ثمار الأوراق

ثمار الأوراق

(ثمار الأوراق) : منتدى إسلامي / تعليمي / دعوي على عقيدة (أهل السنة و الجماعة) ، يهتم بنشر العلم الشرعي و العربية و التاريخ الإسلامي و كل ما ينفع المسلم


    التابعون و تفسير القرءان الكريم

    شاطر

    أحمد
    إدارة ثمار الأوراق
    إدارة ثمار الأوراق

    عدد الرسائل : 16657
    الموقع : القاهرة
    نقاط : 38587
    تاريخ التسجيل : 17/09/2008

    التابعون و تفسير القرءان الكريم

    مُساهمة من طرف أحمد في الأحد أبريل 05, 2009 9:28 am

    من الثابت عند أهل العلم أن ما نُقل إلينا عن رسول الله صلى الله عليه وسلم من تفسير لكتاب الله لم يتناول جميع آيات القرآن الكريم، بل جُلُّ ما نقل إلينا وثبت عنه صلى الله عليه وسلم في ذلك، إنما كان تفسيرًا لبعض آيات القرآن، فسرها رسول الله صلى الله عليه وسلم وبيَّنها نتيجة لنازلة نزلت، أو إجابة لسؤال سائل .

    ثم جاء عصر الصحابة، الذين نقلوا ما تيسر لهم من تفسير رسول الله للقرآن الكريم، واجتهدوا في تفسير ما لم يثبت فيه عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قول، ثم نقلوا علمهم هذا إلى من بعدهم، بعد أن انتشروا في عدة بقاع إسلامية على إثر توسع دولة الإسلام، ودخول الناس في دين الله أفواجاً .

    ونتيجة تفرق صحابة رسول الله في العديد من البقاع والأماكن، فقد برزت هناك العديد من المدارس العلمية التي نقلت علم الصحابة واجتهاداتهم الشرعية، ومنها علم التفسير لكتاب الله، فكانت هناك مدرسة مكة، ومدرسة المدينة، ومدرسة الكوفة، وغيرها من المدارس .

    وقد تلقَّف هذا العلم عدد كبير من التابعين الذين لازموا صحابة رسول الله، ونهلوا من علمهم، وتأثروا بمنهجهم، وساروا على سننهم في تفسير كتاب الله .

    وكان من منهج التابعين في تفسيرهم لكتاب الله، أن يفسروا القرآن بالقرآن، أو القرآن بالسنة، فإن لم يقفوا على شيء في ذلك اجتهدوا في النظر، وأعملوا الرأي بما يبين المراد، ويكشف المقصود من آيات الكتاب .

    والمتأمل في كتب التفسير التي وصلت إلينا، لا يعجزه أن يجد الكثير من أقوال التابعين، قالوها بطريق الرأي والاجتهاد المنضبط بميزان الشرع الحنيف .

    وقد تفاوتت أنظار العلماء في الرجوع إلى تفسير التابعين والعمل بأقوالهم، في حال لم يكن في ذلك شيء عن رسول الله صلى الله عليه وسلم وصحابته الكرام، فنُقل عن الإمام أحمد في الاحتجاج بتفسير التابعين روايتان، والمعتمد في ذلك والذي عليه أكثر أهل العلم، أنه يُعمل بقول التابعي في التفسير، لأن التابعين نقلوا غالب تفسيراتهم عن الصحابة رضي الله عنهم، ونقلوا كذلك مناهجهم في التفسير عنهم، ولهذا وجدنا الإمام مجاهد يقول: عرضت القرآن على ابن عباس ثلاث عرضات، من فاتحته إلى خاتمته، أوقفه عند كل آية منه، وأسأله عنها، وهكذا كان حال باقي التابعين، كـ قتادة، و سعيد بن جبير، وغيرهما .

    وإذا كان الأمر على ما ذكرنا، فلا غرابة أن نجد أقوال التابعين واجتهاداتهم مبثوته في كتب التفاسير بهذه الكثرة، بل إن بعض التابعين كَتَبَ تفسيراً خاصاً به، كما هو الحال في تفسير الإمام مجاهد، الذي بقي محفوظاً بين أيدينا إلى يوم الناس هذا ولم تنل منه عوادي الدهر ونوائبه .

    وعلى الرغم مما سبق بيانه، فإنه لا بد من القول: إن من خصائص التفسير في عصر التابعين، تسرب بعض الروايات الإسرائيلية إلى بعض التفاسير؛ نتيجة توسع ديار الإسلام، ودخول العديد من الأعاجم في الإسلام، ومن بينهم أهل الكتاب الذين نقلوا معهم بعض الأقوال والحكايات والقصص التي لا تمت إلى الحقيقة بشيء، والتي بدورها تسربت إلى كتب التفسير بشكل أو بآخر فيما بعد .

    ومحصلة القول: إن تفسير التابعين للقرآن الكريم يشكل حلقة مهمة، وركيزة أساسية في فهم القرآن الكريم، من جهة أن هؤلاء التابعين قد نقلوا إلينا أقوال الصحابة واجتهاداتهم في ذلك، هذا من جانب؛ ومن جانب آخر، قُرْبِ عهدهم بعهد الرسالة، حيث كانت لا تزال الفِطَر سليمة، والنفوس لا سبيل لها للقول في كتاب الله، وَفْق أهوائها ورغباتها .

    بيد أن ما سبق لا يعني أن تفاسير التابعين لآيات القرآن الكريم قد خلت وسلمت من الأقوال الضعيفة، والآراء المرجوحة؛ بل الصحيح أن فيها نصيب من ذلك، غير أن ذلك النصيب لا يقلل من قيمتها، ولا يحطُّ من شأنها .

    ونظراً لأهمية هذه المرحلة من مراحل التفسير، فسوف تكون لنا عدة وقفات مع أهم أعلام هذه المرحلة؛ لنبرز - قدر ما تيسر - أهم جهودهم في تفسير القرآن الكريم، ولنؤدي بعض واجبنا نحو أجيال الأمة بتذكيرها بكبار علمائها، الذين حفظوا عليها دينها، ونقلوا شعاع حضارتها إلى بقاع كثيرة من العالم. نسأل الله التوفيق والقبول والخاتمة بالحسنى .


    _________________


    قناتي على موقع يوتيوب :
    https://www.youtube.com/channel/UCm8N-tHwIFM7hPnwtLrBMpg
    مدونتي:
    https://ahmed26413.blogspot.com.eg/

    أحمد
    إدارة ثمار الأوراق
    إدارة ثمار الأوراق

    عدد الرسائل : 16657
    الموقع : القاهرة
    نقاط : 38587
    تاريخ التسجيل : 17/09/2008

    رد: التابعون و تفسير القرءان الكريم

    مُساهمة من طرف أحمد في الأحد أبريل 05, 2009 9:29 am

    أولا :سعيد بن جبير أعلم التابعين بالتفسير :

    كان سعيد بن جبير من كبار التابعين، الذين ساروا على سنن الهدى، واقتفوا أثر المصطفى، وباعوا الدنيا طلبًا للأخرى. وقد وثقه أهل العلم كافة، حتى قالوا في وصفه: ثقة إمام حجة على المسلمين .



    كان الناس يرونه - منذ نعومة أظفاره - إما عاكفًا على كتاب يتعلم، أو قائمًا في محراب يتعبد، فهو بين طلب العلم والعبادة، إما في حالة تعلم، أو في حالة تعبد .



    أخذ سعيد العلم عن طائفة من كبار الصحابة، من أمثال أبي سعيد الخدري ، و أبي موسى الأشعري ، وعبد الله بن عمر ، رضي اللَّه عنهم أجمعين، لكن يبقى عبد الله بن عباس - حبر هذه الأمة - هو المعلم الأول له .



    لازم سعيد بن جبير عبد الله بن عباس لزوم الظل لصاحبه، فأخذ عنه القرآن وتفسيره، وتلقى عنه القراءات القرآنية الثابتة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم وقرأ بها، وتفقّه على يديه في الدين، وتعلم منه علم التأويل، حتى أصبح من المكانة ما جعل بعض معاصريه يقول فيه: مات سعيد بن جبير ، وما على ظهر الأرض أحد من أهل زمانه إلا وهو محتاج إلى علمه .



    وعندما كانت إقامته في الكوفة، كان هو المرجع الأول في الفتوى، وعليه المعول في علم التفسير، لدرجة أن ابن عباس رضي الله عنهما كان يحيل إليه من يستفتيه، ويقول لأهل الكوفة إذا ما أتوه ليسألوه عن شيء: أليس فيكم ابن أم الدهماء ؟ يعني سعيد بن جبير - وكان حبشي الأصل - .



    وعلى الرغم من مكانته العلمية التي كان يحظى بها، وخاصة معرفته الواسعة بتفسير كتاب الله، إلا أنه - رحمه الله - كان يتورع عن القول في التفسير برأيه - كما هو شأن السلف من الصحابة رضوان الله عليهم - ومما يروى عنه في هذا الشأن: أن رجلاً سأله أن يكتب له تفسيرًا للقرآن، فغضب، وقال له: لأن يسقط شِقِّي، أحب إليَّ من أن أفعل ذلك .



    ولأجل ملازمة سعيد ابن جبير لـ ابن عباس رضي الله عنهما، ومكانته العلمية بين التابعين، فقد كانت أقواله مرجعًا أساسًا، ومنهلاً عذبًا لأهل التفسير، يرجعون إليها، ويغترفون من معينها في تفسير كثير من آيات الذكر الحكيم .



    وقد وَثَّقَ علماء الجرح والتعديل سعيداً ، وروى عنه أصحاب الكتب الستة وغيرهم من أصحاب الحديث. قال ابن حبان في كتاب ( الثقات ): كان فقيهًا، عابدًا، فاضلاً، ورعًا .



    ومما يُروى عن سعيد وتعلقه بالقرآن، ما ذكره أبو نعيم في ( الحلية ) قال: ( كان سعيد بن جبير يختم القرآن فيما بين المغرب والعشاء في شهر رمضان ) وفي رواية ثانية: ( أنه كان يختم القرآن في كل ليلتين ) .



    وقد كانت له - رحمه الله - مواقف مشهورة ومآثر مشهودة مع الحجاج ، الذي قتله صبراً في شعبان سنة خمس وتسعين، وهو ابن تسع وأربعين سنة .

    أحمد
    إدارة ثمار الأوراق
    إدارة ثمار الأوراق

    عدد الرسائل : 16657
    الموقع : القاهرة
    نقاط : 38587
    تاريخ التسجيل : 17/09/2008

    رد: التابعون و تفسير القرءان الكريم

    مُساهمة من طرف أحمد في الأحد أبريل 05, 2009 9:30 am

    ثانيا : مجاهد بن جبر ومكانته العالية في التفسير :-

    كان أحد الأعلام الأثبات، والعباد الزهاد، مع فقه في الدين، وورع مملوء باليقين. وهو أحد أصحاب ابن عباس رضي الله عنهما، وأوثقهم رواية عنه، وإن كان أقلهم رواية عنه، وأكثرهم دراية في تفسير كتاب الله. حتى وصفه بعض من أخذ العلم عنه وعاصره، بقوله: كان أعلمهم بالتفسير .


    لقي الإمام مجاهد الأكابر من الصحابة؛ حيث روى عن ابن عباس ، و ابن عمر ، و جابر بن عبد الله ، و أبي سعيد الخدري ، و أبي هريرة ، و رافع بن خديج رضي الله عنهم أجمعين، وحدث عن عائشة أم المؤمنين رضي الله عنها، إلا أن حديثه عنها مرسل؛ لأنه لم يسمع منها. وقد حدث عنه أعلام من كبار التابعين، منهم: عطاء ، و طاوس ، و عكرمة وغيرهم كثير .


    وقد لازم الإمام مجاهد ابن عباس رضي الله عنهما مدة ليست بالقصيرة، وأخذ التفسير عنه رواية ودراية، لهذا وجدنا الإمام البخاري في "صحيحه" يعتمد عليه، وينقل عنه كثيراً من تفسير القرآن الكريم، وهذا إن دل على شيء فإنما يدل على مكانة الإمام مجاهد وعدالته عند أهل العلم وقبوله عندهم .



    ومما يدل أيضًا على علو كعب أبي الحجاج - كما كان يكنى - وطول باعه في تفسير كتاب الله وفهمه له، ما رواه أبان بن صالح ، عن مجاهد ، أنه قال: عرضت القرآن على ابن عباس رضي الله عنهما ثلاث عرضات، أقفه عند كل آية، أسأله فيم نزلت ؟ وكيف كانت ؟ .



    وروى ابن أبي مليكة ، قال: رأيت مجاهداً سأل ابن عباس رضي الله عنهما عن تفسير القرآن ومعه ألواحه، فقال ابن عباس رضي الله عنهما: اكتب، حتى سأله عن التفسير كله .



    وروى أبو نعيم في ( حلية الأولياء ) عن الفضل بن ميمون ، قال: سمعت مجاهدًا يقول: عرضت القرآن على ابن عباس ثلاثين عرضة .


    وقد أجمع معاصروه على مكانته العالية في معرفته بتفسير كتاب الله، حتى روي القول عن بعضهم: إذا جاءك التفسير عن مجاهد فحسبك به؛ وهذا ما دفع الإمام الذهبي أن يقول في آخر ترجمة مجاهد : أجمعت الأمة على إمامة مجاهد والاحتجاج به. ويكفي لبيان مكانته ما ذكرناه من اعتماد الإمام البخاري على رواية مجاهد في كتاب التفسير من كتابه ( الجامع الصحيح ) وكذلك رواية أصحاب الكتب الستة عنه في كتبهم .


    ونرى من المناسب أن ننقل بعضًا مما أُثر من أقوال هذا الإمام في التفسير؛ فمن ذلك قوله في قول الله تعالى: { وتبتل إليه تبتيلا } (المزمل:8) قال: أخلص له إخلاصًا. وفي قوله تعالى: { وثيابك فطهر } (المدثر:4) قال: وعملك فأصلح. وفي قوله سبحانه: { واسألوا الله من فضله } (النساء:32) قال: ليس بعَرَض الدنيا. وفي قوله تعالى: { والذي جاء بالصدق وصدق به } (الزمر:33) قال: هم الذين يجيئون بالقرآن، يقولون: هذا الذي قد أعطيتمونا، قد اتبعنا ما فيه. أما قوله سبحانه: { ولا تنس نصيبك من الدنيا } (القصص:77) فقال في تفسيره: خذ من دنياك لآخرتك، أن تعمل فيها بطاعته. وقوله سبحانه: { ثم لتسألن يومئذ عن النعيم } (التكاثر:8) قال: عن كل شيء من لذه الدنيا. وفي قوله تعالى: { وقوموا لله قانتين } (البقرة:238) قال: القنوت: الركوع، والخشوع، وغض البصر، وخفض الجناح من رهبة الله تعالى. قال: وكانت العلماء إذا قام أحدهم إلى الصلاة هاب الرحمن عز وجل أن يشذ نظره، أو يلتفت، أو يقلب الحصى، أو يعبث بشيء، أو يحدث نفسه بشيء من الدنيا، إلا ناسيًا ما دام في الصلاة. وفي قوله تعالى: { فخلف من بعدهم خلف أضاعوا الصلاة } (مريم:59) قال: عند قيام الساعة، وذهاب صالحي أمة محمد صلى الله عليه وسلم { واتبعوا الشهوات } قال: ينـزوا بعضهم على بعض زناة في الأزقة. وقوله سبحانه: { بلى من كسب سيئة وأحاطت به خطيئته } (البقرة:81) قال في تفسير هذه الآية: الذنوب تحيط بالقلوب، كلما عمل ذنبًا ارتفعت حتى تغشى القلب، وحتى يكون هكذا، ثم قبض يده، ثم قال: هو الران. وفي قوله تعالى: { فإذا فرغت فانصب * وإلى ربك فارغب } (الشرح:7-8) قال: إذا فرغت من أمر الدنيا، فقمت إلى الصلاة، فاجعل رغبتك إليه، ونيتك له. وقوله تعالى: { وتقطعت بهم الأسباب } (البقرة:166) قال في معناها: الأوصال التي كانت بينهم في الدنيا. أما قوله تعالى: { ولا تتبعوا السبل فتفرق بكم عن سبيله } (الأنعام:153) فقال في معناها: إنها البدع والشبهات. وقوله تعالى: { وأسبغ عليكم نعمه ظاهرة وباطنة } (لقمان:20) قال: أما ( الظاهرة ) فالإسلام والرزق، وأما ( الباطنة ) فما ستر من العيوب والذنوب. وفي قوله تعالى: { ادفع بالتي هي أحسن } (فصلت:34) قال: هو السلام عليه إذا لقيته؛ وفي قول آخر له في معنى الآية نفسها، قال: المصافحة .



    وتتبع أقوال هذا الإمام لا يمكن حصرها في مقال كهذا، وفي الأمثلة التي ذكرناها ما يدل على مكانة هذا الإمام، ومنزلته في علم التفسير .



    على أن بعض أهل العلم قد لاحظ على منهج التفسير عند الإمام مجاهد أمرين:



    أولهما: أنه كان يسأل أهل الكتاب عن تفسير بعض الآيات التي لم يثبت فيها نَقْل لديه .



    والثاني: اعتماده الرأي أحياناً في فهم بعض نصوص القرآن الكريم؛ ولا يسعنا أن نفهم هذين المنهجين إلا على وفق ما يليق بمكانة هذا الإمام .



    فسؤاله أهل الكتاب كان في حدود ما هو جائز ومشروع، ولم يتعدَّ ذلك إلى ما هو محظور وممنوع. كيف لا، وهو تلميذ ابن عباس رضي الله عنهما، الذي كان يشدد النكير على من يأخذ عن أهل الكتاب، أو يصدقهم فيما يقولونه، إلا ما شهد له شاهد من الشرع .



    وأما مسألة إعماله العقل في تفسير بعض الآيات، فحاصل القول فيها: إن كل الناس يؤخذ منه ويُرد إلا رسول الله صلى الله عليه وسلم الذي عصمه الله عن الخطأ، وعلى هذا فإن هذا المنهج من مجاهد لا يقلل من القيمة العلمية لهذا الإمام، الذي أجمع الناس على إمامته في التفسير من غير منازع ولا مدافع .



    ثم إن كتب التراجم قد ذكرت أن مولد هذا الإمام كان سنة إحدى وعشرين للهجرة، وتوفي بمكة سنة اثنتين ومائة، وتوفي وهو ساجد رحمه الله. قال ابن جريج : بلغ مجاهد يوم مات ثلاثًا وثمانين سنة .


    بعد هذا نقول: إن من بين التفاسير التي كُتب لها أن تصل إلينا تفسير الإمام مجاهد، وهو تفسير مطبوع ومتداول بين أهل العلم، وهو أيضًا يدل على مكانة هذا الإمام؛ فما هذا التفسير وغيره من التفاسير، إلا أثر من آثار السلف الصالح، التي تدلنا على سيرهم المتواصل في حقل تبيينهم لكتاب ربهم، وتدعونا إلى أن لا نألوا جهدًا في تدبر القرآن، ولا ندخر وسعًا لتفهم آياته، ونجتهد غاية الاجتهاد في سبيل هذا التبيان؛ قصدًا مخلصًا إلى الحق، فرب مبلغ أوعى من سامع
    .


    _________________


    قناتي على موقع يوتيوب :
    https://www.youtube.com/channel/UCm8N-tHwIFM7hPnwtLrBMpg
    مدونتي:
    https://ahmed26413.blogspot.com.eg/

    أحمد
    إدارة ثمار الأوراق
    إدارة ثمار الأوراق

    عدد الرسائل : 16657
    الموقع : القاهرة
    نقاط : 38587
    تاريخ التسجيل : 17/09/2008

    رد: التابعون و تفسير القرءان الكريم

    مُساهمة من طرف أحمد في الأحد أبريل 05, 2009 9:31 am

    ثالثا : عطاء بن أبي رباح وورعه في التفسير : -

    علو الهمة صفة ملازمة لعلماء هذه الأمة، وقد قيل فيما قيل: رجل ذو همة يحيي أمة. وعلو الهمة لا تحتاج إلى جمال منظر، ولا إلى كثرة مال، ولا إلى منصب رفيع، بل تحتاج إلى إخلاص نية، وحسن طوية، وصدق عزيمة، وتوكل على الله .



    هذه الصفات التي أتينا على ذكرها كانت صفات التابعي الجليل عطاء بن أبي رباح الذي انتهت إليه الفتوى في مكة؛ كان ثقة، فقيهًا، عالمًا، كثير الحديث. حدث عن نفسه فقال: أدركت مائتين من الصحابة. فقد سمع من ابن عباس ، و ابن عمر ، و ابن الزبير ، و عبد الله بن عمرو ، و أبي هريرة ، و أبي سعيد ، و زيد بن خالد رضي الله عنهم أجمعين؛ وروى عنه من التابعين جمع؛ منهم: عمرو بن دينار ، و الزهري ، و أبو الزبير ، و قتادة ، و مالك بن دينار ، وغيرهم .



    و عطاء هذا، هو الذي خاطب فيه ابن عباس رضي الله عنهما أهل مكة، بقوله: " تجتمعون إليَّ يا أهل مكة وعندكم عطاء "؛ وهو الذي قال فيه ابن عمر رضي الله عنهما، وقد سئل في مسألة - وكان بمكة - فقال: تجمعون لي المسائل، وفيكم عطاء بن أبي رباح !؛ وهو الذي قال في حقه الإمام الأوزاعي : مات عطاء وهو أرضى أهل الأرض؛ ثم - أخيرًا وليس آخرًا - هو الذي قال فيه أبو حنيفة : " ما رأيت فيمن لقيت أفضل من عطاء " حتى إنه كان ينادى في موسم الحج: " لا يفتى الناس إلا عطاء " .



    كل هذا - وغيره كثير - يشهد للمكانة العلمية التي كان عليها عطاء بن أبي رباح ؛ وليس أدل على ذلك من شهادة أستاذه ابن عباس رضي الله عنهما، الذي لازمه فترة طويلة، وأخذ عنه علم التفسير؛ وعلى الرغم من مكانته العلمية، وملازمته لـ ابن عباس رضي الله عنهما إلا أنه لم يرو عنه الكثير من التفسير، بل نجد أن مجاهدًا و سعيد بن جبير يسبقانه من ناحية العلم بتفسير كتاب الله. ولعل السبب في ذلك يرجع إلى كثرة تورعه عن القول في كتاب الله برأيه؛ وقد رُويَ أنه سئل عن مسألة، فقال: لا أدري، فقيل له: ألا تقول فيها برأيك ؟ قال: إن لأستحي من الله أن يُدان في الأرض برأيي .



    ومع ذلك، فإن هذا الموقف من عطاء لم يكن ليقلل من أهمية هذا العَلَم بين علماء التفسير، يدلك على هذه المعرفة التفسيرية التي كان عليها، ما روى عنه أهل العلم من التفاسير والأقوال؛ فمن ذلك قوله في قول الله تعالى: { رجال لا تلهيهم تجارة ولا بيع عن ذكر الله } (النور:37) قال: لا يلهيهم بيع ولا شراء عن مواضع حقوق الله، التي فرضها الله تعالى عليهم أن يؤدوها في أوقاتها؛ ويقول في قوله تعالى: { ولا تأخذكم بهما رأفة في دين الله } (النور:2) قال: ذلك في إقامة الحد عليه؛ وقال أيضًا: ما قال عبد قط: يا رب، يا رب، يا رب، ثلاث مرات، إلا نظر الله إليه؛ فذُكر ذلك لـ لحسن ، فقال: أما تقرؤن القرآن: { ربنا إننا سمعنا مناديا ينادي للإيمان أن آمنوا بربكم فآمنا ربنا فاغفر لنا ذنوبنا وكفر عنا سيئاتنا وتوفنا مع الأبرار * ربنا وآتنا ما وعدتنا على رسلك ولا تخزنا يوم القيامة إنك لا تخلف الميعاد * فاستجاب لهم ربهم ...} (آل عمران:193-195)؛ وقيل لـ عطاء : إن ههنا قومًا يزعمون أن الإيمان لا يزيد ولا ينقص، فقال: { والذين اهتدوا زادهم هدى وآتاهم تقواهم } (محمد:17) فما هذا الهدى الذي زادهم الله ؟ وقيل له أيضًا: ويزعمون أن الصلاة والزكاة ليستا من دين الله، فتلا قول الله تعالى: { وما أمروا إلا ليعبدوا الله مخلصين له الدين حنفاء ويقيموا الصلاة ويؤتوا الزكاة وذلك دين القيمة } (البينة:5) .



    وقد روي عنه أنه قال يومًا مخاطبًا بعض جلسائه: إن من كان قبلكم كانوا يكرهون فضول الكلام، وكانوا يعدون فضول الكلام ما عدا كتاب الله تعالى أن يُقرأ، أو أمر بمعروف أو نهي عن منكر، أو تنطق في حاجتك في معيشتك التي لا بد لك منها، أتنكرون أن { عليكم لحافظين * كراما كاتبين } (الانفطار:10-11) وأن { عن اليمين وعن الشمال قعيد * ما يلفظ من قول إلا لديه رقيب عتيد } (ق:17-18) أما يستحي أحدكم لو نشرت عليه صحيفته، التي أملاها صدر نهاره، أكثر ما فيها ليس من أمر دينه ولا دنياه .



    روى أبو نعيم في ( حلية الأولياء ) بسنده عن عطاء ، قال: كان عطاء يطيل الصمت، فإذا تكلم يُخيل إلينا أنه يُؤيد. وعن ابن جريج ، قال: كان عطاء ، بعدما كبر وضعف، يقوم إلى الصلاة، فيقرأ مائتي آية من سورة البقرة وهو قائم، لا يزول منه شيء، ولا يتحرك .



    لقد كان أبو محمد - كما كان يكنى - عازفًا عن الدنيا وزخارفها، مقبلاً على الله بقلبه وجوارحه؛ ليس له حاجة إلى سلطان ولا إلى غيره، وكان كل ما يرجوه رحمة ربه في كل أمره، دعاه الخلفاء والأمراء إليهم فأبى أن يبيع دينه بدنياه، وأغدقوا عليه في العطاء فلم يقبل منهم عطاء، وآثر على عطائهم عطاء الله سبحانه .



    وقد أكبَّ - رحمه الله - على طلب العلم وتعليمه كدأب العلماء المخلصين، وأخلص في كل ذلك لله سبحانه - نحسبه كذلك والله حسيبه - فلم يكن ينتظر من الناس جزاء ولا شكورًا...وبهذا نفع الله به المسلمين، ووقع عندهم موقع القبول، حتى وجدنا أصحاب الكتب الستة يُوثِّقونه ويروون عنه، وهو عندهم من المنـزلة بمكان .



    لقد كان لـ عطاء من اسمه نصيب أي نصيب، كان معطاءً للخير بكل ما تحمله هذه الكلمة من معنى. توفي رحمه الله سنة ( 114هـ ) بعد أن أمدَّ الله له في العمر، وبارك له في العلم، فكان مثالاً يحتذى للعلماء العاملين المخلصين، فنفع الله به كثيرًا، ورحل عن هذه الدار والناس أحوج ما يكونون إلى علمه وعطائه. فرحمه الله رحمة واسعة، وجمعنا وإياه تحت ظل عرشه، يوم لا ظلَّ إلا ظله .


    _________________


    قناتي على موقع يوتيوب :
    https://www.youtube.com/channel/UCm8N-tHwIFM7hPnwtLrBMpg
    مدونتي:
    https://ahmed26413.blogspot.com.eg/

      الوقت/التاريخ الآن هو الأحد ديسمبر 04, 2016 11:19 am