ثمار الأوراق

ثمار الأوراق

منتدى تعليمي، يهتم بنشر العلوم العربية والشرعية والتاريخ الإسلامي وكل شيء نافع.


    "وَالسَّمَاءَ بَنَيْنَاهَا بِأَيْيدٍ وَإِنَّا لَمُوسِعُونَ" (الذاريات‏:47).

    شاطر
    avatar
    almazny 2
    مشرف متميز
    مشرف متميز

    عدد الرسائل : 643
    الموقع : أرض الـــــلــــــه
    المزاج : الــحــمــد لــلـــه
    نقاط : 2614
    تاريخ التسجيل : 27/09/2008

    "وَالسَّمَاءَ بَنَيْنَاهَا بِأَيْيدٍ وَإِنَّا لَمُوسِعُونَ" (الذاريات‏:47).

    مُساهمة من طرف almazny 2 في الخميس أبريل 16, 2009 9:36 pm

    يشير القرآن الكريم في عدد من آياته‏ ,‏ إلى الكون وإلى العديد من مكوناته ‏ـ السماوات والأرض‏ ,‏ وما بكل منهما من صور الأحياء والجمادات‏ ,‏ والظواهر الكونية المختلفة‏ ـ ,‏ وتأتي هذه الآيات في مقام الاستدلال على طلاقة القدرة الإلهية التي أبدعت هذا الكون‏ ,‏ بجميع ما فيه ومن فيه ‏ ,‏ وفي مقام الاستدلال كذلك على أن الإله الخالق الذي أبدع هذا الكون قادر على إفنائه‏ ,‏ وقادر على إعادة خلقه من جديد‏ ,‏ وذلك في معرض محاجة الكافرين والمشركين والمُتشكِّكين‏ ,‏ وفي إثبات الألوهية لرب العالمين بغير شريك ولا شبيه ولا منازع‏ .‏
    وكانت دعوى الكافرين منذ الأزل‏ ,‏ وإلى يوم الدين‏ ,‏ هي محاولة إنكار قضيتي الخلق والبعث بعد الإفناء‏ ,‏ وهما من القضايا التي لا تقع تحت الإدراك المُباشِر للعلماء ‏ ,‏ على الرغم من أن الله ـ تعالى ـ قد أبقى لنا في أديم الأرض ‏ ,‏ وفي صفحة السماء من الشواهد الحسية الملموسة ما يمكن أن يعين المُتفكِّرين المُتدبِّرين من بني الإنسان على إدراك حقيقة الخلق‏ ,‏ وحتمية الإفناء والبعث ‏ ,‏ ويبقى فهم تفاصيل ذلك في غيبة من الهداية الربانية شيئاً من الضرب في الظلام ‏ ,‏ وفي ذلك يقول الحق‏ ـ‏ تبارك وتعالى‏ ـ‏ رداً على الظالمين من الكافرين والمشركين والمُتشكِّكين من الجن والإنس‏ :‏ " مَّا أَشْهَدتُّهُمْ خَلْقَ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ وَلاَ خَلْقَ أَنفُسِهِمْ وَمَا كُنتُ مُتَّخِذَ المُضِلِّينَ عَضُدا "ً (الكهف‏:51)، وفي تشجيع الإنسان على التفكر والتدبر في خلق السماوات والأرض يقول ربنا‏ ـ تبارك وتعالى‏ ـ في مُحكَم كتابه‏ :‏ " إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ وَاخْتِلافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ لآيَاتٍ لأُوْلِي الأَلْبَابِ . الَّذِينَ يَذْكُرُونَ اللَّهَ قِيَاماً وَقُعُوداً وَعَلَى جُنُوبِهِمْ وَيَتَفَكَّرُونَ فِي خَلْقِ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ رَبَّنَا مَا خَلَقْتَ هَذَا بَاطِلاً سُبْحَانَكَ فَقِنَا عَذَابَ النَّارِ " ‏(آل عمران‏:190‏-‏191) . ‏
    وكان لنزول هاتين الآيتين الكريمتين وما تلاهما من آيات في السورة نفسها ‏ ,‏ وقع شديد على رسول الله‏ ـ‏ صلى الله عليه وسلم‏ ـ ,‏ الذي يروى عنه أنه قال عقب الوحي بها ‏:‏ " ويل لمن قرأ هذه الآيات ثم لم يتفكر فيها‏ " .
    وواضح الأمر في ذلك أن التفكر في خلق السماوات والأرض فريضة إسلامية لابد من قيام نفر من المسلمين بها ‏ ,‏ لأنها عبادة من أجلِّ وأعظم العبادات لله الخالق‏ ,‏ ووسيلة من أعظم الوسائل للتعرف على كل من حقيقة الخلق‏ ,‏ وحتمية الافناء وضرورة البعث‏ ,‏ وللتأكيد على عظمة الخالق‏ ـ سبحانه وتعالى‏ ـ ,‏ وعلى تفرده بالألوهية ‏ ,‏ والربوبية‏ ,‏ والوحدانية‏ ,‏ فالكون الذي نحيا فيه شاسع الاتساع‏ ,‏ دقيق البناء‏ ,‏ مُحكَم الحركة‏ ,‏ مُنضبِط في كل أمر من أموره‏ ,‏ مبني على وتيرة واحدة من أدق دقائقه إلى أكبر وحداته ‏ ,‏ وكون هذا شأنه لا يمكن لعاقل أن يتصور أنه قد وُجد بمحض المصادفة‏ ,‏ أو أن يكون قد أوجد نفسه بنفسه ‏ ,‏ بل لابد له من مُوجِد عظيم ‏ ,‏ له من طلاقة القدرة ‏ ,‏ وكمال الحكمة‏ ,‏ وشمول العلم ما أبدع به هذا الكون بكل ما فيه ومن فيه ‏ ,‏ وهذا الخالق العظيم لا ينازعه أحد في ملكه ‏ ,‏ ولا يشاركه أحد في سلطانه؛ لأنه رب هذا الكون ومليكه ‏ ,‏ ولا يشبهه أحد من خلقه ‏؛‏ لأنه ‏ـ‏ تعالى‏ ـ‏ خالق كل شيء‏ ,‏ وهو بالقطع فوق كل خلقه ‏ ,‏ لا يحده المكان‏ ,‏ ولا الزمان؛ لأنه ‏ـ سبحانه‏ ـ خالقهما ‏ ,‏ ولا يشكله أي من المادة أو الطاقة‏؛‏ لأنه‏ ـ تعالى‏ ـ‏ مُبدِعهما ‏ ,‏ ولا نعرف عن ذاته العلية إلا ما عرَّف به نفسه بقوله ‏ـ‏ عز من قائل ‏ـ :‏ " لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ البَصِيرُ " (الشورى‏:11) ، وقوله‏ ـ‏ سبحانه ‏ـ‏ مُخاطِباً خاتم أنبيائه ورسله‏ ـ صلى الله عليه وسلم‏ ـ : " قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ . اللَّهُ الصَّمَدُ .لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ .وَلَمْ يَكُن لَّهُ كُفُواً أَحَدٌ " (‏الإخلاص‏:1‏-‏4) .
    من هنا كان التفكر في خلق السماوات والأرض مدخلاً عظيماً من مداخل الإيمان بالله ‏ ,‏ ولذا حضَّ عليه القرآن الكريم ‏ ,‏ كما حضَّت عليه السنة النبوية المُطهَّرة حضاً كثيرا‏ًً .‏
    تأكيد القرآن الكريم على ما في السماوات والأرض من أدلة الخلق والإفناء والبعث :
    يؤكد القرآن الكريم على ما في السماوات والأرض من الأدلة‏ ,‏ التي تنطق بطلاقة القدرة الإلهية في خلقهما وإبداعهما ‏ ,‏ كما تنطق بحتمية إفنائهما ‏ ,‏ وإعادة خلقهما من جديد في هيئة غير التي نراهما فيها اليوم ‏ ,‏ وذلك في عدد غير قليل من الآيات التي منها قوله ـ تعالى‏ ـ ‏: " وَهُوَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضَ بِالْحَقِّ " (‏الأنعام‏:73) .‏ ، وقوله‏ ـ سبحانه ـ :‏ " خَلَقَ اللَّهُ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضَ بِالْحَقِّ إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَةً لِّلْمُؤْمِنِينَ " (‏العنكبوت‏:44)‏ ، وقوله‏ ـ عز من قائل ـ :‏ " أولم يتفكروا فى أَنفُسِهِم مَّا خَلَقَ اللَّهُ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا إِلاَّ بِالْحَقِّ وَأَجَلٍ مُّسَمًّى وَإِنَّ كَثِيرًا مِّنَ النَّاسِ بِلِقَاءِ رَبِّهِمْ لَكَافِرُونَ " (الروم‏:8)‏ ، وقوله‏ ـ‏ تعالى ـ :‏ " وَمِنْ آيَاتِهِ خَلْقُ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ وَاخْتِلافُ أَلْسِنَتِكُمْ وَأَلْوَانِكُمْ إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَاتٍ لِّلْعَالِمِينَ " ‏(‏الروم‏:22) .
    وقوله‏ ـ‏ سبحانه ـ : " وَهُوَ الَّـذِي يَبْدَأُ الخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ وَهُوَ أَهْوَنُ عليه وَلَهُ المَثَلُ الأَعْلَى فِي السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ وَهُوَ العَزِيزُ الحَكِيمُ " (‏الروم‏:27) .‏
    وقوله ‏ـ‏ سبحانه وتعالى‏ ـ : " خَلَقَ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضَ بِالْحَقِّ وَصَوَّرَكُمْ فَأَحْسَنَ صُوَرَكُمْ وَإليهِ المَصِيرُ " (‏التغابن‏:3) ، وقوله ‏ـ عز من قائل‏ ـ : " خَلَقَ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضَ بِالْحَقِّ يُكَوِّرُ اللَّيْلَ عَلَى النَّهَارِ وَيُكَوِّرُ النَّهَارَ عَلَى اللَّيْلِ وَسَخَّرَ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ كُلٌّ يَجْرِي لأَجَلٍ مُّسَمًّى أَلاَ هُوَ العَزِيزُ الغَفَّارُ " (‏الزمر‏:5) ،
    وقوله‏ ـ سبحانه‏ ـ : " لَخَلْقُ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ أَكْبَرُ مِنْ خَلْقِ النَّاسِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لاَ يَعْلَمُونَ " (‏غافر‏:57)، وقوله‏ ـ تعالى‏ ـ : " وَمِنْ آيَاتِهِ خَلْقُ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ وَمَا بَثَّ فِيهِمَا مِن دَابَّةٍ وَهُوَ عَلَى جَمْعِهِمْ إِذَا يَشَاءُ قَدِيرٌ " (‏الشورى‏:29) ، وقوله‏ ـ‏ سبحانه وتعالى‏ ـ : " وَمَا خَلَقْنَا السَّمَوَاتِ وَالأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا لاعِبِينَ .‏ مَا خَلَقْنَاهُمَا إِلاَّ بِالْحَقِّ وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لاَ يَعْلَمُونَ " (‏الدخان‏:38‏ ,‏39) .
    تأكيد القرآن الكريم على أن الله ـ تعالى ـ هو خالق السماوات والأرض وخالق كل شيء :
    جاءت مادة (خَلَقَ) بمشتقاتها في القرآن الكريم مائتين وإحدى وستين‏ (261)‏ مرة‏ ,‏ لتأكيد أن عملية الخلق هي عملية خاصة بالله‏ ـ تعالى‏ ـ‏ وحده‏ ,‏ لا يشاركه فيها أحد‏ ,‏ ولا ينازعه عليها أحد‏ ,‏ ولا يَقدر عليها أحد غيره ـ‏ سبحانه وتعالى ـ‏ إلا بإذنه‏ ,‏ كذلك وردت لفظة السماء في القرآن الكريم بالإفراد والجمع في ثلاثمائة وعشر ‏(310)‏ موضعاً‏ ,‏ منها مائة وعشرون ‏(120)‏ مرة بصيغة الإفراد ‏(‏السماء‏) ,‏ ومائة وتسعون‏ (190)‏ مرة بصيغة الجمع‏ (‏السماوات‏)‏ مُعرَّفة وغير مُعرَّفة‏ ,‏ كما وردت لفظة الأرض بمشتقاتها في أربعمائة وواحد وستين‏ (461)‏ موضعا‏ً ,‏ وذلك في مقامات كثيرة تؤكد أن الله‏ ـ‏ تعالى‏ ـ‏ هو خالق السماوات والأرض ‏ ,‏ وخالق كل شيء ‏ ,‏ مثل قوله‏ ـ عز من قائل‏ ـ :‏ " ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمْ لاَ إِلَهَ إِلاَّ هُوَ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ فَاعْبُدُوهُ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ وَكِيلٌ " (‏الأنعام‏:102) ، وقوله‏ ـ‏ سبحانه‏ ـ : " أَلاَ لَهُ الخَلْقُ وَالأَمْرُ تَبَارَكَ اللَّهُ رَبُّ العَالَمِينَ " ‏(‏الأعراف‏:54) ، وقوله‏ ـ تعالى‏ ـ : " إِنَّهُ يَبْدَأُ الخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ " (‏يونس‏:4) ‏، وقوله‏ ـ‏ سبحانه وتعالى‏ ـ : " قُلِ اللَّهُ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ وَهُوَ الوَاحِدُ القَهَّارُ " (‏الرعد‏:16) ، وقوله‏ ـ تبارك وتعالى‏ ـ : " وَخَلَقَ كُلَّ شَيْءٍ فَقَدَّرَهُ تَقْدِيراً " ‏(‏الفرقان‏:2) ، وقوله‏ ـ عز من قائل ـ : " اللَّهُ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ وَكِيلٌ " (‏الزمر‏:62) ، وقوله‏ ـ سبحانه ـ : " ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمْ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ لاَ إِلَهَ إِلاَّ هُوَ فَأَنَّى تُؤْفَكُونَ " (‏غافر‏:62) ، وقوله‏ ـ‏ تعالى‏ ـ : " إِنَّا كُلَّ شَيْءٍ خَلَقْنَاهُ بِقَدَرٍ " (‏القمر‏:49) ، وقوله‏ ـ‏ سبحانه وتعالى ـ : " هُوَ اللَّهُ الخَالِقُ البَارِئُ المُصَوِّرُ " (‏الحشر‏:24)‏ .
    هذا‏ ,‏ وقد أفاض القرآن الكريم في حسم قضيتي الخلق والبعث بنسبتهما إلى الله‏ ـ‏ تعالى‏ ـ‏ وحده‏؛‏ وذلك لأن هاتين القضيتين كانتا من أصعب القضايا التي خاض فيها الجاحدون والمتشككون بغير علم ولا هدي عبر التاريخ‏ ,‏ ولا يزالون يستخدمون هذا الجحود والإنكار في معارضة قضية الإيمان بالله الخالق البارئ المصور‏ ,‏ ويرد عليهم القرآن الكريم بقول الحق‏ ـ تبارك وتعالى‏ ـ ‏: " أَفَمَن يَخْلُقُ كَمَن لاَّ يَخْلُقُ أَفَلاَ تَذَكَّرُونَ " (‏النحل‏:17) ، وقوله‏ ـ‏ تعالى‏ ـ في السورة نفسها‏ : " وَالَّذِينَ يَدْعُونَ مِن دُونِ اللَّهِ لاَ يَخْلُقُونَ شَيْئاً وَهُمْ يُخْلَقُونَ " (‏النحل‏:20)‏ ، وقوله‏ ـ‏ سبحانه وتعالى‏ ـ : " وَاتَّخَذُوا مِن دُونِهِ آلِهَةً لاَ يَخْلُقُونَ شَيْئاً وَهُمْ يُخْلَقُونَ " ‏(‏الفرقان‏:3) ، وقوله‏ ـ تبارك وتعالى‏ ـ : " أَمْ خُلِقُوا مِنْ غَيْرِ شَيْءٍ أَمْ هُمُ الخَالِقُونَ .أَمْ خَلَقُوا السَّمَوَاتِ وَالأَرْضَ بَل لاَّ يُوقِنُونَ " (‏الطور‏:35 ,‏36)، وقوله‏ ـ عز من قائل‏ ـ : قُلْ هَلْ مِن شُرَكَائِكُم مَّن يَبْدَأُ الخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ قُلِ اللَّهُ يَبْدَأُ الخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ فَأَنَّى تُؤْفَكُونَ " (‏يونس‏:34)، وقوله ـ تعالى‏ ـ ‏: أَو لَمْ يَرَوْا كَيْفَ يُبْدِئُ اللَّهُ الخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ إِنَّ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ . قُلْ سِيرُوا فِي الأَرْضِ فَانظُرُوا كَيْفَ بَدَأَ الخَلْقَ ثُمَّ اللَّهُ يُنشِئُ النَّشْأَةَ الآخِرَةَ إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ" ‏(‏العنكبوت‏:19-‏20) .
    موقف الحضارة الإسلامية من قضية الخلق :
    بعد بعثة المصطفى ـ‏ صلى الله عليه وسلم‏ ـ‏ انطلق المسلمون من الإيمان بحقيقة الخلق‏ ,‏ وحتمية البعث‏ ,‏ ليقيموا‏ ـ على أساس من تلك العقيدة الربانية الخالصة‏ ـ أعظم حضارة في التاريخ ‏ ,‏ لأنها كانت الحضارة الوحيدة التي جمعت بين الدنيا والآخرة في معادلة واحدة‏ ,‏ واستمرت لأكثر من عشرة قرون كاملة‏ ,‏ تدعو إلى عبادة الله ‏ـ‏ تعالى ـ‏ بما أمر ‏(‏على التوحيد الخالص لذاته العلية‏ ,‏ والتنزيه الكامل لأسمائه وصفاته عن الشبيه والشريك والمنازع‏) ,‏ وإلى حسن القيام بواجبات الاستخلاف في الأرض‏ ,‏ وإقامة عدل الله فيها‏ ,‏ على أساس من شرعه المنزل على خاتم أنبيائه ورسله‏ ,‏ والذي تعهد‏ ـ‏ سبحانه وتعالى ـ‏ بحفظه بنفس اللغة التي أُنزل بها‏ ـ‏ كلمة كلمة وحرفاً حرفاً‏ ـ‏ فحُفظ حتى لا يكون للناس على الله حجة بعد نزول هذا الوحي الخاتم‏ ,‏ وتعهد الله‏ ـ‏ تعالى‏ ـ‏ بحفظه من الضياع أو التحريف ‏.‏
    وبهذا الجمع المُتزِن بين وحي السماء والاجتهاد في كسب المعارف النافعة‏ ,‏ حملت حضارة الإسلام مشاعل المعرفة في كل مناشط الحياة الدينية والعمرانية ,‏ وأقامت قاعدة صلبة للدين والعلم والتقنية‏ ,‏ وآمنت بوحدة المعرفة‏ ,‏ وبأن الحكمة هي ضالة المؤمن ‏ ,‏ أنى وجدها فهو أولى الناس بها‏ ,‏ فجمعت المعارف من مختلف مصادرها مهما تباعدت أماكنها‏ ,‏ واختلفت الحضارات التي انبثقت عنها‏ ,‏ ومعتقدات أصحابها‏ ,‏ ولكنها لم تقبل تلك المعارف قبول التسليم‏ ,‏ فقامت بغربلة تراث الإنسانية المتاح لها‏‏ بمعيار الإسلام العظيم القائم على أساس من التوحيد الخالص لله؛‏ وذلك لتطهير هذا التراث من أدران الشرك والكفر والجحود بالله ‏ ,‏ وأضافت إليه إضافات أصيلة عديدة في كل المجالات‏ ,‏ مما مثل القاعدة التي انطلقت منها النهضة العلمية والتقنية المعاصرة ‏ ,‏ كما يعترف بذلك عدد غير قليل من العلماء المعاصرين غربيين وشرقيين‏ .‏
    ولم يَحِل الإيمان بالغيب دون التقدم العلمي والتقني في الحضارة الإسلامية ‏ ,‏ بل حضَّ عليه الإسلام حضا‏ًً ,‏ واعتبره نمطاً من أنماط عبادة الله‏ ـ‏ تعالى‏ ـ ,‏ والتفكر في خلقه‏ ,‏ ووسيلة منهجية لاستقراء سنن الله في الكون‏ ,‏ وتوظيفها في عمارة الأرض ‏ ,‏ وهي من واجبات الاستخلاف في الأرض ‏ ,‏ والوجه الثاني للعبادة التي يمثل وجهها الأول عبادة الله‏ ـ‏ تعالى ـ بما أمر ‏ ,‏ واتباع سنة خاتم الأنبياء والمرسلين‏ ـ‏ صلى الله عليه وسلم‏ ـ .‏
    موقف الحضارة المادية المعاصرة من قضية الخلق :
    انطلقت الحضارة المادية المُعاصِرة في الأصل من بوتقة الحضارة الإسلامية‏ ,‏ ولكن على مغايرة من حضارة المسلمين ‏ ,‏ فإن الغرب بني حضارته على أساس من المادية البحتة ‏ ,‏ فنبذ الدين ‏ ,‏ ووقف موقف المُنكِر لقضية الإيمان بالله‏ ,‏ وملائكته ‏ ,‏ وكتبه ‏ ,‏ ورسله‏ ,‏ واليوم الآخر ‏ ,‏ الرافض لكل أمر غيبي ‏ ,‏ في عداء صريح ‏ ,‏ واستهجان أوضح ‏ ,‏ فتنكَّب الطريق ‏ ,‏ وضل ضلالاً بعيداً على الرغم من القدر الهائل من الكشوف العلمية‏ ,‏ والانجازات التقنية المُذهِلة التي حققها‏ ,‏ والتي يمكن أن تكون سبباً في دماره في غيبة الالتزام الديني والروحي والأخلاقي ,‏ وصدق الله العظيم الذي أنزل من قبل ألف وأربعمائة سنة قوله الحق : " فَلَمَّا نَسُوا مَا ذُكِّرُوا بِهِ فَتَحْنَا عليهمْ أَبْوَابَ كُلِّ شَيْءٍ حَتَّى إِذَا فَرِحُوا بِمَا أُوتُوا أَخَذْنَاهُم بَغْتَةً فَإِذَا هُم مُّبْلِسُونَ. فَقُطِعَ دَابِرُ القَوْمِ الَّذِينَ ظَلَمُوا وَالْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ العَالَمِينَ " (‏الأنعام‏:44‏-‏45)‏ .
    وبنبذ الإيمان بالله‏ ,‏ وصلت المجتمعات الغربية إلى مستوى مُتدنٍ من التحلل الأخلاقي ‏ ,‏ والانهيار الاجتماعي ‏ ,‏ ومجافاة الفطرة التي فطر الله الخلق عليها‏ ,‏ في وقت ملكت فيه من أسباب الغلبة المادية ما يمكن أن يعينها على الاستعلاء في الأرض‏ ,‏ والتجبر على الخلق ‏ ,‏ ونشر المظالم بغير مراعاة لرب ، أو مخافة من حساب ‏ ,‏ مما يمكن أن يهدد البشرية بالفناء‏ .
    ولا تزال المعارف الإنسانية بصفة عامة ‏ ,‏ والعلمية منها بصفة خاصة ‏ ,‏ تُكتب إلى يومنا هذا‏ ,‏ من منطلقات مادية صرفة‏ ,‏ لا تؤمن إلا بالمُدرَك المحسوس ‏ ,‏ وتتنكر لكل ما هو فوق ذلك ‏ ,‏ فدارت بالمجتمعات الإنسانية في متاهات من الضياع‏ ,‏ ضلت وأضلت‏ ,‏ على الرغم من الكم الهائل من المعلومات التي تحتويها‏ ,‏ وروعة التقنيات التي أنجزتها‏ .‏
    وكان ضلال الحضارة المادية المُعاصِرة أبلغ ما يكون في القضايا التي لا يمكن إخضاعها لإدراك الإنسان المُباشِر‏ ,‏ من مثل قضايا الخلق والإفناء والبعث ‏(‏خلق الكون‏ ,‏ خلق الحياة‏ ,‏ خلق الإنسان‏ ,‏ ثم إفناء كل ذلك وإعادة خلقه من جديد‏) ,‏ وهي من القضايا التي إذا خاض فيها الإنسان بغير هداية ربانية فإنه يضل ضلالاً بعيدا‏ًً ,‏ وصدق الله العظيم إذ يقول في الرد على هؤلاء الظالمين من الكافرين والمشركين والمتشككين من الجن والإنس‏ :‏ " مَّا أَشْهَدتُّهُمْ خَلْقَ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ وَلاَ خَلْقَ أَنفُسِهِمْ وَمَا كُنتُ مُتَّخِذَ المُضِلِّينَ عَضُداً "‏(‏ الكهف‏:51)‏ .
    وعلى الرغم من تأكيد القرآن الكريم أن أحداً من الجن والإنس‏ ,‏ لم يشهد خلق السماوات والأرض‏ ,‏ ولا خلق نفسه‏ ,‏ فإنه يؤكد ضرورة التفكر في خلق السماوات والأرض‏ ,‏ وخلق الحياة لأن ذلك من أعظم الدلائل على طلاقة القدرة الإلهية‏ ,‏ وكمال الصنعة الربانية‏ ,‏ وعلى كلٍِ من حتمية الآخرة وضرورة البعث والحساب والجنة والنار‏ ,‏ وذلك لأن الخالق‏ ـ سبحانه وتعالى‏ ـ‏ قد ترك لنا في صخور الأرض وفي صفحة السماء ما يمكن أن يعين الإنسان على فهم قضيتي الخلق والبعث‏ ,‏ بالرغم من محدودية قدراته الذهنية والحسية‏ ,‏ واتساع الكون وضخامة أبعاده وتعقيد بنائه‏ ,‏ وكذلك تعقيد بناء الجسد الإنساني وبناء خلاياه‏ ,‏ وهي صورة رائعة لتسخير الكون للإنسان‏ ,‏ وجعله في متناول إدراكه وحسه ‏.‏
    قرنا‏ًً ,‏ وهذا وحده مما يشهد للقرآن بأنه لا يمكن إلا أن يكون كلام الله الخالق‏ ,‏ كما يشهد لخاتم الأنبياء والمرسلين‏ ـ‏ صلى الله وسلم وبارك عليه وعليهم أجمعين‏ ـ ,‏ بأنه كان موصولاً بالوحي‏ ,‏ مُعلَّماً من قبل خالق السماوات والأرض‏ ,‏ حيث إنه لم يكن لأحد علم بهذه الحقائق الكونية في زمن الوحي‏ ,‏ ولا لقرون مُتطاوِلة من بعد نزوله‏ ,‏ وتشهد هذه الآيات الخمس بدقة الإشارات الكونية الواردة في كتاب الله‏ ,‏ وشمولها‏ ,‏ وكمالها‏ ,‏ وصياغتها صياغة معجزة يفهم منها أهل كل عصر معنى من المعاني يتناسب مع المستوى العلمي للعصر‏ ,‏ وتظل هذه المعاني تتسع باستمرار مع توسع دائرة المعرفة الإنسانية في تكامل لا يعرف التضاد‏ ,‏ وهو من أبلغ صور الإعجاز العلمي في كتاب الله
    avatar
    almazny 2
    مشرف متميز
    مشرف متميز

    عدد الرسائل : 643
    الموقع : أرض الـــــلــــــه
    المزاج : الــحــمــد لــلـــه
    نقاط : 2614
    تاريخ التسجيل : 27/09/2008

    رد: "وَالسَّمَاءَ بَنَيْنَاهَا بِأَيْيدٍ وَإِنَّا لَمُوسِعُونَ" (الذاريات‏:47).

    مُساهمة من طرف almazny 2 في الخميس أبريل 16, 2009 9:38 pm

    خلق السماوات والأرض في القرآن الكريم ‏:‏
    من قبل أكثر من ألف وأربعمائة سنة‏ ,‏ لخص لنا ربنا‏ ـ‏ تبارك وتعالى‏ ـ‏ في صياغة كلية شاملة عملية خلق السماوات والأرض‏ ,‏ وإفنائهما وإعادة خلقهما من جديد‏ ,‏ في خمس آيات من القرآن الكريم على النحو التالي ‏:‏
    ‏(1)‏" وَالسَّمَاءَ بَنَيْنَاهَا بِأَيْيدٍ وَإِنَّا لَمُوسِعُونَ " (‏الذاريات‏:47)‏ .
    (2)‏ " أَوَ لَمْ يَرَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنَّ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضَ كَانَتَا رَتْقاً فَفَتَقْنَاهُمَا وَجَعَلْنَا مِنَ المَاءِ كُلَّ شَيْءٍ حَيٍّ أَفَلاَ يُؤْمِنُونَ " (‏الأنبياء‏:30)‏ .
    ‏(3) " ثُمَّ اسْتَوَى إِلَى السَّمَاءِ وَهِيَ دُخَانٌ فَقَالَ لَهَا وَلِلأَرْضِ ائْتِيَا طَوْعاً أَوْ كَرْهاً قَالَتَا أَتَيْنَا طَائِعِينَ " (‏ فصلت‏:11)‏ .
    ‏(4) ‏" يَوْمَ نَطْوِي السَّمَاءَ كَطَيِّ السِّجِلِّ لِلْكُتُبِ كَمَا بَدَأْنَا أَوَّلَ خَلْقٍ نُّعِيدُهُ وَعْداً عَلَيْنَا إِنَّا كُنَّا فَاعِلِيْنَ " (‏الأنبياء‏:104)‏ .
    ‏(5) ‏" يَوْمَ تُبَدَّلُ الأَرْضُ غَيْرَ الأَرْضِ وَالسَّمَوَاتُ وَبَرَزُوا لِلَّهِ الوَاحِدِ القَهَّارِ " (‏ إبراهيم‏:48)‏ .
    وهذه الآيات الكريمات تشير إلى أن الكون الذي نحيا فيه يتسع باستمرار‏ ,‏ وإذا عدنا بهذا الاتساع إلى الوراء مع الزمن فلابد أن يتكدس على هيئة جرم واحد ‏(‏مرحلة الرتق‏) ,‏ وهذا الجرم الابتدائي انفجر بأمر من الله‏ (‏مرحلة الفتق‏) ,‏ فتحول إلى غلالة من الدخان ‏(‏مرحلة الدخان‏) ,‏ خلُقت منه الأرض والسماوات‏ (‏مرحلة الإتيان‏) ,‏ وأن الكون منذ لحظة انفجاره في توسع مُستمِر‏ ,‏ وأن هذا التوسع سوف يتوقف في المستقبل الذي لا يعلمه إلا الله‏ ,‏ بأمر منه ‏(‏تعالى‏) ,‏ فيبدأ الكون في الانطواء على ذاته‏ ,‏ والتكدس في جرم واحد كهيئة الجرم الابتدائي الأول‏ ,‏ الذي بدأ منه خلق السماوات والأرض‏ ,‏ فتتكرر عملية الانفجار والتحول إلى الدخان الذي تُخلق منه أرض غير أرضنا الحالية‏ ,‏ وسماوات غير السماوات التي تظللنا في الحياة الدنيا‏ ,‏ وهنا تنتهي رحلة الحياة الدنيا وتبدأ رحلة الآخرة‏ ,‏ ومراحل الرتق والفتق والدخان‏ ,‏ والإتيان بالسماوات والأرض‏ ,‏ وتوسع السماء ثم طيها تعطينا كليات مراحل الخلق والإفناء والبعث دون الدخول في التفاصيل‏ .‏
    وهذه الحقائق القرآنية لم يستطع الإنسان إدراك شيء منها إلا في أواخر القرن العشرين‏ ,‏ مما يؤكد سبق القرآن الكريم للمعارف الإنسانية بأكثر من أربعة عشر

      الوقت/التاريخ الآن هو الجمعة أغسطس 18, 2017 10:14 am