ثمار الأوراق

ثمار الأوراق

منتدى تعليمي يهتم باللغة العربية علومها وآدابها.


    قضية الإعجاز العلمي في القرآن الكريم

    شاطر
    avatar
    أحمد
    إدارة ثمار الأوراق
    إدارة ثمار الأوراق

    عدد الرسائل : 16851
    الموقع : القاهرة
    نقاط : 39012
    تاريخ التسجيل : 17/09/2008

    قضية الإعجاز العلمي في القرآن الكريم

    مُساهمة من طرف أحمد في الجمعة أكتوبر 09, 2009 1:04 am

    السؤال: أثنى الله عز وجل في سورة آل عمران على الذين يتفكرون في خلق السموات والأرض ، وقد أثبت العلم الحديث توافق أشياء كثيرة مع ما ذكر في القران ، ولكن مع هذا هناك بعض الناس من يقول إنه ينبغي أن لا تنزل المكتشفات العلمية الحديثة على الحقائق التي في القرآن ؛ لأن العلم دائماً في تغير مستمر ، بينما القرآن ثابت معجز في كل زمان ومكان ، فقد يكتشف العلم الحديث شيئاً ويسارع الناس لتنزيل هذا المكتشف على ما جاء في القران ، ثم ما يلبث هذا المكتشف أن يثبت عكسه ، فيتأثر بذلك مَن في قلبه مرض . وقد قرأت مقالات لأحد العلماء يتحدث فيها عن العلم الحديث والقرآن ، وأنه لا يمكن أن يتعارضا مع بعض ، ولكن مع هذا كله ما زال كثير من الناس يصرون على عدم استخدام هذه الحقائق العلمية حتى في دعوة غير المسلمين إلى الإسلام . فما هو رأيكم في ذلك ؟


    الجواب :
    الحمد لله

    النظر في قضية الإعجاز العلمي في القرآن الكريم ، هو كغالب القضايا العلمية والفكرية : يكتنفه طرفان : إفراط وتفريط ، والتوسط بين هذين الطرفين عادة ما يكون هو الأوفق والأقرب للصواب :

    1-فمن الخطأ والتقصير الظاهر عدم الاستفادة من حقائق العلم الحديث في تفسير كثير من الآيات الكونية في القرآن الكريم ، والأحاديث الصحيحة في السنة المطهرة ، ونحن نؤمن أن خالق الكون ومنزل القرآن الكريم إله واحد ، فلا بد أن تتطابق التفاصيل الواردة فيهما ، والعلم الحديث خير معين على كشف هذا التطابق .

    2-ومن الخطأ الظاهر أيضا المبالغة في هذا التوجه ، وتحميل الآيات ما لا تحتمل من أوجه المجاز المخالفة للسياق ، أو المخالفة لما ثبت في السنة المطهرة من تفسير هذه الآيات ، أو التسرع في عرض الفرضيات والنظريات على أنها حقائق علمية .

    يقول الشيخ ابن عثيمين رحمه الله :

    " الإعجاز العلمي في الحقيقة لا ننكره ، لا ننكر أن في القرآن أشياء ظهر بيانها في الأزمنة المتأخرة ، لكن غالى بعض الناس في الإعجاز العلمي ، حتى رأينا من جعل القرآن كأنه كتاب رياضة ، وهذا خطأ .

    فنقول : إن المغالاة في إثبات الإعجاز العلمي لا تنبغي ؛ لأن هذه قد تكون مبنية على نظريات ، والنظريات تختلف ، فإذا جعلنا القرآن دالاًّ على هذه النظرية ثم تبين بعد أن هذه النظرية خطأ ، معنى ذلك أن دلالة القرآن صارت خاطئة ، وهذه مسألة خطيرة جدًّا .

    ولهذا اعتني في الكتاب والسنة ببيان ما ينفع الناس من العبادات والمعاملات ، وبين دقيقها وجليلها حتى آداب الأكل والجلوس والدخول وغيرها ، لكن علم الكون لم يأتِ على سبيل التفصيل .

    ولذلك فأنا أخشى من انهماك الناس في الإعجاز العلمي وأن يشتغلوا به عما هو أهم ، إن الشيء الأهم هو تحقيق العبادة ؛ لأن القرآن نزل بهذا ، قال الله تعالى : ( وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ ) " انتهى.

    " مجموع فتاوى ورسائل ابن عثيمين " (26/28) .



    وقد قام كثير من الباحثين والعلماء المعاصرين – جزاهم الله خيرا – بكتابة الأبحاث العلمية الرصينة المتزنة في هذا الباب ، وقامت لذلك هيئات علمية متخصصة ، ومؤتمرات دولية ، ومجامع عامة يمكن أن تثمر فيما تثمره تقعيدا مؤصلا منضبطا لقضايا هذا العلم الجديد ، حتى يصل إلى درجة من الكمال الممكن ، كحال كل علم ينشأ غرسا صغيرا ، ثم يكبر ويثبت بدراسات العلماء الأفذاذ المتخصصين .

    ونحن ننقل هنا بعض الضوابط المهمة للوصول إلى نتائج سليمة في هذا المنهج العلمي :

    يقول الدكتور عبد الله المصلح حفظه الله :

    " إن المراد بهذه الضوابط تلك القواعد التي تحدد مسار بحوث الإعجاز العلمي وفق الأصول الشرعية المقررة ، مع الالتزام بالجوانب الفنية والعلمية المطلوبة .

    وتكمن أهمية هذه الضوابط في كونها مناط استرشاد للباحثين في الإعجاز العلمي في القرآن الكريم والسنة النبوية المشرفة ، وخصوصا في هذا الوقت الذي كثر فيه إقبال الباحثين والكاتبين على هذا الموضوع لأهميته في الدعوة والإقناع ، وذلك لتميز هذا العصر بالعلم ومكتشفاته ، حتى أصبح العلم سمة من سماته .

    وهذا الاهتمام من غير سير على ضوابط واضحة أوجد مزالق كثيرة حتى عند بعض المخلصين ، وإسهاما في علاج ذلك جاءت هذه الضوابط علها أن تكون مانعا من الوقوع في تلك الأخطاء ، وحافزا للكتابة في هذا الموضوع الحيوي .

    والتزام هذه الضوابط يساعد كذلك على إنهاء الخلاف الفكري بين المؤيدين لموضوع التفسير العلمي والمعارضين له ؛ لأن جوهر الخلاف بينهم يرجع سببه إلى تلك المظاهر الارتجالية التي لا يصدر أصحابها عن منهج صحيح .

    وتلك الضوابط هي :

    1- ثبوت النص وصحته إن كان حديثا ، لتواتر القرآن دون الحديث .

    2- ثبوت الحقيقة العلمية ثبوتا قاطعا ، وتوثيق ذلك علميا متجاوزة مرحلة الفرض والنظرية إلى القانون العلمي .

    3- وجود الإشارة إلى الحقيقة العلمية في النص القرآني أو الحديثي بشكل واضح لا مرية فيه .

    فإذا تم ذلك أمكنت دراسة القضية لاستخراج وجه الإعجاز .

    ويجب في أثناء تلك الدراسة مراعاة الضوابط التالية :

    1-جمع النصوص القرآنية أو الحديثية المتعلقة بالموضوع ، ورد بعضها إلى بعض لتخرج بنتيجة صحيحة لا يعارضها شيء من تلك النصوص ، بل يؤيدها .

    2-جمع القراءات الصحيحة المتعلقة بالموضوع إن وجدت ، وكذلك روايات الحديث بألفاظها المختلفة .

    3-معرفة ما يتعلق بالموضوع من سبب نزول ونسخ ، وهل يوجد شيء من ذلك أو لا ؟

    4- محاولة فهم النص الواقع تحت الدراسة على وفق فهوم العرب إبان نزول الوحي ، وذلك لتغير دلالات الألفاظ حسب مرور الوقت ، ولهذا يقتضي الأمر الإلمام بمسائل تعين على فهم النص والتمكن من تقديم معنى على آخر ، وهي كالآتي :

    أ-إن النص مقدم على الظاهر ، والظاهر مقدم على المؤول .

    ب‌-إن المنطوق مقدم على المفهوم ، وإن المفاهيم بعضها مقدم على الآخر كذلك.

    ت‌-أن يخضع في تناوله للنص لقاعدة : العام والخاص ، والمطلق والمقيد ، والمجمل والمبين ، وأن العموم مقدم على الخصوص ، والإطلاق مقدم على التقييد ، والإفراد على الاشتراك ، والتأصيل على الزيادة ، والترتيب على التقديم والتأخير ، والتأسيس على التأكيد ، والبقاء على النسخ ، والحقيقة الشرعية على العرفية ، والعرفية على اللغوية .

    ث‌-مراعاة السياق والسباق وعدم اجتزاء النص عما قبله وما بعده .

    ج‌- مراعاة قاعدة العبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب .

    ح‌- معرفة معاني الحروف ، وعدم تفسير حرف أو حمله على معنى لا يقتضيه الوضع العربي .

    خ‌- مراعاة أوجه الإعراب ، وعدم القول بتوجيه لا يسانده إعراب صحيح أو قرينة أخرى .

    د‌- أن المشترك اللفظي يمكن حمله على واحد من معانيه دون نفي الآخر أو القطع بأن هذا الصواب وحده ما لم تكن هناك قرينة راجحة .

    5- إظهار وجه الإعجاز : فإذا تم ذلك لم يبق على الباحث سوى أن يظهر الربط بين الحقيقة الشرعية والعلمية بأسلوب واضح مختصر .

    6-أن هناك أمورا من قبيل المتشابه لا مجال لفهمها أو تناولها بالبحث .

    7-عدم البحث في الأمور الغيبية، كموعد قيام الساعة ، وبداية الخلق ، والجنة والنار.

    8-عدم الاعتماد على الإسرائيليات أو الروايات الضعيفة .

    9- الاعتماد على المصادر المعتبرة في ذلك دون غيرها ، كأمهات التفسير والحديث وكتب غريب القرآن والسنة ، مع الإشارة إلى جهود الدراسات السابقة إن وجدت .

    10-الابتعاد عن تسفيه آراء السلف من علماء التفسير والحديث ورميهم بالجهل ؛ لأن القرآن والسنة خطاب للبشرية في كل عصر ، والكل يفهم منها بقدر ما يفتح الله عليه ، وبحسب ما يبذله من جهد وما هو متوفر لديه من وسائل ، ولن يحيط بفهم الوحي أهل عصر إلى قيام الساعة ، فلا مجال للتسفيه والتجهيل ، وإنما هي الاستفادة والتكميل والدعاء لمن تقدم ، قال تعالى : (وَالَّذِينَ جَاءُوا مِنْ بَعْدِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلِإِخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالْإِيمَانِ وَلَا تَجْعَلْ فِي قُلُوبِنَا غِلًّا لِلَّذِينَ آمَنُوا رَبَّنَا إِنَّكَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ) الحشر/10، بل الواجب اتباع فهم السلف رضي الله عنهم ، وخصوصا الصحابة رضوان الله عليهم ؛ لأنهم أدرى بذلك لما شاهدوا من القرائن والأحوال التي اختصوا بها ، ولما لهم من الفهم التام والعلم الصالح ، لا سيما علماؤهم وكبراؤهم كالأئمة الأربعة الخلفاء الراشدين ، وعبد الله بن عباس ، وابن مسعود رضي الله عنهم ، فهم العمدة والعدول بخبر الله تعالى ، وعنهم أخذ التابعون ، وعلى نهجهم ساروا ، فمن عدل عن تفسيرهم إلى ما يخالفه كان مخطئا ، بل ومبتدعا ، لأنهم كانوا أعلم بتفسير كتاب الله من غيرهم ، وأورع ، وأتقى .

    11-ينبغي أن تحصر الدراسة فيما تمكن القدرة عليه ، فالأفراد يمكن أن يقصروا بحوثهم فيما يتعلق بالاكتشافات فيما هو خاضع لتجاربهم المخبرية ، ليصلوا من خلال ذلك إلى الحق ، وللجامعات والمراكز والدول مجالات أكثر وأكبر .

    12-ينبغي أن يعلم الباحث في هذا المجال أن كلام الله تعالى وكلام رسوله صلى الله عليه وسلم صدق وحق ، ولا يمكن بحال أن يخالف حقيقة علمية ؛ لأن منزل القرآن هو الخالق العالم بأسرار الكائنات ، قال تعالى : ( أَلَا يَعْلَمُ مَنْ خَلَقَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ ) الملك/14، ومعرفة ذلك تقتضي منا التريث وعدم تحميل النص ما لا يحتمله من أجل أن يوافق ما نظنه حقيقة ، فإذا لم يتيسر ذلك بشكل واضح فعلينا أن نتوقف دون نفي أو إثبات ، ونبحث عن موضوع آخر ، والزمن كفيل بانكشاف الحق بعد ذلك .

    13-على الباحث أن يتحرى الصدق والصواب وأن يخلص نيته لله في تبيين الحق للناس من أجل هدايتهم ، وأن يعلم خطورة ما يتناوله ، ويعبر عنه ، فهو عندما يقول: هذا المعنى هو الذي يشير إليه قوله تعالى : فهو يفسر كلام رب العالمين ، لذا يجب عليه أن يتذكر دائما قول النبي صلى الله عليه وسلم: ( من قال في القرآن بغير علم فليتبوأ مقعده من النار ) رواه الترمذي وقال : هذا حديث حسن صحيح . (رقم/2950)، وضعفه الألباني في " ضعيف الترمذي ".

    14-ينبغي أن يتصف الباحث كذلك بالصبر ، مع توفر الكفاءة العلمية المكتسبة ، حتى يميز الحق من الباطل ، ويقبله ويلتزم بالموضوعية ، ومعناها هنا : حصر المعلومات ودراستها من غير تحيز لفكرة أو رأي سابق ، مع التقيد بالمنهج العلمي في التوثيق والاقتباس والإحالات " انتهى.

    " الإعجاز العلمي في القرآن والسنة تاريخه وضوابطه " (ص/30-37)

    والله أعلم .




    الإسلام سؤال وجواب


    _________________


    قناتي على موقع يوتيوب :
    https://www.youtube.com/channel/UCm8N-tHwIFM7hPnwtLrBMpg
    مدونتي:
    https://arabicfraed.blogspot.com.eg/

      الوقت/التاريخ الآن هو الإثنين أكتوبر 23, 2017 11:44 pm