذلك، فقد اتصل والده بوالي عمالة قسنطينة، وسعى له في الحصول على إذن بالتدريس في الجامع الكبير، فأذن له ولكنه إذن شفوي، ولما شرع الشاب في التدريس اعتبر الشيخ بن الموهوب هذا العمل اعتداء على سلطته، لأنه لم يُستشر في ذلك، واعتبره تدخلا سافرا فيما هو من اختصاصه، لأن والد الشاب حتى وان كان نائبا ساميا في عدة دوائر انتخابية ومالية على مستوى البلدية والعمالة والوطن، وله مكانته، إلا أنه رجل سياسة لا دخل له في أمور الدين، هذا الأمر أثار حساسية ابن الموهوب، ومن هنا بدأت المواجهة بينه وبين المعلم الشاب، الذي لم يكن هدفه سوى نشر المعرفة وخدمة بلاده، فكانت دروسه ثورة على البدع والخرافات ونبذ العصبيات مما حرك عقول الناس وكان عاملا على تنبيههم من حالة الاحتلال والجهل، فسعى الشيخ المفتي في منع المدرس الشاب من التدريس بل تمادى، فكلف المفتي من يشوش عليه، ويطفئ المصابيح وقت الدرس، ولكن الشاب عبد الحميد لم يستسلم، وكلف طلابه أن يحضروا الشموع ليدرسوا تحت ضوئها، وقابل المفتي عناد هذا الشاب المدرس بتصرف آخر، فأمر أحد اتباعه "الحاج القريشي" بالتصدي له ومنعه، فجاء وأطبق دفتي الكتاب أمام المدرس عبد الحميد، وأطفأ الشموع، وكادت تقع فتنة بينه وبين الطلاب، داخل المسجد ولكن المعلم المؤدب أخمد الفتنة وهدّأ طلابه، فصرفهم وأمرهم بترك الجامع والدرس.
    تأثر الفتى عبد الحميد لمعاملة مفتي المدينة وحامي حمى الإسلام فيها، ولم تمضِ سوى مدة قصيرة حتى عزم على أداء فريضة الحج، ففاتح أباه في الموضع وأبدى رغبته في الذهاب إلى البقاع المقدسة لأداء مناسك الحج، فقبل والده ووافقه، وهيأ له الأسباب التي تمكنه من تحقيق هذه الرغبة.


    _________________


    قناتي على موقع يوتيوب :
    https://www.youtube.com/channel/UCm8N-tHwIFM7hPnwtLrBMpg
    مدونتي:
    https://arabicfraed.blogspot.com.eg/
    avatar
    أحمد
    إدارة ثمار الأوراق
    إدارة ثمار الأوراق

    عدد الرسائل : 16840
    الموقع : القاهرة
    نقاط : 38991
    تاريخ التسجيل : 17/09/2008

    رد: سيرة إمام الجزائر : عبد الحميد بن باديس (رحمه الله)

    مُساهمة من طرف أحمد في الجمعة نوفمبر 20, 2009 4:35 am

    العودة إلى و الوطن و الشروع في الاصلاح
    آمن ابن باديس بأن العمل الأول لمقاومة الاحتلال الفرنسي هو التعليم، وهي الدعوة التي حمل لواءها الشيخ محمد عبده، في مطلع القرن الرابع عشر الهجري، وأذاعها في تونس والجزائر خلال زيارته لهما سنة (1321هـ= 1903م)، فعمل ابن باديس على نشر التعليم، والعودة بالإسلام إلى منابعه الأولى، ومقاومة الزيف والخرافات، ومحاربة الفرق الصوفية الضالة التي عاونت المستعمر.
    وبمجرد أن عاد إلى بلده شرع على الفور في تنفيذ خطوات المشروع المتكامل الذي كان قد بدأه قبل سفره إلى الحجاز والذي يرتكز على العمل الإصلاحي من خلال نشر التعليم وتربية الأجيال، وحتى لا يتكرر ما حدث بينه وبين الشيخ ابن الموهوب، استصدر له أبوه رخصة رسمية من والي عمالة قسنطينة تسمح له بأن يدرس بالمجّان في (الجامع الأخضر) أحد المساجد الثلاثة الجامعة في المدينة التي تشرف عليها الحكومة.
    وهكذا بدأ التدريس هذه المرة وفي يديه إذن قانوني، يخوّل له ذلك، فنظّم دروسا لعامة الناس، وأخرى خاصة بالطلبة الوافدين يلقى بعضها في الجامع الأخضر وبعضها في مسجد سيدي قموش، لا يتقاضى على عمله من الحكومة ولا غيرها أجرا. وكان من دروسه العامة تفسير القرآن، ظل يلقيه حتى انتهى منه بعد خمسة وعشرين عامًا، فاحتفلت الجزائر بختمه في 13 من ربيع الثاني 1357هـ/ 12 جوان 1938م. والحديث النبوي الشريف من الموطأ حتى ختمه في أواسط ربيع الثاني عام 1358هـ /جوان 1939م).. أما الدروس الموجهة للطلبة فتختلف حسب مستوى كل طبقة، ويركز فيها على العلوم الدينية واللغوية والتاريخ الإسلامي والتوحيد والمنطق وغير ذلك من العلوم التي تدخل في تكوين الطالب.
    ويُعدّ الجانب التعليمي والتربوي من أبرز مساهمات ابن باديس التي لم تقتصر على الكبار، بل شملت الصغار الذي بلغوا سن التعلم، ولم يجدوا مكانا لهم في المدارس الحكومية، أو الذين يدرسون في هذه المدارس ولكنهم بحاجة إلى تعلم لغتهم ومعرفة دينهم وتاريخهم، فأسس سنة 1926 م أول نواة للتعليم الابتدائي الحر "مكتب" (مرادف للفظة الكتّاب) أي مدرسة، رفقة جماعة من الفضلاء السيد العربي والسيد عمر بن مغسولة، حيث اشتريا مسجد سيدي بومعزة، والبناء المتصل به، وكان فوق بيت الصلاة محل للسكنى بالكراء فأزالاه عن ذلك، وأبقياه محلا فارغا، فجعل محل "المكتب"، وأطلق عليه اسم "المكتب العربي"، وأسند إدارته إلى أحد طلاب "ابن باديس" الأوائل هو الشيخ "مبارك الميلي" بعد تخرجه من جامع الزيتونة، ثم انتقل إلى بناية الجمعية الخيرية الإسلامية التي تأسست سنة 1336هـ/1917م لاتساعها... وفي سنة 1349هـ/1930 م ثم تطوّر المكتب إلى مدرسة جمعية التربية والتعليم الإسلامية، وتكونت هذه الجمعية من عشرة أعضاء برئاسة الشيخ عبد الحميد بن باديس. وقد هدفت الجمعية إلى نشر الأخلاق الفاضلة، والمعارف الدينية والعربية، والصنائع اليدوية بين أبناء المسلمين وبناتهم، ويجدر بالذكر أن قانون الجمعية نصّ على أن يدفع القادرون من البنين مصروفات التعليم، في حين يتعلم البنات كلهن مجانًا.
    وكوّن ابن باديس لجنة للطلبة من أعضاء جمعية التربية والتعليم الإسلامية، للعناية بالطلبة ومراقبة سيرهم، والإشراف على الصندوق المالي المخصص لإعانتهم، ودعا الجزائريين إلى تأسيس مثل هذه الجمعية، أو تأسيس فروع لها في أنحاء الجزائر. وقد اثرت هذه الجهود التي انطلقت في مجال التعليم المدرسي الحّر بقسنطينة في بعض الجهات الأخرى فقام المخلصون فيها بإنشاء مدارس للتعليم القومي في تلك الفترة ومن اشهر هذه المدارس التي أدت دورا مهما (مدرسة الشبيبة الإسلامية بمدينة الجزائر) من عام 1927 إلى أن استولت عليها الإدارة الاستعمارية، وحثّ ابن باديس الجزائريين على تعليم المرأة، وإنقاذها مما هي فيه من الجهل، وتكوينها على أساسٍ من العفة وحسن التدبير، والشفقة على الأولاد، فقد خصها بدروس في مدرسة التربية والتعليم مرّة في الأسبوع طيلة خمس سنوات الأخيرة من حياته، كما قام بترغيب زملائه العلماء أن يقوموا بمثل ذلك في مدنهم وقراهم، فساروا على نهجه. ولما امتلأت المدارس بالبنات، وأتممن تعلمهن بالمرحلة الابتدائية، هيأ لهن الشيخ ابن باديس الطريق إلى المشرق العربي وبالضبط إلى سوريا سنة 1939 م ليتممن تعليمهن الثانوي والعالي بمدرسة "دوحة الأدب" لكن لم يكتب لهذه الخطوة النجاح بسبب اندلاع الحرب العالمية الثانية صيف هذه السنة، ثم عاجلت المنية، فتعطل المشروع تماما. أما البنين فقد قسموا إلى أربع طبقات حسب مستوياتهم، والذين ينهون دراستهم عنده يوجه القادرين منهم لإتمام دراستهم في تونس بجامع الزيتونة، وكان من طلائع طلابه النبغاء : مبارك الميلي والسعيد الزاهري، والهادي السنوسي، ومحمد بن العابد والسعيد الزموشي، وابن عتيق، والفضيل الورتلاني، وآخرون كثيرون منهم من اكتفى بما تعلمه عليه، ومنهم من واصل دراسته في الزيتونة حتى شهادة التطويع.
    لم يكتفي "عبد الحميد بن باديس" بالدروس التي كان يقدمها أو يشرف عليها، بل كان يقوم في العطلة الصيفية، وفي أيام الراحة الأسبوعية بجولات استطلاعية في القطر يتعرف فيها على أحوال البلاد والعباد، ويلقى الدروس في المساجد، وحيثما تيسر له، ويعلن عن نشاطه التربوي، وعن الدروس العلمية التي يتلقاها الطلبة في قسنطينة حتى يبين الفائدة المرجوة منها لمن يشاء الالتحاق بها، ويطلب من شيوخ الزوايا الذين يحضرون دروسه ومحاضراته أن يرسلوا أبناءهم وطلابهم للتعلم عليه في قسنطينة، هكذا وبهذا الأسلوب الإعلامي تنامى عدد طلابه من مختلف جهات الوطن، وخاصة عمالة قسنطينة، وأصبحوا يفدون على الجامع الأخضر، وعلى دروس الشيخ في مختلف المواد.
    كما شارك ابن باديس في محاولة إصلاح التعليم في جامع الزيتونة بتونس، وبعث بمقترحاته إلى لجنة وضع مناهج الإصلاح التي شكّلها حاكم تونس سنة (1350 هـ/1931م)، وتضمن اقتراحه خلاصة آرائه في التربية والتعليم، فشمل المواد التي يجب أن يدرسها الملتحق بالجامع، من اللغة والأدب، والعقيدة، والفقه وأصوله، والتفسير، والحديث، والأخلاق، والتاريخ، والجغرافيا، ومبادئ الطبيعة والفلك، والهندسة، وجعل الدراسة في الزيتونة تتم على مرحلتين: الأولى تسمى قسم المشاركة، وتستغرق الدراسة فيه ثماني سنوات، وقسم التخصص ومدته سنتان، ويضم ثلاثة أفرع: فرع للقضاء والفتوى، وفرع للخطاب والوعظ، وفرع لتخريج الأساتذة.
    محاولة اغتياله
    كانت الحملات (في الصحافة الإصلاحية وخاصة في الشهاب) متوالية على الخرافات والأباطيل، وعلى المبتدعة و المضللين، واشترك في الكتابة فحول العلماء والمفكرين في الجزائر وتونس والمغرب وكان من أشدهم عنفا على الطريقة العليوية وشيخها المتهم بالحلول ووحدة الوجود، كاتب يمضي مقالاته باسم (بيضاوي) فحاول العليويين معرفة هذا الكاتب، ولكن إدارة الشهاب أبت الكشف عنه، كما كان الشيخ ابن باديس قد ألف رسالة علمية يرد فيها على الشيخ ابن عليوة لسوء أدبه مع النبي (صلى الله عليه وسلم) وعلى بعض شطحاته الحلولية المنافية للعقيدة الإسلامية، ولأهمية هذه الرسالة قرضها أهم كبار علماء الجزائر وتونس والمغرب.
    وهكذا تحرك غيض العلويين، فقرروا الفتك بابن باديس فعقدوا اجتماعا في مستغانم واتفقوا فيه أن يغتالوا الشيخ المصلح، وأرسلوا من ينفذ هذه الخطة، وفي قسنطينة شرع هذا الشخص الموفد مع بعض مساعديه يترصدون الشيخ لمعرفة مسكنه وتحركاته وأوقاته، وفي يوم 9 جمادى الثانية 1341 هـ الموافق ليوم 14/12 / 1926 م عندما كان عائد إلى بيته في منتصف الليل بعد انتهائه من دروسه في المسجد، أقدم الجاني على تنفيذ محاولته الآثمة، ولما دنا منه هوى عليه بهراوة وأصابه بضربتين على رأسه وصدعه، فشج رأسه وأدماه، لكن الشيخ أمسك به ونادى النجدة بضربتين وحاول المجرم أن يسل خنجرا من نوع (البوسعادي) ليجهز على الشيخ، و لكن الله نجاه، بفضل جماعة النجدة التي قبضت عليه، وأرادت الفتك به، فمنعهم الشيخ، عند ذلك ساقوه إلى الشرطة فأوقفته وفتشته فوجدت عنده سبحة وتذكرة ذهاب وإياب بتاريخ ذلك اليوم، (من مستغانم إلى قسنطينة) زيادة عن الموسى والعصا، فأودعته السجن ثم قدمته للمحاكمة فنال جزاءه، وصدر في شأنه الحكم بخمس سنوات سجنا. رغم أن ابن باديس عفا عنه في المحكمة قائلا : إن الرجل غرر به، لا يعرفني و لا أعرفه، فلا عداوة بيني و بينه، أطلقوا سراحه، ولكن الزبير بن باديس المحامي (شقيق الشيخ المعتدي عليه) قام باسم العائلة يدافع عن شرفها، ويطالب بحقها في تنفيذ الحكم قائلا : إن أخي بفعل الصدمة لم يعد يعي ما يقول إلى غير ذلك مما جرى في المحاكمة.


    _________________


    قناتي على موقع يوتيوب :
    https://www.youtube.com/channel/UCm8N-tHwIFM7hPnwtLrBMpg
    مدونتي:
    https://arabicfraed.blogspot.com.eg/
    avatar
    أحمد
    إدارة ثمار الأوراق
    إدارة ثمار الأوراق

    عدد الرسائل : 16840
    الموقع : القاهرة
    نقاط : 38991
    تاريخ التسجيل : 17/09/2008

    رد: سيرة إمام الجزائر : عبد الحميد بن باديس (رحمه الله)

    مُساهمة من طرف أحمد في الجمعة نوفمبر 20, 2009 4:36 am

    شخصية بن باديس و عوامل تكوينها
    نفضل هنا أن نترك ابن باديس يحدثنا عن العوامل التي أسهمت في تكوين شخصيته، كما يذكرها هو في ختام حفلة التكريم التي خصه بها إخوانه العلماء وتلاميذه بمناسبة الاحتفال بختم تفسيره للقرآن قال رحمه الله :
    " أنا رجل أشعر بكل ما له أثر في حياتي وبكل من له يد في تكويني، وإن الإنصاف ليدعوني أن أذكر في هذا الموقف بالتمجيد والتكريم كل العناصر التي كان لها الأثر في تكويني حتى تأخذ حظها مستوفى من كل ما أفرغتم علي من ثناء ومدح... وإني أشهد أن هذا التحفي عسير علي، ثقيل علي حمله. فلعلي إذا ذكرت هذه العناصر توزعت حصصها من التنويه، وتقاضت حقوقها من الثناء، الذي أثقلتم به كاهلي، فأكون بذلك قد أرضيت ضميري، وحففت على نفسي.
    1 – إن الفضل يرجع أولا إلى والدي الذي رباني تربية صالحة، ووجهني وجهة صالحة، ورضي لي العلم طريقة أتبعها، ومشربا أرده، و قاتني وأعاشني، وبراني كالسهم، وراشني، وحماني من المكاره صغيرا و كبيرا، وكفاني كلف الحياة فلأشكرنه بلساني ولسانكم ما وسعني الشكر.
    2 – ثم لمشائخي الذين علموني العلم، وخطوا لي مناهج العمل في الحياة، ولم يبخسوا استعدادي حقه، وأذكر منهم رجلين لهما الأثر البليغ في تربيتي، وفي حياتي العملية، و هما (من مشائخي) اللذان تجاوزا بي حد التعلم المعهود... إلى التربية والتثقيف، والأخذ باليد إلى الغايات المثلى في الحياة؛ أحد الرجلين : الشيخ حمدان الونيسي القسنطيني، وثانيهما : الشيخ محمد النخلي القيرواني المدرس بجامع الزيتونة المعمور.
    وإني لأذكر للأول وصية أوصاني بها، و عهدا عهد به إلي، وأذكر ذلك العهد في نفسي ومستقبلي وحياتي، فأوجدني مدينا لهذا الرجل بمنة لا يقوم بها الشكر، فقد أوصاني وشدد علي أن لا أقرب الوظيفة ما حييت، ولا أتخذ علمي مطية لها، كما كان يفعله أمثالي في ذلك الوقت.
    وأذكر للثاني كلمة لا يقل أثرها في ناحيتي العلمية عن أثر تلك الوصية في ناحيتي العملية، وذلك أني كنت متبرما بأساليب المفسرين وتأويلاتهم الجدلية في كلام الله، ضيق الصدر من اختلافهم فيما لا اختلاف فيه من القرآن... فذاكرت يوما الشيخ النخلي فيما أجده في نفسي من التبرم والقلق، فقال لي، " اجعل ذهنك مصفاة لهذه الأساليب المعقدة، وهذه الأقوال المختلفة، والآراء المضطربة يسقط الساقط، ويبقي الصحيح وتستريح " فوالله لقد فتح عن ذهني آفاقا واسعة عهد له بها.
    3 – ثم لإخواني العلماء الذين آزروني في العمل من فجر النهضة إلى الآن، فمن حظ الجزائر السعيد، ومن مفاخرها التي تتيه بها علي الأقطار أنه لم يجتمع في بلد من بلدان الإسلام (اليوم) فيما رأينا وسمعنا وقرأنا مجموعة من العلماء، وافرة الحظ من العلم، مؤتلفة القصد والاتجاه، مخلصة النية، متينة العزائم، متحابة في الحق مجتمعة القلوب على الإسلام والعربية قد ألف بينها العلم والعمل ،مثلما اجتمع للجزائر في علمائها، فهؤلاء هم الذين وري بهم زنادي، وتأثل بطارفهم تلادي،أطال الله أعمارهم، و رفع أقدارهم.
    4 – ثم لهذه الأمة الكريمة المعوانة على الخير، المنطوية على أصول الكمال... التي – ما عملت يوما – علم الله – لإرضائها لذاتها، و إنما عملت وما أزال أعمل لإرضاء الله بخدمة دينها ولغتها، و لكن الله سددها في الفهم، وأرشدها إلى صواب الرأي، فتبينت قصدي على وجهه، وأعمالي على حقيقتها، فأعانت ونشطت بأقوالها وأموالها، و بفلذات أكبادها، فكان لها بذلك كله من الفضل في تكويني العملي أضعاف ما كان لتلك العناصر في تكويني العلمي ؟
    5 – ثم الفضل أولا و أخيرا لله و لكتابه الذي هدانا لفهمه ،و التفقه في أسراره، والتأدب بآدابه ، وإن القرآن الذي كون رجال السلف لا يكثر عليه أن يكون رجالا في الخلف، لو أحسن فهمه و تدبره، و حملت الأنفس على منهاجه ".
    وبهذا فإنشخصية ابن باديس شخصية متعددة الجوانب متنوعة المواهب، فقد توفرت لها مؤهلات من النادر أن تجتمع في شخصية واحدة.
    فهو : عالم ورع وفقيه في أمور الدين، مساير لمقتضيات العصر وظروف الحياة، معلم موهوب، مجدد في أساليب التعليم، وصاحب مذهب في تفسير كتاب الله وزعيم من زعماء الفكر الإصلاحي والنضال السياسي له آراء و مواقف في الدين والأخلاق والسياسة ثم هو كاتب بارع وخطيب بليغ و شاعر وإن كان مقلا وصحافي ناجح.
    و من يتتبع حياته ويدرس جوانب شخصيته يلمس بوضوح هذه الجوانب المختلفة فهو يجمع إلى جانب القدرة على الكتابة البليغة الهادفة والخطابة المؤثرة وقول الشعر الوطني، الإمامة في العلم والدين، والزعامة في النضال السياسي والإصلاح الاجتماعي يزين كل ذلك سعة الاطلاع، وعمق التفكير، ومتانة في الخلق، واستقامة في السلوك وذكاء حاد، ووعي كامل بمشكلات العصر، وإدراك شامل لوضعية شعبه، وما ينبغي أن يكون عليه إذ أخذ بأسباب الحياة – كان رحمه الله – قائد ركب ومحرر شعب، لقد صحح مفاهيم الحياة الإسلامية التي اهتزت بعنف أمام ضربات الاستعمار المتتالية، في وقت ساد فيه الجهل، وعم فيه الجمود، وانتشرت الخرافة وانحطت كرامة الإنسان العربي، وأهدرت قيمة المسلم، و زاد ابن باديس هذه المفاهيم تحديدا و وضوحا بسلوكه المثالي، وتفكيره المتزن والمتوازن، و بحكمته وحنكته مع التوفيق الإلهي الذي كان يسند حركته ،فعاد النور الهادي من جديد يضيء الطريق للسالكين خلف القائد الملهم .
    وهكذا الأغنياء في قوة الودعاء و وداعة الأقوياء، فكان الرجل الذي أجمع الجميع على حبه و تقديره، وحتى الأعداء الذين كانوا يحاربونه، كانوا مع ذلك يجلونه ويهابونه.
    وفاته
    لقد عاش الشيخ عبد الحميد بن باديس للفكرة والمبدأ ومات وهو يهتف (فإذا هلكت فصيحتي تحيا الجزائر والعرب) لم يحد عن فكرته ومبدئه قيد أنملة حتى آخر رمق من حياته، ولم يبال بصحته الضعيفة التي تدهورة كثيرا في السنتين الأخيرة من حياته، هذا هو ابن باديس الذي عرفته الجزائر عالما عاملا, وفقيها مجتهدا, ومربِّيا مخلصا, ومصلحا, وسياسيا, وإماما كان يقضي بياض نهاره وسواد ليله في خدمة دينه ولغته وبلاده. هذا هو الرجل الذي كان قلب الجزائر النابض, وروحها الوثابة وضميرها اليقظ, وفكرها المتبصر, ولسانها المبين, لم يضعف أمام هجمات الاستعمار المتتالية, ولم يستسلم لمناوراته وتهديداته, ولا للإغراءات والمساومات, بل بقي ثابتا على مبادئه صامدا حتى آخر حياته.
    مساء يوم الثلاثاء 8 ربيع الأول سنة 1359 هـ ، الموافق 16 أبريل 1940م، على الساعة الثانية والنصف بعد الزوال أسلم ابن باديس روحه الطاهرة لبارئها، متأثرًا بمرضه بمسقط رأسه مدينة قسنطينة، وكان محاطا بوالده وشقيقه الأكبر (الزبير) والطبيب الفرنسي القادم من العاصمة "ليفي فالونزي" وابن خاله الطبيب القسنطيني الشهير "بن جلول", وقد مات رحمه الله ولم تكن في رأسه شعرة بيضاء واحدة.
    ولما أعلن البرّاح في الناس خبر وفاته اهتزّت أوجاع تلاميذه ومساعديه في مهنة التعليم والمتاعب, وعندما شاع خبر وفاته في الجزائر بكاه أبناء الوطن بكاءا حارا كما بكاه عارفوه، ومقدرو علمه، وجهاده، في سبيل الجزائر والإسلام، والعروبة، في كل من المغرب وتونس وليبيا، والمشرق العربي والعالم الإسلامي.
    وقد شيعت جنازته في اليوم التالي لوفاته الموافق عصر يوم الأربعاء 9 ربيع الأول سنة 1359 هـ ، الموافق 17 أبريل 1940م، وحمل جثمانه إلى مثواه الأخير طلبة الجامع الأخضر دون غيرهم وسط جموع غفيرة ما يزيد عن مائة ألف نسمة، جاءوا من كافة أنحاء القطر الجزائري لتوديعه الوداع الأخير، في حين كان عدد سكان قسنطينة آنذاك لا يتجاوز 50 ألف نسمة. وقد تولى أداء الصلاة على جنازته الشيخ العربي التبسي, كما تولى تأبينه كل من الشيخ مبارك الميلي والعربي التبسي والدكتور محمد الصالح بن جلول يجدر، ودفن في مقبرة آل باديس الخاصة في مدينة قسنطينة رغم وصيته التي أوصى فيها بدفنه في مقبرة شعبية عامة.
    وقد تركت وفاة الشيخ عبد الحميد بن باديس فراغا كبيرا في صفوف الحركة الوطنية، وفي رجال الإصلاح الإسلامي في الجزائر وغيرها، وبين جماهير الشعب التي كانت تعتبره الزعيم المخلص، والوطني الغيور على دينه، ولغته، وشعبه، ووطنه، وعلى الإسلام والعروبة، بصفة خاصة وقد قال الشيخ الشهيد العربي بن بلقاسم التبسي في تأبينه في المقبرة ما يلي : "لقد كان الشيخ عبد الحميد بن باديس في جهاده وأعماله، هو الجزائر كلها فلنتجتهد الجزائر بعد وفاته أن تكون هي الشيخ عبد الحميد بن باديس".
    هذا وحامت الأقاويل حول موته، فمن قائل مات مسموماً كما زعمت إذاعة ألمانيا "هنا برلين" يوم 09 ماي 1940 م على لسان "تقي الدين الهلالي" : "أن السلطات الفرنسية في الجزائر هي المسؤولة على وفاته، وقد ذكرت أنه مات مسموما على أيدي الفرنسيين، كما فعلوا بمعظم العلماء، الذين ما يزال بعضهم يعاني في ظلمات السجون، وأن الطغاة الفرنسيين أرادوا تسميمه، وقد قتلوا جميع الزعماء من قبله والشعب الجزائري اليوم يطالب لفديته، وسينتقم له عاجلا أو آجلا" وربما هذا ما يفسر اختفاء الشيخ العربي التبسي ووفاة الشيخ الميلي والطيب بأمراض مجهولة.
    ومن قائل أنه مات بسبب مرض، فيقول الشيخ محمد البشير الإبراهيمي : "بعد استقراري في المنفى بأسبوع تلقيت الخبر بموت الشيخ عبد الحميد بن باديس – رحمه الله – بداره في قسنطينة بسرطان في الأمعاء كان يحس به وسنوات ويمنعه انهماكه في التعليم وخدمة الشعب من التفكير فيه وعلاجه... وكنت بدأت نذر الحرب تظهر وغيومها تتلبد أجتمع بالشيخ أبن باديس في داري بتلمسان فقررنا ماذا نصنع إذا قامت الحرب، وقررنا من يخلفنا إذا قبض علينا، قلّبنا وجوه الرأي في الاحتمالات كلها، وقدرنا لكل حالة حكمها، وكتبنا بكل ما اتفقنا عليه نسختين، ولكن كانت الأقدار من وراء تدبيرنا، فقبضه الله إليه".
    كما أشار ابن جلول وهو من بين المأبنين البارزين للشيخ ابن باديس وابن خاله إلى مرض ابن باديس الذي ظل مجهولا حتى عند أقرب الناس إليه فيقول :"وبحكم مهنتي كطبيب تشرفت ببذل المعالجة له خلال مرضه الأخير, الذي قضى عليه ولم يرض بالتوجه إلي ومنحي ثقته لمعالجته إلا بعد أن فطنا له مرهق منذ عهد بعيد, وأن مشيه من مكتبه إلى الجمعية, إلى الجامع الأخضر قد أصبح مضنيا بالنسبة إليه, وقد بذلت ما في وسعي لكسب ثقته, وبذل الشفاء له, ويا أسفاه فالمرض قد كان يمخر جسمه شيئا فشيئا".
    ويقول ابن جلول : أن ابن باديس بلغ منه التعب والإرهاق مبلغا جعله في آخر أيامه لا يقوى على تجاوز مسافة تقدر بمئتي متر على قدميه نظرا لتمكن المرض من جسمه النحيف المتهالك, فكان مرقده إلى جوار حجرة دروسه ولما أنهكه العيي, وهو الذي قاومه خمسين سنة, أذن لطلابه لأول مرة في حياته منحهم خمسة عشر يوما كعطلة بمناسبة المولد النبوي بعدما عرف عنه أنه لم يكن يقبل بأكثر من ثلاثة أيام كتوقف عن التحصيل, ولما أظهر طلابه المتعلقون به تعجبهم من هذا التسريح الذي يدوم نصف شهر, أجابهم بلغة يائسة وألم يمزق أحشاءه وحسرة تعتصر قلبه :"إنني متهالك... إنني مريض للغاية فاعذروني" فلم يعلن رجل كابن باديس أنه انهار فمعنى ذلك أن في الأمر ما يدفع إلى التساؤل عن كيفية الرعاية التي كان يحظى بها في مدينة قسنطينة وأعني بذلك الرعاية الصحية والغذائية والنفسية.
    ومن قائل أنه مات موتة طبيعية، وهو ما يؤكده الأستاذ عبد الحق أخو الشيخ بن باديس : " كان ابن باديس نحيف الجسم، ولم يكن يُعطي لنفسه قسطا من الراحة، فيومه يبدأ مع صلاة الصبح، ولا ينتهي إلا في ساعة متأخرة من الليل، وهذا لمدة 25 سنة قضاها بأيامها ولياليها في التدريس والتفسير، وإلقاء المحاضرات ودروس الوعظ والإرشاد، والكتابة في الصحافة، وإدارة الأعمال الإدارية وكثرة السفر حيث كان يستقل قطار (قسنطينة – الجزائر) كل مساء أربعاء ليعود مساء كل جمعة, وزادت حصصه التدريسية اليومية لترتفع إلى ثلاث حصص في اليوم.. ومع أنه لم يكن يعاني من أي مرض حتى أنه لم يلبس في حياته نظارات طبية ولم يشتكي من تسوس أسنانه إلا أنه رقد في فراش المرض في 14 أفريل 1940 وعلى مدى ثلاثة أيام لم يستطع مغادرة فراشه فكان يقوم بتمريضه "من ضعفه وشحوبه" والده وشقيقته "بتول" طوال النهار ويتولى "عبد الحق" السهر معه ليلا، فالإرهاق والتعب والزهد في الحياة، وثقل المسئولية التي كانت يشعر بها تجاه الأمة الجزائرية هي السبب المباشر لوفاته عندما حان وقت تسليم الروح إلى خالقها".
    - ولا يعلم الحقيقة إلا الله - وذلك شأن الناس عند موت كل عظيم.


    _________________


    قناتي على موقع يوتيوب :
    https://www.youtube.com/channel/UCm8N-tHwIFM7hPnwtLrBMpg
    مدونتي:
    https://arabicfraed.blogspot.com.eg/
    avatar
    نور الاسلام
    قلم متميز ، هادف
    قلم متميز ، هادف

    عدد الرسائل : 131
    العمل/الترفيه : Interior designer for theater,television and Interior Design....In shaa Allah
    المزاج : راحة القلب بحب الله
    نقاط : 353
    تاريخ التسجيل : 30/09/2009

    رد: سيرة إمام الجزائر : عبد الحميد بن باديس (رحمه الله)

    مُساهمة من طرف نور الاسلام في الجمعة نوفمبر 20, 2009 4:48 am

    لا اجد كلام اقوله لك اخى الكريم فانت دائما مميز ومتميز بمواضيعك التى تستحق منا ارفع وارقى الاحترام والتقدير
    بوركت وجزيت ووقيت من كل سوء وفى انتظار عبيرك القادم والجديد الذى يشعرنا بنشوة بالغة
    سلمت يمناك المباركة وجزيت بكل حرف ثواب

    هى حروف انثرها تحت قدميك...........والتى لا تقدر بشئ مثل مواضيعك الراااااائعة





    avatar
    almazny 2
    مشرف متميز
    مشرف متميز

    عدد الرسائل : 643
    الموقع : أرض الـــــلــــــه
    المزاج : الــحــمــد لــلـــه
    نقاط : 2614
    تاريخ التسجيل : 27/09/2008

    رد: سيرة إمام الجزائر : عبد الحميد بن باديس (رحمه الله)

    مُساهمة من طرف almazny 2 في الجمعة ديسمبر 04, 2009 12:10 pm

    بارك الله فيك
    avatar
    أحمد
    إدارة ثمار الأوراق
    إدارة ثمار الأوراق

    عدد الرسائل : 16840
    الموقع : القاهرة
    نقاط : 38991
    تاريخ التسجيل : 17/09/2008

    رد: سيرة إمام الجزائر : عبد الحميد بن باديس (رحمه الله)

    مُساهمة من طرف أحمد في الأربعاء يناير 27, 2010 4:13 am

    و بارك الله فيك يا أخي الحبيب


    _________________


    قناتي على موقع يوتيوب :
    https://www.youtube.com/channel/UCm8N-tHwIFM7hPnwtLrBMpg
    مدونتي:
    https://arabicfraed.blogspot.com.eg/

      الوقت/التاريخ الآن هو الأربعاء سبتمبر 20, 2017 7:30 pm