ثمار الأوراق

ثمار الأوراق

منتدى تعليمي، يهتم بنشر العلوم العربية والشرعية والتاريخ الإسلامي وكل شيء نافع.


    عن الخطاب النفسي في القرءان الكريم

    شاطر

    أحمد
    إدارة ثمار الأوراق
    إدارة ثمار الأوراق

    عدد الرسائل : 16664
    الموقع : القاهرة
    نقاط : 38598
    تاريخ التسجيل : 17/09/2008

    عن الخطاب النفسي في القرءان الكريم

    مُساهمة من طرف أحمد في الخميس ديسمبر 04, 2008 12:06 am

    سأعرض بعضًا من المعاني النفسية التي عبر عنها القرآن الكريم بطريقته المفتنة ، تخيّرتها - بتصرّف - من كتاب ( الخطاب النفسي في القرآن الكريم - دراسة دلالية أسلوبية ) للدكتور/ كريم الخالدي :


    الخوف والرهبة :

    صور الخطاب القرآني الخوف والرهبة في نفوس المسلمين أو الكافرين بدقة ووضوح ؛ فأظهر ما يعتري النفوس في حالات الشدة أو الكوارث ، فيحس المخاطب بما ينتاب الموصوفين من خلال ربط الحالات التي عاشوها بأدوات التعبير عنها ؛ إذ يرتبط الخوف بعلامات كثيرة تعرض لها الذكر الحكيم .


    ولنأخذ على ذلك شاهدًا :

    قال تعالى : ( فإذا جاءَ الخوفُ رأيتَهم ينظرون إليك تدورُ أعينُهم كالذي يُغشى عليه من الموت ) ( الأحزاب : 19 )


    لاحظوا معي كيف عُبر عن الخوف هنا ( خوف المنافقين ) :


    إن إسناد الدوران إلى العيون ( وعدم الاكتفاء بقوله ينظرون ) ، وتشبيهه بنظر المغشي عليه الذي يعاني سكرات الموت تعبير دقيق عن حالة الخوف والرهبة الكاملة ؛ لأن الفعل ( دور ) يعني : اللف حول الشيء ، وهذا يوضح اضطراب نفوسهم ، وتغلغل الخوف فيها ، مما يجعلهم يبحثون عن مفر يلجؤون إليه ، أو حل لما هم فيه ، لذا تدور الأعين في أرجاء المكان ، ينظر أحدهم في وجه الآخر ، وتتقلب أحداقهم في حركة دائبة ، وهذا المعنى لن يَأْلقَ لولا وجود دليل الخوف البادي في الآية ( تدور أعينهم ) .

    والتشبيه ركيزة أخرى من ملامح التعبير عن النفسية الوجلة هنا ( كالذي يغشى عليه من الموت ) فهو يصور عظم الخوف ، ويقرب صورته ؛ لما يكون عليه حال المغشي عليه من انهيار وخور ، فلا يرى الأشياء كما هي ، بل يشعر بدوران الأرض حوله ، ثم فقد الوعي ، ولم تكن حركة عيونهم أمارة حيوية أو حياة ، وإنما مظهر عجز واستسلام ...... وهكذا حال المنافقين الخائفين الشديدة في الآية .

    الفرح والحزن :


    تناول الخطاب القرآني الفرح والحزن ، وصور مظاهرهما الكثيرة : القولية والفعلية على السواء .


    من ذلك :


    عبر الخطاب القرآني الكريم بـ ( العين ) ؛ للدلالة على حالات الحزن والفرح ، من ذلك :


    قوله تعالى : \" فلولا إذا بلغت الحلقوم * وأنتم حينئذ تنظرون \" ( الواقعة : 83 – 84 )


    فالحزن والألم في نفوس أهل الميت يظهران على ملامح وجوههم وهم يعيشون لحظات وداعه ، وهو مسجًى بينهم ، ينظرون إليه وهو يصارع الموت نظرات الحزين المتفطر الذي ينتظر فراق الحبيب ، ونظرات المودع المفارق لمن لا يريد فراقه !


    ولصيغة المضارع ( تنظرون ) دلالة على استحضار الحال ، فأي حزن أقسى من فراق حبيب ينازع بين ناظريك ؟!


    لقد لامس القرآن ذلك ، وأشهدنا الموقف ، فتفطّرت من التصوير قلوب !


    ******


    وقال تعالى : \" ولا على الذين إذا ما أتوك لتحملهم قلت لا أجد ما أحملكم عليه تولوا وأعينهم تفيض من الدمع حزنًا ألا يجدوا ما ينفقون \" ( التوبة : 92 )


    لتعيشوا في ظلال التعبير الآسر ، ألخص سبب نزول الآية :


    ( الآية خطاب للرسول – صلى الله عليه وسلم – نزلت في جماعة جاءت إليه تسأله حملهم إلى الجهاد ، فرد عليهم عليه الصلاة والسلام : بأنه لا يجد حمولة يحملهم عليها ، فما كان منهم إلا الرجوع بقلب مفجوع ! إذ لم تتحقق أمنيتهم في الجهاد ) ( ينظر : أسباب النزول للواحدي / 210 ) .


    لاحظوا معي التعبير القرآني البديع في استعمال الفعل : ( تفيض ) !


    ذلك أن الفيضان يدل على الكثرة ، والمبالغة في التعبير عن سيلان الدمع للحزن الذي يكمن في صدورهم ، وجاء نصب ( حَزَنًا ) ؛ ليكون دليلاً على أن فيضان الدمع من أجل عدم حصولهم على ما يركبونه للجهاد !


    فلله در التعبير هنا عن الإيمان ما أصدقه !


    ********


    ومن التعبير القرآني للفرح :


    قوله تعالى : \" وجوه يومئذ مسفرة * ضاحكة مستبشرة .\" ( عبس / 38-39 ).


    هنا التعبير الدقيق عن حالة الفرح العارمة ، جعل الأداة ( الوجه ) وكأنها هي التي تركز فيها الفرح والبشر ، وليس الإنسان ككل ، وهذا لون من التعبير يسميه أهل البيان بالمجاز المرسل ، من إطلاق الجزء وإرادة الكل .


    ولا شك أن هذا التجسيد لحالة الفرح أكثر قدرة على الإيضاح ؛ لأن اقتطاع جزء من الجسد ليُبرز ما ألمّ بالنفس من فرح يفيد أكثر ؛ ذلك أن الوجه هو الجزء المختص بإظهار معالم الحزن والفرح ، وتظهر هنا ذروة الخطاب القرآني المعبر عن الفرح ، وكأن هذه الوجوه هي المستبشرة الضاحكة ، وليس صاحبها لبيان مواطن ظهورها بجلاء !


    ثم إن حالات الفرح هنا جاءت على صيغة اسم الفاعل ( مسفرة ، ضاحكة ، مستبشرة ) واسم الفاعل يعد أقوى صياغة دالة على ثبات الوصف ! (1) وهو في الآية : ثبات البشر والفرح للأتقياء يوم القيامة ، فهو فرح سرمدي ، وسرور لا ينقضي !



    الندم :

    وصف الخطاب القرآني الندم في آيات كثيرة منه ، وصف فيها حالات النفس حين يدرك المرء خطأه ، وسوء عمله ، فيبكت نفسه ويلومها ، ويشعر بأنه قد جنى عليها .

    وهي حالات يصاحبها الحزن والألم ؛ لذا جاءت موصوفة بعبارات يتمنى فيها النادم أن تتاح له فسحة من العمر ؛ لكي يصحح فيها خطأه ، وهذه العبارات مشحونة بما يدل على الحسرات ؛ لذا اقترنت كثيرًا بـ ( يا ) الدالة على التمني أو التحسر .

    ومن أمثلة وصف القرآن للندم ، قوله تعالى :
    \" يوم تقلب وجوههم في النار يقولون يا ليتنا أطعنا الله وأطعنا الرسولا \" ( الأحزاب : 66 ) .

    نسمع أنينهم في النار ، تتقطع أنفاسهم حسرات على ما فعلوا في الدنيا حتى نالوا ذلك العذاب الأليم ، فيقولون – بصوت ممتد بحسرة – \" يا ليتنا أطعنا الله وأطعنا الرسولا \" !

    تأملوا ندمهم البادي في قولهم هنا ، إن كل لفظة من هذه الألفاظ تمتد فيها حسرة طويلة موصولة بألف يمتد معها الصوت : ( يا ) ( ليتنا ) ( أطعنا ) ( الرسولا ) .

    وإن من البيان القرآني هنا ما لا تقضي النفس منه عجبًا !

    لاحظوا معي كلمة ( الرسولا ) . في أسلوبنا البشري اللغوي ننصب الكلمة بعلامة الفتحة من غير زيادة ألف في آخرها ؛ لأن الكلمة معرفة بـ ( أل ) ، فنقول : الرسولَ .

    ولكنه البيان الأسمى الذي تقصر دونه أفهام حُذاق البلاغة وأرباب البيان !

    ذلك البيان الذي أراد إظهار حسرة النادمين في كل لفظ يتلفظونه ، فجاءت الألف تقفو ( الرسول ) ؛ مجانسة بذلك امتداد صوت النادمين متردد الصدى بلا نهاية ، وهم يتحسرون في قاع جهنم ؛ ندمًا على ما فعلوا ، ولتمتد عباراتهم الأسيفة حينما يستذكرون ما ارتكبوه من جرائر بإطاعة ساداتهم وكبرائهم حتى ضلوا السبيل ، فجاءت دعواهم عليهم وهم في تلك الحالة من الندم : \" ربنا آتهم ضعفين من العذاب والعنهم لعنًا كبيرا \" ( الأحزاب : 68 ).

    ****

    ويقرن الخطاب القرآني معنى الندم بوصف حال النادمين ، وبيان ما آلوا إليه مما لا يتمنونه ، قال تعالى : \" ولو ترى إذ المجرمون ناكسو رؤوسهم عند ربهم ربنا أبصرنا وسمعنا فارجعنا نعمل صالحًا إنا موقنون \" ( السجدة : 12 ) .

    هنا دلالة على ندمهم وذلهم معًا بقوله : ( ناكسو رؤوسهم ) ، وهي عبارة تثير الأسى في النفس ؛ حتى تعلم أن الطاغي أو المتكبر أو الجبار في حالة استكانة وذل وانهيار ، قد نكس رأسه ذلاً وخوفًا وشعورًا بالندم ، يتمنى أن يرد إلى الحياة ؛ ليصحح مسيرة حياته ، وذلك أمر محال

    نسر وحكايه
    ركن أساسي ساهم في رفعة المنتدى
    ركن أساسي ساهم في رفعة المنتدى

    عدد الرسائل : 2159
    العمر : 25
    الموقع : رحال فى بلاد الله
    العمل/الترفيه : طالب بكلية الدعوه الإسلاميه بلقاهره
    المزاج : الحمد لله _ دعواتكم ليه بالتوفيق اخوتى فى الله
    نقاط : 2649
    تاريخ التسجيل : 23/09/2008

    رد: عن الخطاب النفسي في القرءان الكريم

    مُساهمة من طرف نسر وحكايه في الخميس ديسمبر 04, 2008 1:43 pm

    بارك الله فيك اخى واحمد وجزاك كل الخير على هذا الموضوع الرائع :222:

    أحمد
    إدارة ثمار الأوراق
    إدارة ثمار الأوراق

    عدد الرسائل : 16664
    الموقع : القاهرة
    نقاط : 38598
    تاريخ التسجيل : 17/09/2008

    رد: عن الخطاب النفسي في القرءان الكريم

    مُساهمة من طرف أحمد في الخميس ديسمبر 04, 2008 2:37 pm

    جزاك الله خيرا أخي و حبيبي محمد لمرورك الطيب بصفحتي المتواضعة .

    بـــــــــــــاركــــــــــــ اللــــــــــــــــه فيـــــــــــــــــــــكـــــــــــــ[b]

      الوقت/التاريخ الآن هو الثلاثاء يناير 17, 2017 3:55 am