ثمار الأوراق

ثمار الأوراق

(ثمار الأوراق) : منتدى إسلامي / تعليمي / دعوي على عقيدة (أهل السنة و الجماعة) ، يهتم بنشر العلم الشرعي و العربية و التاريخ الإسلامي و كل ما ينفع المسلم


    قصص سيدن اسماعيل

    شاطر

    حبيب الرسول
    عضو جديد
    عضو جديد

    عدد الرسائل : 7
    نقاط : 13
    تاريخ التسجيل : 17/03/2009

    قصص سيدن اسماعيل

    مُساهمة من طرف حبيب الرسول في الخميس مارس 19, 2009 2:26 pm

    قصة الذبيح
    قال الله تعالى: {وَقَالَ إِنِّي ذَاهِبٌ إِلَى رَبِّي سَيَهْدِينِي، رَبِّ هَبْ لِي مِنْ الصَّالِحِينَ، فَبَشَّرْنَاهُ بِغُلامٍ حَلِيمٍ، فَلَمَّا بَلَغَ مَعَهُ السَّعْيَ قَالَ يَا بُنَيَّ إِنِّي أَرَى فِي الْمَنَامِ أَنِّي أَذْبَحُكَ فَانظُرْ مَاذَا تَرَى قَالَ يا أبتِ افْعَلْ مَا تُؤْمَرُ سَتَجِدُنِي إِنْ شَاءَ اللَّهُ مِنْ الصَّابِرِينَ، فَلَمَّا أَسْلَمَا وَتَلَّهُ لِلْجَبِينِ، وَنَادَيْنَاهُ أَنْ يَا إِبْرَاهِيمُ، قَدْ صَدَّقْتَ الرُّؤْيَا إِنَّا كَذَلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ، إِنَّ هَذَا لَهُوَ الْبَلاءُ الْمُبِينُ، وَفَدَيْنَاهُ بِذِبْحٍ عَظِيمٍ، وَتَرَكْنَا عَلَيْهِ فِي الآخِرِينَ، سَلامٌ عَلَى إِبْرَاهِيمَ، كَذَلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ، إِنَّهُ مِنْ عِبَادِنَا الْمُؤْمِنِينَ، وَبَشَّرْنَاهُ بِإِسْحَاقَ نَبِيّاً مِنْ الصَّالِحِين، وَبَارَكْنَا عَلَيْهِ وَعَلَى إِسْحَاقَ وَمِنْ ذُرِّيَّتِهِمَا مُحْسِنٌ وَظَالِمٌ لِنَفْسِهِ مُبِينٌ}.
    يذكر تعالى عن خليله إبراهيم أنه لما هاجر من بلاد قومه سأل ربه أن يهب له ولداً صالحاً، فبشّره الله تعالى بغلام حليم وهو إسماعيل عليه السلام، لأنه أول من ولد له على رأس ستٍ وثمانين سنة من عمر الخليل. وهذا ما لا خلاف فيه بين أهل الملل، لأنه أول ولده وبكره.
    وقوله {فَلَمَّا بَلَغَ مَعَهُ السَّعْيَ} أي شبَّ وصار يسعى في مصالحه كأبيه. قال مجاهد: {فَلَمَّا بَلَغَ مَعَهُ السَّعْيَ} أي شبَّ وارتحل وأطاق ما يفعله أبوه من السعي والعمل.
    فلما كان هذا رأى إبراهيم عليه السلام في المنام أنه يؤمر بذبح ولده هذا. وفي الحديث عن ابن عبَّاس مرفوعاً "رؤيا الأنبياء وحيٌ". قاله عبيد ابن عمير أيضاً.
    وهذا اختبار من الله عز وجل لخليلهِ في أن يذبح هذا الوزير العزيز الذي جاءه على كبر، وقد طعن في السن بعد ما أمر بأن يسكنه هو وأمه في بلاد قفر، وواد ليس به حسيس ولا أنيس، ولا زرع ولا ضرع، فامتثل أمر الله في ذلك وتركها هناك، ثقة بالله وتوكلاً عليه، فجعل الله لهما فرجاً ومخرجاً، ورزقهما من حيث لا يحتسبان.
    ثم لما أمر بعد هذا كله بذبح ولده هذا الذي قد أفرده عن أمر ربه، وهو بكره ووحيده، الذي ليس له غيره، أجاب ربَّه وامتثل أمره وسارع إلى طاعته.
    ثم عرض ذلكَ على ولده ليكونَ أطيب لقلبهِ وأهون عليه، من أن يأخذه قَسْراً ويذبحه قهراً {قَالَ يَا بُنَيَّ إِنِّي أَرَى فِي الْمَنَامِ أَنِّي أَذْبَحُكَ فَانظُرْ مَاذَا تَرَى}.
    فبادر الغلام الحليم، سر والده الخليل إبراهيم، فقال: {يَا أَبَتِ افْعَلْ مَا تُؤْمَرُ سَتَجِدُنِي إِنْ شَاءَ اللَّهُ مِنْ الصَّابِرِينَ}. وهذا الجواب في غاية السداد والطاعة للوالد ولرب العباد.
    قال الله تعالى: {فَلَمَّا أَسْلَمَا وَتَلَّهُ لِلْجَبِينِ} قيل: أسلما، أي استسلما لأمر الله وعزما على ذلك. وقيل: وهذا من المقدم والمؤخر، والمعنى {تَلَّهُ لِلْجَبِينِ}، أي ألقاه على وجهه. قيل: أراد أن يذبحه من قفاه، لئلا يشاهده في حال ذبحه، قال ابن عبَّاس ومجاهد وسعيد بن جبير وقتادة والضحاك. وقيل: بل أضجعه كما تضجع الذبائح، وبقي طرف جبينه لاصقاً بالأرض. (وأسلما) أي سمى إبراهيم وكبر، وتشّهد الولد للموت. قال السُّدِّي وغيره: أمَرَّ السّكين على حلْقِهِ فلم تقطع شيئاً، ويقال جعل بينها وبين حلقه صفيحة من نحاس والله أعلم.
    فعند ذلك نودي من الله عز وجل: {أَنْ يَا إِبْرَاهِيمُ، قَدْ صَدَّقْتَ الرُّؤْيَا}. أي قد حصل المقصود من اختبارك وطاعتك ومبادرتك إلى أمر ربك. وبدّلك ولدك للقربان، كما سمحت ببدنك للنيران، وكما مالك مبذول للضيفان، ولهذا قال تعالى: {إِنَّ هَذَا لَهُوَ الْبَلاءُ الْمُبِينُ}. أي الاختبار الظاهر البين.
    وقوله: {وَفَدَيْنَاهُ بِذِبْحٍ عَظِيم}. أي وجعلنا فداء ذبح ولده ما يَسَّرَهُ الله تعالى له من العوض عنه.
    والمشهور عن الجمهور أنه كبش أبيض أعين أقرن، رآه مربوطاً بسمرة في ثبير. قال الثوري عن عبد الله بن عثمان بن خثيم، عن سعيد بن جبير، عن ابن عبَّاس قال: كبش قد رعى في الجنَّة أربعين خريفاً. وقال سعيد بن جبير: كان يرتع في الجنَّة حتى تشقق عنه ثبير، وكان عليه عِهْنٌ أحمر. وعن ابن عبَّاس: هبط عليه من ثبير كبش أعين، أقرن، له ثغاء، فذبحه، وهو الكبش الذي قرّبه ابن آدم فتقبل منه. رواه ابن أبي حاتم.
    قال مجاهد: فذبحه بمنى وقال عبيد بن عمير ذبحه بالمقام.
    فأما ما روي عن ابن عبَّاس أنه كان وَعْلاً. وعن الحسن أنه كان تيساً من الأروى، واسمه جرير، فلا يكاد يصح عنهما.

    ثم غالب ما ها هنا من الآثار مأخوذ من الإسرائيليات. وفي القرآن كفاية عما جرى من الأمر العظيم والاختبار الباهر وأنه فُدِيَ بذبح عظيم، وقد ورد في الحديث أنه كان كبشاً.
    قال الإمام أحمد: حَدَّثَنا سفيان، حَدَّثَنا منصور، عن خاله نافع، عن صفية بنت شيبة قالت أخبرتني امرأة من بني سليم ولّدَتْ عامة أهل دارنا، قالت: أرسل رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى عثمان بن طلحة، وقالت مرّة إنها سألت عثمان لِمَ دعاك رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "إني كنت رأيت قَرْبَي الكبش حين دخلت البيت، فنسيت أن آمرك أن تخمرها فخمرها، فإنه لا ينبغي أن يكون في البيت شيء يشغل المصلي".
    قال سفيان: لم يزل قرنا الكبش في البيت حتى احترق البيت فاحترقا.
    وكذا روى عن ابن عبَّاس : أن رأس الكبش لم يزل معلقاً عند ميزاب الكعبة قد يبس.
    وهذا وحده دليل على أن الذبيح إسماعيل، لأنه كان هو المقيم بمكة. وإسحاق لا نعلم أنه قدمها في حال صغره والله أعلم.
    وهذا هو الظاهر من القرآن بل كأنه نص على أن الذبيح هو إسماعيل لأنه ذكر قصة الذبيح، ثم قال بعده {وَبَشَّرْنَاهُ بِإِسْحَاقَ نَبِيّاً مِنْ الصَّالِحِينَ}. ومن جعله حالا فقد تكلف، ومستنده انه إسحاق إنما هو إسرائيليات، وكتابهم فيه تحريف، ولا سيما هاهنا قطعاً، ولا محيد عنه، فإن عندهم أن الله أمر إبراهيم أن يذبح ابنه وحيده، وفي نسخة من المعربة بكْره إسحاق، فلفظة إسحاق هاهنا مقحمة مكذوبة مفتراة، لأنه ليس هو الوحيد ولا البكر. إنما ذاك إسماعيل.
    وإنما حملهم على هذا حسد العرب، فإن إسماعيل أبو العرب الذين يسكنون الحجاز، الذين منهم رسول الله صلى الله عليه وسلم وإسحاق والد يعقوب وهو إسرائيل، الذي ينتسبون إليه فأرادوا أن يجروا هذا الشرف إليهم، فحرفوا كلام الله وزادوا فيه، وهم قوم بُهْتٌ، ولم يقرّوا بأن الفضل بيد الله يؤتيه من يشاء.
    وقد قال بأنه إسحاق طائفة كثيرة من السلف وغيرهم. وإنما أخذوه والله أعلم من كعب الأحبار، أو من صحف أهل الكتاب.
    وليس في ذلك حديثٌ صحيح عن المعصوم حتى نترك لأجله ظاهر الكتاب العزيز، ولا يفهم هذا من القرآن، بل المفهوم، بل المنطوق، بل النص، عند التأمل على أنه إسماعيل.
    وما أحسن ما استدل به ابن كعب القرظي على أنه إسماعيل، وليس بإسحاق من قوله {فَبَشَّرْنَاهَا بِإِسْحَاقَ وَمِنْ وَرَاءِ إِسْحَاقَ يَعْقُوبَ} قال: فكيف تقع البشارة بإسحاق وانه سيولد له يعقوب، ثم يؤمر بذبح إسحاق وهو صغير قبل أن يولد له؟
    هذا لا يكون، لأنه يناقض البشارة المتقدمة والله أعلم.
    وقد اعترض السهيلي على هذا الاستدلال بما حاصله أن قوله {فَبَشَّرْنَاهَا بِإِسْحَاقَ } جملة تامة وقوله {وَمِنْ وَرَاءِ إِسْحَاقَ يَعْقُوبَ} جملة أخرى ليست في حيز البشارة. قال لأنه لا يجوز من حيث العربية أن يكون مخفوضاً، إلا أن يعاد معه حرف الجر، فلا يجوز أن يقال مررت بزيد ومن بعده عمر وحتى يقال ومن بعده بعمر. وقال: فقوله: {وَمِنْ وَرَاءِ إِسْحَاقَ يَعْقُوبَ}. منصوب بفعل مضمر تقديره {ووهبنا لإسحاق يعقوب}.
    وفي هذا الذي قاله نظر.
    ورجّح أنه إسحاق واحتج بقوله {فَلَمَّا بَلَغَ مَعَهُ السَّعْيَ} قال: وإسماعيل لم يكن عنده إنما كان في حال صغره هو وأمه بجبال مكة، فكيف يبلغ معه السعي؟
    وهذا أيضاً فيه نظر لأنه قد روي أن الخليل كان يذهب في كثير من الأوقات راكباً البراق إلى مكة، يطلع على ولده وابنه ثم يرجع والله تعالى أعلم.
    فممن حكى القول عنه بأنه إسحاق كعب الأحبار. وروى عن عمر والعباس وعلي وابن مسعود ومسروق وعكرمة وسعيد بن جبير ومجاهد وعطاء والشَّعبي ومقاتل وعبيد بن عمير وأبي ميسرة وزيد بن أسلم وعبد الله بن شقيق والزهري والقاسم وابن أبي بردة ومكحول وعثمان بن حاضر والسُّدِّي والحسن وقتادة وأبي الهذيل وابن سابط، وهو اختيار ابن جرير، وهذا عجب منه وهو إحدى الروايتين عن ابن عبَّاس.
    ولكن الصحيح عنه - وعن أكثر هؤلاء - أنه إسماعيل عليه السلام. قال مجاهد وسعيد والشَّعبي ويوسف بن مهران وعطاء وغير واحد عن ابن عبَّاس هو إسماعيل عليه السلام.
    وقال ابن جرير حدثني يونس أنبأنا ابن وهب، أخبرني عمرو بن قيس، عن عطاء بن أبي رباح، عن ابن عبَّاس أنه قال: المفدى إسماعيل. وزعمت اليهود أنه إسحاق وكذبت اليهود.
    وقال عبد الله بن الإمام أحمد عن أبيه هو إسماعيل. وقال ابن أبي حاتم سألت أبي عن الذبيح؟ فقال: الصحيح أنه إسماعيل عليه السلام.
    قال ابن أبي حاتم وروى عن علي وابن عمر وأبي هريرة وأبي الطفيل وسعيد بن المُسَّيب وسعيد ابن جبير والحسن ومجاهد والشَّعبي ومُحَمْد بن كعب وأبي جعفر مُحَمْد بن علي وأبي صالح أنهم قالوا: الذبيح هو إسماعيل عليه السلام. وحكاه البغوي أيضاً عن الربيع بن أنس والكلبي وأبي عمرو بن العلاء.
    قلت وروي عن معاوية، وجاء عنه أن رجلاً قال لرسول الله صلى الله عليه وسلم يا ابن الذبيحين، فضحك رسول الله صلى الله عليه وسلم.
    وإليه ذهب عمر بن عبد العزيز ومُحَمْد بن إسحاق بن يسار وكان الحسن البصري يقول: لا شك في هذا.
    وقال مُحَمْد بن إسحاق عن بريدة عن سفيان بن فروة الأسلمي عن مُحَمْد بن كعب أنه حدثهم أنه ذكر ذلك لعمر بن عبد العزيز وهو خليفة إذ كان معه بالشام، يعني استدلاله بقوله بعد ذكر القصة: {فَبَشَّرْنَاهَا بِإِسْحَاقَ وَمِنْ وَرَاءِ إِسْحَاقَ يَعْقُوبَ} فقال له عمر: إن هذا الشيء ما كنت أنظر فيه وإني لأراه كما قلت.
    ثم أرسل إلى رجل كان عنده بالشام كان يهودّياً فأسلم وحسن إسلامه، وكان يرى أنه من علمائهم، قال: فسأله عمر بن عبد العزيز أي ابني إبراهيم أمر بذبحه؟ فقال إسماعيل والله يا أمير المؤمنين، وإن اليهودَ لتعلم بذلك، ولكنهم يحسدونكم معشر العرب على أن يكون أباكم الذي كان من أمر الله فيه، والفضل الذي ذكره الله منه لصبره، لما أمر به. فهم يجحدون ذلك، ويزعمون أنه إسحاق، لأن إسحاق أبوهم.
    وقد ذكرنا هذه المسألة مستقصاة بأدلتها وآثارها في كتابنا التفسير ولله الحمد والمنة.‏
    ذكر مهاجرة إبراهيم بابنه إسماعيل وأمه هاجر إلى جبال فاران وهي أرض مكّة، وبنائه البيت العتيق.
    قال البُخَاريّ: قال عبد الله بن محمد - هو أبو بكر بن أبي شيبه - حَدَّثَنا عبد الرزاق، حَدَّثَنا معمر، عن أيوب السختياني وكثير بن كثير بن عبد المطلب بن أبي وداعة، يزيد أحدهما عن الآخر، عن سعيد بن جبير، عن ابن عبَّاس قال: "أول ما اتخذ النساء المنطق من قبل أم إسماعيل، اتخذت منطقاً لتعفى أثرها على سارة". ثم جاء بها إبراهيم وبابنها إسماعيل وهي ترضعه حتى وضعهما عند البيت، عند دوحة فوق زمزم في أعلى المسجد وليس بمكة يومئذ أحد، وليس بها ماء فوضعهما هنالك ووضع عندهما جراباً فيه تمر، وسقاء فيه ماء.
    ثم قفّى إبراهيم منطلقاً، فتبعته أم إسماعيل فقالت: يا إبراهيم أين تذهب وتتركنا بهذا الوادي الذي ليس به أنيس ولا شيء؟ فقالت له ذلك مراراً؛ وجعل لا يلتفت إليها، فقالت له: آلله أمرك بهذا؟ قال: نعم. قالت: إذا لا يضيعنا. ثم رجعت.
    فانطلق إبراهيم حتى إذا كان عند الثنية حيث لا يرونه استقبل بوجهه البيت، ثم دعا بهؤلاء الدعوات، ورفع يديه فقال: {رَبَّنَا إِنِّي أَسْكَنتُ مِنْ ذُرِّيَّتِي بِوَادٍ غَيْرِ ذِي زَرْعٍ عِنْدَ بَيْتِكَ الْمُحَرَّمِ رَبَّنَا لِيُقِيمُوا الصَّلاةَ فَاجْعَلْ أَفْئِدَةً مِنْ النَّاسِ تَهْوِي إِلَيْهِمْ وَارْزُقْهُمْ مِنْ الثَّمَرَاتِ لَعَلَّهُمْ يَشْكُرُونَ}.
    وجعلت أم إسماعيل ترضع إسماعيل وتشرب من ذلك الماء حتى إذا نفذ ما في السقاء عطشت وعطش ابنها، وجعلت تنظر إليه يتلوى، أو قال: يتلبط، فانطلقت كراهية أن تنظر إليه فوجدت الصفا أقرب جبل في الأرض يليها، فقامت عليه، ثم استقبلت الوادي تنظر هل ترى أحداً فلم تر أحداً، فهبطت من الصفا حتى إذا بلغت بطن الوادي رفعت طرف درعها ثم سعت سعي الإنسان المجهود، حتى جاوزت الوادي، ثم أتت المروة فقامت عليها، ونظرت هل ترى أحداً؟ فلم تر أحداً ففعلت ذلك سبع مرات.
    قال ابن عبَّاس قال النبي صلى الله عليه وسلم "فلذلك سعى الناس بينهما".
    فلما أشرفت على المروة سمعت صوتاً فقالت: صه، تريد نفسها.
    ثم تسمعت فسمعت أيضاً، فقالت: قد أسمعت إن كان عندك غواث فإذا هي بالملك عند موضع زمزم، فبحث بعقبه، أو قال بجناحه، حتى ظهر الماء، فجعلت تحوضُه وتقول بيدها هكذا، وجعلت تغرف من الماء في سقائها وهو يفور بعد ما تغرف.
    قال ابن عبَّاس قال النبي صلى الله عليه وسلم "يرحم الله أم إسماعيل لو تركت زمزم". أو قال: "لو لم تغرف من الماء لكانت زمزم عيناً مَعِيْناً". قال: فشربت وأرضعت ولدها. فقال لها الملك: لا تخافي الضيعة، فإن هاهنا بيتاً لله يبنيه هذا الغلام وأبوه، وإن الله لا يضيع أهله.
    وكان البيت مرتفعاً من الأرض كالرابية، تأتيه السيول فتأخذ عن يمينه وعن شماله، فكانت كذلك حتى مرت بهم رفقة من جرهم، أو أهل بيت من جرهم، مقبلين من طريق كداء، فنزلوا في أسفل مكة فرأوا طائراً عائفاً، فقالوا: إن هذا الطائر ليدور على الماء، لعهدنا بهذا الوادي وما فيه ماء، فأرسلوا جريا أو جرييّن فإذا هم بالماء، فرجعوا فأخبروهم بالماء، فأقبلوا.
    قال: وأم إسماعيل عند الماء، فقالوا: أتأذنين لنا أن ننزل عندك؟ قالت: نعم ولكن لا حقَّ لكم في الماء عندنا. قالوا: نعم.
    قال عبد الله بن عبَّاس قال النبي صلى الله عليه وسلم: "فألفى ذلك أمَّ إسماعيل وهي تحب الأنس، فنزلوا وأرسلوا إلى أهليهم، فنزلوا معهم حتى إذا كان بها أهل أبيات منهم.
    وشبَّ الغلام وتعلّم العربية منهم وأنفسهم وأعجبهم حين شب، فلما أدرك، زوّجوه امرأة منهم.
    وماتت أم إسماعيل، فجاء إبراهيم بعد ما تزوج إسماعيل، يطالع تركته فلم يجد إسماعيل، فسأل امرأته عنه؟ فقالت: خرج يبتغي لنا. ثم سألها عن عيشهم وهيئتهم؟ فقالت: نحن بشرٍّ نحن في ضيق وشدّةٍ وشكت إليه. قال: فإذا جاء زوجك فاقرئي عليه السلام وقولي له يغيّر عتبة بابه.
    فلما جاء إسماعيل كأنه آنس شيئاً، فقال: هل جاءكم من أحد؟ فقالت: نعم جاءنا شيخ كذا كذا، فسألنا عنك فأخبرته، وسألني كيف عيشنا فأخبرته أنا في جهد وشدة. قال: فهل أوصاك بشيء؟ قالت: نعم أمرني أن أقرأ عليك السلام، ويقول لك غيّر عتبة بابك. قال: ذاك أبي وقد أمرني أن أفارقك، فالحقي بأهلك، وطلقها وتزوَّج منهم أخرى، ولبث عنهم إبراهيم ما شاء الله. ثم أتاهم بعد فلم يجده، فدخل على امرأته فسألها عنه؟ فقالت: خرج يبتغي لنا، قال: كيف أنتم؟ وسألها عن عيشهم وهيئتهم، فقالت: نحن بخير وسعة، وأثنت على الله عز وجل، فقال: ما طعامكم؟ قالت: اللحم قال: فما شرابكم؟ قالت: الماء. قال اللهم بارك لهم في اللحم والماء.
    قال النبي صلى الله عليه وسلم: "ولم يكن لهم يومئذ حب. ولو كان لهم حب لدعا لهم فيه" قال: فهما لا يخلو عليهما أحد بغير مكة إلا لم يوافقاه.
    قال: فإذا جاء زوجك فاقرئي عليه السلام ومُريه يثبت عتبة بابه. فلما جاء إسماعيل قال هل أتاكم من أحد؟ قالت: نعم أتانا شيخ حسن الهيئة، وأثنت عليه، فسألني عنك فأخبرته فسألني كيف عيشنا؟ فأخبرته أنّا بخير. قال: فأوصاك بشيء؟ قالت: نعم هو يقرأ عليك السلام ويأمرك أن تثبت عتبة بابك. قال: ذاك أبي وأنت العتبة، أمرني أن أمسكك.
    ثم ما لبث عنهم ما شاء الله. ثم جاء بعد ذلك وإسماعيل يبري نَبْلاً له تحت دوحةٍ قريباً من زمزم، فلما رآه قام إليه فصنعا، كما يصنع الوالد بالولد، والولد بالوالد. ثم قال: يا إسماعيل إن الله أمرني بأمر، قال: فاصنع ما أمرك به ربك، قال: وتعينني؟ قال: وأعينك. قال: فإن الله أمرني أن أبني هاهنا بيتاً، وأشار إلى أكمة مرتفعة على ما حولها.
    قال فعند ذلك رفعا القواعد من البيت، فجعل إسماعيل يأتي بالحجارة، وإبراهيم يبني حتى إذا ارتفع البناء، جاء بهذا الحجر فوضعه له فقام عليه، وهو يبني وإسماعيل يناوله الحجارة، وهما يقولان {رَبَّنَا تَقَبَّلْ مِنَّا إِنَّكَ أَنْتَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ}.
    قال: فجعلا يبنيان، حتى يدورا حول البيت، وهما يقولان: {رَبَّنَا تَقَبَّلْ مِنَّا إِنَّكَ أَنْتَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ}.
    ثم قال: حَدَّثَنا عبد الله بن محمد، حَدَّثَنا أبو عامر عبد الملك بن عمرو، حَدَّثَنا إبراهيم بن نافع، عن كثير بن كثير، عن سعيد بن جبير، عن ابن عبَّاس قال: لما كان من إبراهيم وأهله ما كان، خرج بإسماعيل وأم إسماعيل ومعهم شَنَّةٌ فيها ماء. وذكر تمامه بنحو ما تقدم.
    وهذا الحديث من كلام ابن عبَّاس وموشح برفع بعضه، وفي بعضه غرابة، وكأنه مما تلقاه ابن عبَّاس عن الإسرائيليات، وفيه أن إسماعيل كان رضيعاً إذ ذاك.
    وعند أهل التوراة أن إبراهيم أمره الله بأن يختن ولده إسماعيل، وكل من عنده من العبيد، وغيرهم، فختنهم، وذلك بعد مضي تسع وتسعين سنة من عمره، فيكون عمر إسماعيل يومئذ ثلاث عشرة سنة، وهذا امتثال لأمر الله عز وجل في أهله، فيدل على أنه فعله على وجه الوجوب، ولهذا كان الصحيح من أقوال العلماء أنه واجب على الرجال كما هو مقرر في موضعه.
    وقد ثبت في الحديث الذي رواه البُخَاريّ: حَدَّثَنا قتيبة بن سعيد، حَدَّثَنا مغيرة بن عبد الرحمن القرشي، عن أبي الزناد عن الأعرج عن أبي هريرة قال: قال النبي صلى الله عليه وسلم "اختتن إبراهيم النبي عليه السلام وهو ابن ثمانين سنة بالقدوم".
    تابعه عبد الرحمن بن إسحاق عن أبي الزناد، وتابعه عجلان عن أبي هريرة، ورواه مُحَمْد بن عمرو عن أبي سلمة، عن أبي هريرة، وهكذا رواه مسلم عن قتيبة به.
    وفي بعض الألفاظ: "اختتن إبراهيم بعد ما أتت عليه ثمانون سنة واختتن بالقدوم" والقدوم هو الآلة، وقيل: موضع.
    وهذا اللفظ لا ينافي الزيادة على الثمانين. والله أعلم لما سيأتي من الحديث عند ذكر وفاته عن أبي هريرة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم "أنه قال اختتن إبراهيم وهو ابن مائة وعشرين سنة وعاش بعد ذلك ثمانين سنة". رواه ابن حيان في "صحيحه".
    وليس في هذا السياق ذكر قصة الذبيح، وأنه إسماعيل، ولم يذكر في قدمات إبراهيم عليه السلام إلا ثلاث مرات، أولاهن بعد أن تزوج إسماعيل بعد موت هاجر، وكيف تركهم من حين صِغَر الولد على ما ذكر إلى حين تزويجه لا ينظر في حالهم. وقد ذكر أن الأرض كانت تنطوي له، وقيل إنه كان يركب البراق إذا سار إليهم، فكيف يتخلف عن مطالعة حالهم وهم في غاية الضرورة الشديدة والحاجة الأكيدة؟!
    وكأن بعض هذا السياق متلقى من الإسرائيليات ومطرز بشيء من المرفوعات ولم يذكر فيه قصة الذبيح، وقد دللنا على أن الذبيح هو إسماعيل على الصحيح في سورة الصافات

    أحمد
    إدارة ثمار الأوراق
    إدارة ثمار الأوراق

    عدد الرسائل : 16657
    الموقع : القاهرة
    نقاط : 38587
    تاريخ التسجيل : 17/09/2008

    رد: قصص سيدن اسماعيل

    مُساهمة من طرف أحمد في الأحد أكتوبر 11, 2009 2:20 pm



    _________________


    قناتي على موقع يوتيوب :
    https://www.youtube.com/channel/UCm8N-tHwIFM7hPnwtLrBMpg
    مدونتي:
    https://ahmed26413.blogspot.com.eg/

    زائر
    زائر

    رد: قصص سيدن اسماعيل

    مُساهمة من طرف زائر في الثلاثاء أكتوبر 13, 2009 12:17 pm

    جزاك الله خيرا
    مع قدوم كل عيد اضحى ومنذ الطفولة يقصون علينا قصة سيدنا اسماعيل
    ولكن اول مرة اعرف هذه التفاصيل
    بارك الله فيك

    زائر
    زائر

    رد: قصص سيدن اسماعيل

    مُساهمة من طرف زائر في الثلاثاء أكتوبر 13, 2009 12:18 pm

    جزاك الله خيرا
    مع قدوم كل عيد اضحى ومنذ الطفولة يقصون علينا قصة سيدنا اسماعيل
    ولكن اول مرة اعرف هذه التفاصيل
    بارك الله فيك

      الوقت/التاريخ الآن هو الأحد ديسمبر 04, 2016 1:15 am