ثمار الأوراق

ثمار الأوراق

(ثمار الأوراق) : منتدى إسلامي / تعليمي / دعوي على عقيدة (أهل السنة و الجماعة) ، يهتم بنشر العلم الشرعي و العربية و التاريخ الإسلامي و كل ما ينفع المسلم


    الحضارة الغربية والمجتمع المسلم للأستاذ/ أنور الجندي رحمه الله

    شاطر

    أحمد
    إدارة ثمار الأوراق
    إدارة ثمار الأوراق

    عدد الرسائل : 16657
    الموقع : القاهرة
    نقاط : 38587
    تاريخ التسجيل : 17/09/2008

    الحضارة الغربية والمجتمع المسلم للأستاذ/ أنور الجندي رحمه الله

    مُساهمة من طرف أحمد في الثلاثاء مايو 19, 2009 1:53 pm

    استطاعت الحضارة الغربية السيطرة على العامل وفرض طابعها على الأمم على نحو لم يتحقق لي حضارة سأيأأي حضارة سابقة، ولكن هل استطاعت الحضارة فعلا أن تكسب القبول لدى كل الأمم، أم إنها تواجه معارضة شديدة وخاصة في محيط العالم الإسلامي الذي يملك مفهومًا خاصًا مستقلا عن مفهوم الغرب والذي له من القدرة ما يمكنه من المقاومة دون الانصهار في الحضارة الأممية.
    لقد استطاعت الحضارة المعاصرة أن تمتلك القدرة من خلال المنهج التجريبي الذي وضعه الإسلام، كما أنها استطاعت أن تمتلك الطاقة لسيطرتها على موارد العالم الثالث الذي سقط تحت نفوذها، ولكنها منذ اليوم الأول كانت عاجزة عن تقديم حضارة تحقق الأمن والعدل للبشرية، بل على العكس من ذلك عملت على تقسيم العالم إلى عالم بالغ الثراء وعالم بالغ الفقر، وحاولت أن تمتلك كل ثروات البشرية عن طريق النهب والسلب ثم عملت على محاصرة الدول الفقيرة وحرمانها من مقدراتها.
    وهي بذلك وضعت نفسها موضع الحضارات التي انهارت من قبل: حضارة اليونان والرومان والفرس والفراعنة وكلها حضارات الغايات ولكن الإسلام يجعل القوة من أجل الحق.
    ثانيًا: تهبط بالحقيقة إلى مستوى الفكرة المجردة فكل شيء لا يمكن التعبير عنه بلغة الرياضيات والحساب غير موجود أصلا في نظر الحضارة الغربية.
    ثالثًا: إنها فردية في ذاتها فالفرد في تلك الحضارة يعبد نفسه ويتصرف لتحقيق ذاته حتى الجماعات أيضًا تتصرف لتحقيق ذاتها.
    وبسبب التحلل الخلقي فإن الملايين من أبناء الغرب ينتظرون الموت خلال سنوات (مرض الإيدز) لعنة السماء تؤكد جوهر الأصل للأديان السماوية، وإن اللواط لا يمكن أن يكون تقدمًا وإن الحرية الجنسية ليست تحضرًا، أو تمدينًا، وإن إدمان الخمور والمخدرات ليس رقيًا أو نهضة بشرية، والأغلبية الساحقة هم من المصابين بالشذوذ الجنسي + حقن تعاطي المخدرات + الاتصال الجنسي غير الشرعي بين الرجل والمرأة + نقل الدم الملوث.
    وقد حققت الولايات المتحدة الرقم القياسي بمرض الأطفال الذين أخذوا العدوى من أمهم أثناء الحمل (7 آلاف قضوا نحبهم بسبب المرض + 2 مليون يحملون الفيروس).
    وقد كشف عن حضارة الغرب علماء من الغرب:
    أقول الغرب: سبنجلر.
    الإنسان ذلك المجهول: الكيس كريل.
    إنسانية الإنسان: رينيه روبو.
    ثورة الأمل: اريك فروم.
    أما في الفكر الإسلامي فهناك كتابات حسن البنا وعبد الحميد بن باديس وإقبال ومالك بن بنى والموردي الندوي وسيد قطب.
    وفي تقديرهم إن حضارة أوربا نسيج من القوة والطغيان والإثرة وحب الذات والأنانية وقد قامت على أساس فلسفتها الاستعمارية والتفرقة العنصرية إنها حضارة اللذة والمتعة وعبادة المرأة والمال.
    إن حضارة أوربا هي حضارة الربا والقمار والميكافيلية الشريرة والإباحية والعلمانية والمادية واستعباد المرأة باسم تحريرها حضارة لا مكان لها في قاموس المثل والعلم والشريعة، وهي مهما بلغت من قوة مادية فإنها انهارت روحيًا وخلقيًا وإنسانيًا إلى الدرك الأسفل، تحرم على الرجل أن يتزوج إلا بواحدة وتتيح له أن يعيش مع ألف عشيقة وبائعة لجسدها وليس ذلك إثم في نظرها وإنما الإثم ما شرعه الإسلام المرجل من حق الزواج بأربع (محمد خفاجي).
    ويقول البروفسور سيمون جارجي (جامعة جنيف):
    "إن الغرب قد فقد المرتكزات الروحية والثقافية الدينية التي كان يرتكز عليها فلم يعد هناك شيء يركن إليه فالديانة النصرانية فقدت مقوماته والتوجه إلى الروحانيات انتهى واضمحل في النفوس فأصبح في الغرب نوع من الفراغ ونوع من الضياع الشامل تكتوي به الأجيال الشابة.
    إني أعتقد أن حضارتنا الغربية هي الآن في حالة احتضار، وأننا نعيش نوعًا من موجة التحول التي لا تعلم ماذا سينتج عنها، نحن نشاهد حضارة تنازع، وتوشك أن تموت ولابد أن تنشأ عنها حضارة جديدة، نحن نعيش في نفق مظلم ولا نزال ننتظر النور الذي سيهدينا".

    تلك هي حضارة الغرب ارتبطت بالاستعمار وقامت في أحضانه ثم حاولت أن تفوض نفسها على العوالم كلها ومنها عالم الإسلام في فترة ضعف وتخلف واجه فيها تحديًا خطيرًا قوامه التبعية بالنفوذ العسكري والسياسي.
    والواقع أن الحضارة الغربية لم تستطع أن تحقق مجتمعًا صالحًا في الغرب وعندما تسربت إلى عالم الإسلام كانت أشبه بعاصفة تعمل على تحطيم كل قوى الثبات واليقين والإيمان بالله تبارك وتعالى.
    وكان لابد لليقظة الإسلامية من موقف فكري على الأقل كمقدمة لموقف واقعي وكان هذا الموقف هو كشف زيف هذه الحضارة وإعلان عجزها عن العطاء، وبيان أنها لم تزد أن كانت واحدة من الحضارات الوثنية المادية التي سبقت في فارس والروم واليونان ومصر القديمة. وكان لابد من الحملة عليها على أنها لا تصلح بديلا عن الحضارة الإسلامية التي تعرضت للعطب بعد ألف سنة من العطاء المتصل.
    إن هناك أساسًا اختلاف الوجهة فالحضارة الغربية تستهدف السيطرة على العالم وإخضاعه لسلطانها مع اتجاه استهلاكي يستهدف المنافسة والربح ويقصر وجهته نحو الطبقة الثرية فلا يقدم الضرورات للناس جميعًا ومن هنا فإن هذه التكنولوجيا قد تطورت في مجالات محدودة تطورًا هائلا بينما تراجعت في مجالات أخرى تراجعًا شديدًا وكان هذا الاتجاه علامة على تصادمها مع الطبيعة والبيئة والحاجات الفطرية للإنسان (وهو النمط الغربي المفروض على شعوب العالم). وبهذا فهي ليست حضارة الإنسان كله ولكنها حضارة الأغنياء والرأسمالية.
    ولما كان هذا التوجه متعارضًا مع طبيعة الأمم والشعوب بصفة عامة فقد وقع الغرب في مشاكل طاحنة كشفت عن إفلاسه وفشله في تحقيق أي قدر من الاستقرار للوطن.
    ومن هنا كان ذلك الاضطراب الذي يقاسيه العالم الإسلامي نتيجة الخضوع لهذا الاتجاه، وفشل كل الأنماط التي استوردها في سبيل تنميته بما فيها تلك التي تشكل في نظرهم مفتاح التقدم.
    نقطة الافتراق هي العلاقة مع الله تارك وتعالى وهي نفسها نقطة الالتقاء مع كل عوالم الفطرة والعلم والأمن وطمأنينة النفس وسلامة المجتمعات وحمايتها من الوقوع تحت طائلة قانون الانهيار والسقوط.
    فالحقيقة الغائبة عن الحضارة الغربية تتركز في أن الإنسان لن يجد منطلقه الحقيقي إلا إذا آمن وأيقن بأن الله تبارك وتعالى هو المرجع والمصدر وهو منطلق كل حركة وأنه إليه ترجع الأمور.
    أما في الغرب فإن هذه الحقيقة تبدو باهتة بل هم يقفون منها موقف الاستهانة، ويتكئون على الفكر المادي ويقيمون منه دينًا ويؤكدون في تحاليلهم أنهم يمتلكون الحقيقة في حين أنهم يعرفون إن كل كائن حي يحمل في داخله بذور فنائه. ومن هنا فإنه لا يمكن للكائن البشري الزائل أن ينتج حقائق أزلية.
    تلك هي الصخرة الكبرى التي ترتطم بها هذه الحاضرة المادية الوثنية: غياب البعد الإلهي ثم البعد الأخلاقي.
    لقد صنع الإنسان أوثان هذا العصر: وهي العلم والتكنولوجيا والفلسفة والفن ثم عبدها، إن الغرب يعتمد في بناء الحضارة على التناقض والنفي وعلى التطور المطلق، وعلى النسبية وكلها قيم سلبية بينما يعتمد الإسلام في بناء حضارته على الإيجاب (الله لا إله إلا هو الحي القيوم) فالله تبارك وتعالى هو الأزل والفرد المطلق والكمال وهي الصفات الإيجابية الحقة.
    فالإسلام وحده هو الذي ينطلق من مبدأ الإيجاب والإثبات ويؤكد أن تلك المبادئ كلها مجتمعة في الله تبارك وتعالى.
    ولأن الإسلام كامل فقد صهر كل الأديان المنزلة:
    (آمن الرسول بما أنزل إليه من ربه والمؤمنون) صدق الله العليم.

    للإسلام موقف حاسم مع حضارة الغرب:
    ومن هنا كان لابد للإسلام من موقف من حضارة الغرب:
    موقف حاسم وواضح، يقوم على الفطرة وعلى تكامل جانبي الإنسان الروحي والمادي دون إعلاء لأحدهما أو حجب للآخر، وفي ظل هذا الانحراف الخطير الذي وصل إليه الغرب بعد أربعة قرون من التحول نحو المادية نجد الإسلام يشرق بوجهه من جديد ليقدم منهجه الأصيل الجامع في مواجهة كل الأزمات والأخطاء والانحرافات ومن أجل أن يعيد البشرية مرة أخرى إلى منهج الله.
    وأبرز ما يطرحه هو محاولة فهم الحياة والكون وتدبيرها خارج نطاق التوجيه الرباني هو عملية صعبة، فاشلة، منهارة لأنها تتجاهل كثيرًا من الحقائق التي قدمها الحق تبارك وتعالى إلى البشرية عن طريق الدين الحق، وفي مقدمتها الإيمان بالغيب وذلك التفسير الكريم لمسألة ما وراء المادة (الميتافيزيقا) حتى يريح نفسه من الإغراق في تفسير الأساطير التي قدمتها الفلسفات القديمة، وحتى يوجه جهده إلى العمران والسعي في الأرض، وهي أمور يعجز العقل وحده عن الوصول إلى كنهها، وهنا تبدو حكمة الدين في حماية حركة الحياة والإنسان بالحدود والضوابط عن الانهيار والغربة والغشيان والتأزم الذي يقاسيه الغرب اليوم.
    فالإسلام اليوم وفي مواجهة عشرات من التجاوزات التي أحدثها انحراف الغرب عن الفطرة، قادر على تقديم الوجهة الصحيحة والأصيلة للبشرية فالإسلام اليوم هو ملاذ البشرية بعد أن أخفقت جميع الفلسفات المادية في جميع القطاعات الاجتماعية والسياسية في تهيئة الجو الصالح للحياة الإنسانية بما يؤكد أن الإسلام هو الملاذ الوحيد للبشرية في كل زمان ومكان وفي كل عصر – على حد تعبير جارودي – ولا أدل على ذلك من هذه المجتمعات المادية التي جربت كل أنواع التقدم العلمي والحضاري وعاشت قمة التجارب العلمية والعملية حيث لا تجد اليوم ما تحتاج إليه من أمن نفسي وشعور بالسلام، إن الإسلام أنقذ العالم من الانحطاط العام والفوضى وأن القرآن الكريم أهاد إلى ملايين البشر وفي بعدهم الإنساني روحًا جماعية جديدة.
    وتجابه العالم اليوم قوتان عظيمتان ترميان إلى اقتسام العالم، وهما تعلنان عن عقيدتين هما في الظاهر مختلفتان لكنهما في الحقيقة تعتمدان الأنموذج الكياني نفسه والنمط المترف وتسيران في طريق مسدود وتؤديان إلى الإفلاس البشري.
    وفي غياب الغاية الإلهية والإنسانية يمكن للإسلام أن يقدم إلى العالم ما يتطلبه وهو معنى الحياة، فالإسلام دين التوحيد ففي حين أن عالمنا: عالم المنافسة والنمو الكمي والعنف تبدو فيه الأحداث حصيلة القوى العمياء المتصارعة يعلمنا القرآن النظر إلى الكون والبشر على أنهما كل واحد ويعلمنا أن الله يرى في كل شيء وفي كل حدث آية من آياته رمزًا للحقيقة الأسمى، وهي حقيقة النظام الواحد للطبيعة والمجتمع ولأنفسنا فكل شيء في العالم خاضع لإرادة الله تبارك وتعالى، وفي نفس الوقت فقد كرم الله تبارك وتعالى الإنسان بأن جعله مسئولا لا مسئولية كاملة عن مصيره إذ في مقدوره أن يعصي شريعة الله وأن يستسلم لها.

    ويعني هذا كله: أن المستقبل للإسلام أما إفلاس الحضارة الغربية (حضارة الانتحار) التي تقود العالم إلى الهاوية: تلك التي تقوم على مفهوم التقدم السريع حتى ولو كان على حساب العلاقات الإنسانية (بين الإنسان وأخيه الإنسان والعلاقة بين الإنسان وربه).
    إن مفهوم الغرب للعلم يقتصر على وضع القوانين للظواهر ولكن لا يسأل عن معناها وعن علاقتها بالخالق وهي حضارة تعاني من أزمة المعنى وتحتضر ليس بسبب غياب الوسائل ولكن بسبب غياب الغايات حتى أنه أصبحت كإنسان له جسم عملاق ورأس قزم، إن البعد الإسلامي هو إعطاء معنى للحياة وقد أتى الإسلام بمفهوم الأمة المتسامية (كنت خير أمة أخرجت للناس).
    لقد قم الإسلام مفهومًا يجمع بين الدين والدنيا وهذا هو سر تفوق الإسلام.
    إن الأمة الإسلامية لم تقم على وحدة الدم – كالمجتمعات القبلية – أو وحدة الأرض كالمجتمعات الزراعية أو وحدة السوق كالمدن الرومانية، وإنما قامت على وحدة العقيدة والمستقبل.
    فالإسلام لا يفصل الدين عن الاقتصاد والسياسة فالملكية في الإسلام ليست محدودة كما في القانون الروماني وليست رأسمالية من حيث حق الاستعمال وإساءة الاستعمال؛ ذلك أن الله هو المالك الأوحد، وإدارة أموال الأرض إنما هي وظيفة اجتماعية واستعمال الملكية مقيد دائمًا بأهداف أسمى من الفرد ومصلحته الخاصة.
    والإسلام ينفي ما يسمى بنظرية الحق الإلهي التي تجعل من الأمير وكيلا عن الله في الأرض، كما ينفي الإسلام الديمقراطية القائمة على التعويض والتنازل عن السلطة إلى منتخب أو حزب.

    من هنا ولهذا كله بات واضحًا أنه (أولا) لا يمكن أن تنصهر الأمة الإسلامية في الحضارة الغربية مهما اشتدت الضغوط السياسية أو الاقتصاد عليها ذلك لأنه لا يوجد أساسًا عناصر مشتركة تمكن من الانصهار ولكن هناك "ميزة" الإسلام الخالدة وهي القدرة على الانتفاع بكل تراث البشرية القديم والجديد والاستفادة منه باقتباس الصالح منه، واقتباس التنظيمات في الأساس دون النظم وإن كل ما يأخذه المسلمون من الحضارات وهو بمثابة "مواد خام" يشكلها المسلمون في دائرة فكرهم ومجتمعهم، مع الاعتراف الواضح الصريح بأن للمسلمين حضارتهم المستمدة من عقيدتهم وفكرهم ومنهجهم وتركيبهم الاجتماعي الخالص.
    ومن هنا فإن مفهوم الإسلام للحضارة يرفض كل محاولات الاحتواء سواء التاريخي المتوهم أو الواقعي للحضارة ونهايتها أو أن الإسلام لم يكن إلا مرحلة، ذلك بأن حضارة الإسلام منذ بزغ نوره وهي حضارة متميزة قدمت للبشرية مفهومًا جديدًا مخالفًا لكل ما سبقها من حضارات وإن محاولة الغرب إنكار الدور الأصيل والرائد الذي قام به الإسلام في بناء الحضارة وتقديم المنهج العلمي التجريبي ورسم الإخاء البشري (كلكم لآدم وآدم من تراب) بعيدًا الاستعلاء الجنسي أو العصبة العرقية. هذه المحاولة لا قيمة لها لأن حقائق التاريخ تؤكدها في كل لحظة.
    (2) كذلك فإن الإسلام يرفض تقسيم الغرب للعصور التاريخية المعاصرة لتاريخ الإسلام فالعصور الوسطى مثلا هي عصور الظلام في رأيهم ما دامت أوربا كانت فيها في الظلام متجاهلين أضواء الحضارة الإسلامية على العالم من حدود الصين إلى الأندلس خلال ألف عام كاملة، كذلك فالإسلام يرفض مقولة إن الفكر الغربي هو الفكر العالمي الذي كون العقل الحديث فإن الفكر المادي الوثني قد تصدع وانكشف فساد وجهه بعد أن سقط في متاهات، ووقع في تجاوزات مصدرها عدم الإقرار بمبدأ (ربانية الوجهة) والبعد الإلهي والبعد الأخلاقي للأمم والحضارات.
    كذلك فقد رفض الإسلام تقسيم الغرب لشعوب العالم إلى فئات وعروق ودماء بعضها نقية زرقاء وبعضها ملوثة سوداء، أو أجناس عليا وأجناس دنيا (وفي مقدمة ذلك مسألة الزنوج وقضية النازية والفاشية) فقد أثبت البحث العلمي فساد هذه للنظريات التي وضعها مستشرقون مغرضون يهدفون إلى تبرير الاستعمار والسيطرة الأجنبية.

    كذلك فإنه ليس صحيحًا أن الفكر الإسلامي لم يكن إلا أداة نقل وترجمة للفكر الإغريقي، فالرياضيات الإغريقية كانت تقوم على مفهوم النهائي والرياضيات العربية تقوم على مفهوم غير النهائي. والمنطق الإغريقي كان نظريًا والعلم الإسلامي كان تجريبيًا إلى حد كبير، والهندسة المعمارية الإغريقية كانت مبنية على الخط المستقيم أما المسجد فكان خلافًا للمعبد الإغريقي مجموعة متناغمة من المنحنيات بأقواسه وقبابه.
    وليس صحيحًا أن العلم الإسلامي كان مجرد تاريخ انتهى، قبل أن يبدأ تاريخ علم الغرب فالعلم الإسلامي لم ينته لأنه لا يفصل العلم عن الحكمة، كما أن نهضة الغرب لم تبدأ من إيطاليا بل بدأت من أسبانيا مع إشعاعات علوم العرب المسلمين وثقافتهم.
    كذلك فقد أكدت الأبحاث العلمية الجادة إن الثقافة الغربية ليست عالمية كما تقدم نفسها إلى الناس، وإنما تظل مرتبطة بالمجتمع الذي ظهرت فيه ويظل الغرب يضع مبادئه لنفسه ويفرضها قسرًا على الشعوب الأخرى وقد أدرك بعض مثقفي الغرب أن الغرب محصور في إطار ضيق رغم ادعائه أنه متسع الأفق وأنه على النزعة. وكشف هذا عدد من المثقفين العرب الذين أتيح لهم تعمق الأمر، فانتهوا إلى أن الثقافة الغربية ما زالت وستظل أسيرة عوامل محلية مهما ادعت عكس ذلك وأنها تظل موجهة إلى تحقيق هدف الغرب في السيطرة على العالم وبالتالي يجب الانسياق إليها مثقفوا الغرب.

    كلك فقد سقطت خدعة طه حسين وحسين فوزي وفؤاد زكريا وزكي نجيب محمود بأن استعمال أدوات الحضارة ونواتج الحضارة هو دليل ومبرر لقبول فكر هذه الحضارة، وتلك محاولة ساذجة لا يقبلها أحد فهل فعل الغربيون ذلك حين أخذوا علوم الإسلامية التجريبية هل أخذوا منهج الإسلام في الفكر، إن كل الوثائق تؤكد أن وصية الكنيسة كانت مؤكدة لكل من ذهبوا إلى جامعات الأندلس (قرطبة أو بلنسية أو غيرها) أن لا يأخذوا فكر المسلمين.
    فكيف يمكن أن يدعوننا هؤلاء إلى ذلك وهم يعلمون أن هناك فارقًا واسعًا وعميقًا بين استعمال أدوات الحضارة المادية وبين قبول فكرها، هذه أدوات حضارة ونواتج نحن نقبلها لنضع في مداخلها فكرنا ومفاهيمنا ومن المعروف أن استخدام نواتج الحضارة المادية لا تفرض فكرها لأن المادة التي ستقدم من خلال هذه الأجهزة يجب أن تكون إسلامية أساسًا.
    وقد جاءت هذه المؤامرة بعد مؤامرة أخرى سقطت تمامًا هي محاولة الادعاء بأننا لا نستطيع أن نقاوم الغرب إلا بعد أن نمتلك علومه، ولقد كان لهذه المقولة أثرها الخطير في ذلك التراجع الخطير الذي وقع فيه المسلمون منذ نكبة 1948 وحتى سقوط القدس 1967 وقيام ما سمي بالهزيمة الكبرى التي وصفت بأنها (النكسة).
    وقد انكشف مؤامرة الغرب بادعاء أمثال طه حسين وغيره بأن محاربة الغرب تكون بنفس سلاحه، والواقع أن الإقتداء بثقافة الغرب لم يكن إلا محاولة لاحتواء مثقفي المسلمين تحت لواء الاحتواء المسارع والإغراء الواقع من حضارة تمتلك نفوذًا سياسيًا وعلميًا يضع أتباعها على مقاليد الأمور.
    وكان أن تكشف المسلمين بعد حادث النكسة الخطير أنه لا سبيل للمسلمين بعد أن جربوا كلا المذهبين الليبرالي والماركسي، وما أوصلهما ذلك إلى هذا الاحتواء، لم يعد إلا طريق المسلمين الأصيل ومنهجهم الصحيح القادر وحده على إنقاذهم ونصرهم وإعطائهم القوة لامتلاك إرادتهم وبناء مجتمعهم واستئناف بث حضارتهم الربانية.

    لقد تبين اليوم بكل دليل أن الحضارة الغربية تمر بأزمة عميقة، وأن حصيلة الكشوف العلمية الهائلة معناها إن الإنسان قد وجد العالم وفقد نفسه وأن مفهوم التقدم الغربي (المفهوم المادي المفرغ من تكامله الروحي) لا يمكن أن يكون معيارًا للتقدم والتأخر.
    كما تبين أن الهزيمة النفسية التي حملت كثيرًا من مثقفينا على الدعوة إلى متابعة الغرب متابعة كاملة تبتغ من رؤيا خاطئة تتمثل في دوام السيادة الحضارية للغرب مع أن التاريخ شاهد على أن هذا الاستمرار مناقض لقانون من أهم قوانينه وهو قانون (مداولة الأيام بين الناس).

    ومن هنا فنحن نقدم للبشرية منظومة الإسلام الباهرة:
    هذا النسف من الحضارة الإسلامية الذي أعاد للبشرية التكامل بين الروح والمادة والتقدم من خلال الإيمان بالله تبارك وتعالى والمسئولية الفردية دون التصادم مع السنن والقوانين بل تقبل بالتوازن والتكامل، في إطار أقرار المسئولية الأخلاقية في المعاملات (الإيثار – العدل – الرحمة – الغيرية) وفي نطاق الموازنة بين الحاجات المادية والمطامح الروحية بما يحقق وظيفة الاستخلاف في الأرض.
    الأستاذ/ أنور الجندي


    _________________


    قناتي على موقع يوتيوب :
    https://www.youtube.com/channel/UCm8N-tHwIFM7hPnwtLrBMpg
    مدونتي:
    https://ahmed26413.blogspot.com.eg/

      الوقت/التاريخ الآن هو الجمعة ديسمبر 02, 2016 3:16 pm